قوله (أن جابر بن عبد الله الأنصاري وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) هذا نوع مما يتكرر في الحديث ينبغي التنبيه عليه وهو أنه قال عن جابر وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما من مشهوري الصحابة أشد شهرة بل هو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوابه أن بعض الرواة خاطب به من يتوهم أنه يخفى عليه كونه صحابيا فبينه إزالة للوهم واستمرت الرواية به فإن قيل فهؤلاء الرواة في هذا الإسناد أئمة جلة فكيف يتوهم خفاء صحبة جابر في حقهم فالجواب أن بيان هذا لبعضهم كان في حالة صغره قبل تمكنه ومعرفته ثم رواه عند كماله كما سمعه وهذا الذي ذكرته في جابر يتكرر مثله في كثيرين من الصحابة وجوابه كله ما ذكرته والله أعلم قوله (يحدث عن فترة الوحي) يعني احتباسه
وعدم تتابعه وتواليه في النزول قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) جالسا هكذا هو في الأصول جالسا منصوب على الحال قوله صلى الله عليه وسلم (فجئثت منه) رواه مسلم من رواية يونس وعقيل ومعمر ثم كلهم عن بن شهاب وقال في رواية يونس فجئثت بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير وقال في رواية عقيل ومعمر فجثثت بعد الجيم ثاءان مثلثتان هكذا هو الصواب في ضبط رواية الثلاثة وذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أنه ضبط على ثلاثة أوجه منهم من ضبطه بالهمزة فىالمواضع الثلاثة ومنهم من ضبطه بالثاء في المواضع الثلاثة قال القاضي وأكثر الرواة للكتاب على أنه بالهمز في الموضعين الأولين وهما رواية يونس وعقيل وبالثاء في الموضع الثالث وهي رواية معمر وهذه الأقوال التي نقلها القاضي كلها خطأ ظاهر فإن مسلما رحمه الله قال في رواية عقيل (ثم ذكر بمثل حديث يونس غير أنه قال فجثثت منه فرقا) ثم قال مسلم في رواية معمر أنها
نحو حديث يونس الا انه قال فحثثت منه كما قال عقيل فهذا تصريح من مسلم بأن رواية معمر وعقيل متفقتان في هذه اللفظة وأنهما مخالفتان لرواية يونس فيها فبطل بذلك قول من قال الثلاثة بالثاء أو بالهمزة وبطل أيضا قول من قال إن رواية يونس وعقيل متفقة ورواية معمر مخالفة لرواية عقيل وهذا ظاهر لاخفاء به ولا شك فيه والله أعلم وقد ذكر صاحب المطالع أيضا روايات أخر باطلة مصحفة تركت حكايتها لظهور بطلانها والله أعلم وأما معنى هذه اللفظة فالروايتان بمعنى واحد أعني رواية الهمز ورواية الثاء ومعناها فزعت ورعبت وقد جاء في رواية البخاري فرعبت قال أهل اللغة جئث الرجل إذا فزع فهو مجؤوث قال الخليل والكسائى جئث وجث فهو مجؤوث ومجثوث أي مذعور فزع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (هويت إلى الأرض) هكذا في الرواية هويت وهو صحيح يقال هوى إلى الأرض وأهوى إليها لغتان أي سقط وقد غلط وجهل من أنكر هوى وزعم أنه لا يقال إلا أهوى والله أعلم قوله (ثم حمي الوحي وتتابع) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر ومعنى حمي كثر نزوله وازداد من قولهم حميت النار والشمس أي قويت حرارتها قوله (إن أول ما انزل قوله تعالى يا أيها المدثر) ضعيف بل باطل والصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق اقرأ باسم ربك كما صرح به في حديث عائشة رضي الله عنها واما يا أيها المدثر فكان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر والدلالة صريحة فيه في مواضع منها قوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فإذا الملك الذي جاءني بحراء ثم قال فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر ومنها قوله ثم تتابع
الوحي يعني بعد فترته فالصواب أن أول ما نزل اقرأ وأن أول ما نزل بعد فترة الوحى يا أيها المدثر وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة فبطلانه أظهر من أن يذكر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فاستبطنت الوادي) أي صرت في باطنه وقوله صلى الله عليه وسلم في جبريل عليه الصلاة والسلام (فإذا هو على العرش في الهواء) المراد بالعرش الكرسي كما تقدم في الرواية الأخرى على كرسي بين السماء والأرض قال أهل اللغة العرش هو السرير وقيل سرير الملك قال الله تعالى ولها عرش عظيم والهواء هنا ممدود يكتب بالألف وهو الجو بين السماء والأرض كما في الرواية الأخرى والهواء الخالي قال الله تعالى وأفئدتهم هواء قوله صلى الله عليه وسلم (فأخذتني رجفة شديدة) هكذا هو في الروايات المشهورة رجفة بالراء قال القاضي ورواه السمرقندي وجفة بالواو وهما صحيحان متقاربان ومعناهما الاضطراب قال الله تعالى قلوب يومئذ واجفة وقال تعالى يوم ترجف الراجفة ويوم ترجف الارض والجبال قوله صلى الله عليه وسلم (فصبوا علي ماء) فيه أنه ينبغي أن يصب على الفزع الماء ليسكن فزعه والله أعلم وأما تفسير قوله تعالى يا أيها المدثر فقال العلماء المدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى واحد ثم الجمهور على أن معناه المدثر بثيابه وحكى الماوردي قولا عن عكرمة أن معناه المدثر بالنبوة وأعبائها وقوله تعالى قم فأنذر معناه حذر العذاب من لم يؤمن وربك فكبر
أي عظمه ونزهه عما لا يليق به وثيابك فطهر قيل معناه طهرها من النجاسة وقيل قصرها وقيل المراد بالثياب النفس أي طهرها من الذنب وسائر النقائص والرجز بكسر الراء في قراءة الأكثرين وقرأ حفص بضمها وفسره في الكتاب بالاوثان وكذا قاله جماعات من المفسرين والرجز فى اللغة العذاب وسمى الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنه سبب العذاب وقيل المراد بالرجز في الآية الشرك وقيل الذنب وقيل الظلم والله أعلم
(باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم (إلى
السماوات وفرض الصلوات) هذا باب طويل وأنا أذكر إن شاء الله تعالى مقاصده مختصرة من الألفاظ والمعاني على ترتيبها وقد لخص القاضي عياض رحمه الله في الإسراء جملا حسنة نفيسة فقال اختلف الناس في الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده صلى الله عليه وسلم والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك بقوله فقدم وأخر وزاد ونقص منها قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر شهرا وقال الحربي كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة وقال الزهري كان ذلك بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين وقال بن إسحاق أسري به صلى الله عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل)
وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وبن إسحاق إذ لم يختلفوا أن خديجة رضي الله عنها صلت معه صلى الله عليه وسلم بعد فرض الصلاة عليه ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة قيل بثلاث سنين وقيل بخمس ومنها أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه وأما قوله في رواية شريك وهو نائم وفي الرواية الأخرى بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة كلها هذا كلام القاضي رحمه الله وهذا الذي قاله في رواية شريك وأن أهل العلم أنكروها قد قاله غيره وقد ذكر البخاري رحمه الله رواية شريك هذه عن أنس في كتاب التوحيد من صحيحه وأتى بالحديث مطولا قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث قال والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعول عليها هذا كلام الحافظ عبد الحق رحمه الله قول مسلم