قوله (عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقال يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه) يقال أجمل الشحم وجمله أي أذابه وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا هو حرام فمعناه لا تبيعوها فإن بيعها حرام والضمير في هو يعود إلى البيع لا إلى الانتفاع هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن والاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي وبهذا قال أيضا عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري وقال الجمهور لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلا لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة الا ماخص وهو الجلد المدبوغ وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمال في غير الأكل وغير البدن أو يجعل من الزيت صابون أو يطعم العسل المتنجس للنحل أو يطعم الميتة لكلابه أو يطعم الطعام النجس لدوابه)
فيه خلاف بين السلف الصحيح من مذهبنا جواز جميع ذلك ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد قال وروي نحوه عن علي وبن عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر قال وأجاز أبوحنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه وقال عبد الملك بن الماجشون وأحمد بن حنبل وأحمد بن صالح لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء والله أعلم قال العلماء وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جثة الكافر إذا قتلناه وطلب الكفار شراءه أو دفع عوض عنه وقد جاء في الحديث أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأخذها ودفعه إليهم وذكر الترمذي حديثا نحو هذا قال أصحابنا العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى إلى كل نجاسة والعلة في الأصنام كونها ليس فيها منفعة مباحة فإن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها
ففي صحة بيعها خلاف مشهور لأصحابنا منهم من منعه لظاهر النهي وإطلاقه ومنهم من جوزه اعتمادا على الانتفاع وتأول الحديث على مالم ينتفع برضاضه أو على كراهة التنزيه في الأصنام خاصة وأما الميتة والخمر والخنزير فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها والله أعلم قال القاضي تضمن هذا الحديث أن مالا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه ولا يحل أكل ثمنه كما في الشحوم المذكورة في الحديث فاعترض بعض اليهود والملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطئها فإنها تحرم على الابن ويحل له بيعها بالإجماع وأكل ثمنها قال القاضي وهذا تمويه على من لا علم عنده لأن جارية الأب لم يحرم على الابن منها غير الاستمتاع على هذا الولد دون غير من الناس ويحل لهذا الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى الاستمتاع ويحل لغيره الاستمتاع وغيره بخلاف الشحوم فإنها محرمة المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود وكذلك شحوم الميتة محرمة الأكل على كل أحد وكان ما عدا الأكل تابعا له بخلاف موطوت الأب والله أعلم
(باب الربا)
مقصور وهو من ربا يربو فيكتب بالألف وتثنيته ربوان وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء لسبب الكسرة في أوله وغلطهم البصريون قال العلماء وقد كتبوه في المصحف بالواو وقال الفراء إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو فعلموهم صورة الخط على لغتهم قال وكذا قرأها أبو سماك العدوي بالواو وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة بسبب كسرة الراء وقرأ الباقون بالتفخيم لفتحة الياء قال ويجوز كتبه بالألف والواو والياء وقال أهل اللغة
والرماء بالميم والمد هو الربا وكذلك الربية بضم الراء والتخفيف لغة في الربا وأصل الربا الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وأربى الرجل وأرمى عامل بالربا وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه قال الله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا والأحاديث فيه كثيرة مشهورة ونص النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث على تحريم الربا في ستة أشياء الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فقال أهل الظاهر لا ربا في غير هذه الستة بناء على أصلهم في نفي القياس قال جميع العلماء سواهم لا يختص بالستة بل يتعدى إلى ما في معناها وهو ما يشاركها في العلة واختلفوا في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الستة فقال الشافعي العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان فلا يتعدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات وغيرها لعدم المشاركة قال والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم وأما مالك فقال في الذهب والفضة كقول الشافعي رضي الله عنه وقال في الأربعة العلة فيها كونها تدخر للقوت وتصلح له فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر وإلى القطنية لأنها في معنى البر والشعير وأما أبو حنيفة فقال العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما وإلى كل مكيل كالجص والأشنان وغيرهما وقال سعيد بن المسيب وأحمد والشافعي في القديم العلة في الأربعة كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين فعلى هذا لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه مما لا يكال ولا يوزن وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا ومؤجلا وذلك كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالا كالذهب بالذهب وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا إلا ما سنذكره إن شاء الله تعالى عن بن عباس في تخصيص الربا بالنسيئة قال العلماء وإذا بيع الذهب بذهب أو الفضة بفضة سميت مراطلة وإذا بيعت الفضة بذهب سمي
صرفا لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز الفاضل والتفرق قبل القبض والتأجيل وقيل من صريفهما وهو تصويتهما في الميزان والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لا تبيعوا الذهب