عليه وسلم وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه هذا الباب فيه حديث بن عباس وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم فأما حديث بن عباس ففي البخاري أيضا وأما حديث أبي سعيد ففي مسلم خاصة قوله في الرواية الأولى (حدثنا حماد)
بن زيد عن أبي جمرة قال سمعت بن عباس رضي الله عنهما وقوله في الرواية الثانية (أخبرنا عباد بن عباد عن أبي جمرة عن بن عباس رضي الله عنهما) قد يتوهم من لا يعاني هذا الفن أن هذا تطويل لا حاجة إليه وأنه خلاف عادته وعادة الحفاظ فإن عادتهم في مثل هذا أن يقولوا عن حماد وعباد عن أبي جمرة عن بن عباس وهذا التوهم يدل على شدة غباوة صاحبه وعدم مؤانسته بشيء من هذا الفن فإن ذلك إنما يفعلونه فيما استوى فيه لفظ الرواة وهنا اختلف لفظهم ففي رواية حماد عن أبى جمرة سمعت بن عباس وفي رواية عباد عن أبي جمرة عن بن عباس وهذا التنبيه الذي ذكرته ينبغي أن يتفطن لمثله وقد نبهت على مثله بأبسط من هذه العبارة في الحديث الأول من كتاب الإيمان ونبهت عليه أيضا في الفصول وسأنبه على مواضع منه أيضا مفرقة في مواضع من الكتاب إن شاء الله تعالى والمقصود أن تعرف هذه الدقيقة ويتيقظ الطالب لما جاء منها فيعرفه وإن لم أنص عليه اتكالا على فهمه بما تكرر التنبيه به وليستدل أيضا بذلك على عظم إتقان مسلم رحمه الله وجلالته وورعه ودقة نظره وحذقه والله أعلم وأما أبو جمرة وهو بالجيم والراء واسمه نصر بن عمران بن عصام وقيل بن عاصم الضبعي بضم الضاد المعجمة البصري قال صاحب المطالع ليس في الصحيحين والموطأ أبو جمرة ولا جمرة بالجيم إلا هو قلت وقد ذكر الحاكم أبو أحمد الحافظ الكبير شيخ الحاكم أبى عبد الله فى كتاب الأسماء والكنى أبا جمرة نصر بن عمران هذا في الأفراد فليس عنده في المحدثين من يكنى أبا جمرة بالجيم سواه ويروي عن بن عباس حديثا واحدا ذكر فيه معاوية بن أبي سفيان وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم إليه بن عباس وتأخره واعتذاره رواه مسلم في الصحيح وحكى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث والقطعة التي شرحها في أول مسلم عن بعض الحفاظ أنه قال إن شعبة بن الحجاج روى عن سبعة رجال يروون كلهم عن بن عباس كلهم يقال له أبو حمزة بالحاء والزاى الاأبا جمرة نصر بن عمران فبالجيم والراء قال والفرق بينهم يدرك بأن شعبة إذا أطلق وقال عن أبى جمرة عن بن عباس فهو بالجيم وهو نصر بن عمران واذا روى
عن غيره ممن هو بالحاء والزاي فهو يذكر اسمه أو نسبه والله أعلم قوله (قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال صاحب التحرير الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد قال ووفد عبد القيس هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة عشر راكبا الأشج العصري رئيسهم ومزيدة بن مالك المحاربي وعبيدة بن همام المحاربي وصحار بن العباس المرى وعمرو بن مرحوم العصري والحارث بن شعيب العصري والحارث بن جندب من بني عايش ولم نعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء قال وكان سبب وفودهم أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب في الجاهلية فشخص إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فبينا منقذ بن حيان قاعد إذ مر به النبي صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنقذ بن حيان كيف جميع هيئتك وقومك ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة واقرأ باسم ربك ثم رحل قبل هجر فكتب النبي صلى الله عليه وسلم معه إلى جماعة عبد القيس كتابا فذهب به وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن الحارث والمنذر هو الأشج سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم به لأثر كان في وجهه وكان منقذ رضي الله عنه يصلي ويقرأ فنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب إنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة تعني القبلة فيحني ظهره مرة ويضع جبينه مرة ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتجاريا ذلك فوقع الإسلام في قلبه ثم ثار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذ لم يسلم قوم حتى وتروا قال وقولهم (إنا هذا الحي من ربيعة) لأنه عبد القيس بن أفصى يعني بفتح الهمزة وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة بن دعمي بن جديلة بن أسد
بن ربيعة بن نزار وكانوا ينزلون البحرين الخط وأعنابها وسرة القطيف والسفار والظهران إلى لرمل إلى الأجرع ما بين هجر إلى قصر وبينونة ثم الجوف والعيون والأحساء إلى حد أطراف الدهنا وسائر بلادها هذا ما ذكره صاحب التحرير قولهم إنا هذا الحي فالحي منصوب على التخصيص قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الذي نختاره نصب الحي على التخصيص ويكون الخبر في قولهم من ربيعة ومعناه إنا هذا الحي حي من ربيعة وقد جاء بعد هذا في الرواية الأخرى إنا حي من ربيعة وأما معنى الحي فقال صاحب المطالع الحي اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض قولهم (وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر) سببه أن كفار مضر كانوا بينهم وبين المدينة فلا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم قولهم (ولا نخلص إليك إلا في شهر الحرام) معنى نخلص نصل ومعنى كلامهم أنا لا نقدر على الوصول إليك خوفا من أعدائنا الكفار إلا في الشهر الحرام فإنهم لا يتعرضون لنا كما كانت عادة العرب من تعظيم الاشهر الحرم وامتناعهم من القتال فيها وقولهم شهر الحرام كذا هو في الأصول كلها بإضافة شهر إلى الحرام وفي الرواية الأخرى أشهر الحرم والقول فيه كالقول في نظائره من قولهم مسجد الجامع وصلاة الأولى ومنه قول الله تعالى بجانب الغربى ولدار الآخرة فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من إضافة الموصوف إلى صفته وهو جائز عندهم وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة ولكن هذا كله عندهم على حذف في الكلام للعلم به فتقديره شهر الوقت الحرام وأشهر الأوقات الحرم ومسجد المكان الجامع ودار الحياة الآخرة وجانب المكان الغربي ونحو ذلك والله أعلم ثم إن قولهم شهر الحرام المراد به جنس الأشهر الحرم وهي أربعة أشهر حرم كما نص عليه القرآن العزيز وتدل عليه الرواية الأخرى بعد هذه إلا في أشهر الحرم والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء من أصحاب الفنون ولكن اختلفوا في الأدب المستحسن في كيفية عدها على قولين حكاهما الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب قال ذهب الكوفيون إلى أنه يقال المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة قال والكتاب يميلون إلى هذا القول ليأتوا
بهن من سنة واحدة قال وأهل المدينة يقولون ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقوم ينكرون هذا ويقولون جاؤوا بهن من سنتين قال أبو جعفر وهذا غلط بين وجهل باللغة لأنه قد علم المراد وأن المقصود ذكرها وأنها في كل سنة فكيف يتوهم أنها من سنتين قال والأولى والاختيار ما قاله أهل المدينة لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قالوا من رواية بن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة رضي الله عنهم قال وهذا أيضا قول أكثر أهل التأويل قال النحاس وأدخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور قال وجاء من الشهور ثلاثة مضافات شهر رمضان وشهرا ربيع يعني والباقي غير مضافات وسمي الشهر شهرا لشهرته وظهوره والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (آمركم بأربع وأنها كم عن أربع الإيمان بالله ثم فسرها لهم فقال شهادة أن لا اله الاالله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم وفي رواية شهادة أن لا اله الاالله وعقد واحدة) وفي الطريق الأخرى قال وأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع قال أمرهم بالإيمان بالله وحده قال وهل تدرون ما الإيمان بالله قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم وفي الرواية الأخرى قال آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم هذه ألفاظه هنا وقد ذكر البخاري هذا الحديث في مواضع كثيرة من صحيحه وقال فيه في بعضها شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذكره في باب إجازة خبر الواحد وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل صلى الله عليه وسلم في آخر
ذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقال فيه آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان بزيادة واو وكذلك قال فيه في أول كتاب الزكاة الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله بزيادة واو أيضا ولم يذكر فيها الصيام وذكر في باب حديث وفد عبد القيس الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله فهذه ألفاظ هذه القطعة في الصحيحين وهذه الألفاظ مما يعد من المشكل وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق والإشكال في كونه صلى الله عليه وسلم قال آمركم بأربع والمذكور في أكثر الروايات خمس واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال أظهرها ما قاله الامام بن بطال رحمه الله تعالى في شرح صحيح البخاري قال أمرهم بالأربع التي وعدهم بها ثم زادهم خامسة يعني أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر فكانوا أهل جهاد وغنائم وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا فقال قوله أمرهم بالإيمان بالله أعاده لذكر الأربع ووصفه لها بأنها إيمان ثم فسرها بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم فهذا موافق لحديث بني الإسلام على خمس ولتفسير الإسلام بخمس في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن ما يسمى إسلاما يسمى إيمانا وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان وقد قيل إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث لكونه لم يكن نزل فرضه وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأن تؤدوا خمسا من المغنم فليس عطفا على قوله شهادة ان لا اله الاالله فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمسا وإنما هو عطف على قوله بأربع فيكون مضافا إلى الأربع لا واحدا منها وإن كان واحدا من مطلق شعب الإيمان قال وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى فهو إغفال من الراوي وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ على ما تقدم بيانه فافهم ذلك وتدبره تجده إن شاء الله تعالى مما هدانا الله سبحانه وتعالى لحله من العقد هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو وقيل في معناه غير ما قالاه مما ليس بظاهر فتركناه والله أعلم وأما قول الشيخ إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال من الراوي وكذا قاله القاضي عياض وغيره وهو ظاهر لا شك فيه قال القاضي عياض رحمه الله وكانت وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ففيه إيجاب الخمس من الغنائم وإن
لم يكن الإمام في السرية الغازية وفي هذا تفصيل وفروع سننبه عليها في بابها إن وصلناه إن شاء الله تعالى ويقال خمس بضم الميم وإسكانها وكذلك الثلث والربع والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر بضم ثانيها ويسكن والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأنها كم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير وفي رواية المزفت بدل المقير فنضبطه ثم نتكلم على معناه إن شاء الله تعالى فالدباء بضم الدال وبالمد وهو القرع اليابس أي الوعاء منه وأما الحنتم فبحاء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناة من فوق مفتوحة ثم ميم الواحدة حنتمة وأما النقير فبالنون المفتوحة والقاف وأما المقير فبفتح القاف والياء فأما الدباء فقد ذكرناه وأما الحنتم فاختلف فيها فأصح الأقوال وأقواها أنها جرار خضر وهذا التفسير ثابت في كتاب الأشربة من صحيح مسلم عن أبي هريرة وهو قول عبد الله بن مغفل الصحابي رضي الله عنه وبه قال الأكثرون أو كثيرون من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء والثاني أنها الجرار كلها قاله عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير وأبو سلمة والثالث أنها جرار يؤتى بها من مصر مقيرات الأجواف وروي ذلك عن أنس بن مالك رضى الله عنه ونحوه عن بن أبي ليلى وزاد أنها حمر والرابع عن عائشة رضي الله عنها جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر والخامس عن بن أبي ليلى أيضا أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر والسادس عن عطاء جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم وأما النقير فقد جاء في تفسيره في الرواية الأخيرة أنه جذع ينقر وسطه وأما المقير فهو المزفت وهو المطلي بالقار وهو الزفت وقيل الزفت نوع من القار والصحيح الاول فقد صح عن بن عمر رضي الله عنهما أنه قال المزفت هو المقير وأما معنى النهي عن هذه الأربع فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب وإنما خصت هذه بالنهي لأنه يسرع إليه الاسكار فيها فيصير حراما نجسا وتبطل ماليته فنهى عنه لما فيه من إتلاف المال ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها لأنها لرقتها لا يخفى فيها المسكر بل إذا صار مسكرا شقها غالبا ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر ثم نسخ بحديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم في الصحيح هذا الذي ذكرناه من
كونه منسوحا هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء قال الخطابي القول بالنسخ هو أصح الأقاويل قال وقال قوم التحريم باق وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية ذهب إليه مالك وأحمد وإسحاق وهو مروى عن بن عمر وعباس رضي الله عنهم والله أعلم قوله (قال أبو بكر حدثنا غندر عن شعبة وقال الآخران ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة) هذا من احتياط مسلم رضي الله عنه فإن غندرا هو محمد بن جعفر ولكن أبو بكر ذكره بلقبه والآخران باسمه ونسبه وقال أبو بكر عنه عن شعبة وقال الآخران عنه حدثنا شعبة فحصلت مخالفة بينهما وبينه من وجهين فلهذا نبه عليه مسلم رحمه الله تعالى وقد تقدم في المقدمة أن دال غندر مفتوحة على المشهور وأن الجوهري حكى ضمها أيضا وتقدم بيان سبب تلقيبه بغندر قوله (كنت أترجم بين يدي بن عباس وبين الناس) كذا هو في الأصول وتقديره بين يدى بن عباس بينه وبين الناس فحذف لفظة بينه لدلالة الكلام عليها ويجوز أن يكون المراد بين بن عباس وبين الناس كما جاء في البخاري وغيره بحذف يدي فتكون يدي عبارة عن الجملة كما قال الله تعالى يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي قدم والله أعلم وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة ثم قيل إنه كان يتكلم بالفارسية فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى وعندي أنه كان يبلغ كلام بن عباس إلى من خفي عليه من الناس إما لزحام منع من سماعه فأسمعهم وإما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك قال وإطلاقه لفظ الناس يشعر بهذا قال وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعده هذا كلام الشيخ والظاهر أن معناه أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم والله أعلم قوله (فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر) أما الجر فبفتح الجيم وهو اسم جمع الواحدة جرة ويجمع أيضا على جرار وهو هذا الفخار المعروف وفي هذا دليل على جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب وسماعها صوتهم وسماعهم صوتها للحاجة وفي قوله إن وفد
عبد القيس إلخ دليل على أن مذهب بن عباس رضي الله عنه أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية ليس بمنسوخ بل حكمه باق وقد قدمنا بيان الخلاف فيه قوله صلى الله عليه وسلم (مرحبا بالقوم) منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت منه تريد به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحبا وسعة قوله صلى الله عليه وسلم (غير خزايا ولا الندامى) هكذا هو في الاصول الندامى بالالف واللام وخزايا بحذفهما وروي في غير هذا الموضع بالألف واللام فيهما وروي بإسقاطهما فيهما والرواية فيه غير بنصب الراء على الحال وأشار صاحب التحرير إلى أنه يروى أيضا بكسر الراء على الصفة للقوم والمعروف الأول ويدل عليه ما جاء في رواية البخاري مرحبا بالقوم الذين جاؤا غير خزايا ولا ندامى والله أعلم أما الخزايا فجمع خزيان كحيران وحيارى وسكران وسكارى والخزيان المستحي وقيل الذليل المهان وأما الندامى فقيل إنه جمع ندمان بمعنى نادم وهي لغة في نادم حكاها القزاز صاحب جامع اللغة والجوهري في صحاحه وعلى هذا هو على بابه وقيل هو جمع نادم اتباعا للخزايا وكان الأصل نادمين فأتبع لخزايا تحسينا للكلام وهذا الإتباع كثير في كلام العرب وهو من فصيحه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ارجعن مأزورات غير مأجورات أتبع مأزورات لمأجورات ولو أفرد ولم يضم إليه مأجورات لقال موزورات كذا قاله الفراء وجماعات قالوا ومنه قول العرب إنى لآتيه بالغدايا والعشايا جمعوا الغداة على غدايا إتباعا لعشايا ولو أفردت لم يجز الاغدوات وأما معناه فالمقصود أنه لم يكن منكم تأخر عن الاسلام ولا عناد ولاأصابكم إسار ولا سباء ولا ما أشبه ذلك مما تستحيون بسببه أو تذلون أو تهانون أو تندمون والله أعلم قوله (فقالوا يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة) الشقة بضم الشين وكسرها لغتان مشهورتان أشهرهما وأفصحهما الضم وهي التي جاء بها القرآن العزيز قال الإمام أبو إسحاق الثعلبي وقرأ عبيد بن عمير بكسر الشين وهي لغة قيس والشقة السفر البعيد كذا قاله
بن السكيت وبن قتيبة وقطرب وغيرهم قيل سميت شقة لأنها تشق على الإنسان وقيل هي المسافة وقيل الغاية التي يخرج الإنسان إليها فعلى القول الأول يكون قولهم بعيدة مبالغة في بعدها والله أعلم قولهم (فمرنا بأمر فصل) هو بتنوين أمر قال الخطابي وغيره هو البين الواضح الذي ينفصل به المراد ولا يشكل قوله صلى الله عليه وسلم (وأخبروا به من ورائكم وقال أبو بكر في روايته من وراءكم) هكذا ضبطناه وكذا هو في الأصول الأول بكسر الميم والثاني بفتحها وهما يرجعان إلى معنى واحد قوله (وحدثنا نصر بن علي الجهضمي) هو بفتح الجيم والضاد المعجمة وإسكان الهاء بينهما وقد تقدم بيانه في شرح المقدمة قوله (قالا جميعا) فلفظة جميعا منصوبة على الحال ومعناه اتفقا واجتمعا على التعديت بما يذكره إما مجتمعين في وقت واحد واما فى وقتين ومن اعتقد
أنه لابد أن يكون ذلك في وقت واحد فقد غلط غلطا بينا قوله (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج أشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة) أما الأشج فاسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة العصري بفتح العين والصاد المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذى قاله بن عبد البر والاكثرون أو الكثيرون وقال بن الكلبى اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف وقيل اسمه المنذر بن عامر وقيل المنذر بن عبيد وقيل اسمه عائذ بن المنذر وقيل عبد الله بن عوف وأما الحلم فهو العقل وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة وهي مقصورة وسبب قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقر به النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال الأشج يا رسول الله إنك لم تزاول الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه قال صدقت إن فيك خصلتين الحديث قال القاضي عياض فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب قلت ولا يخالف هذا ما جاء في مسند أبي يعلى وغيره أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج إن فيك خصلتين الحديث قال يا رسول الله كانا في أم حدثا قال بل قديم قال قلت الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما قوله