(حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه) هذا الإسناد كله بصريون وفروخ عجمى لا ينصرف تقدم بيانه مرات والبنانى بضم الباء منسوب إلى بنانة قبيلة معروفة قوله صلى الله عليه وسلم (أتيت بالبراق) هو بضم الباء الموحدة قال أهل اللغة البراق اسم الدابة التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء قال الزبيدي في مختصر العين وصاحب التحرير هي دابة كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يركبونها وهذا الذى قالاه من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح قال بن دريد اشتقاق البراق من البرق إن شاء الله تعالى يعني لسرعته وقيل سمي بذلك لشدة صفائه وتلألئه وبريقه وقيل
لكونه أبيض وقال القاضي يحتمل أنه سمي بذلك لكونه ذا لونين يقال شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود قال ووصف في الحديث بأنه أبيض وقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهي معدودة في البيض والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط به الأنبياء صلوات الله عليهم) أما بيت المقدس ففيه لغتان مشهورتان غاية الشهرة إحداهما بفتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة والثانية بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة قال الواحدي أما من شدده فمعناه المطهر وأما من خففه فقال أبو علي الفارسي لا يخلو إما أن يكون مصدرا أو مكانا فإن كان مصدرا كان كقوله تعالى إليه مرجعكم ونحوه من المصادر وإن كان مكانا فمعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها وقال الزجاج البيت المقدس المطهر وبيت المقدس أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب ويقال فيه أيضا إيلياء والله أعلم وأما الحلقة فبإسكان اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكى الجوهري وغيره فتح اللام أيضا قال الجوهري حكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء حلقة بالفتح وجمعها حلق وحلقات وأما على لغة الإسكان فجمعها حلق وحلق بفتح الحاء وكسرها وأما قوله صلى الله عليه وسلم الحلقة التي يربط به فكذا هو في الأصول به بضمير المذكر أعاده على معنى الحلقة وهو الشيء قال صاحب التحرير المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس والله أعلم وفي ربط البراق الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب وأن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان الاعتماد على الله تعالى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة) هذا اللفظ وقع مختصرا هنا والمراد أنه صلى الله عليه وسلم قيل له اختر أي الإناءين شئت كما جاء مبينا بعد هذا في هذا الباب من رواية أبي هريرة فألهم صلى الله عليه وسلم اختيار اللبن
وقوله (اخترت الفطرة) فسروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة ومعناه والله أعلم اخترت علامة الإسلام والاستقامة وجعل اللبن علامة لكونه سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين سليم العاقبة وأما الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل له من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه) أما قوله عرج فبتح العين والراء أي صعد وقوله جبريل فيه بيان الأدب فيمن استأذن بدق الباب ونحوه فقيل له من أنت فينبغي أن يقول زيد مثلا إذا كان اسمه زيدا ولا يقول أنا فقد جاء الحديث بالنهي عنه ولأنه لا فائدة فيه وأما قول بواب السماء وقد بعث إليه فمراده وقد بعث إليه للإسراء وصعود السماوات وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة فهذا هو الصحيح والله أعلم في معناه ولم يذكر الخطابي في شرح البخاري وجماعة من العلماء غيره وإن كان القاضي قد ذكر خلافا أو أشار إلى خلاف في أنه استفهم عن أصل البعثة أو عما ذكرته قال القاضي وفى هذا أن للسماء أبوابا حقيقية وحفظة موكلين بها وفيه إثبات الاستئذان والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا أنا بآدم صلى الله عليه وسلم فرحب بي ودعا لي بخير) ثم قال صلى الله عليه وسلم في السماء الثانية (فإذا أنا بابني الخالة فرحبا بي ودعوا) وذكر صلى الله عليه وسلم في باقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم نحوه فيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر والترحيب والكلام الحسن والدعاء
لهم وان كانو أفضل من الداعي وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة وقوله صلى الله عليه وسلم فاذ أنا بابنى الخالة قال الأزهرى قال بن السكيت يقال هما ابنا عم ولا يقال ابنا خال ويقال هما ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة وقوله صلى الله عليه وسلم (فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور) قال القاضي رحمه الله يستدل به على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل الظهر اليها قوله ص
(ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى) هكذا وقع في الأصول السدرة بالألف واللام وفي الروايات بعد هذا سدرة المنتهى قال بن عباس والمفسرون وغيرهم سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد الا رسول صلى الله عليه وسلم وحكي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنها سميت بذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا ثمرها كالقلال) هو بكسر القاف جمع قلة والقلة جرة عظيمة تسع قربتين أو أكثر قوله صلى الله عليه وسلم (فرجعت إلى ربي) معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته منه أولا فناجيته فيه ثانيا وقوله صلى الله عليه وسلم (فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى صلى الله عليه وسلم)
معناه بين موضع مناجاة ربي والله أعلم قوله عقب هذا الحديث (قال الشيخ أبو أحمد حدثنا أبو العباس الماسرجسي حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة بهذا الحديث) أبو أحمد هذا هو الجلودي راوي الكتاب عن بن سفيان عن مسلم وقد علا له هذا الحديث برجل فانه رواه أولا عن سفيان عن مسلم عن شيبان بن فروخ ثم رواه عن الماسرجسي عن شيبان واسم الماسرجسي أحمد بن محمد بن الحسين النيسابوري وهو بفتح السين المهملة وإسكان الراء وكسر الجيم وهو منسوب إلى جده ماسرجس وهذه الفائدة وهي قوله قال الشيخ أبو أحمد إلى آخره تقع في بعض الأصول في الحاشية وفي أكثرها في نفس الكتاب وكلاهما له وجه فمن جعلها في الحاشية فهو الظاهر المختار لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه فلا يدخل في نفسه إنما هي فائدة فشأنها أن تكتب في الحاشية ومن أدخلها فى الكتاب فلكون الكتاب منقولا عن عبد الغافر الفارسي عن شيخه الجلودي وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلودي فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب لكونها من جملة المأخوذ عن الجلودي مع أنه ليس فيه لبس ولا ايهام أنها من أصل مسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت) معنى شرح شق كما قال في الرواية التي بعد هذه وقوله صلى الله عليه وسلم ثم أنزلت هو بإسكان اللام وضم التاء هكذا ضبطناه
وكذا هو في جميع الأصول والنسخ وكذا نقله القاضي عياض رحمه الله عن جميع الروايات وفي معناه خفاء واختلاف قال القاضي قال الوقشى هذا وهم من الرواة وصوابه تركت فتصحف قال القاضي فسألت عنه بن سراج فقال أنزلت في اللغة بمعنى تركت صحيح وليس فيه تصحيف قال القاضي وظهر لي أنه صحيح بالمعنى المعروف في أنزلت فهو ضد رفعت لأنه قال انطلقوا بي إلى زمزم ثم أنزلت أي ثم صرفت إلى موضعي الذي حملت منه قال ولم أزل أبحث عنه حتى وقعت على الجلاء فيه من رواية الحافظ أبي بكر البرقاني وأنه طرف حديث وتمامه ثم أنزلت على طست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانا هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله ومقتضى رواية البرقاني أن يضبط أنزلت بفتح اللام وإسكان التاء وكذلك ضبطناه في الجمع بين الصحيحين للحميدي وحكى الحميدي هذه الزيادة المذكورة عن رواية البرقاني وزاد عليها وقال أخرجها البرقاني بإسناد مسلم وأشار الحميدي إلى أن رواية مسلم ناقصة وأن تمامها ما زاده البرقاني والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه) أما الطست فبفتح الطاء وإسكان السين المهملتين وهي إناء معروف وهي مؤنثة قال وحكى القاضي عياض كسر الطاء لغة والمشهور الفتح كما ذكرنا ويقال فيها طس بتشديد السين وحذف التاء وطسة أيضا وجمعها طساس وطسوس وطسات وأما لأمه فبفتح اللام وبعدها همزة على وزن ضربه وفيه لغة أخرى لاءمه بالمد على وزن آذنه ومعناه جمعه وضم بعضه إلى بعض وليس في هذا ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب لنا فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا ولأنه كان أول الأمر قبل تحريم النبي صلى الله عليه وسلم أواني الذهب والفضة قوله (يعني ظئره) هي بكسر الظاء
المعجمة بعدها همزة ساكنة وهي المرضعة ويقال أيضا لزوج المرضعة ظئر قوله (فاستقبلوه وهو منتقع اللون) هو بالقاف المفتوحة أي متغير اللون قال أهل اللغة امتقع لونه فهو ممتقع وانتقع فهو منتقع وابتقع بالباء فهو مبتقع فيه ثلاث لغات والقاف مفتوحة فيهن قال الجوهري وغيره والميم أفصحهن ونقل الجوهري اللغات الثلاث عن الكسائي قال ومعناه تغير من حزن أو فزع وقال الهروي في الغريبين في تفسير هذا الحديث يقال انتقع لونه وابتقع وامتقع واستقع والتمى وانتسف وانتشف بالسين والشين والتمع والتمغ بالعين والغين وابتسر والتهم قوله (كنت أرى أثر المخيط في صدره) هو بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء وهي الإبرة وفي هذا دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل ولا خلاف في جوازه وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته إلا أن ينظر بشهوة فإنه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدمي إلا الزوج لزوجته ومملوكته وكذا هما إليه وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة فإنه يحرم النظر إليه إلى وجهه وسائر بدنه سواء كان بشهوة أو بغيرها إلا أن يكون لحاجة البيع والشراء والتطبيب والتعليم ونحوها والله أعلم قوله (حدثنا هارون الأيلى