Justice CouncilHadith commentaries

al-Minhaj Sharh Sahih Muslim on Sahih Muslim 193

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج — أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

al-Nawawi (d. 676 AH) Printed edition: vol. 3, p. 52 The hadith: muslim:475 muslim:476 muslim:477 muslim:478 muslim:479

(باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار)

قوله في الإسناد (الجحدري) هو بفتح الجيم وبعدها حاء مهملة ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة منسوب إلى جد له اسمه جحدر وقد تقدم بيانه في أول الكتاب قوله (محمد بن عبيد الغبري) هو بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة منسوب إلى غبر جد القبيلة تقدم أيضا بيانه قوله صلى الله عليه وسلم (يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك وفي رواية فيلهمون معنى اللفظتين متقارب فمعنى الأولى أنهم يعتنون بسؤال الشفاعة وزوال الكرب الذي هم فيه ومعنى الثانية أن الله تعالى يلهمهم سؤال ذلك والإلهام أن يلقي الله تعالى في النفس أمرا يحمل على فعل الشئ أو تركه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم في الناس أنهم يأتون آدم ونوحا وباقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فيطلبون شفاعتهم فيقولون لسنا هناكم ويذكرون خطاياهم إلى آخره اعلم أن العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم اختلفوا في جواز المعاصي على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد لخص القاضي رحمه الله تعالى مقاصد المسألة فقال لا خلاف أن الكفر عليهم بعد النبوة ليس بجائز بل هم معصومون منه واختلفوا فيه قبل النبوة والصحيح أنه لا يجوز وأما المعاصي فلا خلاف أنهم معصومون من كل كبيرة واختلف العلماء هل ذلك بطريق العقل أو الشرع فقال الأستاذ أبو إسحاق ومن معه ذلك ممتنع من مقتضى دليل المعجزة وقال القاضي أبو بكر ومن وافقه ذلك من طريق الإجماع وذهبت المعتزلة إلى أن ذلك من طريق العقل وكذلك اتفقوا على أن كل ما كان طريقه الإبلاغ في القول فهم معصومون فيه على كل حال وأما ما كان طريقه الإبلاغ في الفعل فذهب بعضهم إلى العصمة فيه رأسا وأن السهو والنسيان لا يجوز عليهم فيه وتأولوا

أحاديث السهو في الصلاة وغيرها بما سنذكره في مواضعه وهذا مذهب الأستاذ أبي المظفر الإسفرايني من أئمتنا الخراسانيين المتكلمين وغيره من المشايخ المتصوفة وذهب معظم المحققين وجماهير العلماء إلى جواز ذلك ووقوعه منهم وهذا هو الحق ثم لا بد من تنبيههم عليه وذكرهم إياه إما في الحين على قول جمهور المتكلمين وإما قبل وفاتهم على قول بعضهم ليسنوا حكم ذلك ويبينوه قبل انخرام مدتهم وليصح تبليغهم ما أنزل إليهم وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروأته واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر وأن منصب النبوة يجل عن مواقعها وعن مخالفة الله تعالى عمدا وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها وأن ما ذكر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من إذن من الله تعالى في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوة وهذا المذهب هو الحق لما قدمناه ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وإقرارهم وكثير من أقوالهم ولا خلاف في الاقتداء بذلك وإنما اختلاف العلماء هل ذلك على الوجوب أو على الندب أو الإباحة أو التفريق فيما كان من باب القرب أو غيرها قال القاضي وقد بسطنا القول في هذا الباب في كتابنا الشفاء وبلغنا فيه المبلغ الذي لا يوجد في غيره وتكلمنا على الظواهر في ذلك بما فيه كفاية ولا يهولك أن نسب قوم هذا المذهب إلى الخوارج والمعتزلة وطوائف من المبتدعة إذ منزعهم فيه منزع آخر من التكفير بالصغائر ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا المذهب وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم عليه الصلاة والسلام من الشجرة ناسيا ومن دعوة نوح عليه السلام على قوم كفار وقتل موسى صلى الله عليه وسلم لكافر لم يؤمر بقتله ومدافعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم الكفار بقوله

عرض به هو فيه من وجه صادق وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب لكنهم أشفقوا منها إذ لم تكن عن أمر الله تعالى وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم من معرفة الله تعالى هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى والله أعلم قوله (في آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه) هو من باب إضافة التشريف قوله صلى الله عليه وسلم (لست هناكم) معناه لست أهلا لذلك قوله صلى الله عليه وسلم (ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله تعالى) قال الإمام أبو عبد الله المازري قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام فإن قام دليل أن إدريس أرسل أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن آدم أن نوحا أول رسول بعث وإن لم يقم دليل جاز ما قالوه وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل قال القاضي عياض وقد قيل إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء في بعض الأخبار مع يوشع بن نون فإن كان هكذا سقط الاعتراض قال القاضي وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله تعالى وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض قال القاضي وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان هذا آخر كلام القاضي والله أعلم قوله (ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى أصل الخلة الاختصاص والاستصفاء وقيل

أصلها الانقطاع إلى من خاللت مأخوذ من الخلة وهي الحاجة فسمى ابراهيم صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه قصر حاجته على ربه سبحانه وتعالى وقيل الخلة صفاء المودة التي توجب تخلل الأسرار وقيل معناها المحبة والإلطاف هذا كلام القاضي وقال بن الأنباري الخليل معناه المحب الكامل المحبة والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل قال الواحدي هذا القول هو الاختيار لأن الله عز وجل خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله ولا يجوز أن يقال الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إن كل واحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يقول لست هناكم أو لست لها) قال القاضي عياض هذا يقولونه تواضعا واكبارا لما يسئلونه قال وقد تكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر إلى صاحبه قال ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد صلى الله عليه وسلم معينا وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال قال وأما مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم لذلك واجابته لدعوتهم فلتحققه صلى الله عليه وسلم أن هذه الكرامة والمقام له صلى الله عليه وسلم خاصة هذا كلام القاضي والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي والله أعلم إظهار فضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويحصله وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس وفيه تفضيله صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقين من الرسل والآدميين والملائكة فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم في موسى صلى الله عليه وسلم

(الذي كلمه الله تكليما) هذا بإجماع أهل السنة على ظاهره وأن الله تعالى كلم موسى حقيقة كلاما سمعه بغير واسطة ولهذا أكد بالمصدر والكلام صفة ثابتة لله تعالى لا يشبه كلام غيره قوله في عيسى (روح الله وكلمته) تقدم الكلام في معناه في أوائل كتاب الإيمان قوله صلى الله عليه وسلم (ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) هذا مما اختلف العلماء في معناه قال القاضي قيل المتقدم ما كان قبل النبوة والمتأخر عصمتك بعدها وقيل المراد به ذنوب أمته صلى الله عليه وسلم قلت فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم أو سلامتهم من الخلود في النار وقيل المراد ما وقع منه صلى الله عليه وسلم عن سهو وتأويل حكاه الطبري واختاره القشيري وقيل ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك وقيل المراد أنه مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان وقيل هو تنزيه له من الذنوب صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى معناه والله أعلم فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذي ادخره الله تعالى له وأعلمه أنه يبعثه فيه قال القاضي وجاء في حديث أنس وحديث أبي هريرة ابتداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد سجوده وحمده والإذن له في الشفاعة بقوله أمتي أمتي وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا في هذا الحديث نفسه قال فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولهم كالبرق وساق الحديث وبهذا يتصل الحديث لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته

صلى الله عليه وسلم

(وفي المذنبين وحلت الشفاعة للأنبياء والملائكة

وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم كما جاء في الأحاديث الأخر وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤية وحشر الناس اتباع كل أمة ما كانت تعبد ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط فيحتمل أن الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف وهو أول المقام المحمود وأن الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط وهو ظاهر الأحاديث وأنها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولغيره كما نص عليه في الأحاديث ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار وبهذا تجتمع متون الحديث وتترتب معانيها إن شاء الله تعالى هذا آخر كلام القاضي والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن) أي وجب عليه الخلود وبين مسلم رحمه الله تعالى أن قوله أي وجب عليه الخلود هو تفسير قتادة الراوي وهذا التفسير صحيح ومعناه من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار كما قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السلف أنه)

لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ثم آتيه فأقول يارب) معنى آتيه أي أعود إلى المقام الذي قمت فيه أولا وسألت وهو مقام الشفاعة قوله (حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا بن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس قال مسلم وحدثنا محمد بن مثنى حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن أنس) قال مسلم (وحدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة وهشام صاحب الدستوائي عن قتادة عن أنس قال مسلم وحدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى قالا حدثنا معاذ وهو بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك) قال مسلم

(حدثنا أبو الربيع العتكي حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي) يعني عن أنس هذه الأسانيد رجالها كلهم بصريون وهذا الاتفاق في غاية من الحسن ونهاية من الندور أعني اتفاق خمسة أسانيد في صحيح مسلم متوالية جميعهم بصريون والحمد لله على ما هدانا له فأما بن أبى عدي فاسمه محمد بن إبراهيم بن أبي عدي وأما سعيد بن أبي عروبة فقد قدمنا أنه هكذا يروى في كتب الحديث وغيرها وأن بن قتيبة قال في كتابه أدب الكتاب الصواب بن أبي العروبة بالألف واللام واسم أبي عروبة مهران وقد قدمنا أيضا أن سعيد بن أبي عروبة ممن اختلط في آخر عمره وأن المختلط لا يحتج بما رواه في حال الاختلاط وشككنا هل رواه في الاختلاط أم في الصحة وقد قدمنا أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين محمول على أنه عرف أنه رواه قبل الاختلاط والله أعلم وأما هشام صاحب الدستوائي فهو بفتح الدال وإسكان السين المهملتين وبعدهما مثناة من فوق مفتوحة وبعد الألف ياء من غير نون هكذا ضبطناه وهكذا هو المشهور في كتب الحديث قال صاحب المطالع ومنهم من يزيد فيه نونا بين الألف والياء وهو منسوب إلى دستواء وهي كورة من كور الأهواز كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها فيقال هشام الدستوائي وهشام صاحب الدستوائي أى صاحب البر الدستوائي وقد ذكره مسلم في أول كتاب الصلاة بعبارة أخرى أوهمت لبسا فقال في باب صفة الأذان حدثني أبو غسان وإسحاق بن إبراهيم قال إسحاق أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي فتوهم صاحب المطالع أن قوله صاحب الدستوائي مرفوع وأنه صفة لمعاذ فقال يقال صاحب الدستوائي وإنما هو ابنه وهذا الذى قاله صاحب المطالع ليس بشئ وإنما صاحب هنا مجرور

صفة لهشام كما جاء مصرحا به في هذا الموضع الذي نحن الآن فيه والله أعلم وأما أبو غسان المسمعي فتقدم بيانه مرات وأنه يجوز صرفه وتركه وأن المسمعي بكسر الميم الأولى وفتح الثانية منسوب إلى مسمع جد القبيلة وأما قوله حدثنا معاذ وهو بن هشام فتقدم بيانه في الفصول وفي مواضع كثيرة وأن فائدته أنه لم يقع قوله بن هشام في الرواية فأراد أن يبينه ولم يستجز أن يقول معاذ بن هشام لكونه لم يقع في الرواية فقال وهو بن هشام وهذا وأشباهه مما كرر ذكره أقصد به المبالغة في الإيضاح والتسهيل فإنه إذا طال العهد به قد ينسى وقد يقف على هذا الموضع من لا خبرة له بالموضع المتقدم والله أعلم وأما قوله قوله أبو الربيع العتكي فهو بفتح العين والتاء وهو أبو الربيع الزهراني الذي يكرره مسلم في مواضع كثيرة واسمه سليمان بن داود قال القاضي عياض نسبه مسلم مرة زهرانيا ومرة عتكيا ومرة جمع له النسبين ولا يجتمعان بوجه وكلاهما يرجع إلى الأزد إلا أن يكون للجمع سبب من جواز أو خلف والله أعلم وأما معبد العنزي فهو بالعين المهملة وبفتح النون وبالزاي والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة) المراد بالذرة واحدة الذر وهو الحيوان المعروف الصغير من النمل وهي بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ومعنى يزن أي يعدل وأما قوله إن شعبة جعل مكان الذرة ذرة فمعناه أنه رواه بضم الذال وتخفيف الراء واتفقوا على أنه تصحيف منه وهذا معنى قوله في الكتاب قال يزيد صحف فيها أبو بسطام يعني شعبة قوله (فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره) فيه أنه ينبغي للعالم وكبير المجلس أن يكرم فضلاء الداخلين عليه ويميزهم بمزيد إكرام في المجلس وغيره قوله (إخوانك من أهل البصرة) قد قدمنا في أوائل الكتاب أن في البصرة ثلاث لغات فتح الباء وضمها وكسرها والفتح هو المشهور قوله صلى الله عليه

وسلم (فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن) هكذا هو في الأصول لا أقدر عليه وهو صحيح ويعود الضمير في عليه إلى الحمد قوله صلى الله عليه وسلم (فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجوه منها فأنطلق فأفعل) ثم قال صلى الله عليه وسلم بعده (فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه) ثم قال صلى الله عليه وسلم

(فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه) أما الثاني والثالث فاتفقت الأصول على أنه فأخرجه بضميره صلى الله عليه وسلم وحده وأما الأول ففي بعض الأصول فأخرجوه كما ذكرنا على لفظ الجمع وفي بعضها فأخرجه وفي أكثرها فأخرجوا بغير هاء وكله صحيح فمن رواه فأخرجوه يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الملائكة ومن حذف الهاء فلأنها ضمير المفعول وهو فضلة يكثر حذفه والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم أدنى أدنى أدنى هكذا هو في الأصول مكرر ثلاث مرات وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة وقد قدمنا تقرير هذه القاعدة في أول كتاب الإيمان وأوضحنا المذاهب فيها والجمع بينها والله أعلم وقوله (هذا حديث أنس الذي أنبأنا به فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة قال فدخلنا عليه فسلمنا عليه وقلنا يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة قال هيه فحدثناه الحديث قال هيه قلنا ما زادنا قال حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع ولقد ترك منه شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا قلنا له

حدثنا فضحك وقال خلق الإنسان من عجل ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يارب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك أو قال ليس ذلك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله قال فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك أراه قال قبل عشرين سنة وهو يومئذ جميع) هذا الكلام فيه فوائد كثيرة فلهذا نقلت المتن بلفظه مطولا ليعرف مطالعه مقاصده أما قوله بظهر الجبان فالجبان بفتح الجيم وتشديد الباء قال أهل اللغة الجبان والجبانة هما الصحراء ويسمى بهما المقابر لأنها تكون في الصحراء وهو من تسمية الشئ باسم موضعه وقوله بظهر الجبان أي بظاهرها وأعلاها المرتفع منها وقوله ملنا إلى الحسن يعني عدلنا وهو الحسن البصري وقوله وهو مستخف يعني متغيبا خوفا من الحجاج بن يوسف وقوله قال هيه هو بكسر الهاء وإسكان الياء وكسر الهاء الثانية قال أهل اللغة يقال في استزادة الحديث إيه ويقال هيه بالهاء بدل الهمزة قال الجوهري إيه اسم سمي به الفعل لأن معناه الأمر تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل إيه بكسر الهمزة قال بن السكيت فإن وصلت نونت فقلت إيه حديثا قال بن السري إذا قلت إيه فإنما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما كأنك قلت هات الحديث وإن قلت إيه بالتنوين كأنك قلت هات حديثا ما لأن التنوين تنكير فأما إذا أسكنته وكففته فإنك تقول إيها عنه وأما قوله وهو يومئذ جميع فهو بفتح الجيم وكسر الميم

ومعناه مجتمع القوة والحفظ وقوله فضحك فيه أنه لا بأس بضحك العالم بحضرة أصحابه إذا كان بينه وبينهم أنس ولم يخرج بضحكه إلى حد يعد تركا للمرؤة وقوله فضحك وقال خلق الإنسان من عجل فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الموطن وقد ثبت في الصحيح مثله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طرق فاطمة وعليا رضي الله عنهما ثم انصرف وهو يقول وكان الإنسان أكثر شئ جدلا ونظائر هذا كثيرة وقوله ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه ثم أرجع إلى ربي هكذا هو في الروايات وهو الظاهر وتم الكلام على قوله أحدثكموه ثم ابتدأ تمام الحديث فقال ثم أرجع ومعناه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرجع إلى ربي وقوله صلى الله عليه وسلم ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله معناه لأتفضلن عليهم بإخراجهم من غير شفاعة كما تقدم في الحديث السابق شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين وأما قوله عز وجل وجبريائي فهو بكسر الجيم أي عظمتي وسلطاني أو قهري وأما قوله فأشهد على الحسن أنه حدثنا به إلى آخره فإنما ذكره تأكيدا ومبالغة في تحقيقه وتقريره في نفس المخاطب وإلا فقد سبق هذا في أول الكلام والله أعلم قوله (عن أبي حيان عن أبي زرعة) أما حيان فبالمثناة وتقدم بيان أبي حيان وأبي زرعة في أولكتاب الإيمان وأن اسم أبي زرعة هرم وقيل عمرو وقيل عبيد الله وقيل عبد الرحمن واسم أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان قوله (فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى هذا آخر كلام القاضي وقد روى الترمذي

بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا فكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجا قوله فنهس منها نهسة هو بالسين المهملة قال القاضي عياض أكثر الرواة رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان بالمعجمة وكلاهما صحيح بمعنى أخذ بأطراف أسنانه قال الهروي قال أبو العباس النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة الأضراس قوله صلى الله عليه وسلم أنا سيد الناس يوم القيامة إنما قال هذا صلى الله عليه وسلم تحدثا بنعمة الله تعالى وقد أمره الله تعالى بهذا ونصيحة لنا بتعريفنا حقه صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض قيل السيد الذي يفوق قومه والذي يفزع إليه في الشدائد والنبي صلى الله عليه وسلم سيدهم في الدنيا والآخرة وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السودد فيها وتسليم جميعهم له ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار أي انقطعت دعاوى الملك في ذلك اليوم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية وأما ينفذهم البصر فهو بفتح الياء وبالذال المعجمة وذكر الهروي وصاحب المطالع وغيرهما أنه روي بضم الياء وبفتحها قال صاحب المطالع رواه الأكثرون بالفتح وبعضهم بالضم قال الهروي قال الكسائي يقال نفذني بصره إذا بلغني وجاوزني قال ويقال أنفذت القوم إذا خرقتهم ومشيت في وسطهم فإن جزتهم حتى تخلفتهم قلت نفذتهم بغير ألف وأما معناه فقال الهروي قال أبو عبيد معناه ينفذهم بصر الرحمن تبارك وتعالى حتى يأتي عليهم كلهم وقال غير أبي عبيد أراد تخرقهم أبصار الناظرين لاستواء الصعيد والله تعالى قد أحاط بالناس أولا وآخرا هذا كلام الهروي وقال صاحب المطالع معناه أنه يحيط بهم الناظر لايخفى عليه منهم شيء لاستواء الارض أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظرين قال

وهذا أولى من قول أبي عبيد يأتي عليهم بصر الرحمن سبحانه وتعالى لأن رؤية الله تعالى تحيط بجميعهم في كل حال في الصعيد المستوي وغيره هذا قول صاحب المطالع قال الإمام أبو السعادات الجزري بعد أن ذكر الخلاف بين أبي عبيد وغيره في أن المراد بصر الرحمن سبحانه وتعالى أو بصر الناظر من الخلق قال أبو حاتم أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم من نفذ الشيء وأنفذته قال وحمل الحديث على بصر الناظر أولى من حمله على بصر الرحمن هذا كلام أبي السعادات فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال والدال وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء وبالذال المعجمة وأنه بصر المخلوق والله أعلم قوله (ألا ترى إلى ما قد بلغنا) هو بفتح الغين هذا هو الصحيح المعروف وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان وهذا له وجه ولكن المختار ما قدمناه ويدل عليه قوله في هذا الحديث قبل هذا ألا ترون ما قد بلغكم ولو كان بإسكان الغين لقال

بلغتم قوله (فيقول آدم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) المراد بغضب الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يرونه من أليم عذابه وما يشاهده أهل المجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله فهذا معنى غضب الله تعالى كما أن رضاه ظهور رحمته ولطفه بمن أراد به الخير والكرامة

لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضاء والله أعلم قوله (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى) المصراعان بكسر الميم جانبا الباب وهجر بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين قال الجوهري في صحاحه هجر اسم بلد مذكر مصروف قال والنسبة إليه هاجري وقال أبو القاسم الزجاجي في الجمل هجر يذكر ويؤنث قلت وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر تلك قرية من قرى المدينة كانت القلال تصنع بها وهي غير مصروفة وقد أوضحتها في أول شرح المهذب وأما بصرى فبضم الباء وهي مدينة معروفة بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران وبينها وبين مكة شهر

قوله صلى الله عليه وسلم (ألا تقولون كيفه قالوا كيفه يارسول الله) هذه الهاء هي هاء السكت تلحق في الوقف واما قول الصحابه كيفه يارسول الله فأثبتوا الهاء في حالة الدرج ففيها وجهان حكاهما صاحب التحرير وغيره أحدهما أن من العرب من يجري الدرج مجرى الوقف والثاني أن الصحابة قصدوا اتباع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي حثهم عليه فلو قالوا كيف لما كانوا سائلين عن اللفظ الذي حثهم عليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إلى عضادتي الباب) هو بكسر العين قال الجوهري عضادتا الباب هما خشبتاه من جانبيه