قوله (عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة) أما مغول فبكسر الميم وإسكان الغين المعجمة وفتح الواو وطلحة هو بن مصرف وهؤلاء الثلاثة أعني الزبير وطلحة ومرة تابعيون كوفيون قوله (انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة) كذا هو في جميع الأصول السادسة وقد تقدم في الروايات الأخر من حديث أنس أنها فوق السماء السابعة قال القاضي كونها في السابعة هو الأصح وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى قلت ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها في نهاية من العظم وقد قال الخليل رحمه الله هي سدرة في السماء السابعة قد أظلت السماوات والجنة وقد تقدم ما حكيناه عن القاضي عياض رحمه الله في قوله إن مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى أن يكون أصلها في
الأرض فإن سلم له هذا أمكن حمله على ما ذكرناه والله أعلم قوله (وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات) هو بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء ومعناه الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم إياها والتقحم الوقوع في المهالك ومعنى الكلام من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات والمراد والله أعلم بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد أنه لا يعذب أصلا فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة على إثبات عذاب بعض العصاة من الموحدين ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصا من الأمة أي يغفر لبعض الأمة المقحمات وهذا يظهر على مذهب من يقول إن لفظة من لا تقتضي العموم مطلقا وعلى مذهب من يقول لا تقتضيه في الإخبار وإن اقتضته في الأمر والنهي ويمكن تصحيحه على المذهب المختار وهو كونها للعموم مطلقا لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص وهو ما ذكرناه من النصوص والاجماع والله أعلم
باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى
وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الاسراء
قال القاضي عياض رحمه الله اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء فأنكرته عائشة رضي الله عنها كما وقع هنا في صحيح مسلم وجاء مثله عن أبي هريرة وجماعة وهو المشهور عن بن مسعود وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين وروى عن بن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب رضي الله عنهما والحسن رحمه الله وكان يحلف على ذلك وحكى مثله عن بن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه رآه ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة وسؤال موسى إياها دليل على جوازها إذ لا يجهل نبي ما يجوز أو يمتنع على ربه وقد اختلفوا في رؤية موسى صلى الله عليه وسلم ربه وفي مقتضى الآية ورؤية الجبل ففي جواب القاضي أبي بكر ما يقتضي أنهما رأياه وكذلك اختلفوا في أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هل كلم ربه سبحانه وتعالى ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمه وعزا بعضهم هذا إلى جعفر بن محمد وبن مسعود وبن عباس رضي الله عنهما وكذلك اختلفوا في قوله تعالى ثم دنا فتدلى فالأكثرون على أن هذا الدنو والتدلي منقسم ما بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم أو مختص بأحدهما من الآخر ومن السدرة المنتهى وذكر عن بن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى أو من الله تعالى وعلى هذا القول يكون الدنو والتدلي متأولا ليس على وجهه بل كما قال جعفر بن محمد الدنو من الله تعالى لا حد له ومن العباد بالحدود فيكون معنى دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته عليه وإطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه والدنو من الله سبحانه له إظهار ذلك له وعظيم بره
وفضله العظيم لديه ويكون قوله تعالى قاب قوسين أو أدنى على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن الله إجابة الرغبة وإبانة المنزلة ويتأول في ذلك ما يتأول في قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا الحديث هذا آخر كلام القاضي وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية قال والحجج في هذه المسألة وان كانت كثيرة ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث بن عباس رضي الله عنهما أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعن عكرمة سئل بن عباس رضي الله عنهما هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال نعم وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه والأصل في الباب حديث بن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات وقد راجعه بن عمر رضي الله عنهم في هذه المسألة وراسله هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فأخبره أنه رآه ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضي الله عنها لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لم أر ربى وانما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ولقول الله تعالى لا تدركه الأبصار والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة وإذا صحت الروايات عن بن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وبن عباس ما عائشة عندنا بأعلم من بن عباس ثم ان بن عباس أثبت شيئا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي هذا كلام صاحب التحرير فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث بن عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم
(هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ثم إن عائشة رضي
الله عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات وسنوضح الجواب عنها فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى لا تدركه الأبصار فجوابه ظاهر فإن الإدراك هو الإحاطة والله)
تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة وأجيب عن الآية بأجوبة أخرى لا حاجة إليها مع ما ذكرناه فإنه في نهاية من الحسن مع اختصاره وأما احتجاجها رضي الله عنها بقول الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا الآية فالجواب عنه من أوجه أحدها أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام الثاني أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة الثالث ما قاله بعض العلماء أن المراد بالوحي الكلام من غير واسطة وهذا الذي قاله هذا القائل وإن كان محتملا ولكن الجمهور على أن المراد بالوحي هنا الإلهام والرؤية في المنام وكلاهما يسمى وحيا وأما قوله تعالى أو من وراء حجاب فقال الواحدي وغيره معناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامه سبحانه وتعالى من حيث لا يرونه وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا من موضع ويدل على تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم والله أعلم