قوله (عن أبي هريرة رضي الله عنه في قول الله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى قال رأى جبريل) وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء قال الواحدي قال أكثر العلماء المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها وقال بن عباس رأى ربه سبحانه وتعالى وعلى هذا معنى نزلة أخرى يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت له عرجات في تلك الليلة لاستحطاط عدد الصلوات فكل عرجة نزلة والله أعلم قوله (عن الأعمش عن زياد بن الحصين أبي جهمة عن أبي العالية عن بن عباس رضى الله عنهما ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى قال رآه بفؤاده مرتين) هذا الذي قاله بن عباس معناه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وتعالى مرتين في هاتين الآيتين وقد قدمنا اختلاف العلماء في المراد بالآيتين وأن الرؤية
عند من أثبتها بالفؤاد أم بالعين وفي هذا الإسناد ثلاثة تابعيون الأعمش وزياد وأبو العالية بعضهم عن بعض واسم الأعمش سليمان بن مهران تقدم بيانه مرات وجهمة بفتح الجيم وإسكان الهاء واسم أبي العالية رفيع بضم الراء وفتح الفاء والله أعلم قوله (أعظم الفرية) هي بكسر الفاء وإسكان الراء وهي الكذب يقال فري الشيء يفريه فريا وافتراه يفتريه افتراء إذا اختلقه وجمع الفرية فرى قوله (أنظريني) أي أمهليني قوله (عن مسروق ألم يقل الله تعالى ولقد رآه بالافق المبين وقول عائشة رضي الله عنها (أو لم تسمع أن الله تعالى يقول لا تدركه الابصار أو لم تسمع أن الله تعالى يقول ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ثم قالت عائشة أيضا (والله تعالى
يقول يا أيها الرسول بلغ ثم قالت والله تعالى يقول قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله هذا كله تصريح من عائشة ومسروق رضي الله عنهما بجواز قول المستدل بآية من القرآن إن الله عز وجل يقول وقد كره ذلك مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعى المشهور فروى بن أبي داود بإسناده عنه أنه قال لا تقولوا إن الله يقول ولكن قولوا إن الله قال وهذا الذي أنكره مطرف رحمه الله خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين فالصحيح المختار جواز الأمرين كما استعملته عائشة رضي الله عنها ومن في عصرها وبعدها من السلف والخلف وليس لمن أنكره حجة ومما يدل على جوازه من النصوص قول الله عز وجل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وفي صحيح مسلم رحمه الله عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها والله أعلم وأما قولها (أو لم تسمع أن الله تعالى يقول ما كان لبشر فهكذا هو في معظم الأصول ما كان بحذف الواو والتلاوة وما كان بإثبات الواو ولكن لا يضر هذا في الرواية والاستدلال لأن المستدل ليس مقصوده التلاوة على وجهها وإنما مقصوده بيان موضع الدلالة ولا يؤثر حذف الواو في ذلك وقد جاء لهذا نظائر كثيرة في الحديث منها قوله فأنزل الله تعالى أقم الصلاة طرفى النهار وقوله تعالى أقم الصلاة لذكرى هكذا هو في روايات الحديثين في الصحيحين والتلاوة بالواو فيهما والله أعلم وأما مسروق فقال أبو سعيد السمعاني في الأنساب سمي مسروقا لأنه سرقه إنسان في صغره ثم وجد قوله صلى الله عليه وسلم (رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض) هكذا هو في الأصول ما بين السماء إلى الأرض وهو صحيح وأما عظم خلقه فضبط على وجهين أحدهما بضم العين وإسكان الظاء والثاني بكسر العين وفتح الظاء
وكلاهما صحيح قوله (سألت عائشة رضي الله عنها هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه وتعالى فقالت سبحان الله لقد قف شعري لما قلت) أما قولها سبحان الله فمعناه التعجب من جهل مثل هذا وكأنها تقول كيف يخفى عليك مثل هذا ولفظة سبحان الله لإرادة التعجب كثيرة في الحديث وكلام العرب كقوله صلى الله عليه وسلم سبحان الله تطهري بها وسبحان الله المسلم لا ينجس وقول الصحابة سبحان الله يارسول الله وممن ذكر من النحويين أنها من ألفاظ التعجب أبو بكر بن السراج وغيره وكذلك يقولون في التعجب لا إله إلا الله والله أعلم وأما قولها رضي الله عنها قف شعري فمعناه قام شعري من الفزع لكونى سمعت مالا ينبغى أن يقال قال بن الأعرابي تقول العرب عند إنكار الشيء قف شعري واقشعر جلدي واشمأزت نفسي قال النضر بن شميل القفة كهيئة القشعريرة وأصله التقبض والاجتماع لأن الجلد ينقبض عند الفزع والاستهوال فيقوم الشعر لذلك وبذلك سميت القفة التي هي الزنبيل لاجتماعها ولما يجتمع فيها والله أعلم قول مسلم رحمه الله (حدثنا بن نمير حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا عن بن أشوع عن عامر عن مسروق) هؤلاء كلهم كوفيون وبن نمير اسمه محمد بن عبد الله بن نمير وأبو أسامة اسمه حماد بن أسامة وزكريا هو بن أبي زائدة واسم أبي زائدة
خالد بن ميمون وقيل هبيرة وبن أشوع هو سعيد بن عمرو بن أشوع بفتح الهمزة وإسكان الشين المعجمة وفتح الواو وبالعين المهملة قوله (قلت لعائشة رضي الله عنها فأين قوله تعالى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى فقالت إنما ذاك جبريل عليه السلام) قال الإمام أبو الحسن الواحدي معنى التدلي الامتداد إلى جهة السفل هكذا هو الأصل ثم استعمل في القرب من العلو هذا قول الفراء وقال صاحب النظم هذا على التقديم والتأخير لأن المعنى ثم تدلى فدنا لأن التدلى سبب الدنو قال بن الأعرابي تدلى إذا قرب بعد علو قال الكلبي المعنى دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فقرب منه وقال الحسن وقتادة ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى فالقاب ما بين القبضة والسية ولكل قوس قابان والقاب في اللغة أيضا القدر وهذا هو المراد بالآية عند جميع المفسرين والمراد القوس التى يرمي عنها وهى القوس العرببة وخصت بالذكر على عادتهم وذهب جماعةالى أن المراد بالقوس الذراع هذا قول عبد الله بن مسعود وشقيق بن سلمة وسعيد بن جبير وأبي إسحاق السبيعي وعلى هذا معنى القوس ما يقاس به الشئ أي يذرع قالت عائشة رضي الله عنها وبن عباس والحسن وقتادة وغيرهم هذه المسافة كانت بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى أو أدنى معناه أو أقرب قال مقاتل بل أقرب وقال الزجاج خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم والمعنى أو أدنى فيما تقدرون أنتم والله تعالى عالم بحقائق الأشياء من غير شك ولكنه خاطبنا على ما جرت به عادتنا ومعنى الآية أن جبريل عليه السلام مع عظم خلقه وكثرة أجزائه دنا من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدنو والله أعلم