قوله صلى الله عليه وسلم (فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة) هو بضم التاء وإسكان الزاي ومعناه تقرب كما قال الله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت قوله صلى الله
عليه وسلم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم (إنما كنت خليلا من وراء وراء) قال صاحب التحرير هذه كلمة تذكر على سبيل التواضع أي لست بتلك الدرجة الرفيعة قال وقد وقع لي معنى مليح فيه وهو أن معناه أن المكارم التي أعطيتها كانت بوساطة سفارة جبريل صلى الله عليه وسلم ولكن ائتوا موسى فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة قال وإنما كرر وراء وراء لكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حصل له السماع بغير واسطة وحصل له الرؤية فقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين وسلم هذا كلام صاحب التحرير وأما ضبط وراء وراء فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين ويجوز عند أهل العربية بناؤها على الضم وقد جرى في هذا كلام بين الحافظ أبي الخطاب بن دحية والإمام الأديب أبي اليمن الكندي فرواهما بن دحية بالفتح وادعى أنه الصواب فأنكره الكندي وادعى أن الضم هو الصواب وكذا قال أبو البقاء الصواب الضم لأن تقديره من وراء ذلك أو من وراء شئ آخر قال فإن صح الفتح قبل وقد أفادني هذا الحرف الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أمية أدام الله نعمه عليه وقال الفتح صحيح وتكون الكلمة مؤكدة كشذر مذر وشغر بغر وسقطوا بين بين فركبهما وبناهما على الفتح قال وإن ورد منصوبا منونا جاز جوازا جيدا قلت ونقل الجوهري في صحاحه عن الأخفش أنه يقال لقيته من وراء مرفوع على الغاية كقولك من قبل ومن بعد قال وأنشد الأخفش شعرا ... إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء بضمهما ...
(والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (وترسل الأمانة
والرحم فتقومان جنبتي الصراط)
أما تقومان فبالتاء المثناة من فوق وقد قدمنا بيان ذلك وأن المؤنثتين الغائبتين تكونان بالمثناة من فوق وأما جنبتا الصراط فبفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه وأما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبر موقعهما فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى قال صاحب التحرير في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما تقومان لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما قوله صلى الله عليه وسلم (فيمر أولهم كالبرق ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم) أما شد الرجال فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المعروف المشهور ونقل القاضي أنه في رواية بن ماهان بالحاء قال القاضي وهما متقاربان في المعنى وشدها عدوها البالغ وجريها وأما قوله صلى الله عليه وسلم تجري بهم أعمالهم فهو كالتفسير لقوله صلى الله عليه وسلم فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الريح إلى آخره معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم قوله صلى الله عليه وسلم (وفي حافتي الصراط) هو بتخفيف الفاء وهما جانباه وأما الكلاليب فتقدم بيانها قوله صلى الله عليه وسلم (فمخدوش ناج ومكدوس) هو بالدال وقد تقدم بيانه في هذا الباب ووقع في أكثر الأصول هنا مكردس بالراء ثم الدال وهو قريب من معنى المكدوس قوله (والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا) هكذا هو في بعض الأصول لسبعون بالواو وهذا ظاهر وفيه حذف تقديره إن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة ووقع في معظم الأصول والروايات لسبعين بالياء وهو صحيح أيضا أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقي المضاف إليه على جره فيكون التقدير سير سبعين واما على أن قعر جهنم مصدر
يقال قعرت الشئ إذا بلغت قعره ويكون سبعين ظرف زمان وفيه خبران التقدير أن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا والخريف السنة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة يدعوها فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) وفي الرواية الأخرى
(لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) وفي الرواية الأخرى
(لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له وإني أريد إن شاء الله أن أؤخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) وفي الرواية الأخرى (لكل نبي دعوة دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) هذه الاحاديث تفسر بعضها بعضا ومعناها أن كل نبي له دعوة متيقنة الإجابة وهو على يقين من إجابتها وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب وذكر القاضي عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما في الروايتين الأخيرتين والله أعلم وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة فأخر النبى صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرا على الكبائر وقد تقدمت دلائله وبيانه في مواضع كثيرة وقوله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى هو على جهة
التبرك والامتثال لقول الله تعالى ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله والله أعلم قوله (أسيد بن جارية) هو بفتح الهمزة وكسر السين وجارية بالجيم قوله (كعب الأحبار) هو كعب بن ماتع بالميم والمثناة من فوق بعدها عين والأحبار العلماء واحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها الغتان أى كعب العلماء كذا قاله بن قتيبة وغيره وقال أبو عبيد سمي كعب الأحبار لكونه صاحب كتب الأحبار جمع حبر وهو ما يكتب به وهو مكسور الحاء وكان كعب من علماء أهل الكتاب ثم أسلم في خلافة أبي بكر وقيل بل في خلافة عمر رضي الله عنهما توفي بحمص في سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه وهو من فضلاء التابعين وقد روى عنه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم قوله (وحدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى وبن بشار حدثانا واللفظ لأبي غسان قالوا حدثنا معاذ يعنون بن هشام) هذا اللفظ قد يستدركه من لا معرفة له بتحقيق مسلم وإتقانه وكمال ورعه وحذقه وعرفانه فيتوهم أن في الكلام طولا فيقول كان ينبغي أن يحذف قوله حدثانا وهذه غفلة ممن يصير إليها بل في كلام مسلم فائدة لطيفة فإنه سمع هذا الحديث من لفظ أبي غسان ولم يكن مع مسلم غيره وسمعه من محمد بن مثنى وبن بشار وكان معه غيره وقد قدمنا في الفصول أن المستحب والمختار عند أهل الحديث أن من سمع وحده قال حدثني ومن سمع مع غيره قال حدثنا فاحتاط مسلم وعمل بهذا المستحب فقال حدثني أبو غسان أي سمعت منه وحدي ثم ابتدأ فقال ومحمد بن مثنى وبن بشار حدثانا أي سمعت منهما مع غيري فمحمد بن المثنى مبتدأ وحدثانا الخبر وليس هو معطوفا على أبي غسان والله أعلم وقوله (قالوا حدثنا معاذ) يعني بقالوا محمد بن المثنى وبن بشار وأبا غسان والله أعلم وقوله (عن قتادة قال حدثنا أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة) ثم ذكر مسلم طريقا آخر عن وكيع وأبي أسامة عن مسعر عن قتادة ثم قال غير أن في حديث
وكيع قال قال أعطي وحديث أبي أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا من احتياط مسلم رضي الله عنه ومعناه أن رواياتهم اختلفت في كيفية لفظ أنس ففي الرواية الأولى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة وفي رواية وكيع عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم أعطي كل نبي دعوة وفي رواية أبي أسامة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة والله أعلم قوله (وحدثني محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن أنس) هذا الإسناد كله بصريون والله أعلم
(باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه
شفقة عليهم)
قوله (حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي حدثنا بن وهيب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) هذا الإسناد كله بصريون وقدمنا أن في يونس ست لغات ضم النون وفتحها وكسرها مع الهمز فيهن وتركه وأما الصدفي فبفتح الصاد والدال المهملتين وبالفاء منسوب إلى الصدف بفتح الصاد وكسر الدال قبيلة معروفة قال أبو سعيد بن يونس دعوتهم في الصدف وليس من
أنفسهم ولا من مواليهم توفي يونس بن عبد الأعلى هذا في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة ففي هذا الاسناد رواية مسلم عن شيخ عاش بعده فإن مسلما توفي سنة إحدى وستين ومائتين كما تقدم وأما بكر بن سوادة فبفتح السين وتخفيف الواو والله أعلم قوله (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم) تلا قول الله تعالى في إبراهيم صلى الله عليه وسلم رب إنهن أضللن كثيرا من الناس الآية وقال عيسى صلى الله عليه وسلم إن تعذبهم فانهم عبادك) هكذا هو في الأصول وقال عيسى قال القاضي عياض قال بعضهم قوله قال هو اسم للقول لا فعل يقال قال قولا وقالا وقيلا كأنه قال وتلا قول عيسى هذا كلام القاضي عياض قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (رفع يديه وقال اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم ومنها استحباب رفع اليدين في الدعاء ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة زادها الله تعالى شرفا بما وعدها الله تعالى بقوله سنرضيك في أمتك ولا نسوءك وهذا من أرجى
الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها ومنها بيان عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى وعظيم لطفه سبحانه به صلى الله عليه وسلم والحكمة في إرسال جبريل لسؤاله صلى الله عليه وسلم إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بالمحل الأعلى فيسترضى ويكرم بما يرضيه والله أعلم وهذا الحديث موافق لقول الله عز وجل ولسوف يعطيك ربك فترضى وأما قوله تعالى ولا نسوءك فقال صاحب التحرير هو تأكيد للمعنى أي لا نحزنك لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار فقال تعالى نرضيك ولا ندخل عليك حزنا بل ننجي الجميع والله أعلم
(باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار)
(ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين)
قوله (أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي وأباك في النار) فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم وقوله صلى الله عليه وسلم إن أبي وأباك في النار هو من حسن العشرة للتسلية بالاشتراك في المصيبة ومعنى قفى ولى قفاه منصرفا قوله صلى الله عليه وسلم (يا بني كعب بن لؤي
قال صاحب المطالع لؤي يهمز ولا يهمز والهمز أكثر قوله صلى الله عليه وسلم (يا فاطمة أنقذي نفسك) هكذا وقع في بعض الأصول فاطمة وفي بعضها أو أكثرها يافاطم بحذف الهاء على الترخيم وعلى هذا يجوز ضم الميم وفتحها كما عرف في نظائره قوله صلى الله عليه وسلم (فإني لا أملك لكم من الله شيئا) معناه لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم قوله صلى الله عليه وسلم (غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها) ضبطناه بفتح الباء الثانية وكسرها وهما وجهان مشهوران ذكرهما جماعات من العلماء قال القاضي عياض رويناه بالكسر قال ورأيت للخطابي أنه بالفتح وقال صاحب المطالع رويناه بكسر الباء وفتحها من بله يبله والبلال الماء ومعنى الحديث سأصلها شبهت قطيعة الرحم بالحرارة ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة ومنه بلوا أرحامكم أى صلوها قوله صلى الله عليه وسلم (يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا عباس بن عبد المطلب) يجوز نصب فاطمة وصفية وعباس وضمهم والنصب أفصح وأشهر وأما بنت وبن فمنصوب لا غير وهذا وإن كان ظاهرا
معروفا فلا بأس بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه وأفرد صلى الله عليه وسلم هؤلاء لشدة قرابتهم قوله (عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو رضي الله عنهما قالا لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين قال انطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة من جبل فعلا أعلاها حجرا ثم نادى يابني عبد منافاه إني نذير إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه) أما قوله أولا قال انطلق فمعناه قالا لان
المراد أن قبيصة وزهيرا قالا ولكن لما كانا متفقين وهما كالرجل الواحد أفرد فعلهما ولو حذف لفظة قال كان الكلام واضحا منتظما ولكن لما حصل في الكلام بعض الطول حسن إعادة قال للتأكيد ومثله في القرآن العزيز أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون فأعاد أنكم وله نظائر كثيرة في القرآن العزيز والحديث وقد تقدم بيانه في مواضع من هذا الكتاب والله أعلم وأما المخارق والد قبيصة فبضم الميم والخاء المعجمة وأما الرضمة فبفتح الراء وإسكان الضاد المعجمة وبفتحها لغتان حكاهما صاحب المطالع وغيره واقتصر صاحب العين والجوهري والهروي وغيرهم على الاسكان وبن فارس وبعضهم على الفتح قالوا والرضمة واحدة الرضم والرضام وهي صخور عظام بعضها فوق بعض وقيل هي دون الهضاب وقال صاحب العين الرضمة حجارة مجتمعة ليست بثابتة في الأرض كأنها منثورة وأما يربأ فهو بفتح الياء وإسكان الراء وبعدها باء موحدة ثم همزة على وزن يقرأ ومعناه يحفظهم ويتطلع لهم ويقال لفاعل ذلك ربئة وهو العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم العدو ولا يكون في الغالب إلا على جبل أو شرف أو شئ مرتفع لينظر إلى بعد وأما يهتف فبفتح الياء وكسر التاء ومعناه يصيح ويصرخ وقولهم ياصباحاه كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له والله أعلم قوله (عن بن عباس رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين) هو بفتح اللام فظاهر هذه العبارة أن قوله ورهطك منهم المخلصين كان قرآنا أنزل ثم نسخت
تلاوته ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري قوله صلى الله عليه وسلم (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي) أما سفح الجبل فبفتح السين وهو أسفله وقيل عرضه وأما مصدقي فبتشديد الدال والياء قوله (فنزلت هذه السورة تبت يدا أبي لهب وقد تب كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة) معناه أن الأعمش زاد لفظة قد بخلاف القراءة المشهورة وقوله إلى آخر السورة يعني أتم القراءة إلى آخر السورة كما يقرؤها الناس وفي السورة لغتان الهمز وتركه حكاهما بن قتيبة والمشهور بغير همز كسور البلد لارتفاعها ومن همزه قال هي قطعة من القرآن كسؤر الطعام والشراب وهي البقية منه وفي أبي لهب لغتان قرئ بهما فتح الهاء وإسكانها واسمه عبد العزى ومعنى تب خسر قال القاضي عياض وقد استدل بهذه السورة على جواز تكنية الكافر وقد اختلف العلماء في ذلك واختلفت الرواية عن مالك في جواز تكنية الكافر بالجواز والكراهة وقال بعضهم إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التألف وإلا فلا إذ في التكنية تعظيم وتكبير وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب فليست من هذا ولا حجة فيه إذا كان اسمه عبد العزى وهذه تسمية باطلة فلهذا كنى عنه وقيل لأنه إنما كان يعرف بها وقيل إن أبا لهب لقب وليس بكنية وكنيته أبو عتبة وقيل جاء ذكر أبي لهب
لمجانسة الكلام والله أعلم
(باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لابي طالب)
(والتخفيف عنه بسببه)
قوله (كان يحوطك) هو بفتح الياء وضم الحاء قال أهل اللغة يقال حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا صانه وحفظه وذب عنه وتوفر على مصالحه قوله صلى الله عليه وسلم (وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) أما الضحضاح فهو بضادين معجمتين مفتوحتين والضحضاح ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين واستعير في النار وأما الغمرات فبفتح الغين والميم واحدتها غمرة بإسكان الميم وهي المعظم من الشئ قوله صلى الله عليه وسلم (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) قال أهل اللغة في الدرك لغتان فصيحتان مشهورتان فتح الراء وإسكانها وقرئ بهما في القراءات السبع قال الفراء هما لغتان جمعهما أدراك وقال الزجاج اللغتان جميعا حكاهما أهل اللغة إلا أن الاختيار فتح الراء لأنه أكثر في الاستعمال وقال أبو حاتم جمع الدرك بالفتح أدراك كجمل وأجمال وفرس وأفراس وجمع الدرك بالإسكان أدرك كفلس
وأفلس وأما معناه فقال جميع أهل اللغة والمعاني والغريب وجماهير المفسرين الدرك الأسفل قعر جهنم وأقصى أسفلها قالوا ولجهنم أدراك فكل طبقة من أطباقها تسمى دركا والله
أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (يوضع في أخمص قدميه) هو بفتح الهمزة وهو المتجافي من الرجل عن الأرض قوله صلى الله عليه وسلم (أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل) أما الشراك فبكسر الشين وهو أحد سيور النعل وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم والغليان معروف وهو شدة اضطراب الماء ونحوه على النار لشدة اتقادها يقال غلت القدر تغلي غليا وغليانا وأغليتها أنا وأما المرجل فبكسر الميم وفتح الجيم وهو قدر معروف سواء كان من حديد أو نحاس أو حجارة أو خزف هذا هو الأصح وقال صاحب المطالع وقيل هو القدر من النحاس يعني خاصة والأول أعرف والميم فيه زائدة وفي هذا الحديث وما أشبهه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار كما أن نعيم أهل الجنة متفاوت والله أعلم
(باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل)
فيه حديث عائشة رضي الله عنها (قالت قلت يارسول الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
معنى هذا الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرا وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين أي لم يكن مصدقا بالبعث ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل قال القاضي عياض رحمه الله تعالى وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم هذا آخر كلام القاضي وذكر الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر قال البيهقي وقد يجوز أن يكون حديث بن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات هذا كلام البيهقي قال العلماء وكان بن جدعان كثير الإطعام وكان اتخذ للضيفان جفنة يرقى إليها بسلم وكان من بني تميم بن مرة أقرباء عائشة رضي الله عنها وكان من رؤساء قريش واسمه عبد الله وجدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين المهملة وأما صلة الرحم فهي الإحسان إلى الأقارب وقد تقدم بيانها وأما الجاهلية فما كان قبل النبوة سموا بذلك لكثرة جهالاتهم والله تعالى أعلم
(باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم)
قوله (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين) هذه الكناية بقوله يعني فلانا هي من بعض الرواة خشي أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة إما في حق نفسه وإما في حقه وحق غيره فكنى عنه
والغرض إنما هو قوله صلى الله عليه وسلم إنما وليي الله وصالح المؤمنين ومعناه إنما وليي من كان صالحا وإن بعد نسبه مني وليس وليي من كان غير صالح وان كان نسبه قريبا قال القاضي عياض رضي الله عنه قيل إن المكنى عنه ها هنا هو الحكم بن أبي العاص والله أعلم وأما قوله جهارا فمعناه علانية لم يخفه بل باح به وأظهره وأشاعه ففيه التبرؤ من المخالفين وموالاة الصالحين والاعلان بذلك مالم يخف ترتب فتنة عليه والله أعلم
(باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة)
(بغير حساب ولا عذاب)
قوله صلى الله عليه وسلم (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب) فيه عظم ما أكرم الله سبحانه وتعالى به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته زادها الله فضلا وشرفا وقد جاء في صحيح مسلم
سبعون ألفا مع كل واحد منهم سبعون ألفا قوله (عكاشة بن محصن) هو بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها لغتان مشهورتان ذكرهما جماعات منهم ثعلب والجوهري وآخرون قال الجوهري قال ثعلب هو مشدد وقد يخفف وقال صاحب المطالع التشديد أكثر ولم يذكر القاضي عياض هنا غير التشديد وأما محصن فبكسر الميم وفتح الصاد وأما قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الثاني سبقك بها عكاشة فقال القاضي عياض قيل إن الرجل الثاني لم يكن ممن يستحق تلك المنزلة ولا كان بصفة أهلها بخلاف عكاشة وقيل بل كان منافقا فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بكلام محتمل ولم ير صلى الله عليه وسلم التصريح له بأنك لست منهم لما كان صلى الله عليه وسلم عليه من حسن العشرة وقيل قد يكون سبق عكاشة بوحي أنه يجاب فيه ولم يحصل ذلك للآخر قلت وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه في الأسماء المبهمة أنه يقال إن هذا الرجل هو سعد بن عبادة رضي الله عنه فإن صح هذا بطل قول من زعم أنه منافق والأظهر المختار هو القول الأخير والله أعلم قوله (يرفع نمرة) النمرة كساء فيه خطوط بيض وسود وحمر كأنها أخذت من جلد النمر لاشتراكهما في التلون وهي من مآزر العرب قوله (حدثني أبو يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه) واسم أبي يونس هذا سليم بن جبير بضم السين والجيم المصري الدوسي مولى ابي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا
زمرة واحدة منهم على صورة القمر) روي زمرة واحدة بالنصب والرفع والزمرة الجماعة في تفرقة بعضها في إثر بعض قوله صلى الله عليه وسلم (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون) اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال الإمام أبو عبد الله المازري احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوي مكروه ومعظم العلماء على خلاف ذلك واحتجوا بما وقع في أحاديث كثيرة من ذكره صلى الله عليه وسلم لمنافع الأدوية والأطعمة كالحبة السوداء والقسط والصبر وغير ذلك وبأنه صلى الله عليه وسلم تداوى وبإخبار عائشة رضي الله عنها بكثرة تداويه وبما علم من الاستشفاء برقاه وبالحديث الذي فيه أن بعض الصحابة أخذوا على الرقية أجرا فإذا ثبت هذا حمل ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها ولا يفوضون الأمر إلى الله تعالى قال القاضي عياض قد ذهب إلى هذا التأويل غير واحد ممن تكلم على الحديث ولا يستقيم هذا التأويل وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء لهم مزية وفضيلة يدخلون الجنة بغير حساب وبان وجوههم تضئ إضاءة القمر ليلة البدر ولو كان كما تأوله هؤلاء لما اختص هؤلاء بهذه الفضيلة لأن تلك هي عقيدة جميع المؤمنين ومن اعتقد خلاف ذلك كفر وقد تكلم العلماء وأصحاب المعاني على هذا فذهب أبو سليمان الخطابي وغيره إلى أن المراد من تركها توكلا على الله تعالى ورضاء بقضائه وبلائه قال الخطابي وهذه من أرفع درجات المحققين بالإيمان قال وإلى هذا ذهب جماعة سماهم قال القاضي وهذا ظاهر الحديث ومقتضاه أنه لا فرق بين ما ذكر من الكي والرقى وسائر أنواع الطب وقال الداودي المراد بالحديث الذي يفعلونه في الصحة فإنه يكره لمن ليست به علة أن يتخذ التمائم ويستعمل الرقى وأما من يستعمل ذلك ممن
به مرض فهو جائز وذهب بعضهم إلى تخصيص الرقى والكي من بين أنواع الطب لمعنى وأن الطب غير قادح في التوكل إذ تطبب رسول الله صلى الله عليه وسلم والفضلاء من السلف وكل سبب مقطوع به كالأكل والشرب للغذاء والري لا يقدح في التوكل عند المتكلمين في هذا الباب ولهذا لم ينف عنهم التطبب ولهذا لم يجعلوا الاكتساب للقوت وعلى العيال قادحا في التوكل إذا لم يكن ثقته في رزقه باكتسابه وكان مفوضا في ذلك كله إلى الله تعالى والكلام في الفرق بين الطب والكي يطول وقد أباحهما النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليهما لكني أذكر منه نكتة تكفي وهو أنه صلى الله عليه وسلم تطبب في نفسه وطبب غيره ولم يكتو وكوى غيره ونهى في الصحيح أمته عن الكي وقال ما أحب أن أكتوي هذا آخر كلام القاضي والله أعلم والظاهر من معنى الحديث ما اختاره الخطابي ومن وافقه كما تقدم وحاصله أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله عز وجل فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم ولا شك في فضيلة هذه الحالة ورجحان صاحبها وأما تطبب النبي صلى الله عليه وسلم ففعله ليبين لنا الجواز والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم وعلى ربهم يتوكلون اختلفت عبارات العلماء من السلف والخلف في حقيقة التوكل فحكى الإمام أبو جعفر الطبري وغيره عن طائفة من السلف أنهم قالوا لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله تعالى من سبع أو عدو حتى يترك السعي في طلب الرزق ثقة بضمان الله تعالى له رزقه واحتجوا بما جاء في ذلك من الآثار وقالت طائفة حده الثقة بالله تعالى والايقان بأن قضاءه نافذ واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من المطعم والمشرب والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم أجمعين قال القاضي عياض وهذا المذهب هو اختيار الطبري وعامة الفقهاء والأول مذهب بعض المتصوفة وأصحاب علم القلوب والإشارات وذهب المحققون منهم إلى نحو مذهب الجمهور ولكن لا يصح عندهم اسم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب بل فعل الأسباب سنة الله وحكمته والثقة بأنه لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا والكل من الله تعالى وحده هذا كلام القاضي عياض قال الإمام الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى اعلم أن التوكل محله القلب وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعد ما تحقق العبد أن الثقة من قبل الله تعالى فان تعسر شئ فبتقديره وإن تيسر فبتيسيره وقال سهل بن
عبد الله التستري رضي الله عنه التوكل الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد وقال أبو عثمان الجبري التوكل الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه وقيل التوكل أن يستوي الإكثار والتقلل والله أعلم قوله (حدثنا حاجب بن عمر أبو خشينة) هو بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين بعدهما مثناة من تحت ثم نون ثم هاء وحاجب هذا هو أخو عيسى بن عمر النحوي الإمام المشهور قوله صلى الله عليه وسلم (ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا متماسكون آخذ بعضهم بعضا لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم) هكذا هو في معظم الأصول متماسكون بالواو وآخذ بالرفع ووقع في بعض الاصول متماسكين وآخذا بالياء والألف وكلاهما صحيح ومعنى متماسكين ممسك بعضهم بيد بعض ويدخلون معترضين صفا واحدا بعضهم بجنب بعض وهذا تصريح بعظم سعة باب الجنة نسأل الله الكريم رضاه والجنة لنا ولأحبابنا ولسائر المسلمين قوله (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة) هو بالقاف
والضاد المعجمة ومعناه سقط وأما البارحة فهي أقرب ليلة مضت قال أبو العباس ثعلب يقال قبل الزوال رأيت الليلة وبعد الزوال رأيت البارحة وهكذا قاله غير ثعلب قالوا وهي مشتقة من برح إذا زال وقد ثبت في صحيح مسلم في كتاب الرؤيا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح قال هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا قوله (أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت) أراد أن ينفي عن نفسه اتهام العبادة والسهر في الصلاة مع أنه لم يكن فيها وقوله لدغت هو بالدال المهملة والغين المعجمة قال أهل اللغة يقال لدغته العقرب وذوات السموم إذا أصابته بسمها وذلك بأن تأبره بشوكتها قوله (لا رقية إلا من عين أو حمة) أما الحمة فهي بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وهي سم العقرب وشبهها وقيل فوعة السم وهي حدته وحرارته والمراد أو ذي حمة كالعقرب وشبهها أي لا رقية إلا من لدغ ذي حمة وأما العين فهي إصابة العائن غيره بعينه والعين حق قال الخطابي ومعنى الحديث لا رقية أشفى وأولى من رقية العين وذي الحمة وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهي مباحة وإنما جاءت الكراهة منها لما كان بغير لسان العرب فإنه ربما كان كفرا أو قولا يدخله الشرك قال ويحتمل أن يكون الذي كره من الرقية ما كان منها على مذاهب الجاهلية في العوذ التي كانوا يتعاطونها ويزعمون أنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون أنها من قبل الجن ومعونتهم هذا كلام الخطابي رحمه الله تعالى والله أعلم قوله (بريدة بن حصيب) هو بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين قوله صلى الله عليه وسلم (فرأيت النبي ومعه الرهيط) هو بضم
الراء تصغير الرهط وهي الجماعة دون العشرة قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) معناه ومع هؤلاء سبعون ألفا من أمتك فكونهم من أمته صلى الله عليه وسلم لا شك فيه وأما تقديره فيحتمل أن يكون معناه وسبعون ألفا من أمتك غير هؤلاء وليسوا مع هؤلاء ويحتمل أن يكون معناه في جملتهم سبعون ألفا ويؤيد هذا رواية البخاري في صحيحه هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا والله أعلم قوله (فخاض الناس) هو بالخاء والضاد المعجمتين أي تكلموا وتناظروا
وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق والله أعلم
باب بيان كون هذه الامة نصف أهل الجنة
قال مسلم (حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله) هذا الإسناد كله كوفيون واسم أبي الأحوص سلام بن سليم وأبو إسحاق هو السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله وعبد الله هو بن مسعود قوله (كشعرة بيضاء في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض) هذا شك من الراوي قوله (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا مالك وهو بن مغول عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله) هذا الإسناد كله كوفيون قوله (قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة قال فكبرنا ثم قال أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) أما تكبيرهم فلسرورهم بهذه البشارة العظيمة وأما قوله صلى الله عليه وسلم ربع أهل الجنة ثم ثلث أهل الجنة ثم الشطر ولم يقل أولا شطر أهل الجنة فلفائدة حسنة وفي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته وفيه فائدة أخرى هي تكريره البشارة مرة بعد أخرى وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه والله أعلم ثم إنه وقع في هذا الحديث شطر أهل الجنة وفي الرواية الأخرى نصف أهل الجنة وقد ثبت في الحديث الآخر أن أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا فهذا دليل
على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بحديث الشطر ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة فأعلم بحديث الصفوف فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة كحديث الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة وبخمس وعشرين درجة على إحدى التأويلات فيه وسيأتي تقريره في موضعه إن وصلناه إن شاء الله تعالى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة) هذا نص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلا وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم هل بلغت اللهم اشهد) معناه
أن التبليغ واجب علي وقد بلغت فاشهد لي به قوله (حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي) هو بالباء الموحدة والسين المهملة قوله صلى الله عليه وسلم (لبيك وسعديك والخير في يديك) معنى في يديك عندك وقد تقدم بيان لبيك وسعديك في حديث معاذ رضي الله عنه قوله سبحانه وتعالى لآدم صلى الله عليه وسلم (أخرج بعث النار) البعث هنا بمعنى المبعوث الموجه إليها ومعناه ميز أهل النار من غيرهم قوله صلى الله عليه وسلم (فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) معناه موافقة الآية في قوله تعالى إن زلزلة الساعة شئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت إلى آخرها وقوله تعالى فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا وقد اختلف العلماء في وقت وضع كل ذات حمل حملها وغيره من المذكور فقيل عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا وقيل هو في القيامة فعلى الأول هو على ظاهره وعلى الثاني يكون مجازا لأن القيامة ليس فيها حمل ولا ولادة وتقديره ينتهي به الأهوال والشدائد إلى أنه لو تصورت الحوامل هناك لوضعن أحمالهن كما تقول العرب أصابنا أمر يشيب منه الوليد يريدون شدته والله أعلم
قوله صلى الله عليه وسلم (فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل) هكذا هو في الأصول والروايات ألف ورجل بالرفع فيهما وهو صحيح وتقديره أنه بالهاء التي هي ضمير الشأن وحذفت الهاء وهو جائز معروف وأما ياجوج وماجوج فهما غير مهموزين عند جمهور القراء وأهل اللغة وقرأ عاصم بالهمز فيهما وأصله من أجيج النار وهو صوتها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم واضطرابهم بعضهم في بعض قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان هم من ولد يافث بن نوح وقال الضحاك هم جيل من الترك وقال كعب هم بادرة من ولد آدم من غير حواء قال وذلك أن آدم صلى الله عليه وسلم احتلم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله تعالى منها يأجوج ومأجوج والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (كالرقمة في ذراع الحمار) هي بفتح الراء وإسكان القاف قال أهل اللغة الرقمتان في الحمار هما الأثران في باطن عضديه وقيل هي الدائرة في ذراعيه وقيل هي الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل والله أعلم بالصواب
(كتاب الطهارة)
قال جمهور أهل اللغة يقال الوضوء والطهور بضم أولهما إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر ويقال الوضوء والطهور بفتح أولهما إذا أريد به الماء الذي يتطهر به هكذا نقله بن الأنباري وجماعات من أهل اللغة وغيرهم عن أكثر أهل اللغة وذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والأزهري وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما قال صاحب المطالع وحكي الضم فيهما جميعا وأصل الوضوء من الوضاءة وهي الحسن والنظافة وسمي وضوء الصلاة وضوءا لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه وكذلك الطهارة أصلها النظافة والتنزه وأما الغسل فإذا أريد به الماء فهو مضموم الغين وإذا أريد به المصدر فيجوز بضم الغين وفتحها لغتان مشهورتان وبعضهم يقول إن كان مصدرا لغسلت فهو بالفتح كضربت ضربا وإن كان بمعنى الاغتسال فهو بالضم كقولنا غسل الجمعة مسنون وكذلك الغسل من الجنابة واجب وما أشبهه وأما ما ذكره بعض من صنف في لحن الفقهاء من أن قولهم غسل الجنابة وغسل الجمعة وشبههما بالضم لحن فهو خطأ منه بل الذي قالوه صواب كما ذكرناه وأما الغسل بكسر الغين فهو اسم لما يغسل به الرأس من خطمى وغيره والله أعلم
(باب فضل الوضوء)
قال مسلم رحمه الله (حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال حدثنا أبان حدثنا يحيى أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري) هذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطني وغيره فقالوا سقط فيه رجل بين أبي سلام وأبي مالك والساقط عبد الرحمن بن غنم قالوا والدليل على
سقوطه أن معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري وهكذا أخرجه النسائي وبن ماجه وغيرهما ويمكن أن يجاب لمسلم عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك وسمعه أيضا من عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك فرواه مرة عنه ومرة عن عبد الرحمن وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه والله أعلم وأما حبان بن هلال فبفتح الحاء وبالباء الموحدة وأما أبان فقد تقدم ذكره في أول الكتاب وأنه يجوز صرفه وترك صرفه وأن المختار صرفه وأما أبو سلام فاسمه ممطور الأعرج الحبشي الدمشقي نسب إلى حي من حمير من اليمن لا إلى الحبشة وأما أبو مالك فاختلف في اسمه فقيل الحارث وقيل عبيد وقيل كعب بن عاصم وقيل عمرو وهو معدود في الشاميين قوله صلى الله عليه وسلم (الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام قد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام فأما الطهور فالمراد به الفعل فهو مضموم الطاء على المختار وقول الأكثرين ويجوز فتحها كما تقدم وأصل الشطر النصف واختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان فقيل معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان وقيل معناه أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا وكذلك الوضوء لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر وقيل المراد بالإيمان هنا الصلاة كما قال الله تعالى وما كان الله ليضيع ايمانكم والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا وهذا القول أقرب الأقوال ويحتمل أن يكون
معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر وهما شطران للإيمان والطهارة متضمنة الصلاة فهي انقياد في الظاهر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم والحمد لله تملأ الميزان فمعناه عظم أجرها وأنه يملأ الميزان وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها وأما قوله صلى الله عليه وسلم وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض فضبطناه بالتاء المثناة من فوق في تملآن وتملأ وهو صحيح فالأول ضمير مؤنثتين غائبتين والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام وقال صاحب التحرير يجوز تملآن بالتأنيث والتذكير جميعا فالتأنيث على ما ذكرناه والتذكير على إرادة النوعين من الكلام أو الذكرين قال وأما تملأ فمذكر على إرادة الذكر وأما معناه فيحتمل أن يقال لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السماوات والأرض وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله سبحان الله والتفويض والافتقار إلى الله تعالى بقوله الحمد لله والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم والصلاة نور فمعناه أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به وقيل معناه أنه يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة وقيل لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه وقد قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وقيل معناه أنها تكون نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم والصدقة برهان فقال صاحب التحرير معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول تصدقت به قال ويجوز أن يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها فيكون برهانا له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله وقال غير صاحب التحرير معناه الصدقة حجة على إيمان فاعلها فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم والصبر ضياء فمعناه الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته والصبر أيضا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا والمراد أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب قال إبراهيم الخواص الصبر هو الثبات على
الكتاب والسنة وقال بن عطاء الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في أيوب عليه السلام إنا وجدناه صابرا نعم العبد مع أنه قال إني مسني الضر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم والقرآن حجة لك أو عليك فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك وأما قوله صلى الله عليه وسلم كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها فمعناه كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها أي يهلكها والله أعلم
(باب وجوب الطهارة للصلاة)
في إسناده (أبو كامل الجحدري) بفتح الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الدال واسمه الفضيل بن حسين منسوب إلى جد له اسمه جحدر وتقدم بيانه مرات وفيه (أبو عوانة) واسمه الوضاح بن عبد الله قوله صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) هذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة قال القاضي عياض واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة فذهب بن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم قال الجمهور بل كان قبل ذلك فرضا قال واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة
فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة الآية وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ وقيل الأمر به لكل صلاة على الندب وقيل بل لم يشرع إلا لمن أحدث ولكن تجديده لكل صلاة مستحب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم فيه خلاف ومعنى الآية عندهم إذا كنتم محدثين هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه أحدها أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا والثاني لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة والثالث يجب بالأمرين وهو الراجح عند أصحابنا وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة وهذا مذهب باطل وأجمع العلماء على خلافه ولو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجماهير وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يكفر لتلاعبه ودليلنا أن الكفر للاعتقاد وهذا المصلي اعتقاده صحيح وهذا كله إذا لم يكن للمصلي محدثا عذر أما المعذور كمن لم يجد ماء ولا ترابا ففيه أربعة أقوال للشافعي رحمه الله تعالى وهي مذاهب للعلماء قال بكل واحد منها قائلون أصحها عند أصحابنا يجب عليه أن يصلي على حاله ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة والثاني يحرم عليه أن يصلي ويحب القضاء والثالث يستحب أن يصلي ويجب القضاء والرابع يجب أن يصلي ولا يجب القضاء وهذا القول اختيار المزني وهو أقوى الأقوال دليلا فأما وجوب الصلاة فلقوله صلى الله عليه وسلم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم وأما الإعادة فإنما تجب بأمر مجدد والأصل عدمه وكذا يقول المزني كل صلاة أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فمعناه حتى يتطهر بماء أو تراب وإنما اقتصر صلى الله عليه وسلم على الوضوء لكونه الأصل والغالب والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولا صدقة من غلول فهو بضم الغين والغلول الخيانة وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة وأما قول بن عامر ادع لى فقال بن عمر رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول وكنت على البصرة فمعناه أنك لست بسالم من الغلول فقد كنت واليا على
البصرة وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد ولا يقبل الدعاء لمن هذه صفته كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون والظاهر والله أعلم أن بن عمر قصد زجر بن عامر وحثه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات ولم يرد القطع حقيقة بأن الدعاء للفساق لا ينفع فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم والسلف والخلف يدعو للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة والله أعلم قوله (حدثنا محمد بن مثنى وبن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة قال أبو بكر ووكيع حدثنا عن إسرائيل كلهم عن سماك بن حرب) أما قوله كلهم فيعني به شعبة وزائدة وإسرائيل فأما قوله قال أبو بكر ووكيع حدثنا فمعناه أن أبا بكر بن أبي شيبة رواه عن حسين بن علي عن زائدة ورواه أبو بكر أيضا عن وكيع عن إسرائيل فقال أبو بكر ووكيع حدثنا وهو بمعنى قوله حدثنا وكيع وسقط في بعض الأصول لفظة حدثنا وبقي قوله أبو بكر ووكيع عن إسرائيل وهو صحيح أيضا ويكون معطوفا على قول أبي بكر أولا حدثنا حسين أي وحدثنا وكيع عن إسرائيل ووقع في بعض الأصول هكذا قال أبو بكر وحدثنا وكيع وكله صحيح والله أعلم
(باب صفة الوضوء وكماله)
فيه حرملة التجيبي هو بضم التاء وفتحها وقد تقدم بيانه في أول الكتاب في مواضع والله أعلم قوله (عن بن شهاب أن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران أخبره) هؤلاء ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض وحمران أن بضم الحاء قوله (فغسل كفيه ثلاث مرات) هذا دليل على أن غسلهما في أول الوضوء سنة وهو كذلك باتفاق العلماء وقوله (ثم تمضمض واستنثر) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون الاستنثار هو إخراج الماء من الانف بعد الاستنشاق وقال بن الاعرابي وبن قتيبة الاستنثار الاستنشاق والصواب الأول ويدل عليه الرواية الأخرى استنشق واستنثر فجمع بينهما قال أهل اللغة هو مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف وقال الخطابي وغيره هي الأنف والمشهور الأول قال الأزهري روى سلمة عن الفراء أنه يقال نثر الرجل وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة والله أعلم وأما حقيقة المضمضة فقال أصحابنا كمالها أن يجعل الماء في فمه ثم يديره فيه ثم يمجه وأما أقلها فأن يجعل الماء في فيه ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور وقال جماعة من أصحابنا يشترط وهو مثل الخلاف في مسح الرأس أنه لو وضع يده المبتلة على رأسه ولم يمرها هل يحصل المسح والأصح الحصول كما يكفي إيصال الماء إلى باقي الأعضاء من غير دلك وأما الاستنشاق فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه ويستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما فيكره ذلك لحديث لقيط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة قال الترمذي هو حديث حسن صحيح قال أصحابنا وعلى أي صفة وصل الماء إلى الفم والأنف حصلت المضمضة والاستنشاق وفي الأفضل خمسة أوجه الأول يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل
واحدة ثم يستنشق منها والوجه الثاني يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا والوجه الثالث يجمع أيضا بغرفة ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يتمضمض منها ثم يستنشق والرابع يفصل بينهما بغرفتين فيتمضمض من إحداهما ثلاثا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا والخامس يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث غرفات والصحيح الوجه الأول وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما وأما حديث الفصل فضعيف فيتعين المصير إلى الجمع بثلاث غرفات كما ذكرنا لحديث عبد الله بن زيد المذكور في الكتاب واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق وعلى كل صفة وهل هو تقديم استحباب واشتراط فيه وجهان أظهرهما اشتراط لاختلاف العضوين والثاني استحباب كتقديم يده اليمنى على اليسرى والله أعلم قوله (ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم غسل اليسرى مثل ذلك) هذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة قال العلماء فاختلافها دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ فعلى هذا يحمل اختلاف الأحاديث وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القصة الواحدة فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسي فيؤخذ بما زاد الثقة كما تقرر في قبول زيادة الثقة الضابط واختلف العلماء في مسح الرأس فذهب الشافعي في طائفة إلى أنه يستحب فيه المسح ثلاث مرات كما في باقي الأعضاء وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والأكثرون إلى أن السنة مرة واحدة ولا يزاد عليها
والأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة وفي بعضها الاقتصار على قوله مسح واحتج الشافعي بحديث عثمان رضي الله عنه الآتي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وبما رواه أبو داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثا وبالقياس على باقي الأعضاء وأجاب عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز وواظب صلى الله عليه وسلم على الأفضل والله أعلم وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرجلين واستيعاب جميعهما بالغسل وانفردت الرافضة عن العلماء فقالوا الواجب في الرجلين المسح وهذا خطأ منهم فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما وكذلك اتفق كل من نقل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه غسلهما وأجمعوا على وجوب مسح الرأس واختلفوا في قدر الواجب فيه فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعابه وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى في رواية الواجب ربعه واختلفوا في وجوب المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب أحدها مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل وذهب إليه من السلف الحسن البصري والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحي بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد وهو رواية عن عطاء وأحمد والمذهب الثاني أنهما واجبتان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما وهو المشهور عن أحمد بن حنبل وهو مذهب بن أبي ليلى وحماد وإسحاق بن راهويه ورواية عن عطاء والمذهب الثالث أنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والمذهب الرابع أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل والمضمضة سنة فيهما وهو مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد والله أعلم واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل جريان الماء على الأعضاء ولا يشترط الدلك وانفرد مالك والمزني باشتراطه والله أعلم واتفق الجماهير على وجوب غسل الكعبين والمرفقين وانفرد زفر وداود الظاهري بقولهما لا يجب والله أعلم واتفق العلماء على أن المراد بالكعبين العظمان الناتئان بين الساق والقدم وفي كل رجل كعبان وشذت الرافضة فقالت في كل رجل كعب وهو العظم الذي في ظهر القدم وحكي هذا عن محمد بن الحسن ولا يصح عنه وحجة العلماء في ذلك نقل أهل اللغة والاشتقاق وهذا الحديث الصحيح الذي نحن
فيه وهو قوله فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ورجله اليسرى كذلك فأثبت في كل رجل كعبين والأدلة في المسألة كثيرة وقد أوضحتها بشواهدها وأصولها في المجموع في شرح المهذب وكذلك بسطت فيه أدلة هذه المسائل واختلاف المذاهب وحجج الجميع من الطوائف وأجوبتها والجمع بين النصوص المختلفة فيها وأطنبت فيها غاية الإطناب وليس مرادي هنا إلا الإشارة إلى ما يتعلق بالحديث والله أعلم قال أصحابنا ولو خلق للإنسان وجهان وجب غسلهما ولو خلق له ثلاثة أيد أو أرجل أو أكثر وهي متساويات وجب غسل الجميع وإن كانت اليد الزائدة ناقصة وهي نابتة في محل الفرض وجب غسلها مع الأصلية وإن كانت نابتة فوق المرفق ولم تحاذ محل الفرض لم يجب غسلها وإن حاذته وجب غسل المحاذي خاصة على المذهب الصحيح المختار وقال بعض أصحابنا لا يجب ولو قطعت يده من فوق المرفق فلا فرض عليه فيها ويستحب أن يغسل بعض ما بقي لئلا يخلو العضو من طهارة فلو قطع بعض الذراع وجب غسل باقيه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه) إنما قال صلى الله عليه وسلم نحو وضوئي ولم يقل مثل لأن حقيقة مماثلته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها غيره والمراد بالغفران الصغائر دون الكبائر وفيه استحباب صلاة ركعتين فأكثر عقب كل وضوء وهو سنة مؤكدة قال جماعة من أصحابنا ويفعل هذه الصلوات في أوقات النهي وغيرها لأن لها سببا واستدلوا بحديث بلال رضي الله عنه المخرج في صحيح البخاري أنه كان متى توضأ صلى وقال إنه أرجى عمل له ولو صلى فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا يحدث فيهما نفسه فالمراد لا يحدث بشئ من أمور الدنيا ومالا يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله تعالى لأن هذا ليس من فعله وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر وقد تقدم بيان هذه القاعدة في كتاب الايمان
والله تعالى أعلم وقد قال معنى ما ذكرته الإمام أبو عبد الله المازري وتابعه عليه القاضي عياض فقال يريد بحديث النفس الحديث المجتلب والمكتسب وأما ما يقع في الخواطر غالبا فليس هو المراد قال وقوله يحدث نفسه فيه إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يكتسب لإضافته إليه قال القاضي عياض وقال بعضهم هذا الذي يكون بغير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة ويكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشئ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه هذا كلام القاضي والصواب ما قدمته والله أعلم قوله (قال بن شهاب وكان علماؤنا يقولون هذا أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة) معناه هذا أتم الوضوء وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو وأما إذا لم تستوعب العضو إلا بغرفتين فهي غسلة واحدة ولو شك هل غسل ثلاثا أم اثنتين جعل ذلك اثنتين وأتى بثالثة هذا هو الصواب الذي قاله الجماهير من أصحابنا وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا يجعل ذلك ثلاثا ولا يزيد عليها مخافة من ارتكاب بدعة بالرابعة والأول هو الجاري على القواعد وإنما تكون الرابعة بدعة ومكروهة إذا تعمد كونها رابعة والله أعلم وقد يستدل بقول بن شهاب هذا من يكره غسل ما فوق المرفقين والكعبين وليس ذلك بمكروه عندنا بل هو سنة محبوبة وسيأتي بيانها في بابها إن شاء الله تعالى ولا دلالة في قول بن شهاب على كراهته فإن مراده العدد كما قدمناه ولو صرح بن شهاب أو غيره بكراهة ذلك كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة مقدمة عليه والله أعلم قوله (أنه رأى عثمان رضي الله عنه دعا بإناء فأفرغ على
كفيه ثلاث مرات فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات) فيه أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يأخذ الماء لهما بيمينه وقد يستدل به على أن المضمضة والاستنشاق يكونان بغرفة واحدة وهو أحد الأوجه الخمسة التي قدمتها ووجه الدلالة منه أنه ذكر تكرار غسل الكفين والوجه وأطلق أخذ الماء للمضمضة والله أعلم ويستدل به على استحباب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء وإن لم يكن قد قام من النوم إذا شك في نجاسة يده وهو مذهبنا والدلالة منه ظاهرة وسيأتي بيان هذه المسألة في بابها قريبا إن شاء الله تعالى والله أعلم
(باب فضل الوضوء والصلاة عقبه)
قوله (وهو بفناء المسجد) هو بكسر الفاء وبالمد أي بين يدي المسجد وفي جواره والله أعلم قوله (والله لأحدثنكم حديثا) فيه جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف قوله (لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم ثم قال عروة الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات
الآية) معناه لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علما إبلاغه لما كنت حريصا على تحديثكم ولست متكثرا بتحديثكم وهذا كله على ما وقع في الأصول التي ببلادنا ولأكثر الناس من غيرهم لولا آية بالياء ومد الألف قال القاضي عياض وقع للرواة في الحديثين لولا آية بالياء إلا الباجي فإنه رواه في الحديث الأول لولا أنه بالنون قال واختلف رواة مالك في هذين اللفظين قال واختلف العلماء في تأويل ذلك ففي مسلم قول عروة إن الآية هي قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات وعلى هذا لا تصح رواية النون وفي الموطأ قال مالك أراه يريد هذه الآية وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل الآية وعلى هذا تصح الروايتان ويكون معنى رواية النون لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله تعالى ما حدثتكم به لئلا تتكلوا قال القاضي والآية التي رآها عروة وإن كانت نزلت في أهل الكتاب ففيه تنبيه وتحذير لمن فعل فعلهم وسلك سبيلهم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عم في الحديث المشهور من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار هذا كلام القاضي والصحيح تأويل عروة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فيحسن الوضوء) أي يأتي به تاما بكمال صفته وآدابه وفي هذا الحديث الحث على الإعتناء بتعلم آداب الوضوء وشروطه والعمل بذلك والاحتياط فيه والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فينبغي أن يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح الرأس ومسح الأذنين ودلك الأعضاء والتتابع في الوضوء وترتيبه وغير ذلك من المختلف فيه وتحصيل ماء طهور بالإجماع والله سبحانه وتعالى أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها) أي التي بعدها فقد جاء في
الموطأ التي تليها حتى يصليها قوله (عن صالح قال قال بن شهاب ولكن عروة يحدث عن حمران أنه قال توضأ عثمان) هذا إسناد اجتمع فيه أربعة تابعيون مدنيون يروي بعضهم عن بعض وفيه لطيفة أخرى وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر فإن صالح بن كيسان أكبر سنا من الزهري وقوله (ولكن هو متعلق بحدث قبله) قوله صلى الله عليه وسلم (كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله) معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر وليس المراد أن الذنوب تغفر مالم تكن كبيرة فان كانت لا يغفر شئ من الصغائر فإن هذا وإن كان محتملا فسياق الأحاديث يأباه قال القاضي عياض هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله والله أعلم
وقوله صلى الله عليه وسلم وذلك الدهر كله أي ذلك مستمر في جميع الأزمان ثم إنه وقع في هذا الحديث (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة) وفي الرواية المتقدمة من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه وفي الرواية الأخرى الاغفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها وفي الحديث الآخر (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) وفي الحديث الآخر الصلوات الخمس كفارة لما بينهن وفي الحديث الآخر الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر فهذه الألفاظ كلها ذكرها مسلم في هذا الباب وقد يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين ويوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه والجواب ما أجابه العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت به درجات وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر والله أعلم وقوله (عن أبي النضر عن أبي أنس
أن عثمان رضي الله عنه توضأ بالمقاعد فقال ألا أريكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توضأ ثلاثا ثلاثا) وزاد قتيبة في روايته قال سفيان قال أبو النضر عن أبي أنس قال وعنده رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو النضر فاسمه سالم بن أمية المدني القرشي التيمي مولى عمر بن عبد الله التيمي وكاتبه وأما أبو أنس فاسمه مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني وهو جد مالك بن أنس الإمام ووالد أبي سهيل عم مالك وأما المقاعد فبفتح الميم وبالقاف قيل هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان وقيل درج وقيل موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك وأما قوله توضأ ثلاثا ثلاثا فهو أصل عظيم في أن السنة في الوضوء ثلاثا ثلاثا وقد قدمنا أنه مجمع على أنه سنة وأن الواجب مرة واحدة وفيه دلالة للشافعي ومن وافقه في أن المستحب في الرأس أن يمسح ثلاثا كباقي الأعضاء وقد جاءت أحاديث كثيرة بنحو هذا الحديث وقد جمعتها مبينة في شرح المهذب ونبهت على صحيحها من ضعيفها وموضع الدلالة منها وأما قوله وعنده رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمعناه أن عثمان قال ما قاله والرجال عنده فلم يخالفوه وقد جاء في رواية رواها البيهقي وغيره أن عثمان رضي الله تعالى عنه توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا قالوا نعم والله أعلم قوله (حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي النضر عن أبي أنس أن عثمان توضأ) هذا الإسناد من جملة ما استدركه الدارقطني وغيره قال أبو علي الغساني الجياني مذكور أن وكيع بن الجراح وهم في إسناد هذا الحديث في قوله عن أبي أنس وإنما يرويه أبو النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان بن عفان روينا هذا عن أحمد بن حنبل وغيره قال وهكذا قال الدارقطني هذا مما وهم فيه وكيع على الثوري وخالفه أصحاب الثوري الحفاظ منهم الأشجعي عبد الله وعبد الله بن الوليد ويزيد بن أبي حكيم والفريابي ومعاوية بن هشام وأبو حذيفة وغيرهم رووه عن الثوري عن أبي النضر عن
بسر بن سعيد أن عثمان وهو الصواب هذا آخر كلام أبي علي وقوله (عن جامع بن شداد أبي صخرة) هو بفتح الصاد المهملة ثم خاء معجمة ساكنة ثم راء ثم هاء وقد تقدم ضبطه قوله (فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة) النطفة بضم النون وهي الماء القليل ومراده لم يكن يمر عليه يوم إلا اغتسل فيه وكانت ملازمته للاغتسال محافظة على تكثير الطهر وتحصيل ما فيه من عظيم الأجر الذي ذكره في حديثه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ما أدري أحدثكم بشئ أو أسكت قال فقلنا يارسول الله إن كان خيرا فحدثنا وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم) أما قوله صلى الله عليه وسلم ما أدري أحدثكم أو أسكت فيحتمل أن يكون معناه ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديث في هذا الزمن مصلحة أم لا ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده صلى الله عليه وسلم فحدثهم به لما فيه من ترغيبهم في الطهارة وسائر أنواع الطاعات وسبب توقفه أولا أنه خاف مفسدة اتكالهم ثم رأى المصلحة في التحديث به وأما قولهم إن كان خيرا فحدثنا فيحتمل أن يكون معناه إن كان بشارة لنا وسببا لنشاطنا وترغيبنا في الأعمال أو تحذيرا وتنفيرا من المعاصي والمخالفات فحدثنا به لنحرص على عمل الخير والإعراض عن الشر وإن كان حديثا لا يتعلق بالأعمال ولا ترغيب فيه ولا ترهيب فالله ورسوله أعلم ومعناه فر فيه رأيك والله أعلم قوله (ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب الله تعالى عليه فيصلي هذه الصلوات
الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن) هذه الرواية فيها فائدة نفيسة وهي قوله صلى الله عليه وسلم الطهور الذي كتبه الله عليه فإنه دال على أن من اقتصر في وضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة وترك السنن والمستحبات كانت هذه الفضيلة حاصلة له وإن كان من أتى بالسنن أكمل وأشد تكفيرا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لا ينهزه إلا الصلاة) هو بفتح الياء والهاء وإسكان النون بينهما ومعناه لا يدفعه وينهضه ويحركه إلا الصلاة قال أهل اللغة نهزت الرجل أنهزه إذا دفعته ونهز رأسه أى حركه قال صاحب المطالع وضبطه بعضهم ينهزه بضم الياء وهو خطأ ثم قال وقيل هي لغة والله أعلم وفي هذا الحديث الحث على الإخلاص في الطاعات وأن تكون متمحضة لله تعالى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (غفر له ما خلا من ذنبه) أي مضى
قوله (أن الحكيم بن عبد الله القرشي حدثه أن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة حدثاه أن معاذ بن عبد الرحمن حدثهما عن حمران) هذا الإسناد اجتمع فيه الحكيم بضم الحاء وفتح الكاف ونافع بن جبير ومعاذ وحمران قوله (مولى الحرقة) هو بضم الحاء المهملة وفتح الراء تقدم بيانه أول الكتاب قوله (حدثنا بن وهب عن أبي صخر) هو أبو صخر من غير هاء في آخره واسمه حميد بن زياد وقيل حميد بن صخر وقيل حماد بن زياد ويقال له أبو الصخر الخراط صاحب العباء المدني سكن مصر
قوله صلى الله عليه وسلم (ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما) فيه جواز قول رمضان من غير إضافة شهر إليه وهذا هو الصواب ولا وجه لإنكار من أنكره وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى واضحة مبسوطة بشواهدها قوله صلى الله عليه وسلم (إذا اجتنب الكبائر) هكذا هو في أكثر الأصول اجتنب آخره باء موحدة والكبائر منصوب أي إذا اجتنب فاعلها الكبائر وفي بعض الأصول اجتنبت بزيادة تاء مثناة في أخره على مالم يسم فاعله ورفع الكبائر وكلاهما صحيح ظاهر والله أعلم
(باب الذكر المستحب عقب الوضوء)
قال مسلم (حدثني محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ربيعة يعنى بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر قال وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة
بن عامر) ثم قال مسلم (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح بن ميمون عن ربيعة بين يزيد عن أبي إدريس وأبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة) اعلم أن العلماء اختلفوا في القائل في الطريق الأول وحدثني أبو عثمان من هو فقيل هو معاوية بن صالح وقيل ربيعة بن يزيد قال أبو علي الغساني الجياني في تقييد المهمل الصواب أن القائل ذلك هو معاوية بن صالح قال وكتب أبو عبد الله بن الحذاء في نسخته قال ربيعة بن يزيد وحدثني أبو عثمان عن جبير عن عقبة قال أبو علي والذي أتى في النسخ المروية عن مسلم هو ما ذكرناه أولا يعني ما قدمته أنا هنا قال وهو الصواب قال وما أتى به بن الحذاء وهم منه وهذا بين من رواية الأئمة الثقاة الحفاظ وهذا الحديث يرويه معاوية بن صالح بإسنادين أحدهما عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة والثاني عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة قال أبو علي وعلى ما ذكرنا من الصواب خرجه أبو مسعود الدمشقي فصرح وقال قال معاوية بن صالح وحدثني أبو عثمان عن جبير عن عقبة ثم ذكر أبو علي طرقا كثيرة فيها التصريح بأنه معاوية بن صالح وأطنب أبو علي في إيضاح ما صوبه وكذلك جاء التصريح بكون القائل هو معاوية بن صالح في سنن أبي داود فقال أبو داود حدثنا أحمد بن سعيد عن بن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي عثمان وأظنه سعيد بن هانئ عن جبير بن نفير عن عقبة قال معاوية وحدثني ربيعة عن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة هذا لفظ أبي داود وهو صريح فيما قدمناه وأما قوله في الرواية الأخرى من طريق بن أبي شيبة (حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس وأبي عثمان عن جبير) فهو محمول على ما تقدم فقوله وأبي عثمان معطوف على ربيعة وتقديره حدثنا معاوية عن ربيعة عن أبي إدريس عن جبير وحدثنا معاوية عن أبي عثمان عن جبير والدليل على هذا التأويل والتقدير ما رواه أبو علي الغساني بإسناده عن عبد الله بن محمد
البغوي قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة قال معاوية وأبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة قال أبو علي فهذا الإسناد يبين ما أشكل من رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة قال أبو علي وقد روى عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح هذا الحديث أيضا فبين الإسنادين معا ومن أين مخرجهما فذكر ما قدمناه من رواية أبي داود عن أحمد بن سعيد عن بن وهب قال أبو علي وقد خرج أبو عيسى الترمذي في مصنفه هذا الحديث من طريق زيد بن الحباب عن شيخ له لم يقم إسناده عن زيد وحمل أبو عيسى في ذلك على زيد بن الحباب وزيد بريء من هذه العهدة والوهم في ذلك من أبي عيسى أو من شيخه الذي حدثه به لأنا قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن الحباب ما خالف ما ذكره أبو عيسى والحمد لله وذكره أبو عيسى أيضا في كتاب العلل وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاري فلم يجوده وأتى فيه عنه بقول يخالف ما ذكرنا عن الأئمة ولعله لم يحفظه عنه وهذا حديث مختلف في إسناده وأحسن طرقه ما خرجه مسلم بن الحجاج من حديث بن مهدي وزيد بن الحباب عن معاوية بن صالح قال أبو علي وقد رواه عثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر عن زيد بن الحباب فزاد في إسناده رجلا وهو جبير بن نفير ذكره أبو داود في سننه في باب كراهة الوسوسة بحديث النفس في الصلاة فقال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر فذكر الحديث هذا آخر كلام أبي علي الغساني وقد أتقن رحمه الله تعالى هذا الإسناد غاية الإتقان والله أعلم واسم أبي إدريس عائذ الله بالذال المعجمة بن عبد الله وأما زيد بن الحباب فبضم الحاء المهملة وبالباء الموحدة المكررة والله أعلم قوله كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشى معنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم فيجتمع الجماعة ويضمون إبلهم بعضها إلى بعض فيرعاها كل
يوم واحد منهم ليكون أرفق بهم وينصرف الباقون في مصالحهم والرعاية بكسر الراء وهي الرعي وقوله روحتها بعشي أي رددتها إلى مراحها في آخر النهار وتفرغت من أمرها ثم جئت إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم (فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه) هكذا هو في الأصول مقبل أي وهو مقبل وقد جمع صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع بالقلب على ما قاله جماعة من العلماء قوله ما أجود هذه يعني هذه الكلمة أو الفائدة أو البشارة أو العبادة وجودتها من جهات منها أنها سهلة متيسرة يقدر عليها كل أحد بلا مشقة ومنها أن أجرها عظيم والله أعلم قوله جئت آنفا أي قريبا وهو بالمد على اللغة المشهورة وبالقصر على لغة صحيحة قرئ بها في السبع قوله صلى الله عليه وسلم (فيبلغ أو يسبغ الوضوء) هما بمعنى واحد أي يتمه ويكمله فيوصله مواضعه على الوجه المسنون والله أعلم أما أحكام الحديث ففيه أنه يستحب للمتوضيء أن يقول عقب وضوئه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وهذا متفق عليه وينبغي أن يضم إليه ما جاء في رواية الترمذي متصلا بهذا الحديث اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ويستحب أن يضم إليه مارواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعا سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك قال أصحابنا وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضا والله أعلم
(باب آخر في صفته الوضوء)
فيه حديث عبد الله بن زيد بن عاصم وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان كذا قاله الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين وغلطوا سفيان بن عيينة في قوله هو هو وممن نص على غلطه في ذلك البخاري في كتاب الاستسقاء من صحيحه وقد قيل إن صاحب الأذان لا يعرف له غير
حديث الأذان والله أعلم قوله (فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه) هكذا هو في الأصول منها وهو صحيح أي من المطهرة أو الإداوة وقوله أكفأ هو بالهمز أي أمال وصب وفيه استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء قوله (فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا) وفي الرواية التي بعدها فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات في هذا الحديث دلالة ظاهرة للمذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها وقد قدمنا إيضاح هذه المسألة والخلاف فيها في الباب الأول والله أعلم وقوله في الرواية الثانية فمضمض واستنشق واستنثر فيه حجة للمذهب المختار الذي عليه الجماهير من أهل اللغة وغيرهم أن الاستنثار غير الاستنشاق خلافا لما قاله بن الاعرابي وبن قتيبة أنهما بمعنى واحد وقد تقدم في الباب الاول ايضاحه والله أعلم قوله (ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا) هكذا وقع في صحيح مسلم أدخل يده بلفظ الإفراد وكذا في أكثر روايات البخاري ووقع في رواية للبخاري في حديث عبد الله بن زيد هذا ثم أدخل يديه فاغترف بهما فغسل وجهه ثلاثا وفي صحيح البخاري أيضا من رواية بن عباس ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا أضافتها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وفي سنن أبي داود والبيهقي من رواية علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه فهذه أحاديث في بعضها يده وفي بعضها يديه وفي بعضها يده وضم إليها الأخرى فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة وأن الجميع سنة ويجمع بين الأحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في مرات وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي رضي الله عنه في البويطي والمزني أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعا لكونه أسهل وأقرب إلى الإسباغ والله أعلم قال أصحابنا ويستحب أن يبدأ في غسل وجهه بأعلاه لكونه أشرف ولأنه أقرب
إلى الاستيعاب والله أعلم قوله (فغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين) فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء وغسل بعضها ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة وهذا جائز والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثا ثلاثا كما قدمناه وإنما كانت مخالفتها من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات بيانا للجواز كما توضأ صلى الله عليه وسلم مرة مرة في بعض الأوقات بيانا للجواز وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه صلى الله عليه وسلم لأن البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم فإن قيل البيان يحصل بالقول فالجواب أنه أوقع بالفعل في النفوس وأبعد من التأويل والله أعلم قوله (فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر) هذا مستحب باتفاق العلماء فإنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره قال أصحابنا وهذا الرد إنما يستحب لمن كان له شعر غير مضفور أما من لا شعر على رأسه وكان شعره مضفورا فلا يستحب له الرد إذ لا فائدة فيه ولو رد في هذه الحالة لم يحسب الرد مسحة ثانية لأن الماء
صار مستعملا بالنسبة إلى ما سوى تلك المسحة والله أعلم وليس في هذا الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح لأن الحديث ورد في كمال الوضوء لا فيما لا بد منه والله أعلم قوله (فمسح برأسه فأقبل به) أى بالمسح قوله (حدثنا هارون بن معرف وحدثني هارون بن سعيد الأيلي وأبو الطاهر قالوا حدثنا بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن حبان بن واسع حدثه فذكر الحديث ثم قال في آخره قال أبو الطاهر حدثنا بن وهب عن عمرو بن الحارث) هذا من احتياط مسلم رحمه الله تعالى ووفور علمه وورعه ففرق بين روايته عن شيخيه الهارونين فقال في الأول حدثنا وفي الثاني حدثني فإن روايته عن الأول كانت سماعا من لفظ الشيخ له ولغيره وروايته عن الثاني كانت له خاصة من غير شريك له وقد قدمنا أن المستحب في مثل الأول أن يقول حدثنا وفي الثاني وحدثني وهذا مستحب بالاتفاق وليس بواجب فاستعمله مسلم رحمه الله تعالى وقد أكثر من التحري في مثل هذا وقد قدمت له نظائر وسيأتي إن شاء الله تعالى التنبيه على نظائره كثيرة والله أعلم وأما قوله قال أبو الطاهر حدثنا بن وهب عن عمرو بن الحارث فهو أيضا من احتياط مسلم وورعه فإنه روى الحديث أولا عن شيوخه الثلاثة الهارونين وأبي الطاهر عن بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث ولم يكن في رواية أبي الطاهر أخبرني إنما كان فيها عن عمرو بن الحارث وقد تقرر أن لفظة عن مختلف في حملها على الاتصال والقائلون إنها للاتصال وهم الجماهير يوافقون على أنها دون أخبرنا فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى وبين ذلك وكم في كتابه من الدرر والنفائس المشابهة لهذا رحمه الله تعالى وجمع بيننا وبينه في دار كرامته والله أعلم
وحبان بفتح الحاء المهملة وبالموحدة والأيلي بفتح الهمزة وإسكان المثناة والله أعلم قوله (ومسح برأسه بماء غير فضل يده) وفي بعض النسخ يديه معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية ماء يديه ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس ولا يلزم من ذلك اشتراطه والله أعلم
(باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر) أما الاستجمار فهو مسح محل البول والغائط بالجمار وهي الأحجار الصغار قال العلماء يقال الاستطابة والاستجمار والاستنجاء لتطهير محل البول والغائط فأما الاستجمار فمختص بالمسح بالأحجار وأما الاستطابة والاستنجاء فيكونان بالماء ويكونان بالأحجار هذا الذي ذكرناه من معنى الاستجمار هو الصحيح المشهور الذي قاله الجماهير من طوائف العلماء من اللغويين والمحدثين والفقهاء وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى اختلف قول مالك وغيره في معنى الاستجمار المذكور في هذا الحديث فقيل هذا وقيل المراد به في البخور أن يأخذ منه ثلاث قطع أو يأخذ منه ثلاث مرات يستعمل واحدة بعد أخرى قال والأول أظهر والله أعلم والصحيح المعروف ما قدمناه والمراد بالإيتار أن يكون عدد المسحات ثلاثا أو خمسا أو فوق
ذلك من الأوتار ومذهبنا أن الإيتار فيما زاد على الثلاث مستحب وحاصل المذهب أن الإنقاء واجب واستيفاء ثلاث مسحات واجب فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة وإن لم يحصل وجب الزيادة ثم إن حصل بوتر فلا زيادة وإن حصل بشفع كأربع أو ست استحب الإيتار وقال بعض أصحابنا يجب الإيتار مطلقا لظاهر هذا الحديث وحجة الجمهور الحديث الصحيح في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ويحملون حديث الباب على الثلاث وعلى الندب فيما زاد والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر ففيه دلالة ظاهرة على أن الاستنثار غير الاستنشاق وأن الانتثار هو إخراج الماء بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وشبهه وقد تقدم ذكر هذا وفيه دلالة لمذهب من يقول الاستنشاق واجب لمطلق الأمر ومن لم يوجبه حمل الأمر على الندب بدليل أن المأمور به حقيقة وهو الانتثار ليس بواجب بالاتفاق فإن قالوا ففي الرواية الأخرى إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينثر فهذا فيه دلالة ظاهرة للوجوب ولكن حمله على الندب محتمل ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب والله أعلم قوله في حديث همام (فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) قد قدمنا مرات بيان الفائدة في هذه العبارة وإنما ننبه على تقدمها ليتعاهد قوله (بمنخريه) هما بفتح الميم وكسر الخاء وبكسرهما جميعا لغتان معروفتان قوله صلى الله عليه وسلم
(فليستنثر فإن الشيطان يبيت على خياشيمه) قال العلماء الخيشوم أعلى الأنف وقيل هو الأنف كله وقيل هي عظام رقاق لينة في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ وقيل غير ذلك وهو اختلاف متقارب المعنى قال القاضي عياض رحمه الله تعالى يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم فإن الشيطان يبيت على خياشيمه على حقيقته فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها لا سيما وليس من منافذ الجسم ماليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين وفي الحديث إن الشيطان لا يفتح غلقا وجاء في التثاؤب الأمر بكظمه من أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم قال ويحتمل أن يكون على الاستعارة فإن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان والله أعلم
باب وجوب غسل الرجلين بكمالها
في الباب قوله صلى الله عليه وسلم (ويل للاعقاب من النار أسبغوا الوضوء) ومراد مسلم
رحمه الله تعالى بإيراده هنا الاستدلال به على وجوب غسل الرجلين وأن المسح لا يجزئ وهذه مسألة اختلف الناس فيها على مذاهب فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع وقالت الشيعة الواجب مسحهما وقال محمد بن جرير والجبائي رأس المعتزلة يتخير بين المسح والغسل وقال بعض أهل الظاهر يجب الجمع بين المسح والغسل وتعلق هؤلاء المخالفون للجماهير بما لا تظهر فيه دلالة وقد أوضحت دلائل المسألة من الكتاب والسنة وشواهدها وجواب ما تعلق به المخالفون بأبسط العبارات المنقحات في شرح المهذب بحيث لم يبق للمخالف شبهة أصلا إلا وضح جوابها من غير وجه والمقصود هنا شرح متون الأحاديث وألفاظها دون بسط الأدلة وأجوبة المخالفين ومن أخصر ما نذكره أن جميع من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسل الرجلين وقوله صلى الله عليه وسلم ويل للأعقاب من النار فتواعدها بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيا لما تواعد من ترك غسل عقبيه وقد صح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قال يارسول الله كيف الطهور فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثا إلى أن قال ثم غسل رجليه ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره بأسانيدهم الصحيحة والله أعلم قوله (عن سالم مولى شداد وفي الرواية الأخرى أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد وفي الثالثة سالم مولى المهري) هذه كلها صفات له وهو شخص واحد يقال له سالم مولى شداد بن الهاد وسالم مولى المهري وسالم بادوس وسالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان النصري بالنون والصاد المهملة وسالم سبنان بفتح السين المهملة والباء الموحدة وسالم البراد وسالم مولى البصريين وسالم أبو عبد الله المديني وسالم بن عبد الله وأبو عبيد الله مولى شداد بن الهاد فهذه كلها تقال فيه قال أبو حاتم كان سالم من خيار المسلمين وقال عطاء بن السائب حدثني سالم البراد وكان أوثق عندي من نفسي وأما قوله (حدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا فليح حدثني نعيم بن عبد الله عن سالم مولى بن شداد) فكذا وقع في الاصول مولى بن شداد قيل إنه خطأ والصواب حذف لفظة بن كما تقدم والظاهر أنه صحيح فإن مولى شداد مولى لابنه وإذا أمكن
تأويل ما صحت به الرواية لم يجز إبطالها لا سيما في هذا الذي قد قيل فيه هذه الأقوال والله أعلم قوله (حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا يحي بن أبي كثير قال حدثني أو حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثنا سالم مولى المهري) هذا إسناد اجتمع فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض فسالم وأبو سلمة ويحي تابعيون معروفون وعكرمة بن عمار أيضا تابعي سمع الهرماس بن زياد الباهلي الصحابي رضي الله عنه وفي سنن أبي داود التصريح بسماعه منه والله أعلم وقوله حدثني أو حدثنا فيه أحسن احتياط وقد تقدم التنبيه على مثل هذا قريبا وسابقا والله أعلم قوله (حدثني محمد بن حاتم وأبو معن الرقاشي) اسم أبي معن زيد بن يزيد وقد تقدم بيانه في أوائل كتاب الإيمان قوله (كنت أنا مع عائشة) هكذا هو في الأصول المحققة التي ضبطها المتقنون أنا مع بالنون والميم بينهما ألف ووقع في كثير من الأصول ولكثير من الرواة المشارقة والمغاربة أبايع عائشة بالباء الموحدة والياء المثناة من المبايعة قال القاضي الصواب هو الأول قلت وللثاني أيضا وجه قوله (عن هلال بن يساف عن أبي يحيى) أما يساف ففيه ثلاث لغات فتح الياء وكسرها وإساف بكسر الهمزة قال صاحب المطالع يقوله المحدثون بكسر الياء قال وقال بعضهم هو بفتح الياء لأنه لم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسور إلا يسار لليد قلت والأشهر عند أهل اللغة إساف بالهمزة وقد ذكره بن السكيت وبن قتيبة وغيرهما فيما يغيره الناس ويلحنون فيه فقال هو هلال بن إساف وأما أبو يحيى فالأكثرون على أن اسمه مصدع بكسر الميم وإسكان الصاد وفتح الدال وبالعين المهملات وقال يحيى بن معين اسمه زياد الأعرج المعرقب الأنصاري والله أعلم قوله (فتوضؤا وهم عجال) هو بكسر العين جمع عجلان وهو المستعجل كغضبان وغضاب قوله (حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف
بن ماهك) أما أبو عوانة فتقدم أن اسمه الوضاح بن عبد الله وأما أبو بشر فهو جعفر بن أبي وحشية وأما ماهك فبفتح الهاء وهو غيره مصروف لأنه اسم عجمي علم قوله (وقد حضرت صلاة العصر) أي جاء وقت فعلها ويقال حضرت بفتح الضاد وكسرها لغتان الفتح أشهر قوله (يتوضؤن من المطهرة) قال العلماء المطهرة كل إناء يتطهر به وهي بكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان وذكرهما بن السكيت من كسر جعلها آلة ومن فتحها جعلها موضعا يفعل فيه قوله صلى الله عليه وسلم (ويل للعراقيب من النار) العراقيب جمع عرقوب بضم العين في المفرد وفتحها في الجمع وهوالعصبة التي فوق العقب ومعنى ويل لهم هلكة وخيبة
(باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة)
فيه (أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على ظهر قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال
ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى) في هذا الحديث أن من ترك جزءا يسيرا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته وهذا متفق عليه واختلفوا في المتيمم يترك بعض وجهه فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصح كما لا يصح وضوءه وعن أبي حنيفة ثلاث روايات إحداها إذا ترك أقل من النصف أجزأه والثانية إذا ترك أقل من قدر الدرهم أجزأه والثالثة إذا ترك الربع فما دونه أجزأه وللجمهور أن يحتجوا بالقياس والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على أن من ترك شيئا من أعضاء طهارته جاهلا لم تصح طهارته وفيه تعليم الجاهل والرفق به وقد استدل به جماعة على أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى وغيره بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم أحسن وضوءك ولم يقل اغسل الموضع الذي تركته وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل فإن قوله صلى الله عليه وسلم أحسن وضوءك محتمل للتتميم والاستئناف وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر والله أعلم وفي الظفر لغتان أجودهما ظفر بضم الظاء والفاء وبه جاء القرآن العزيز ويجوز إسكان الفاء على هذا ويقال ظفر بكسر الظاء وإسكان الفاء وظفر بكسرهما وقرئ بهما في الشواذ وجمعه أظفار وجمع الجمع أظافير ويقال في الواحد أيضا أظفور والله أعلم
(باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل
خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب) أما قوله المسلم أو المؤمن فهو شك من الرواي وكذا قوله مع الماء أو مع آخر قطر الماء هو شك أيضا والمراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر كما تقدم بيانه وكما في الحديث الآخر مالم تغش الكبائر قال القاضي والمراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على الرافضة وإبطال لقولهم الواجب مسح الرجلين وقوله صلى الله عليه وسلم بطشتها يداه ومشتها رجلاه معناه اكتسبتها قوله (حدثنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي حدثنا أبو هشام المخزومي) هكذا هو في جميع الأصول التي ببلادنا أبو هشام وهو الصواب وكذا حكاه القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض رواتهم قال ووقع لأكثر الرواة أبو هاشم قال والصواب الأول واسمه المغيرة بن سلمة وكان من الأخبار المتعبدين المتواضعين رضي الله تعالى عنه
(باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء)
اعلم أن هذه الأحاديث مصرحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل أما تطويل الغرة فقال أصحابنا هو غسل شئ من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب غسله لا ستيقان كمال الوجه وأما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا واختلفوا في قدر المستحب على أوجه أحدها أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت والثاني يستحب إلى نصف العضد والساق والثالث يستحب إلى المنكبين والركبتين وأحاديث الباب تقتضي هذا كله وأما دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكي والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي هريرة رضي الله عنه وهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه ولو خالف فيه مخالف كان محجوجا بهذه السنن الصحيحة الصريحة وأما احتجاجهما بقوله صلى الله عليه وسلم من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم فلا يصح لأن المراد من زاد في عدد المرات والله أعلم قوله (عن نعيم بن عبد الله المجمر) هو بضم الميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية ويقال المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة وقيل له المجمر الأنه كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يبخره والمجمر صفة لعبد الله ويطلق على ابنه نعيم مجازا والله أعلم قوله (أشرع في العضد وأشرع في الساق) معناه أدخل الغسل فيهما
قوله صلى الله عليه وسلم (أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من آثار الوضوء) قال أهل اللغة الغرة بياض في جبهة الفرس والتحجيل بياض في يديها ورجليها قال العلماء سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء) أما السيما فهي العلامة وهي مقصورة وممدودة لغتان ويقال السيميا بياء بعد الميم مع المد وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها الله تعالى شرفا وقال آخرون ليس الوضوء
مختصا وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل واحتجوا بالحديث الآخر هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي وأجاب الأولون عن هذا بجوابين أحدهما أنه حديث ضعيف معروف الضعف والثاني لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (وإني لأصد الناس عنه) وفي الرواية الأخرى (وأنا أذود الناس عنه) هما بمعنى أطرد وأمنع قوله صلى الله عليه وسلم (فيجيبني ملك) هكذا هو في جميع الأصول فيجيبني بالباء الموحدة من الجواب وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة الا بن أبي جعفر من رواتهم فإنه عنده فيجيئني بالهمز من المجيء والأول أظهر والثاني وجه والله أعلم قوله (وهل تدري ما أحدثوا بعدك) وفي الرواية الأخرى قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال أحدها أن المراد به المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء مما وعدت بهم إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم والثاني أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم فيقال
ارتدوا بعدك والثالث أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يزادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب قال أصحاب هذا القول ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لكن عرفهم بالسيما وقال الإمام الحافظ أبو عمرو بن عبد البر كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء قال وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر قال وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده) فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة ودلائله كثيرة قوله (سريج بن يونس) هو بالسين المهملة وبالجيم وتقدم أن يونس بضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه والله أعلم قوله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا إن شاء الله بكم لا حقون) أما المقبرة فبضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات الكسر قليل وأما دار قوم فهو بنصب دار قال صاحب المطالع هو منصوب على الاختصاص أو النداء المضاف والأول أظهر قال ويصح الخفض على البدل من الكاف والميم
في عليكم والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين الجماعة أو أهل الدار وعلى الأول مثله أو المنزل وأما قوله صلى الله عليه وسلم وإنا إن شاء الله بكم لاحقون فأتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه وللعلماء فيه أقوال أظهرها أنه ليس للشك ولكنه صلى الله عليه وسلم قاله للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله والثاني حكاه الخطابي وغيره أنه عادة للمتكلم يحسن به كلامه والثالث أن الاستثناء عائد إلى اللحوق في هذا المكان وقيل معناه اذ شاء الله وقيل أقوال أخر ضعيفة جدا تركتها لضعفها وعدم الحاجة إليها منها قول من قال الاستثناء منقطع راجع إلى استصحاب الإيمان وقول من قال كان معه صلى الله عليه وسلم مؤمنون حقيقة وآخرون يظن بهم النفاق فعاد الاستثناء إليهم وهذان القولان وإن كانا مشهورين فيهما خطأ ظاهر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (وددت أنا قد رأينا اخواننا قالوا أو لسنا إخوانك يا رسول الله قال بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) قال العلماء في هذا الحديث جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم وددت أنا قد رأينا إخواننا أي رأيناهم في الحياة الدنيا قال القاضي عياض وقيل المراد تمني لقائهم بعد الموت قال الإمام الباجي قوله صلى الله عليه وسلم بل أنتم أصحابي ليس نفيا لأخوتهم ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة فهؤلاء إخوة صحابة والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة كما قال الله تعالى انما المؤمنون اخوة قال القاضي عياض ذهب أبو عمرو بن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة وأن قوله صلى الله عليه وسلم خيركم قرني على الخصوص معناه خير الناس قرني أي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة وهم المرادون بالحديث وأما من خلط في زمنه صلى الله عليه وسلم وإن رآه وصحبه أو لم يكن له سابقة ولا أثر في الدين فقد
يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلت عليه الآثار قال القاضي وقد ذهب إلى هذا أيضا غيره من المتكلمين على المعاني قال وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا وأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه مرة من عمره وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعد فإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل قالوا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه هذا كلام القاضي والله أعلم قوله (لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم) أما بين ظهري فمعناه بينهما وهو بفتح الظاء وإسكان الهاء وأما الدهم فجمع أدهم وهو الأسود والدهمة السواد وأما البهم فقيل السود أيضا وقيل البهم الذي لا يخالط لونه لونا سواه سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر بل يكون لونه خالصا وهذا قول بن السكيت وأبي حاتم السختياني وغيرهما قوله صلى الله عليه وسلم (وأنا فرطهم على الحوض) قال الهروي وغيره معناه أنا أتقدمهم على الحوض يقال فرط القوم إذا تقدمهم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والرشا وفي هذا الحديث بشارة لهذه الأمة زادها الله تعالى شرفا فهنيئا لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرطه قوله صلى الله عليه وسلم (أناديهم ألا هلم) معناه تعالوا قال أهل اللغة في هلم لغتان أفصحهما هلم للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين بصيغة واحدة وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى هلم شهداءكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا واللغة الثانية هلم يارجل وهلما يارجلان وهلموا يارجال وللمرأة هلمي وللمرأتان هلمتا وللنسوة هلمن قال بن السكيت وغيره الأولى أفصح كما قدمناه قوله صلى الله عليه وسلم (فأقول سحقا سحقا) هكذا هو في الروايات سحقا سحقا
مرتين ومعناه بعدا بعدا والمكان السحيق البعيد وفي سحقا سحقا لغتان قرئ بهما في السبع إسكان الحاء وضمها قرأ الكسائي بالضم والباقون بالإسكان ونصب على تقدير ألزمهم الله سحقا أو سحقهم سحقا قوله (فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال يا بنى فروخ أنتم ها هنا لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) أما فروخ فبفتح الفاء وتشديد الراء وبالخاء المعجمة قال صاحب العين فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم من ولد كان بعد إسماعيل وإسحاق كثر نسله ونما عدده فولد العجم الذين هم في وسط البلاد قال القاضي عياض أراد أبو هريرة هنا الموالي وكان خطابه لأبي حازم قال القاضي وإنما أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه لا ينبغي لمن يقتدى به إذا ترخص في أمر لضرورة أو تشدد فيه لوسوسة أو لاعتقاده في ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة الجهلة لئلا يترخصوا برخصته لغير ضرورة أو يعتقدوا أن
ما تشدد فيه هو الفرض اللازم هذا كلام القاضي والله أعلم
(باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) قال القاضي عياض محو الخطايا كناية عن غفرانها قال ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون دليلا على غفرانها ورفع الدرجات إعلاء المنازل في الجنة وإسباغ الوضوء تمامه والمكاره تكون بشدة البرد وألم الجسم ونحو ذلك وكثرة الخطا تكون ببعد الدار وكثرة التكرار وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال القاضي أبو الوليد الباجي هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس وقوله فذلكم الرباط أي الرباط المرغب فيه وأصل الرباط الحبس على الشئ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة قيل ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل الجهاد جهاد النفس ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أي أنه من أنواع الرباط هذا آخر كلام القاضي وكله حسن إلا قول الباجي في انتظار الصلاة فإن فيه نظرا والله أعلم قوله (وفي
حديث مالك ثنتين فذلكم الرباط فذلكم الرباط هكذا هو في الأصول ثنتين وهو صحيح ونصبه بتقدير فعل أي ذكر ثنتين أو كرر ثنتين ثم إنه كذا وقع في رواية مسلم تكراره مرتين وفي الموطأ ثلاث مرات فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط وأما حكمة تكراره فقيل للاهتمام به وتعظيم شأنه وقيل كرره صلى الله عليه وسلم على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه والأول أظهر والله أعلم
(باب السواك)
قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به وهو مذكر قال الليث وتؤنثه العرب أيضا قال الأزهري هذا من عدد الليث أي من أغاليطه القبيحة وذكر صاحب المحكم أنه يؤنث ويذكر والسواك فعلك بالسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكا فإن قلت استاك لم يذكر الفم وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب وذكر صاحب المحكم أنه يجوز أيضا سؤك بالهمز ثم قيل إن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك وقيل من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها والله أعلم ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرايني إمام أصحابنا العراقيين عن داود الظاهري أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه قال هو واجب فإن تركه عمدا بطلت صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود وقالوا مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم ثم إن السواك مستحب في جميع الأوقات ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابا أحدها عند الصلاة سواء كان متطهرا بماء أو بتراب أو غير متطهر كمن لم يجد ماء ولا ترابا الثاني عند الوضوء الثالث
عند قراءة القرآن الرابع عند الاستيقاظ من النوم الخامس عند تغير الفم وتغيره يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب ومنها أكل ما له رائحة كريهة ومنها طول السكوت ومنها كثرة الكلام ومذهب الشافعي أن السواك يكره للصائم بعد زوال الشمس لئلا يزيل رائحة الخلوف المستحبة ويستحب أن يستاك بعود من أراك وبأى شئ استاك مما يزيل التغير حصل السواك كالخرقة الخشنة والسعد والأشنان وأما الإصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السواك وإن كانت خشنة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا المشهور لا تجزي والثاني تجزي والثالث تجزي إن لم يجد غيرها ولا تجزي إن وجد والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح ولا رطب لا يزيل والمستحب أن يستاك عرضا ولا يستاك طولا لئلا يدمي لحم أسنانه فإن خالف واستاك طولا حصل السواك مع الكراهة ويستحب أن يمر السواك أيضا على طرف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فيه ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه ويستحب أن يعود الصبي السواك ليعتاده قوله صلى الله عليه وسلم (لولا أن أشق على المؤمنين أو على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) فيه دليل على أن السواك ليس بواجب قال الشافعي رحمه الله تعالى لو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق قال جماعات من العلماء من الطوائف فيه دليل على أن الأمر للوجوب وهو مذهب أكثر الفقهاء وجماعات من المتكلمين وأصحاب الأصول قالوا وجه الدلالة أنه مسنون بالاتفاق فدل على أن المتروك إيجابه وهذا الاستدلال يحتاج في تمامه إلى دليل على أن السواك كان مسنونا حالة قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم وقال جماعة أيضا فيه دليل على أن المندوب
ليس مأمورا به وهذا فيه خلاف لأصحاب الأصول ويقال في هذا الاستدلال ما قدمناه في الاستدلال على الوجوب والله أعلم وفيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول وهو الصحيح المختار وفيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق بأمته صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على فضيلة السواك عند كل صلاة وقد تقدم بيان وقت استحبابه قوله (حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا حماد بن زيد عن غيلان وهو بن جرير المعولي عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه) هذا الإسناد كله بصريون إلا أبا بردة فإنه كوفي وأما أبو موسى الأشعري فكوفي بصري واسم أبي بردة عامر وقيل الحارث والمعولي بفتح الميم وإسكان العين المهملة وفتح الواو منسوب إلى المعاول بطن من الأزهد وهذا الذي ذكرته من ضبطه متفق عليه عند أهل العلم بهذا الفن وكلهم مصرحون به والله أعلم قوله (إذا دخل بيته بدأ بالسواك) فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره والله أعلم قوله (إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك) أما التهجد فهو الصلاة في الليل ويقال هجد الرجل إذا نام وتهجد إذا خرج من الهجود وهو النوم بالصلاة كما يقال تحنث وتأثم وتحرج إذا اجتنب الحنث والإثم والحرج وأما قوله يشوص فاه بالسواك فهو بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة والشوص دلك الأسنان بالسواك عرضا قاله
بن الأعرابي وإبراهيم الحربي وأبو سليمان الخطابي وآخرون وقيل هو الغسل قاله الهروي وغيره وقيل التنقية قاله أبو عبيد والداودي وقيل هو الحك قاله أبو عمرو بن عبد البر تأوله بعضهم أنه بأصبعه فهذه أقوال الأئمة فيه وأكثرها متقاربة وأظهرها الأول وما في معناه والله أعلم قوله (حدثنا أبو المتوكل أن بن عباس حدثه) إلى آخر هذا الحديث فيه فوائد كثيرة ويستنبط منه أحكام نفيسة وقد ذكره مسلم رحمه الله تعالى هنا مختصرا وقد بسط طرقه في كتاب الصلاة وهناك نبسط شرحه وفوائده إن شاء الله تعالى ونذكر هنا أحرفا تتعلق بهذا القدر منه هنا فاسم أبي المتوكل علي بن داود ويقال بن داود البصري وقوله (فخرج فنظر إلى السماء ثم تلا هذه الآية في آل عمران إن في خلق السماوات والأرض الآيات) فيه أنه يستحب قراءتها عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر وإذا
تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكريره قراءة هذه الآيات كما ذكر في الحديث والله سبحانه وتعالى أعلم
(باب خصال الفطرة)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (الفطرة خمس أو خمس من الفطرة) هذا شك من الراوي هل قال الأول أو الثاني وقد جزم في الرواية الثانية فقال الفطرة خمس ثم فسر صلى الله عليه وسلم الخمس فقال (الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب) وفي الحديث الآخر
(عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) أما قوله صلى الله عليه وسلم الفطرة خمس فمعناه خمس من الفطرة كما في الرواية الأخرى عشر من الفطرة وليست منحصرة في العشر وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى عدم انحصارها فيها بقوله من الفطرة والله أعلم وأما الفطرة فقد اختلف في المراد بها هنا فقال أبو
سليمان الخطابي ذهب أكثر العلماء إلى أنها السنة وكذا ذكره جماعة غير الخطابي قالوا ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقيل هي الدين ثم إن معظم هذه الخصال ليست بواجبة عند العلماء وفي بعضها خلاف في وجوبه كالختان والمضمضة والاستنشاق ولا يمتنع قرن الواجب بغيره كما قال الله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده والإيتاء واجب والأكل ليس بواجب والله أعلم أما تفصيلها فالختان واجب عند الشافعي وكثير من العلماء وسنة عند مالك وأكثر العلماء وهو عند الشافعي واجب على الرجال والنساء جميعا ثم إن الواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى ينكشف جميع الحشفة وفي المرأة يجب قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج والصحيح من مذهبنا الذي عليه جمهور أصحابنا أن الختان جائز في حال الصغر ليس بواجب ولنا وجه أنه يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه ووجه أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين وإذا قلنا بالصحيح استحب أن يختن في اليوم السابع من ولادته وهل يحسب يوم الولادة من السبع أم تكون سبعة سواه فيه وجهان أظهرهما يحسب واختلف أصحابنا في الخنثى المشكل فقيل يجب ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر وأما من له ذكران فإن كانا عاملين وجب ختانهما وإن كان أحدهما عاملا دون الآخر ختن العامل وفيما يعتبر العمل به وجهان أحدهما بالبول والآخر بالجماع ولو مات إنسان غير مختون ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح المشهور أنه لا يختن صغيرا كان أو كبيرا والثاني يختن الكبير دون الصغير والله أعلم وأما الاستحداد فهو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة والمراد به نظافة ذلك الموضع والأفضل فيه الحلق ويجوز بالقص والنتف والنورة والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه وكذاك الشعر الذي حوالي فرج المرأة ونقل عن أبي العباس بن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما وأما وقت حلقه فالمختار
أنه يضبط بالحاجة وطوله فإذا طال حلق وكذلك الضبط في قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار وأما حديث أنس المذكور في الكتاب (وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الابط وحلق العانة ألا يترك أكثر من أربعين ليلة) فمعناه لا يترك تركا يتجاوز به أربعين لا أنهم وقت لهم الترك أربعين والله أعلم وأما تقليم الأظفار فسنة ليس بواجب وهو تفعيل من القلم وهو القطع ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها إلى آخرها ثم يعود إلى الرجلين اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى والله أعلم أما نتف الإبط فسنة بالاتفاق والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه ويحصل أيضا بالحلق وبالنورة وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال دخلت على الشافعي رحمه الله وعنده المزين يحلق إبطه فقال الشافعي علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن وأما قص الشارب فسنة أيضا ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن وهو مخير بين القص بنفسه وبين أن يولي ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مرؤة ولا حرمة بخلاف الإبط والعانة وأما حد ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله وأما روايات أحفوا الشوارب فمعناها أحفوا ما طال على الشفتين والله أعلم وأما إعفاء اللحية فمعناه توفيرها وهو معنى أوفوا اللحى في الرواية الأخرى وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك وقد ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة بعضها أشد قبحا من بعض إحداها خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد الثانية خضابها بالصفرة تشبيها بالصالحين لا لاتباع السنة الثالثة تبييضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة لأجل الرياسة والتعظيم وإيهام أنه من المشايخ الرابعة نتفها أو حلقها أول طلوعها إيثارا للمرودة وحسن الصورة الخامسة نتف الشيب السادسة تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعا ليستحسنه النساء وغيرهن السابعة الزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذار من الصدغين أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس ونتف جانبي العنفقة وغير ذلك الثامنة تسريحها تصنعا لأجل الناس التاسعة تركها شعثة ملبدة إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه العاشرة النظر إلى سوادها وبياضها إعجابا وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب الحادية عشر عقدها وضفرها الثانية عشر حلقها إلا إذا نبت للمرأة لحية فيستحب لها
حلقها والله أعلم وأما الاستنشاق فتقدم بيان صفته واختلاف العلماء في وجوبه واستحبابه وأما غسل البراجم فسنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء والبراجم بفتح الباء وبالجيم جمع برجمة بضم الباء والجيم وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها قال العلماء ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وهو الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن بالعرق والغبار ونحوهما والله أعلم وأما انتقاص الماء فهو بالقاف والصاد المهملة وقد فسره وكيع في الكتاب بأنه الاستنجاء وقال أبو عبيدة معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره وقيل هو الانتضاح وقد جاء في رواية الانتضاح بدل انتقاص الماء قال الجمهور الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقيل هو الاستنجاء بالماء وذكر بن الأثير أنه روى انتقاص الماء بالفاء والصاد المهملة وقال في فصل الفاء قيل الصواب أنه بالفاء قال والمراد نضحه على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل نفصه وجمعها نفص وهذا الذي نقله شاذ والصواب ما سبق والله أعلم وأما قوله ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة فهذا شك منه فيها قال القاضي عياض ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو أولى والله أعلم فهذا مختصر ما يتعلق بالفطرة وقد أشبعت القول فيها بدلائلها وفروعها في شرح المهذب والله أعلم قوله عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس رضي الله عنه قال وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة قد تقدم بيانه وأن معناه أن لا نترك تركا يتجاوز الأربعين وقوله وقت لنا هو من الأحاديث المرفوعة مثل قوله أمرنا بكذا وقد تقدم بيان هذا في الفصول المذكورة في أول هذا الكتاب وقد جاء في غير صحيح مسلم وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم قال القاضي عياض قال العقيلي في حديث جعفر هذا نظر قال وقال أبو عمر يعنى بن عبد البر لم يروه إلا جعفر بن سليمان وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه قلت وقد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر بن سليمان ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به وقد تابعه غيره قوله صلى الله عليه وسلم أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى وفي الرواية الأخرى وأوفوا اللحى هو بقطع الهمزة في أحفوا وأعفوا وأوفوا وقال بن دريد يقال أيضا حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا استأصل أخذ شعره فعلى هذا تكون همزة
أحفوا همزة وصل وقال غيره عفوت الشعر وعفيته لغتان وقد تقدم بيان معنى إحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وأما أوفوا فهو بمعنى أعفوا أي اتركوها وافية كاملة لا تقصوها قال بن السكيت وغيره يقال في جمع اللحية لحى ولحى بكسر اللام وبضمها لغتان الكسر أفصح قوله صلى الله عليه وسلم أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى وفي الرواية الأخرى وأوفوا اللحى هو بقطع الهمزة في أحفوا وأعفوا وأوفوا وقال بن دريد يقال أيضا حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا استأصل أخذ شعره فعلى هذا تكون همزة أحفوا همزة وصل وقال غيره عفوت الشعر وأعفيته لغتان وقد تقدم بيان معنى إحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وأما أوفوا فهو بمعنى أعفوا أي اتركوها وافية كاملة لا تقصوها قال بن السكيت وغيره يقال في جمع اللحية لحى ولحى بكسر اللام وبضمها لغتان الكسر أفصح وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأرخوا فهو أيضا بقطع الهمزة وبالخاء المعجمة ومعناه اتركوها ولا تتعرضوا لها بتغيير وذكر القاضي عياض أنه وقع في رواية الأكثرين كما ذكرنا وأنه وقع عند بن ماهان أرجوا بالجيم قيل هو بمعنى الأول وأصله أرجئوا بالهمزة فحذفت الهمزة تخفيفا ومعناه أخروها اتركوها وجاء في رواية البخاري وفروا اللحى فحصل خمس روايات أعفوا وأوفوا وأرخوا وأرجوا ووفروا ومعناها كلها تركها على حالها هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى يكره حلقها وقصها وتحريقها وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزها قال وقد اختلف السلف هل لذلك حد فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها وكره مالك طولها جدا ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال ومنهم من كره الاخذ منها الا في حج أوعمرة قال وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم أحفوا وانهكوا وهو قول الكوفيين وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال وقاله مالك وكان يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه ويذهب هؤلاء إلى أن الإحفاء والجز والقص بمعنى واحد وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين هذا آخر كلام القاضي والمختار ترك اللحية على حالها وألا يتعرض لها بتقصير شئ أصلا والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة والله أعلم
(باب الاستطابة)
وهو مشتمل على النهي عن استقبال القبلة في الصحراء بغائط أو بول وعن الاستنجاء باليمين وعن مس
الذكر باليمين وعن التخلي في الطريق والظل وعن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار وعن الاستنجاء بالرجيع والعظم وعلى جواز الاستنجاء بالماء في الباب حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه (قيل له قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شئ حتى الخراءة قال فقال أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظم) وفيه حديث أبي أيوب (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول
ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا) وفيه حديث أبي هريرة (إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبلن القبلة ولا يستدبرها) وفيه حديث بن عمر (قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته) وفي رواية (مستقبل الشام مستدبر القبلة) وفيه غير ذلك من الاحاديث أما الخراءة فبكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالمد وهي
اسم لهيئة الحدث وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها قوله أجل معناه نعم وهي بتخفيف اللام ومراد سلمان رضي الله عنه أنه علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت أيها القائل فإنه علمنا آدابها فنهانا فيها عن كذا وكذا والله أعلم قوله نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول كذا ضبطناه في مسلم لغائط باللام وروي في غيره بغائط وروي للغائط باللام والباء وهما بمعنى وأصل الغائط المطمئن من الأرض ثم صار عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمي وأما النهي عن الاستقبال للقبلة بالبول والغائط فقد اختلف العلماء فيه على مذاهب أحدها مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط ولا يحرم ذلك في البنيان وهذا مروي عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما والشعبى واسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين رحمهم الله والمذهب الثانى أنه لايجوز ذلك لا في البنيان ولا في الصحراء وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي رضي الله عنه ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي ثور وأحمد في رواية والمذهب الثالث جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك رضي الله عنهم وداود الظاهري والمذهب الرابع لا يجوز الاستقبال لا في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الاستدبار فيهما وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقا كحديث سلمان المذكور وحديث أبي أيوب وأبي هريرة وغيرهما قالوا ولأنه إنما منع لحرمة القبلة وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء ولأنه لو كان الحائل كافيا لجاز في الصحراء لأن بيننا وبين الكعبة جبالا وأودية وغير ذلك من أنواع الحائل واحتج من أباح مطلقا بحديث بن عمر رضي الله عنهما المذكور في الكتاب أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت المقدس مستدبر القبلة وبحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو قد فعلوها حولوا بمقعدي أي إلى القبلة رواه أحمد بن حنبل في مسنده وبن ماجه وإسناده حسن واحتج من أباح الاستدبار دون الاستقبال بحديث سلمان واحتج من حرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان بحديث بن عمر رضي الله عنهما المذكور في الكتاب وبحديث عائشة
الذي ذكرناه وفي حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وإسناده حسن وبحديث مروان الأصغر قال رأيت بن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا فقال بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس رواه أبو داود وغيره فهذه أحاديث صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم وردت بالنهي فيحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه فوجب المصير إليه وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء وأما من أباح الاستدبار فيحتج على رد مذهبه بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعا كحديث أبي أيوب وغيره والله أعلم (فرع) في مسائل تتعلق باستقبال القبلة لقضاء الحاجة على مذهب الشافعي رضي الله عنه إحداها المختار عند أصحابنا أنه إنما يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان إذا كان قريبا من ساتر من جدران ونحوها من حيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها وبشرط آخر وهو أن يكون الحائل مرتفعا بحيث يستر أسافل الإنسان وقدروه بآخرة الرحل وهي نحو ثلثي ذراع فإن زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أذرع أو قصر الحائل عن آخرة الرحل فهو حرام كالصحراء إلا إذا كان في بيت بني لذلك فلا حجر فيه كيف كان قالوا ولو كان في الصحراء وتستر بشئ على الشرط المذكور زال التحريم فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه فيحل في الصحراء والبنيان بوجوده ويحرم فيهما لعدمه هذا هو الصحيح المشهور عند أصحابنا ومن أصحابنا من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقا ولم يعتبر الحائل فأباح في البنيان بكل حال وحرم في الصحراء بكل حال والصحيح الأول وفرعوا عليه فقالوا لا فرق بين أن يكون الساتر دابة أو جدار أو وهدة أو كثيب رمل أو جبلا ولو أرخى ذيله في قبالة القبلة ففي حصول الستر وجهان لأصحابنا أصحهما عندهم وأشهرهما أنه ساتر لحصول الحائل والله أعلم المسألة الثانية حيث جوزنا الاستقبال والاستدبار قال جماعة من أصحابنا هو مكروه ولم يذكر الجمهور الكراهة والمختار أنه لو كان عليه مشقة في تكلف التحرف عن القبلة
فلا كراهة وإن لم تكن مشقة فالأولى تجنبه للخروج من خلاف العلماء ولا تطلق عليه الكراهة للأحاديث الصحيحة فيه المسألة الثالثة يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود الظاهرى واختلف فيه أصحاب مالك فجوزه بن القاسم وكرهه بن حبيب والصواب الجواز فإن التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يرد فيه نهي والله أعلم المسألة الرابعة لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا استدباره بالبول والغائط لكن يكره المسألة الخامسة إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز والله أعلم قوله (وأن لايستنجى باليمين) هو من أدب الاستنجاء وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا ولا تعويل على إشارتهم قال أصحابنا ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى فى شئ من أمور الاستنجاء إلا لعذر فإذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى وإذا استنجى بحجر فإن كان في الدبر مسح بيساره وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر فإن لم يمكنه ذلك واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها ولا يحرك اليمنى هذا هو الصواب وقال بعض أصحابنا يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويمسح بها ويحرك اليسرى وهذا ليس بصحيح لأنه يمس الذكر بيمينه بغير ضرورة وقد نهي عنه والله أعلم ثم إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيها على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها وسنوضح هذه القاعدة قريبا في أواخر الباب إن شاء الله تعالى والله أعلم قوله (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) هذا نص صريح صحيح في أن الاستيفاء ثلاث مسحات واجب لابد منه وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء فمذهبنا أنه لابد في الاستنجاء بالحجر من إزالة عين النجاسة واستيفاء ثلاث مسحات فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة وجب مسحه ثالثة وبهذا قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وقال مالك وداود الواجب الإنقاء فإن حصل بحجر أجزأه وهو وجه لبعض أصحابنا والمعروف من مذهبنا ما قدمناه قال أصحابنا ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف مسح بكل حرف مسحة أجزأه لأن المراد المسحات والأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف
ولو استنجى في القبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات والأفضل أن يكون بستة أحجار فإن اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه وكذلك الخرقة الصفيقة التي إذا مسح بها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر يجوز أن يمسح بجانبها والله أعلم قال أصحابنا وإذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فلا زيادة عليها فإن لم يحصل بثلاثة وجب رابع فإن حصل الإنقاء به لم تجب الزيادة ولكن يستحب الإيتار بخامس فإن لم يحصل بالأربعة وجب خامس فإن حصل به فلا زيادة وهكذا فيما زاد متى حصل الإنقاء بوتر فلا زيادة وإلا وجب الإنقاء واستحب الإيتار والله أعلم وأما نصه صلى الله عليه وسلم على الأحجار فقد تعلق به بعض أهل الظاهر وقالوا الحجر متعين لا يجزئ غيره وذهب العلماء كافة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعينا بل تقوم الخرق والخشب وغير ذلك مقامه وأن المعني فيه كونه مزيلا وهذا يحصل بغير الحجر وإنما قال صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحجار لكونها الغالب المتيسر فلا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم من املاق ونظائره ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه صلى الله عليه وسلم عن العظام والبعر والرجيع ولو كان الحجر متعينا لنهى عما سواه مطلقا قال أصحابنا والذي يقوم مقام الحجر كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان قالوا ولا يشترط اتحاد جنسه فيجوز في القبل أحجار وفي الدبر خرق ويجوز في أحدهما حجر مع خرقتين أو مع خرقة وخشبة ونحو ذلك والله أعلم قوله (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) فيه النهي عن الاستنجاء بالنجاسة ونبه صلى الله عليه وسلم بالرجيع على جنس النجس فإن الرجيع هو الروث وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه على جميع المطعومات وتلتحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك ولا فرق في النجس بين المائع والجامد فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها وقيل أن استنجاؤه الأول يجزئه مع المعصية والله أعلم قوله (عن سلمان رضي الله عنه قال قال لنا المشركون إني أرى صاحبكم) هكذا هو في الأصول وهو صحيح تقديره قال لنا قائل المشركين أو أنه أراد واحدا من المشركين وجمعه لكون باقيهم يوافقونه قوله صلى الله عليه وسلم (ولكن
شرقوا أو غربوا) قال العلماء هذا خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم بحيث إذا شرق أو غرب لا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها قوله (فوجدنا مراحيض) هو بفتح الميم والحاء المهملة والضاد المعجمة جمع مرحاض بكسر الميم وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان أي للتغوط قوله (فننحرف عنها) بالنونين معناه نحرص على اجتنابها بالميل عنها بحسب قدرتنا قوله (قال نعم) هو جواب لقوله أو لا قلت لسفيان بن عيينة سمعت الزهري يذكره عن عطاء قوله (وحدثنا أحمد بن الحسن بن خراش حدثنا عمر بن عبد الوهاب حدثنا يزيد يعنى بن زريع حدثنا روح عن سهيل عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه) قال الدارقطني هذا غير محفوظ عن سهيل وانما هو حديث بن عجلان حدث به عن روح وغيره وقال أبو الفضل حفيد أبي سعيد الهروي الخطأ فيه من عمر بن عبد الوهاب لأنه حديث يعرف بمحمد بن عجلان عن القعقاع وليس لسهيل في هذا الإسناد ذكر رواه أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع على الصواب عن روح عن بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بطوله وحديث عمر بن عبد الوهاب مختصر قلت ومثل هذا لا يظهر قدحه فإنه محمول على أن سهيلا وبن عجلان سمعاه جميعا واشتهرت روايته عن بن عجلان وقلت عن سهيل ولم يذكره أبو داود والنسائى وبن ماجه الا من جهة بن عجلان فرواه ابو داود عن بن المبارك عن بن عجلان عن القعقاع والنسائي عن يحيى بن عجلان وبن ماجه عن سفيان بن عيينة والمغيرة بن عبد الرحمن وعبد الله بن رجاء المكي ثلاثتهم عن بن عجلان والله أعلم وأحمد بن خراش المذكور بالخاء المعجمة قوله (عن حبان) هو بفتح الحاء وبالباء الموحدة قوله (لقد رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على لبنتين يستقبل بيت المقدس) أما رقيت فبكسر القاف ومعناه صعدت هذه اللغة الفصيحة المشهورة وحكى صاحب المطالع لغتين أخرتين إحداهما بفتح القاف بغير همزة والثانية بفتحها مع الهمزة والله تعالى أعلم وأما رؤيته فوقعت اتفاقا بغير قصد لذلك وأما اللبنة فمعروفة وهي بفتح اللام وكسر الباء ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام ومع كسرها وكذا كل ما كان على هذا الوزن أعني مفتوح الأول مكسور الثاني يجوز فيه الأوجه الثلاثة ككتف فإن كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع وهو كسر الأول والثاني كفخذ وأما بيت المقدس فتقدم بيان لغاته واشتقاقه في أول باب الإسراء والله أعلم
قوله (حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن همام عن يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) قال مسلم رحمه الله تعالى (وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا وكيع عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن بن أبى كثير عن بن أبى قتادة عن أبيه) هكذا هو في الأصول التي رأيناها في الأول همام بالميم عن يحيى بن أبي كثير وفي الثاني هشام بالشين وأظن الأول تصحيفا من بعض الناقلين عن مسلم فإن البخاري والنسائي وغيرهما من الأئمة رووه عن هشام الدستوائي كما رواه مسلم في الطريق الثاني وقد أوضح ما قلته الإمام الحافظ أبو محمد خلف الواسطي فقال رواه مسلم عن يحيى بن يحيى بن عبد الرحمن بن مهدي عن هشام وعن يحيى بن يحيى عن وكيع عن هشام عن يحيى بن أبي كثير فصرح الإمام خلف بأن مسلما رواه في الطريقين عن هشام الدستوائي فدل هذا على أن هماما بالميم تصحيف وقع في نسخنا ممن بعد مسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أما إمساك الذكر باليمين فمكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما تقدم في الاستنجاء وقد قدمنا هناك أنه لا يستعين باليمين فى شئ من ذلك من الاستنجاء وقد قدمنا ما يتعلق بهذا الفصل وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولا يتمسح من الخلاء بيمينه فليس التقييد بالخلاء للاحتراز عن البول بل هما سواء والخلاء بالمد هو الغائط
والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يتنفس في الإناء) معناه لا يتنفس في نفس الإناء وأما التنفس ثلاثا خارج الإناء فسنة معروفة قال العلماء والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شئ من الفم والأنف فيه ونحو ذلك والله أعلم قولها (كان صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في طهوره إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل وفي انتعاله إذا انتعل) هذه قاعدة مستمرة فى الشرع وهى انما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر وهو مشطه ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه وأما ما كان بضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها والله أعلم وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة لو خالفها فاته الفضل وصح وضوءه وقالت الشيعة هو واجب ولا اعتداد بخلاف الشيعة واعلم أن الابتداء باليسار وان كان مجزيا فهو مكروه نص عليه الشافعي وهو ظاهر وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بأسانيد حميدة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا لبستم أو توضأتم فابدؤا بأيامنكم فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين ومخالفته مكروهة أو محرمة وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمة فوجب أن تكون مكروهة ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن وهو الأذنان والكفان
والخدان بل يطهران دفعة واحدة فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين والله أعلم قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في شأنه كله فى نعله وترجله) هكذا وقع في بعض الأصول في نعله على إفراد النعل وفي بعضها نعليه بزيادة ياء التثنية وهما صحيحان أي في لبس نعليه أو في لبس نعله أي جنس النعل ولم ير فى شئ من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين وذكر الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابهما الجمع بين الصحيحين في تنعله بتاء مثناة فوق ثم نون وتشديد العين وكذا هو في روايات البخاري وغيره وكله صحيح ووقع في روايات البخاري يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله وذكر الحديث إلخ وفي قوله ما استطاع إشارة إلى شدة المحافظة على التيمن والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (اتقوا اللعانين قالوا وما اللعانان يارسول الله قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) أما اللعانان فكذا وقع في مسلم ووقع في رواية أبي داود اتقوا اللاعنين والروايتان صحيحتان قال الإمام أبو سليمان الخطابي المراد باللاعنين الأمرين الجالبين للعن الحاملين الناس عليه والداعيين إليه وذلك أن من فعلهما شتم ولعن يعني عادة الناس لعنه فلما صارا سببا لذلك أضيف اللعن إليهما قال وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون والملاعن مواضع اللعن قلت فعلى هذا يكون التقدير اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما وهذا على رواية أبي داود وأما رواية مسلم فمعناها والله أعلم اتقوا فعل
اللعانين أي صاحبي اللعن وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة والله أعلم قال الخطابي وغيره من العلماء المراد بالظل هنا مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلا ومناخا ينزلونه ويقعدون فيه وليس كل ظل يحرم القعود تحته فقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم تحت حايش النخل لحاجته وله ظل بلا شك والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم الذي يتخلى في طريق الناس فمعناه يتغوط في موضع يمر به الناس وما نهى عنه في الظل والطريق لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره والله أعلم قوله (دخل حائطا وتبعه غلام معه ميضأة فوضعها عند سدرة فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء) وفي الرواية الأخرى (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء) وفي رواية أخرى (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبرز لحاجته
فآتيه بالماء فيتغسل به) الميضأة بكسر الميم وبهمزة بعد الضاد المعجمة وهي الاناء الذي يتوضأ به كالركوة والابريق وشبههما وأما الحائط فهو البستان وأما العنزة فبتح العين والزاي وهي عصا طويلة في أسفلها زج ويقال رمح قصير وإنما كان يستصحبها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان إذا توضأ صلى فيحتاج إلى نصبها بين يديه لتكون حائلا يصلي إليه وأما قوله يتبرز فمعناه يأتي البراز بفتح الباء وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض ليخلو لحاجته ويستتر ويبعد عن أعين الناظرين وأما قوله فيغتسل به فمعناه يستنجي به ويغسل محل الاستنجاء والله أعلم وأما فقه هذه الأحاديث ففيها استحباب التباعد لقضاء الحاجة عن الناس والاستتار عن أعين الناظرين وفيها جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته وفيها خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك وفيها جواز الاستنجاء بالماء واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر وقد اختلف الناس في هذه المسألة فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده ثم يستعمل الماء فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء سواء وجد الآخر أو لم يجده فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء ويجوز عكسه فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية وأما الحجر فلا يطهره وإنما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها وبعض السلف ذهبوا إلى أن الأفضل هو الحجر وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزى وقال بن حبيب المالكي لا يجزي الحجر إلا لمن عدم الماء وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة والله أعلم وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون المشارع والبرك ونحوها إذ لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الذي قاله غير مقبول ولم يوافق عليه أحد فيما نعلم قال القاضي عياض هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم وجدها فعدل عنها إلى الأواني والله أعلم
(باب المسح على الخفين)
أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذي لا يمشي وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى روايات فيه والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة قال الحسن البصري رحمه الله تعالى حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين وقد بينت أسماء جماعات كثيرين من الصحابة الذين رووه في شرح المهذب وقد ذكرت فيه جملا نفيسة مما يتعلق بذلك وبالله التوفيق واختلف العلماء في أن المسح على الخفين أفضل أم غسل الرجلين فذهب أصحابنا إلى أن الغسل أفضل لكونه الأصل وذهب إليه جماعات من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم وذهب جماعات من التابعين إلى أن المسح أفضل وذهب إليه الشعبي والحكم وحماد وعن أحمد روايتان أصحهما المسح أفضل والثانية هما سواء واختاره بن المنذر والله أعلم قوله (كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة) معناه أن الله تعالى قال في سورة المائدة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف
منسوخا بآية المائدة فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف فتكون السنة مخصصة للآية والله أعلم وروينا في سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم قال ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير والله أعلم قوله (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت فقال ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه) أما السباطة فبضم السين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وهي ملقى القمامة والتراب ونحوهما تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها قال الخطابي ويكون ذلك في الغالب سهلا منثا لا يحد فيه البول ولا يرتد على البائل وأما سبب بوله صلى الله عليه وسلم قائما فذكر العلماء فيه أوجها حكاها الخطابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة أحدها قالا وهو مروي عن الشافعي أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما قال فترى أنه كان به صلى الله عليه وسلم وجع الصلب إذ ذاك والثاني أن سببه ما روي في رواية ضعيفة رواها البيهقي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بال قائما لعلة بمأبضه والمأبض بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة وهو باطن الركبة والثالث أنه لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي من السباطة كان عاليا مرتفعا وذكر الإمام أبو عبد الله المازري والقاضي عياض رحمهما الله
تعالى وجها رابعا وهو أنه بال قائما لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود ولذلك قال عمر البول قائما أحصن للدبر ويجوز وجه خامس أنه صلى الله عليه وسلم فعله للجواز في هذه المرة وكانت عادته المستمرة يبول قاعدا ويدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها قالت من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا رواه أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وآخرون وإسناده جيد والله أعلم وقد روي في النهي عن البول قائما أحاديث لا تثبت ولكن حديث عائشة هذا ثابت فلهذا قال العلماء يكره البول قائما إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم قال بن المنذر في الإشراق اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وزيد بن ثابت وبن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما قال وروي ذلك عن أنس وعلي وأبي هريرة رضى الله عنهم وفعل ذلك بن سيرين وعروة بن الزبير وكرهه بن مسعود والشعبي وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائما وفيه قول ثالث أنه كان في مكان يتطاير إليه من البول شئ فهو مكروه فإن كان لا يتطاير فلا بأس به وهذا قول مالك قال بن المنذر البول جالسا أحب إلي وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كلام بن المنذر والله أعلم وأما بوله صلى الله عليه وسلم في سباطة قوم فيحتمل أوجها أظهرها أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه ونظائر هذا في السنة أكثر من أن تحصى وقد أشرنا إلى هذه القاعدة في كتاب الإيمان في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال احتفزت كما يحتفز الثعلب والوجه الثاني أنها لم تكن مختصة بهم بل كانت بفناء دورهم للناس كلهم فأضيفت إليهم لقربها منهم والثالث أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة إما بصريح الإذن وإما بما في معناه والله أعلم وأما بوله صلى الله عليه وسلم في السباطة التي بقرب الدور مع أن المعروف من عادته صلى الله عليه وسلم التباعد في المذهب فقد ذكر القاضي عياض رضي الله عنه أن سببه أنه صلى الله عليه وسلم كان من الشغل بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم بالمحل المعروف فلعله طال عليه مجلس حتى حفزه البول فلم يمكنه التباعد ولو أبعد لتضرر وارتاد السباطة لدمثها وأقام حذيفة بقربه ليستره عن الناس وهذا الذي قاله القاضي حسن ظاهر والله أعلم وأما قوله فتنحيت فقال ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه
قال العلماء إنما استدناه صلى الله عليه وسلم ليستتر به عن أعين الناس وغيرهم من الناظرين لكونها حالة يستخفى بها ويستحي منها في العادة وكانت الحاجة التي يقضيها بولا من قيام يؤمن معها خروج الحدث الآخر والرائحة الكريهة فلهذا استدناه وجاء في الحديث الآخر لما أراد قضاء الحاجة قال تنح لكونه كان يقضيها قاعدا ويحتاج إلى الحديثين جميعا فتحصل الرائحة الكريهة وما يتبعها ولهذا قال بعض العلماء في هذا الحديث من السنة القرب من البائل إذا كان قائما فإذا كان قاعدا فالسنة الإبعاد عنه والله تعالى أعلم واعلم أن هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد تقدم بسط أكثرها فيما ذكرناه ونشير اليها ها هنا مختصرة ففيه إثبات المسح على الخفين وفيه جواز المسح في الحضر وفيه جواز البول قائما وجواز قرب الإنسان من البائل وفيه جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه ليستره وفيه استحباب الستر وفيه جواز البول بقرب الديار وفيه غير ذلك والله أعلم قوله (فقال حذيفة لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى فأتى سباطة خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال) إلخ مقصود حذيفة أن هذا التشديد خلاف السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما ولا شك في كون القائم معرضا للرشيش ولم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاحتمال ولم يتكلف البول في قارورة كما فعل أبو موسى رضي الله عنه والله أعلم قوله (أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة) هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض وهم يحيى بن
سعيد وهو الأنصاري وسعد ونافع وعروة وقد تقدم أن ميم المغيرة تضم وتكسر والله أعلم قوله (عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصب عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح على الخفين) وفي رواية حتى مكان حين أما قوله فاتبعه المغيرة فهو من كلام عروة عن أبيه وهذا كثير يقع مثله في الحديث فنقل الراوي عن المروي عنه لفظه عن نفسه بلفظ الغيبة وأما الإداوة فهي والركوة والمطهرة والميضأة بمعنى متقارب وهو إناء الوضوء وأما قوله فصب عليه حين فرغ من حاجته فمعناه بعد انفصاله من موضع قضاء حاجته وانتقاله إلى موضع آخر فصب عليه في وضوئه وأما رواية حتى فرغ فلعل معناها فصب عليه في وضوئه حتى فرغ من الوضوء فيكون المراد بالحاجة الوضوء وقد جاء في الرواية الأخرى مبينا أن صبه عليه كان بعد رجوعه من قضاء الحاجة والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة في الوضوء وقد ثبت أيضا في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه صب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وضوئه حين انصرف من عرفة وقد جاء في أحاديث ليست بثابتة النهي عن الاستعانة قال أصحابنا الاستعانة ثلاثة أقسام أحدها أن يستعين بغيره في إحضار الماء فلا كراهة فيه
ولا نقص والثاني أن يستعين به في غسل الأعضاء ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء فهذا مكروه إلا لحاجة والثالث أن يصب عليه فهذا الأولى تركه وهل يسمى مكروها فيه وجهان قال أصحابنا وغيرهم وإذا صب عليه وقف الصاب على يسار المتوضئ والله أعلم قوله (فأخرجهما من تحت الجبة) فيه جواز مثل هذا للحاجة وفي الخلوة وأما بين الناس فينبغي ألا يفعل لغير حاجة لان فيه اخلالا بالمرؤة قوله (حدثني محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبى حدثنا زكريا
عن عامر قال أخبرني عروة بن المغيرة عن أبيه) هذا الإسناد كله كوفيون قوله صلى الله عليه وسلم (فإني أدخلتهما طاهرتين) فيه دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز إلا إذا لبسهما على طهارة كاملة بأن يفرغ من الوضوء بكماله ثم يلبسهما لأن حقيقة إدخالهما طاهرتين أن تكون كل واحدة منهما أدخلت وهي طاهرة وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فمذهبنا أنه يشترط لبسهما على طهارة كاملة حتى لو غسل رجله اليمنى ثم لبس خفها وغسل اليسرى ثم لبس خفها لم يصح لبس اليمنى فلا بد من نزعها وإعادة لبسها ولا يحتاج إلى نزع اليسرى لكونها ألبست بعد كمال الطهارة وشذ بعض أصحابنا فأوجب نزع اليسرى أيضا وهذا الذي ذكرناه من اشتراط الطهارة في اللبس هو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم والمزني وأبو ثور وداود يجوز اللبس على حدث ثم يكمل طهارته والله أعلم قوله (وحدثني محمد بن حاتم حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه) قال الحافظ أبو علي النيسابوري هكذا روي لنا عن مسلم إسناد هذا الحديث عن عمر بن أبي زائدة من جميع الطرق ليس بينه وبين الشعبي أحد وذكر أبو مسعود أن مسلم بن الحجاج خرجه عن بن حاتم عن إسحاق عن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي وهكذا قال أبو بكر الجورقي في كتابه الكبير وذكر البخاري في تاريخه أن عمر بن أبي زائدة قد سمع من الشعبي وأنه كان يبعث بن أبي السفر وزكريا إلى الشعبي يسألانه هذا آخر كلام أبي علي قلت وقد ذكر الحافظ أبو محمد خلف الواسطي في أطرافه أن مسلما رواه عن بن حاتم عن إسحاق عن عمر بن أبي زائدة عن الشعبي كما
هو في الأصول ولم يذكر بن أبي السفر والله أعلم قوله (وحدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال حدثنا يزيد يعنى بن زريع قال حدثنا حميد الطويل قال حدثنا بكر بن عبد الله المزني عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال الحافظ أبو علي الغساني قال أبو مسعود الدمشقي) هكذا يقول مسلم في حديث بن بزيع عن يزيد بن زريع عن عروة بن المغيرة وخالفه الناس فقالوا فيه حمزة بن المغيرة بدل عروة وأما أبو الحسن الدارقطني فنسب الوهم فيه إلى محمد بن عبد الله بن بزيع لا إلى مسلم هذا آخر كلام الغساني قال القاضي عياض حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا الحديث وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأخر وحمزة وعروة ابنان للمغيرة والحديث مروي عنهما جميعا لكن رواية بكر بن عبد الله بن المزني إنما هي عن حمزة بن المغيرة وعن بن المغيرة غير مسمى ولا يقول بكر عروة ومن قال عروة عنه فقد وهم وكذلك اختلف عن بكر فرواه معتمر في أحد الوجهين عنه عن بكر عن الحسن عن بن المغيرة وكذا رواه يحيى بن سعيد عن التيمي وقد ذكر هذا مسلم وقال غيرهم عن بكر عن المغيرة قال الدارقطني وهو وهم هذا آخر كلام القاضي عياض والله أعلم قوله (فأتيته بمطهرة) قد تقدم قريبا أن فيها لغتين فتح الميم وكسرها وأنها الإناء الذي يتطهر منه قوله (ثم ذهب يحسر عن ذراعيه) هو بفتح الياء
وكسر السين أي يكشف والله أعلم قوله (مسح بناصيته وعلى العمامة) هذا مما احتج به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي ولا يشترط الجميع لأنه لو وجب الجميع لما اكتفى بالعمامة عن الباقي فإن الجمع بين الأصل والبدل في عضو واحد لا يجوز كما لو مسح على خف واحد وغسل الرجل الأخرى وأما التتميم بالعمامة فهو عند الشافعي وجماعة على الاستحباب لتكون الطهارة على جميع الرأس ولا فرق بين أن يكون لبس العمامة على طهر أو على حدث وكذا لو كان على رأسه قلنسوة ولم ينزعها مسح بناصيته ويستحب أن يتم على القلنسوة كالعمامة ولو اقتصر على العمامة ولم يمسح شيئا من الرأس لم يجزه ذلك عندنا بلا خلاف وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأكثر العلماء رحمهم الله تعالى وذهب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إلى جواز الاقتصار ووافقه عليه جماعة من السلف والله أعلم والناصية هي مقدم الرأس قوله (فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع ركعة بهم فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب يتأخر فأومأ إليه فصلى بهم فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا) اعلم أن هذا الحديث فيه فوائد كثيرة منها جواز اقتداء الفاضل بالمفضول وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته ومنها أن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت فإنهم فعلوها أول الوقت ولم ينتظروا النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن الإمام إذا تأخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم إذا وثقوا بحسن خلق الإمام وأنه لا يتأذى من ذلك ولا يترتب عليه فتنة فاما إذا لم يأمنوا أذاه فإنهم يصلون في أول الوقت فرادى ثم إن أدركوا الجماعة بعد ذلك استحب
لهم إعادتها معهم ومنها أن من سبقه الإمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك فإذا سلم الإمام أتى بما بقي عليه ولا يسقط ذلك عنه بخلاف قراءة الفاتحة فإنها تسقط عن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا ومنها اتباع المسبوق للإمام في فعله في ركوعه وسجوده وجلوسه وإن لم يكن ذلك موضع فعله للمأموم ومنها أن المسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام والله أعلم وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فالفرق بينهما أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم بخلاف قضية أبي بكر رضي الله عنهما والله أعلم وأما قوله فركعنا الركعة التي سبقتنا فكذا ضبطناه وكذا هو في الأصول بفتح السين والباء والقاف وبعدها مثناة من فوق ساكنة أي وجدت قبل حضورنا والله أعلم قوله (حدثنا المعتمر عن أبيه عن بكر عن الحسن عن بن المغيرة عن أبيه) هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض وهم أبو المعتمر سليمان بن طرخان وبكر بن عبد الله والحسن البصرى وبن المغيرة واسمه حمزة كما تقدم وهؤلاء التابعيون الأربعة بصريون الا بن المغيرة فإنه كوفي قوله (قال بكر وقد سمعت من بن المغيرة) هكذا ضبطناه وكذا هو في الأصول ببلادنا سمعت بالتاء في آخره وليس بعدها هاء وقال القاضي هو عند جميع شيوخنا سمعته يعني بالهاء في آخره بعد التاء قال وكذا ذكره بن أبي خيثمة والدارقطني
وغيرهما قال ووقع عند بعضهم ولم أروه وقد سمعت من بن المغيرة يعني بحذف الهاء وقد تقدم سماعه الحديث منه هذا كلام القاضي قوله في حديث بلال (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار) يعني بالخمار العمامة لأنها تخمر الرأس أي تغطيه قوله (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا حدثنا أبو معاوية وحدثنا إسحاق أخبرنا عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار وفي حديث عيسى حدثني الحكم حدثني بلال) وهذا الذي قاله في الأخير من دقيق علم الإسناد أعني قوله وفي حديث إلخ ومعنى هذا أن الأعمش يروي عنه هنا اثنان أبو معاوية وعيسى بن يونس فقال أبو معاوية في روايته عن الأعمش عن الحكم وقال عيسى بن أبي ليلى في روايته عن الأعمش قال حدثني الحكم فأتى بحدثنى بدل عن ولا شك أن حدثنا أقوى لا سيما من الأعمش الذي هو معروف بالتدليس وقال أيضا أبو معاوية في روايته عن الأعمش عن الحكم عن بن أبي ليلى عن بلال عن كعب بن عجرة وقال عيسى في روايته عن الأعمش حدثنى الحكم عن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال حدثنى بلال فأتى بحدثنى بلال موضع عن بلال ثم اعلم أن هذا الإسناد الذي ذكره مسلم رحمه الله تعالى مما تكلم عليه الدارقطني في كتاب العلل وذكر الخلاف في طريقه والخلاف عن الأعمش فيه
وأن بلالا سقط منه عند بعض الرواة واقتصر على كعب بن عجرة وأن بعضهم عكسه فأسقط كعبا واقتصر على بلال وأن بعضهم زاد البراء بين بلال وبن أبي ليلى وأكثر من رواه رووه كما هو في مسلم وقد رواه بعضهم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بلال والله أعلم
(باب التوقيت في المسح على الخفين)
فيه (عمرو بن قيس الملائي عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخفين فقالت عليك بابن أبي طالب فاسأله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه فقال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم) وفي الرواية الأخرى (عن الأعمش عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح عن عائشة) أما أسانيده فالملائي بضم الميم وبالمد كان يبيع الملاء وهو نوع
من الثياب معروف الواحدة ملاءة بالمد وكان من الأخيار وعتيبة بضم العين وبعدها مثناة من فوق ثم مثناة من تحت ثم موحدة ومخيمرة بضم الميم وبالخاء المعجمة وشريح بالشين المعجمة وبالحاء وهانئ بهمزة آخره والأعمش والحكم والقاسم وشريح تابعيون كوفيون وأما أحكامه ففيه الحجة البينة والدلالة الواضحة لمذهب الجمهور أن المسح على الخفين موقت بثلاثة أيام في السفر وبيوم وليلة في الحضر وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم وقال مالك في المشهور عنه يمسح بلا توقيت وهو قول قديم ضعيف عن الشافعي واحتجوا بحديث بن أبي عمارة بكسر العين في ترك التوقيت رواه أبو داود وغيره وهو حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث وأوجه الدلالة من الحديث على مذهب من يقول بالمفهوم ظاهرة وعلى مذهب من لا يقول به يقال الأصل منع المسح فيما زاد ومذهب الشافعي وكثيرين أن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح ثم إن الحدث عام مخصوص بحديث صفوان بن غسال رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة قال أصحابنا فإذا أجنب قبل انقضاء المدة لم يجز المسح على الخف فلو اغتسل وغسل رجليه في الخف ارتفعت جنابته وجازت صلاته فلو أحدث بعد ذلك لم يجز له المسح على الخف بل لا بد من خلعه ولبسه على طهارة بخلاف ما لو تنجست رجله في الخف فغسلها فيه فإن له المسح على الخف بعد ذلك والله أعلم وفي هذا الحديث من الأدب ما قاله العلماء إنه يستحب للمحدث وللمعلم والمفتي إذا طلب منه ما يعلمه عند أجل منه أن يرشد إليه وإن لم يعرفه قال اسأل عنه فلانا قال أبو عمر بن عبد البر واختلف الرواة في رفع هذا الحديث ووقفه على علي قال ومن رفعه أحفظ وأضبط والله سبحانه وتعالى أعلم
(باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد)
فيه (بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه
فقال له عمر رضي الله عنه لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال عمدا صنعته يا عمر) في هذا الحديث أنواع من العلم منها جواز المسح على الخف وجواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث وهذا جائز بإجماع من يعتد به وحكى أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن بن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة من العلماء أنهم قالوا يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهرا واحتجوا بقول الله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث وحديث أنس في صحيح البخاري كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث وحديث سويد بن النعمان في صحيح البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثم أكل سويقا ثم صلى المغرب ولم يتوضأ وفي معناه أحاديث كثيرة كحديث الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة وسائر الأسفار والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق وغير ذلك وأما الآية الكريمة فالمراد بها والله أعلم إذا قمتم محدثين وقيل إنها منسوخة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول ضعيف والله أعلم قال أصحابنا ويستحب تجديد الوضوء وهو أن يكون على طهارة ثم يتطهر ثانيا من غير حدث وفي شرط استحباب التجديد أوجه أحدها أنه يستحب لمن صلى به صلاة سواء كانت فريضة أو نافلة والثاني لا يستحب إلا لمن صلى فريضة والثالث يستحب لمن فعل به ما لا يجوز إلا بطهارة كمس المصحف وسجود التلاوة والرابع يستحب وإن لم يفعل به شيئا أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء زمن يقع بمثله تفريق ولا يستحب تجديد الغسل على المذهب
الصحيح المشهور وحكى إمام الحرمين وجها أنه يستحب وفي استحباب تجديد التيمم وجهان أشهرهما لا يستحب وصورته في الجريح والمريض ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء ويتصور في غيره إذا قلنا لا يجب الطلب لمن تيمم ثانيا في موضعه والله أعلم وأما قول عمر رضي الله عنه صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ففيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملا بالأفضل وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء واحد بيانا للجواز كما قال صلى الله عليه وسلم عمدا صنعته يا عمر وفي هذا الحديث جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها وقد تكون تعمدا لمعنى خفي على المفضول فيستفيده والله أعلم وأما اسناد الباب ففيه بن نمير قال حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد وفي الطريق الآخر يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد إنما فعل مسلم رحمه الله تعالى هذا وأعاد ذكر سفيان وعلقمة لفوائد منها أن سفيان رحمه الله تعالى من المدلسين وقال في الرواية الأولى عن علقمة والمدلس لا يحتج بعنعنته بالاتفاق إلا إن ثبت سماعه من طريق آخر فذكر مسلم الطريق الثاني المصرح بسماع سفيان من علقمة فقال حدثني علقمة والفائدة الأخرى أن بن نمير قال حدثنا سفيان ويحيى بن سعيد قال عن سفيان فلم يستجز مسلم رحمه الله تعالى الرواية عن الاثنين بصيغة أحدهما فإن حدثنا متفق على حمله على الاتصال وعن مختلف فيه كما قدمناه في شرح المقدمة
(باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في
نجاستها في الإناء)
(قبل غسلها ثلاثا)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا
فإنه لا يدري أين باتت يده) قال الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى في معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا يدري أين باتت يده أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن يطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قملة أو قذر غير ذلك وفي هذا الحديث دلالة لمسائل كثيرة في مذهبنا ومذهب الجمهور منها أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن قلت ولم تغيره فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جدا وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين بل لا تقاربهما ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه وأنها إذا وردت عليه نجسته وإذا ورد عليها أزالها ومنها أن الغسل سبعا ليس عاما في جميع النجاسات وإنما ورد الشرع به في ولوغ الكلب خاصة ومنها أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار بل يبقى نجسا معفوا عنه في حق الصلاة ومنها استحباب غسل النجاسة ثلاثا لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى ومنها استحباب الغسل ثلاثا في المتوهمة ومنها أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش فإنه صلى الله عليه وسلم قال حتى يغسلها ولم يقل حتى يغسلها أو يرشها ومنها استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة وفي الفرق بين الاحتياط والوسوسة كلام طويل أوضحته في باب الآنية من شرح المهذب ومنها استحباب
استعمال ألفاظ الكنايات فيما يتحاشى من التصريح به فإنه صلى الله عليه وسلم قال لا يدري أين باتت يده ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك وإن كان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز والأحاديث الصحيحة وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به والله أعلم هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا وهي النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها وهذا مجمع عليه لكن الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهي تنزيه لا تحريم فلو خالف وغمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس وحكى أصحابنا عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه ينجس إن كان قام من نوم الليل وحكوه أيضا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وهو ضعيف جدا فإن الأصل في الماء واليد الطهارة فلا ينجس بالشك وقواعد الشرع متظاهرة على هذا ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة وأما الحديث فمحمول على التنزيه ثم مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الاناء قبل غسلها سواء قام من نوم الليل أو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم وهذا مذهب جمهور العلماء وحكي عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه إن قام
من نوم الليل كره كراهة تحريم وإن قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه ووافقه عليه داود الظاهري اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث وهذا مذهب ضعيف جدا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على العلة بقوله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يدري أين باتت يده ومعناه أنه لا يأمن النجاسة على يده وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة وذكر الليل أولا لكونه الغالب ولم يقتصر عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به بل ذكر العلة بعده والله أعلم هذا كله إذا شك في نجاسة اليد أما إذا تيقن طهارتها وأراد غمسها قبل غسلها فقد قال جماعة من أصحابنا حكمه حكم الشك لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسد الباب لئلا يتساهل فيه من لا يعرف والأصح الذي ذهب إليه الجماهير من أصحابنا أنه لا كراهة فيه بل هو في خيار بين الغمس أولا والغسل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر النوم ونبه على العلة وهي الشك فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة ولو كان النهي عاما لقال إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده حتى يغسلها وكان أعم وأحسن والله أعلم قال أصحابنا وإذا كان الماء في اناء كبير أوصخرة بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره والله أعلم وأما أسانيد الباب ففيه الجهضمي بفتح الجيم والضاد المعجمة وتقدم بيانه في المقدمة وفيه حامد بن
عمر البكراوي بفتح الباء الموحدة وإسكان الكاف وهو حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث الصحابي فنسب حامد إلى جده وفيه أبو رزين اسمه مسعود بن مالك الكوفي كان عالما فيها وهو مولى أبي وائل شقيق بن سلمة وفيه قول مسلم رحمه الله تعالى في حديث أبي معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث وكيع يرفعه وهذا الذي فعله مسلم رحمه الله تعالى من احتياطه ودقيق نظره وغزير علمه وثبوت فهمه فإن أبا معاوية ووكيعا اختلفت روايتهما فقال أحدهما قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الآخر عن أبي هريرة يرفعه وهذا بمعنى ذلك عند أهل العلم كما قدمناه في الفصول ولكن أراد مسلم رحمه الله تعالى ألا يروي بالمعنى فإن الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء وجائزة عند الأكثرين إلا أن الأولى اجتنابها والله أعلم وفيه معقل عن أبي الزبير هو معقل بفتح الميم وكسر القاف وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس تقدم بيانه في مواضع وفيه المغيرة الحزامي بالزاي والمغيرة بضم الميم على المشهور ويقال بكسرها تقدم ذكرهما في المقدمة والله أعلم
(باب حكم ولوغ الكلب)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) وفى
الرواية الأخرى (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) وفي الرواية الأخرى (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات) وفي الرواية الأخرى (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وقال إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب) وفي رواية (ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع) أما أسانيد الباب ولغاته
ففيه أبو رزين تقدم ذكره في الباب قبله وفيه ولغ الكلب قال أهل اللغة يقال ولغ الكلب في الإناء يلغ بفتح اللام فيهما ولوغا إذا شرب بطرف لسانه قال أبو زيد يقال ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا وفيه طهور إناء أحدكم الأشهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها لغتان تقدمتا في أول كتاب الوضوء وفيه قوله في صحيفة همام فذكر أحاديث منها وقد تقدم في الفصول وغيرها بيان فائدة هذه العبارة وفيه قوله في آخر الباب وليس ذكر الزرع في الرواية غير يحيى هكذا هو في الأصول وهو صحيح وذكر بفتح الذال والكاف والزرع منصوب وغير مرفوع معناه لم يذكر هذه الرواية الا يحيى وفيه أبوالتياح بفتح المثناة فوق وبعدها مثناة تحت مشددة وآخره حاء مهملة واسمه يزيد بن حميد الضبعي البصري العبد الصالح قال شعبة كنا نكنيه بأبي حماد قال وبلغني أنه كان يكنى بأبى التياح وهو غلام وفيه بن المغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء وهو عبد الله بن المغفل المزني وقول مسلم حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي التياح سمع مطرف بن عبد الله عن أبي المغفل قال مسلم وحدثنيه يحيى بن حبيب الحارثي قال حدثنا خالد يعنى بن الحارث ح وحدثني محمد بن حاتم قال حدثنا يحيى بن سعيد ح وحدثني محمد بن الوليد قال حدثنا محمد بن جعفر كلهم عن شعبة في هذا الإسناد بمثله هذه الأسانيد من جميع هذه الطرق رجالها بصريون وقد قدمنا مرات أن شعبة واسطي ثم بصري ويحيى بن سعيد المذكور هو القطان والله أعلم أما أحكام الباب ففيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وغيره رضي الله عنه ممن يقول بنجاسة الكلب لأن الطهارة تكون عن حدث أو نجس وليس هنا حدث فتعين النجس فإن قيل المراد الطهارة اللغوية فالجواب أن حمل اللفظ على حقيقته الشرعية مقدم على اللغوية وفيه أيضا نجاسة ما ولغ فيه وأنه إن كان طعاما مائعا حرم أكله لأن إراقته إضاعة له فلو كان طاهرا لم يأمرنا بإراقته بل قد نهينا عن إضاعة المال وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير أنه ينجس ما ولغ فيه ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره ولا بين كلب البدوي والحضري لعموم اللفظ وفي مذهب مالك أربعة أقوال طهارته ونجاسته وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره وهذه الثلاثة عن مالك والرابع عن عبد الملك بن الماجشون المالكي أنه يفرق بين البدوي والحضري وفيه الأمر بإراقته وهذا متفق عليه عندنا ولكن هل الإراقة واجبة
لعينها أم لا تجب إلا إذا أراد استعمال الإناء أراقه فيه خلاف ذكر أكثر أصحابنا الإراقة لا تجب لعينها بل هي مستحبة فإن أراد استعمال الإناء أراقه وذهب بعض أصحابنا إلى أنها واجبة على الفور ولو لم يرد استعماله حكاه الماوردي من أصحابنا في كتابه الحاوي ويحتج له بمطلق الأمر وهو يقتضي الوجوب على المختار وهو قول أكثر الفقهاء ويحتج للأول بالقياس على باقي المياه النجسة فإنه لا تجب إراقتها بلا خلاف ويمكن أن يجاب عنها بأن المراد في مسألة الولوغ الزجر والتغليظ والمبالغة في التنفير عن الكلاب والله أعلم وفيه وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجماهير وقال أبو حنيفة يكفي غسله ثلاث مرات والله أعلم وأما الجمع بين الروايات فقد جاء في رواية سبع مرات وفي رواية سبع مرات أولاهن بالتراب وفي رواية أخراهن أو أولاهن وفي رواية سبع مرات السابعة بالتراب وفي رواية سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب وقد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها وفيها دليل على أن التقييد بالأولى وبغيرها ليس على الاشتراط بل المراد إحداهن وأما رواية وعفروه الثامنة بالتراب فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بالتراب مع الماء فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا والله أعلم واعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئا طاهرا في حال رطوبة أحدهما وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب ولو ولغ كلبان أو كلب واحد مرات في إناء ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح أنه يكفيه للجميع سبع مرات والثاني يجب لكل ولغة سبع والثالث يكفي لولغات الكلب الواحد سبع ويجب لكل كلب سبع ولو وقعت نجاسة أخرى في الإناء الذي ولغ فيه الكلب كفى عن الجميع سبع ولا تقوم الغسلة الثامنة بالماء وحده ولا غمس الإناء في ماء كثير ومكثه فيه قدر سبع غسلات مقام التراب على الأصح وقيل يقوم ولا يقوم الصابون والأشنان وما أشبههما مقام التراب على الأصح ولا فرق بين وجود التراب وعدمه على الأصح ولا يحصل الغسل بالتراب النجس على الأصح ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه فلم يزل عينه إلا بست غسلات مثلا فهل يحسب ذلك ست غسلات أم غسلة واحدة أم لا يحسب من السبع أصلا فيه ثلاثة أوجه أصحها واحدة وأما الخنزير فحكمه حكم الكلب في هذا كله هذا مذهبنا وذهب أكثر العلماء إلى أن الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعا وهو قول الشافعي
وهو قوي في الدليل قال أصحابنا ومعنى الغسل بالتراب أن يخلط التراب في الماء حتى يتكدر ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به فأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزى ولا يجب إدخال اليد في الإناء بل يكفي أن يلقيه في الإناء ويحركه ويستحب أن يكون التراب في غير الغسلة الأخيرة ليأتي عليه ما ينظفه والأفضل أن يكون في الأولى ولو ولغ الكلب في ماء كثير بحيث لم ينقص ولوغه عن قلتين لم ينجسه ولو ولغ في ماء قليل أو طعام فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبا أو بدنا أو إناء آخر وجب غسله سبعا إحداهن بالتراب ولو ولغ في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله وانتفع بالباقي على طهارته السابقة كما في الفأرة تموت في السمن الجامد والله أعلم وأما قوله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وفي الرواية الأخرى وكلب الزرع فهذا نهي عن اقتنائها وقد اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة مثل أن يقتني كلبا إعجابا بصورته أو للمفاخرة به فهذا حرام بلا خلاف وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء وهي الزرع والماشية والصيد وهذا جائز بلا خلاف واختلف أصحابنا في اقتنائه لحراسة الدور والدروب وفي اقتناء الجرو ليعلم فمنهم من حرمه لأن الرخصة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة ومنهم من أباحه وهو الأصح لأنه في معناها واختلفوا أيضا فيمن اقتنى كلب صيد وهو رجل لا يصيد والله أعلم وأما الأمر بقتل الكلاب فقال أصحابنا إن كان الكلب عقورا قتل وإن لم يكن عقورا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة من المنافع المذكورة أو لم يكن قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين والأمر بقتل الكلاب منسوخ قال وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب مرة ثم صح أنه نهى عن قتلها قال واستقر الشرع عليه على التفصيل الذي ذكرناه قال وأمر بقتل الأسود البهيم وكان هذا في الابتداء وهو الآن منسوخ هذا كلام إمام الحرمين ولا مزيد على تحقيقه والله أعلم
باب النهي عن البول في الماء الراكد
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) وفي الرواية الأخرى (لا يبل في الماء الدائم الذي لايجرى ثم يغتسل منه) وفي الرواية الأخرى (نهى أن يبال في الماء الراكد) الرواية يغتسل مرفوع أي لا تبل ثم أنت تغتسل منه وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك رضي الله عنه أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على موضع يبولن ونصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع فأما الجزم فظاهر وأما النصب فلا يجوز لأنه يقتضى أن المنهى عنه الجمع بيهما دون افراد أحدهنا وهذا لم يقله أحد بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا والله أعلم وأما الدائم فهو الراكد وقوله صلى الله عليه وسلم الذي لا يجري تفسير للدائم وإيضاح لمعناه ويحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها وهذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها للكراهة ويؤخذ ذلك من حكم المسألة فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا فقد قال جماعة من أصحابنا يكره والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره ويغر غيره فيستعمله مع أنه نجس وإن كان الماء كثيرا راكدا فقال أصحابنا يكره ولا يحرم ولو قيل يحرم
لم يكن بعيدا فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحقيقين والأكثرين من أهل الأصول وفيه من المعنى أنه يقذره وربما أدى إلى تنجيسه بالإجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك بتحرك طرفه الآخر ينجس بوقوع نجس فيه وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف ماليته ويغر غيره باستعماله والله أعلم قال أصحابنا وغيرهم من العلماء والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث يجري إليه البول فكله مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل المذكور ولم يخالف في هذا أحد من العلماء إلا ما حكي عن داود بن علي الظاهري أن النهي مختص ببول الإنسان بنفسه وأن الغائط ليس كالبول وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر والله أعلم قال العلماء ويكره البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه لعموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البراز في الموارد ولما فيه من إيذاء المارين بالماء ولما يخاف من وصوله إلى الماء والله أعلم وأما انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه فإن كان قليلا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء وإن كان كثيرا لا ينجس بوقوع النجاسة فيه فإن كان جاريا فلا بأس به وإن كان راكدا فليس بحرام ولا تظهر كراهته لأنه ليس في معنى البول ولا يقاربه ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن والله أعلم
(باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد)
فيه (أبو السائب أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغتسل أحدكم في
الماء الدائم وهو جنب فقال كيف يفعل يا أبا هريرة قال يتناوله تناولا) أما أبو السائب فلا يعرف اسمه وأما أحكام المسألة فقال العماء من أصحابنا وغيرهم يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرا وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية قال الشافعي رحمه الله تعالى في البويطي أكره للجنب أن يغتسل في البئر معينة كانت أو دائمة وفي الماء الراكد الذي لا يجري قال الشافعي وسواء قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه هذا نصه وكذا صرح أصحابنا وغيرهم بمعناه وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم واذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء مستعملا فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو أنه إن كان الماء قلتين فصاعدا لم يصر مستعملا ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات وأما إذا كان الماء دون القلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملا وإن نزل فيه إلى ركبتيه مثلا ثم نوى قبل انغماس باقيه صار الماء في الحال مستعملا بالنسبة إلى غيره وارتفعت الجنابة عن ذلك القدر المنغمس بلا خلاف وارتفعت أيضا عن القدر الباقي إذا تمم انغماسه على المذهب الصحيح المختار المنصوص المشهور لأن الماء إنما يصير مستعملا بالنسبة إلى المتطهر إذا انفصل عنه وقال أبو عبد الله الخضري من أصحابنا وهو بكسر الخاء وإسكان الضاد المعجمتين لا يرتفع عن باقيه والصواب الأول وهذا إذا تمم الانغماس من غير انفصاله فلو انفصل ثم عاد إليه لم يجزئه ما يغسله به بعد ذلك بلا خلاف ولو انغمس رجلان تحت الماء الناقص عن قلتين إن تصورا ثم نويا دفعة واحدة ارتفعت جنابتهما وصار الماء مستعملا فإن نوى أحدهما قبل الآخر ارتفعت جنابة الناوي وصار الماء مستعملا بالنسبة إلى رفيقه فلا ترتفع جنابته على المذهب الصحيح المشهور وفيه وجه شاذ أنها ترتفع وإن نزلا فيه إلى ركبتيهما فنويا ارتفعت جنابتهما عن ذلك القدر وصار مستعملا فلا ترتفع عن باقيهما إلا على الوجه الشاذ والله أعلم
(باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في
المسجد)
(وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها)
فيه حديث أنس رضي الله عنه (أن أعرابيا بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه) وفي الرواية الأخرى (فصاح به الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب فصب على بوله) الأعرابي هو الذي يسكن البادية وقوله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه هو بضم التاء وإسكان الزاي وبعدها راء أي لا تقطعوا والإزرام القطع وأما الدلو ففيها لغتان التذكير والتأنيث والذنوب بفتح الذال وضم النون وهي الدلو المملوءة ماء أما أحكام الباب ففيه إثبات نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه ولا فرق بين الكبير والصغير بإجماع من يعتد به لكن بول الصغير يكفي فيه النضح كما سنوضحه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى وفيه احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها
وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا تطهر إلا بحفرها وفيه أن غسالة النجاسة طاهرة وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء ولأصحابنا فيها ثلاثة أوجه أحدها أنها طاهرة والثاني نجسة والثالث إن انفصلت وقد طهر المحل فهي طاهرة وإن انفصلت ولم يطهر المحل فهي نجسة وهذا الثالث هو الصحيح وهذا الخلاف إذا انفصلت غير متغيرة أما إذا انفصلت متغيرة فهي نجسة بإجماع المسلمين سواء تغير طعمها أو لونها أو ريحها وسواء كان التغير قليلا أو كثيرا والله أعلم وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عنادا وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله صلى الله عليه وسلم دعوه قال العلماء كان قوله صلى الله عليه وسلم دعوه لمصلحتين إحداهما أنه لو قطع عليه بوله تضرر وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به والثانية أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيه صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والقذى والبصاق ورفع
الأصوات والخصومات والبيع والشراء وسائر العقود وما في معنى ذلك وفي هذا الفصل مسائل ينبغي أن أذكر أطرافا منها مختصرة أحدها أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث فإن كان جلوسه لعبادة من اعتكاف أو قراءة علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك كان مستحبا وان لم يكن لشئ من ذلك كان مباحا وقال بعض أصحابنا إنه مكروه وهو ضعيف الثانية يجوز النوم عندنا في المسجد نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى في الأم قال بن المنذر في الإشراق رخص في النوم في المسجد بن المسيب والحسن وعطاء والشافعي وقال بن عباس لاتتخذوه مرقدا وروي عنه أنه قال إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس وقال الأوزاعي يكره النوم في المسجد وقال مالك لا بأس بذلك للغرباء ولا أرى ذلك للحاضر وقال أحمد إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس وإن اتخذه مقيلا أو مبيتا فلا وهذا قول إسحاق هذا ما حكاه بن المنذر واحتج من جوزه بنوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبن عمر وأهل الصفة والمرأة صاحبة الوشاح والغريبين وثمامة بن أثال وصفوان بن أمية وغيرهم وأحاديثهم في الصحيح مشهورة والله أعلم ويجوز أن يمكن الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين ويمنع من دخوله بغير إذن الثالثة قال بن المنذر أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يتوضأ في مكان يبله أو يتأذى الناس به فإنه مكروه ونقل الإمام والحسن بن بطال المالكي هذا عن بن عمر وبن عباس وعطاء وطاوس والحنفي وبن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم وعن بن سيرين ومالك وسحنون أنهم كرهوه تنزيها للمسجد والله أعلم الرابعة قال جماعة من أصحابنا يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد لغير حاجة مقصودة لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد ولا يحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على البعير ولا ينفي هذا الكراهة لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بيانا للجواز أو ليظهر ليقتدى به صلى الله عليه وسلم والله أعلم الخامسة يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد وأما من على بدنه نجاسة فإن خاف تنجيس المسجد لم يجز له الدخول فإن أمن ذلك جاز وأما إذا افتصد في المسجد فإن كان في غير إناء فحرام وإن قطر دمه في إناء فمكروه وإن بال في المسجد في إناء ففيه وجهان أصحهما أنه حرام والثاني مكروه السادسة يجوز الاستلقاء في المسجد وهز الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك من فعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم السابعة يستحب استحبابا متأكدا كنس المسجد وتنظيفه للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه والله أعلم قوله (فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مه مه) هي كلمة زجر ويقال به به بالباء أيضا قال العلماء هو اسم مبني على السكون معناه اسكت قال صاحب المطالع هي كلمة زجر قيل أصلها ما هذا ثم حذف تخفيفا قال وتقال مكررة مه مه وتقال فردة مه ومثله به به وقال يعقوب هي لتعظيم الأمر كبخ بخ وقد تنون مع الكسر وينون الأول ويكسر الثاني بغير تنوين هذا كلام صاحب المطالع وذكره أيضا غيره والله أعلم قوله فجاء بدلو فشنه عليه يروى بالشين المعجمة وبالمهملة وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة ومعناه صبه وفرق بعض العلماء بينهما فقال هو بالمهملة الصب في سهولة وبالمعجمة التفريق في صبه والله أعلم
(باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله)
فيه (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله) وفي الرواية الأخرى (أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصبي يرضع فبال في حجره فدعا بماء فصبه عليه) وفي رواية أم قيس
(أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يأكل الطعام فوضعته في حجره فبال فلم يزد على أن نضح بالماء) وفي رواية (فدعا بماء فرشه) وفي رواية (فنضحه عليه ولم يغسله غسلا) الصبيان بكسر الصاد هذه اللغة المشهورة وحكى بن دريد ضمها قوله فيبرك عليهم أي يدعو لهم ويمسح عليهم وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته وقولها فيحنكهم قال أهل اللغة التحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه ثم يدلك به حنك الصغير وفيه لغتان مشهورتان حنكته وحنكته بالتخفيف والتشديد والرواية هنا فيحنكهم بالتشديد وهي أشهر اللغتين وقولها فبال في حجره يقال بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان وقولها بصبي يرضع هو بفتح الياء أي رضيع وهو الذي لم يفطم أما أحكام الباب ففيه استحباب تحنيك المولود وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل وفيه استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم وسواء
في هذا الاستحباب المولود في حال ولادته وبعدها وفيه الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم وفيه مقصود الباب وهو أن بول الصبي يكفي فيه النضح وقد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية بل لابد من غسله كسائر النجاسات والثاني أنه يكفي النضح فيهما والثالث لا يكفي النضح فيهما وهذان الوجهان حكاهما صاحب التتمة من أصحابنا وغيره وهما شاذان ضعيفان وممن قال بالفرق علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وبن وهب من أصحاب مالك رضى الله عنهم وروي عن أبي حنيفة وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة واعلم أن هذا الخلاف إنما هو فى كيفية تطهير الشئ الذي بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري قال الخطابي وغيره وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا بول الصبي طاهر فينضح فحكاية باطلة قطعا وأما حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أن معناه أن الشئ الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لا يعصر قالوا وإنما يخالف هذا غيره في أن غيره يشترط عصره على أحد الوجهين وهذا لا يشترط بالاتفاق وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره بخلاف المكاثرة في غيره فإنه يشترط فيها أن يكون بحيث يجرى بعض الماء ويتقاطر من المحل وإن لم يشترط عصره وهذا هو الصحيح المختار ويدل عليه قولها فنضحه ولم يغسله وقوله فرشه أي نضحه والله أعلم ثم أن النضح انما يجزي ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف والله أعلم
(باب حكم المني)
فيه (أن رجلا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه فإن لم تر نضحت حوله لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه) وفي الرواية الأخرى (كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي الرواية
الأخرى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب) وفي الرواية الأخرى (أن عائشة قالت للذي احتلم في ثوبيه وغسلهما هل رأيت فيهما شيئا قال لا قالت فلو رأيت شيئا غسلته لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري) اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته الاان أبا حنيفة قال
يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد وقال مالك لا بد من غسله رطبا ويابسا وقال الليث هو نجس ولا تعاد الصلاة منه وقال الحسن لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرا وتعاد منه في الجسد وان قل وذهب كثيرون إلى أن المني طاهر روي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وبن عمر وعائشة وداود وأحمد في أصح الروايتين وهو مذهب الشافعي وأصحاب الحديث وقد غلط من أوهم أن الشافعي رحمه الله تعالى منفرد بطهارته ودليل القائلين بالنجاسة رواية الغسل ودليل القائلين بالطهارة رواية الفرك فلو كان نجسا لم يكف فركه كالدم وغيره قالوا ورواية الغسل محمولة على الاستحباب والتنزيه واختيار النظافة والله أعلم هذا حكم مني الآدمي ولنا قول شاذ ضعيف أن مني المرأة نجس دون مني الرجل وقول أشذ منه أن مني المرأة والرجل نجس والصواب أنهما طاهران وهل يحل أكل المني الطاهر فيه وجهان أظهرهما لا يحل لأنه مستقذر فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا وأما مني باقي الحيوانات غير الآدمي فمنها الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وحيوان طاهر ومنيها نجس بلا خلاف وما عداها من الحيوانات في منيه ثلاثة أوجه الأصح أنها كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره والثاني أنها نجسة والثالث مني مأكول اللحم طاهر ومني غيره نجس والله أعلم وأما ألفاظ الباب ففيه خالد بن عبد الله عن خالد عن أبي معشر واسمه زياد بن كليب التميمي الحنظلي الكوفي وأما خالد الأول فهو الواسطي الطحان وأما خالد الثاني فهو الحذاء وهو خالد بن مهران أبو المنازل بضم الميم البصري وفيه قولها كان يجزئك هو بضم الياء وبالهمز وفيه أحمد بن جواس هو بجيم مفتوحة ثم واو مشددة ثم ألف ثم سين مهملة وفيه شبيب بن غرقدة هو بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء وفتح القاف وفيه قولها فلو رأيت شيئا غسلته هو استفهام إنكار حذفت منه الهمزة تقديره أكنت غاسله معتقدا وجوب غسله وكيف تفعل هذا وقد كنت أحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري ولو كان نجسا لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتف بحكه والله أعلم وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة وفيها خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا والأظهر طهارتها وتعلق المحتجون بهذا الحديث بأن قالوا الاحتلام مستحيل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم فلا يكون المني الذي على ثوبه صلى الله عليه وسلم إلا من الجماع ويلزم
من ذلك مرور المني على موضع أصاب رطوبة الفرج فلو كانت الرطوبة نجسة لتنجس بها المني ولما تركه في ثوبه ولما اكتفى بالفرك وأجاب القائلون بنجاسة رطوبة فرج المرأة بجوابين أحدهما جواب بعضهم أنه يمتنع استحالة الاحتلام منه صلى الله عليه وسلم وكونها من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه جائز صلى الله عليه وسلم وليس هو من تلاعب الشيطان بل هو فيض زيادة المني يخرج في وقت والثاني أنه يجوز أن يكون ذلك المني حصل بمقدمات جماع فسقط منه شئ على الثوب وأما المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب والله أعلم
(باب نجاسة الدم وكيفية غسله)
فيه (أسماء رضي الله عنها قالت جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به قال تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه) الحيضة بفتح الحاء أي الحيض ومعنى تحته تقشره وتحكه وتنحته ومعنى تقرضه تقطعه بأطراف الأصابع مع الماء ليتحلل وروي تقرضه بفتح التاء وإسكان القاف وضم الراء وروي بضم التاء وفتح القاف وكسر الراء المشددة قال القاضي عياض رويناه بهما جميعا ومعنى تنضحه تغسله وهو
بكسر الضاد كذا قاله الجوهري وغيره وفي هذا الحديث وجوب غسل النجاسة بالماء ويؤخذ منه أن من غسل بالخل أو غيره من المائعات لم يجزئه لأنه ترك المأمور به وفيه أن الدم نجس وهو بإجماع المسلمين وفيه أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد بل يكفي فيها الإنقاء وفيه غير ذلك من الفوائد واعلم أن الواجب في إزالة النجاسة الإنقاء فإن كانت النجاسة حكمية وهي التي لا تشاهد بالعين كالبول ونحوه وجب غسلها مرة ولا تجب الزيادة ولكن يستحب الغسل ثانية وثالثة لقوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا وقد تقدم بيانه وأما إذا كانت النجاسة عينية كالدم وغيره فلا بد من إزالة عينها ويستحب غسلها بعد زوال العين ثانية وثالثة وهل يشترط عصر الثوب إذا غسله فيه وجهان الأصح أنه لا يشترط وإذا غسل النجاسة العينية فبقي لونها لم يضره بل قد حصلت الطهارة وإن بقي طعمها فالثوب نجس فلا بد من إزالة الطعم وإن بقيت الرائحة ففيه قولان للشافعي أفصحهما يطهر والثاني لا يطهر والله أعلم
(باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه)
فيه حديث بن عباس رضي الله عنه قال (مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله قال فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال لعله أن يخفف
عنهما مالم ييبسا) وفي الرواية الأخرى (كان لا يستنزه عن البول أو من البول) أما العسيب فبفتح العين وكسر السين المهملتين وهو الجريد والغصن من النخل ويقال له العثكال وقوله باثنين هذه الباء زائدة للتوكيد واثنين منصوب على الحال وزيادة الباء في الحال صحيحة معروفة وييبسا مفتوح الباء الموحدة قبل السين ويجوز كسرها لغتان وأما النميمة فحقيقتها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد وقد تقدم في باب غلظ تحريم النميمة من كتاب الإيمان بيانها واضحا مستقصى وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يستتر من بوله فروي ثلاث روايات يستتر بتائين مثناتين ويستنزه بالزاي والهاء ويستبرئ بالباء الموحدة والهمزة وهذه الثالثة في البخاري وغيره وكلها صحيحة ومعناها لا يتجنبه ويتحرز منه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وما يعذبان في كبير فقد جاء في رواية البخاري وما يعذبان في كبير وإنه لكبير كان أحدهما لا يستتر من البول الحديث ذكره في كتاب الأدب في باب النميمة من الكبائر وفي كتاب الوضوء من البخاري أيضا وما يعذبان في كبير بل إنه كبير فثبت بهاتين الزيادتين الصحيحتين أنه كبير فيجب تأويل قوله صلى الله عليه وسلم وما يعذبان في كبير وقد ذكر العلماء فيه تأويلين أحدهما أنه ليس بكبير في زعمهما والثاني أنه ليس بكبير تركه عليهما وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى تأويلا ثالثا أي ليس بأكبر الكبائر قلت فعلى هذا يكون المراد بهذا الزجر والتحذير لغيرهما أي لا يتوهم أحد أن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر الموبقات فإنه يكون في غيرها والله أعلم وسبب كونهما كبيرين أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة فتركه كبيرة بلا شك والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح لا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم كان يمشي بلفظ كان التي للحالة المستمرة غالبا والله أعلم وأما وضعه صلى الله عليه وسلم الجريدتين على القبر فقال العلماء محمول على أنه صلى الله عليه وسلم
سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته صلى الله عليه وسلم بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا وقد ذكر مسلم رحمه الله تعالى في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر في صاحبي القبرين فأجيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبان وقيل يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو لهما تلك المدة وقيل لكونهما يسبحان ما داما رطبين وليس لليابس تسبيح وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى وإن من شئ الا يسبح بحمده قالوا معناه وان من شئ حي ثم قالوا حياة كل شئ بحسبه فحياة الخشب مالم ييبس والحجر مالم يقطع وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه ثم اختلف هؤلاء هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحا منزها بصورة حاله والمحققون على أنه يسبح حقيقة وقد أخبر الله تعالى وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه والله أعلم واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى والله أعلم وقد ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي رضي الله عنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ففيه أنه رضي الله عنه تبرك بفعل مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث وقال لا أصل له ولا وجه له والله أعلم وأما فقه الباب ففيه إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة وفيه نجاسة الأبوال للرواية الثانية لا يستنزه من البول وفيه غلظ تحريم النميمة وغير ذلك مما تقدم والله أعلم
(كتاب الحيض)
(باب مباشرة الحائض فوق الإزار)
فيه (عائشة رضي الله عنها قالت كان إحدانا إذا كانت حائضا أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن تأتزر في فور حيضتها ثم يباشرها قالت وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه) وفيه (ميمونة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض) هكذا وقع في الأصول في الرواية في الكتاب عن عائشة كان إحدانا من غير تاء في كان وهو صحيح فقد حكى سيبويه في كتابه في باب ما جرى من الأسماء التي هي من الأفعال وما أشبهها من الصفات مجرى الفعل قال وقال بعض العرب قال امرأة فهذا نقل الإمام هذه الصيغة أنه يجوز حذف التاء من فعل ماله فرج من غير فصل وقد نقله أيضا الإمام أبو الحسين بن خروف في شرح الجمل وذكره آخرون ويجوز أن تكون كان هنا التي للشأن والقصة أي كان الأمر أو الحال ثم ابتدأت فقالت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها والله أعلم وقولها في فور حيضتها هو بفتح الفاء وإسكان الراء معناه معظمها ووقت كثرتها والحيضة بفتح الحاء أي الحيض وقولها أن تأتزر معناه تشد ازار تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة فما
تحتها وقولها وأيكم يملك إربه أكثر الروايات فيه بكسر الهمزة مع إسكان الراء ومعناه عضوه الذي يستمتع به أي الفرج ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء ومعناه حاجته وهي شهوة الجماع والمقصود أملككم لنفسه فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع في المحرم وهو مباشرة فرج الحائض واختار الخطابي هذه الرواية وأنكر الأولى وعابها على المحدثين والله أعلم وأما الحيض فأصله في اللغة السيلان وحاض الوادي إذا سال قال الأزهري والهروي وغيرهما من الأئمة الحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها والاستحاضة جريان الدم في غير أوانه قالوا ودم الحيض يخرج من قعر الرحم ودم الاستحاضة يسيل من العاذل بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة وهو عرق فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره قال أهل اللغة يقال حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا فهي حائض بلا هاء هذه اللغة الفصيحة المشهورة وحكى الجوهري عن الفراء حائضة بالهاء ويقال حاضت وتحيضت ودرست وطمثت وعركت وضحكت ونفست كله بمعنى واحد وزاد بعضهم أكبرت وأعصرت بمعنى حاضت وأما أحكام الباب فاعلم أن مباشرة الحائض أقسام أحدها أن يباشرها بالجماع في الفرج فهذا حرام بإجماع المسلمين بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة قال أصحابنا ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرا مرتدا ولو فعله إنسان غير معتقد حله فإن كان ناسيا أو جاهلا بوجود الحيض أو جاهلا بتحريمه أو مكرها فلا إثم عليه ولا كفارة وإن وطئها عامدا عالما بالحيض والتحريم مختارا فقد ارتكب معصية كبيرة نص الشافعي على أنها كبيرة وتجب عليه التوبة وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي أصحهما وهو الجديد وقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه وممن ذهب إليه من السلف عطاء وبن أبي مليكة والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأبو الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري والليث بن سعد رحمهم الله تعالى أجمعين والقول الثاني وهو القديم الضعيف أنه يجب عليه الكفارة وهو مروي عن بن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحاق وأحمد في الرواية الثانية عنه واختلف هؤلاء في الكفارة فقال الحسن وسعيد عتق رقبة وقال الباقون دينار أو نصف دينار على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار ونصف الدينار هل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره أو الدينار في زمن الدم
ونصفه بعد انقطاعه وتعلقوا بحديث بن عباس المرفوع من أتى امرأته وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ فالصواب ألا كفارة والله أعلم القسم الثاني المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك وهو حلال باتفاق العلماء وقد نقل الشيخ أبو حامد الاسفراينى وجماعة كثيرة الإجماع على هذا وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره من أنه لا يباشر شيئا منها بشئ منه فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول ولو صح عنه لكان مردودا بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة في الصحيحين وغيرهما في مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذى يستمتع به شئ من الدم أو لا يكون هذا هو الصواب المشهور الذي قطع به جماهير أصحابنا وغيرهم من العلماء للأحاديث المطلقة وحكى المحاملي من أصحابنا وجها لبعض أصحابنا أنه يحرم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة إذا كان عليه شئ من دم الحيض وهذا الوجه باطل لا شك في بطلانه والله أعلم القسم الثالث المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب أنها حرام والثاني أنها ليست بحرام ولكنها مكروهة كراهة تنزيه وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل وهو المختار والوجه الثالث إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته وإما لشدة ورعه جاز وإلا فلا وهذا الوجه حسن قاله أبوالعباس البصري من أصحابنا وممن ذهب إلى الوجه الأول وهو التحريم مطلقا مالك وأبو حنيفة وهو قول أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة وممن ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وبن المنذر وداود وقد قدمنا أن هذا المذهب أقوى دليلا واحتجوا بحديث أنس الآتي اصنعوا كل شئ إلا النكاح قالوا وأما اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم في مباشرته على ما فوق الإزار فمحمول على الاستحباب والله أعلم واعلم أن تحريم الوطء والمباشرة على قول من يحرمهما يكون في مدة الحيض وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء بشرطه هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير السلف
والخلف وقال أبو حنيفة إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها في الحال واحتج الجمهور بقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله والله أعلم
(باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد)
فيه حديث ميمونة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب) وفيه أم سلمة قالت (بينا أنا مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفست قلت نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة) الخميلة بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم قال أهل اللغة الخميلة والخميل بحذف الهاء هي القطيفة وكل ثوب له خمل من أى شئ كان وقيل هي الأسود من الثياب وقولها انسللت أي ذهبت في خفية ويحتمل ذهابها أنها خافت وصول شئ
من الدم إليه صلى الله عليه وسلم أو تقذرت نفسها ولم ترتربصها لمضاجعته صلى الله عليه وسلم أو خافت أن يطلب الاستمتاع بها وهي على هذه الحالة التي لا يمكن فيها الاستمتاع والله أعلم وقولها فأخذت ثياب حيضتي هي بكسر الحاء وهي حالة الحيض أي أخذت الثياب المعدة لزمن الحيض هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبط حيضتي في هذا الموضع قال القاضي عياض ويحتمل فتح الحاء هنا أيضا أي الثياب التي ألبسها في حال حيضتي فإن الحيضة بالفتح هي الحيض قوله صلى الله عليه وسلم (أنفست) هو بفتح النون وكسر الفاء وهذا هو المعروف في الرواية وهو الصحيح المشهور في اللغة أن نفست بفتح النون وكسر الفاء معناه حاضت وأما في الولادة فيقال نفست بضم النون وكسر الفاء أيضا وقال الهروي في الولادة نفست بضم النون وفتحها وفي الحيض بالفتح لا غير وقال القاضي عياض روايتنا فيه في مسلم بضم النون هنا قال وهي رواية أهل الحديث وذلك صحيح وقد نقل أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة وذكر ذلك غير واحد وأصل ذلك كله خروج الدم والدم يسمى نفسا والله أعلم وأما أحكام الباب ففيه جواز النوم مع الحائض والاضطجاع معها في لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة أو يمنع الفرج وحده عند من لا يحرم إلا الفرج قال العلماء لا تكره مضاجعة الحائض ولا قبلتها ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة ولا يكره وضع يدها في شئ من المائعات ولا يكره غسلها رأس زوجها أو غيره من محارمها وترجيله ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك من الصنائع وسؤرها وعرقها طاهران وكل هذا متفق عليه وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد بن جرير في كتابه في مذاهب العلماء وإجماع المسلمين على هذا كله ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة وأما قول الله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فالمراد اعتزلوا وطأهن ولا تقربوا وطأهن والله أعلم
(باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة
سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه)
فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) وفي رواية فأغسله وفيه حديث مناولة الخمرة وغيره قد تقدم مقصود فقه هذا الباب في الذي قبله وترجيل الشعر تسريحه وهو نحو قولها فاغسله وأصل الاعتكاف في اللغة الحبس وهو في الشرع حبس النفس في المسجد خاصة مع النية وقولها وهو مجاور أي معتكف وفي هذا الحديث فوائد كثيرة تتعلق بالاعتكاف وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى ومما تقدمه أن فيه أن المعتكف إذا خرج بعضه من المسجد كيده ورجله ورأسه لم يبطل اعتكافه وأن من حلف أن لا يدخل دارا أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث والله أعلم وفيه جواز استخدام الزوجة في الغسل والطبخ والخبز وغيرها برضاها وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة وأما
بغير رضاها فلا يجوز لأن الواجب عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط والله أعلم وقولها (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ناوليني الخمرة من المسجد فقلت إني حائض فقال إن حيضتك ليست في يدك) أما الخمرة فبضم الخاء وإسكان الميم قال الهروي وغيره هي هذه السجادة وهي ما يضع عليه الرجل جزء وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة من خوص هكذا قاله الهروي والأكثرون وصرح جماعة منهم بأنها لا تكون إلا هذا القدر وقال الخطابي هي السجادة يسجد عليها المصلي وقد جاء في سنن أبي داود عن بن عباس رضي الله عنه قال جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع درهم فهذا تصريح بإطلاق الخمرة على مازاد على قدر الوجه وسمت
خمرة لأنها تخمر الوجه أي تغطيه وأصل التخمير التغطية ومنه خمار المرأة والخمر لأنها تغطي العقل وقولها من المسجد قال القاضي عياض رضي الله عنه معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه صلى الله عليه وسلم كان في المسجد معتكفا وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله صلى الله عليه وسلم إن حيضتك ليست في يدك فإنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن حيضتك ليست في يدك فهو بفتح الحاء هذا هو المشهور في الرواية وهو الصحيح وقال الإمام أبو سليمان الخطابي المحدثون يقولونها بفتح الحاء وهو خطأ وصوابها بالكسر أي الحالة والهيئة وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي وقال الصواب هنا ما قاله المحدثون من الفتح لأن المراد الدم وهو الحيض بالفتح بلا شك لقوله صلى الله عليه وسلم ليست في يدك معناه أن النجاسة التي يصان المسجد عنها وهي دم
الحيض ليست في يدك وهذا بخلاف حديث أم سلمة فأخذت ثياب حيضتي فإن الصواب فيه الكسر هذا كلام القاضي عياض وهذا الذي اختاره من الفتح هو الظاهر هنا ولما قاله الخطابي وجه والله أعلم وقولها وتعرق العرق هو بفتح العين وإسكان الراء وهو العظم الذي عليه بقية من لحم هذا هو الأشهر في معناه وقال أبو عبيد هو القدر من اللحم وقال الخليل هو العظم بلا لحم وجمعه عراق بضم العين ويقال عرقت العظم وتعرقته واعترقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك والله أعلم قولها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن) فيه جواز قراءة القرآن مضطجعا ومتكئا على الحائض وبقرب موضع النجاسة والله أعلم قوله (ولم يجامعوهن في البيوت) أي لم يخالطوهن ولم يساكنوهن في بيت واحد قوله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض أما المحيض الأول فالمراد به الدم وأما الثاني فاختلف فيه فمذهبنا أنه الحيض ونفس الدم
وقال بعض العلماء هو الفرج وقال الآخرون هو زمن الحيض والله أعلم قوله (فجاء اسيد بن حضير) هما بضم أولهما وحضير بالحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة قوله (وجد عليهما) أي غضب
باب المذي
فيه (محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه قال كنت رجلا مذاء فكنت ستحيي أن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ) وفي الرواية الأخرى (منه الوضوء) وفي الرواية الأخرى
(توضأ وانضح فرجك) في المذي لغات مذي بفتح الميم واسكان الذال ومذى بكسر الذال وتشديد الياء ومذى بكسر الذال وتخفيف الياء فالأوليان مشهورتان أولاهما أفصحهما وأشهرهما والثالثة حكاها أبو عمرو الزاهد عن بن الاعرابي ويقال مذي وأمذي ومدي الثالثة بالتشديد والمذي ماء أبيض دقيق لزج يخرج عند شهوة لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه فتور وربما لا يحس بخروجه ويكون ذلك للرجل والمرأة وهو في النساء أكثر منه في الرجال والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (وانضح فرجك) فمعناه اغسله فإن النضح يكون غسلا ويكون رشا وقد جاء في الرواية الأخرى يغسل ذكره فيتعين حمل النضح عليه وانضح بكسر الضاد وقد تقدم بيانه قوله كنت رجلا مذاء أي كثير المذي وهو بفتح الميم وتشديد الذال وبالمد وأما حكم خروج المذي فقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب الغسل قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد والجماهير يوجب الوضوء لهذا الحديث وفي الحديث من الفوائد أنه لا يوجب الغسل وأنه يوجب الوضوء وأنه نجس ولهذا أوجب صلى الله عليه وسلم غسل الذكر والمراد به عند الشافعي والجماهير غسل ما أصابه المذي لا غسل جميع الذكر وحكي عن مالك وأحمد في رواية عنهما إيجاب غسل جميع الذكر وفيه أن الاستنجاء بالحجر إنما يجوز الاقتصار عليه في النجاسة المعتادة وهي البول والغائط أما النادر كالدم والمذي وغيرهما فلا بد فيه من الماء وهذا أصح القولين في مذهبنا وللقائل الآخر بجواز الاقتصار فيه على الحجر قياسا على المعتاد أن يجيب عن هذا الحديث بأنه خرج على الغالب فيمن هو في بلد أن يستنجي بالماء أو يحمله على الاستحباب وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به لكون علي اقتصر على قول المقداد مع تمكنه من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن هذا قد ينازع فيه ويقال فلعل عليا كان حاضرا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت السؤال وإنما
استحيا أن يكون السؤال منه بنفسه وفيه استحباب حسن العشرة مع الأصهار وأن الزوج يستحب له أن لا يذكر بجماع النساء والاستمتاع بهن بحضرة أبيها وأخيها وابنها وغيرهم من أقاربها ولهذا قال علي رضي الله عنه فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته معناه أن المذي يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة وقبلتها ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع والله أعلم قوله في الإسناد الأخير من الباب (وحدثني هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى قالا حدثنا بن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي سليمان بن يسار عن بن عباس قال قال علي بن أبي طالب أرسلنا المقداد) هذا الإسناد مما استدركه الدارقطني وقال قال حماد بن خالد سألت مخرمة هل سمعت من أبيك فقال لا وقد خالفه الليث عن بكير فلم يذكر فيه بن عباس وتابعه مالك عن أبي النضر هذا كلام الدارقطني وقد قال النسائي أيضا في سننه مخرمة لم يسمع من أبيه شيئا وروى النسائي هذا الحديث من طرق وبعضها طريق مسلم هذه المذكورة وفي بعضها عن الليث بن سعد عن بكير عن سليمان بن يسار قال أرسل علي المقداد هكذا أتى به مرسلا وقد اختلف العلماء في سماع مخرمة من أبيه فقال مالك رضي الله عنه قلت لمخرمة ما حدثت به عن أبيك سمعته منه فحلف بالله لقد سمعته قال مالك وكان مخرمة رجلا صالحا وكذا قال معن بن عيسى إن مخرمة سمع من أبيه وذهب جماعات إلى أنه لم يسمعه قال أحمد بن حنبل لم يسمع مخرمة من أبيه شيئا إنما يروي من كتاب أبيه وقال يحيىبن معين وبن أبي خيثمة يقال وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمع منه وقال موسى بن سلمة قلت لمخرمة حدثك أبوك فقال لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه وقال أبو حاتم مخرمة صالح الحديث إن كان سمع من أبيه وقال علي بن المديني ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان بن يسار ولعله سمع الشئ اليسير ولم أجد أحدا بالمدينة يخبر عن مخرمة أنه كان يقول في شئ من حديثه سمعت أبي والله أعلم فهذا كلام أئمة هذا الفن وكيف كان فمتن الحديث صحيح من الطرق التي ذكرها مسلم قيل هذه الطريق ومن الطريق التي ذكرها غيره والله أعلم
(باب غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم)
فيه (بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل فقضى حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام) الظاهر والله أعلم أن المراد بقضاء الحاجة الحدث وكذا قاله القاضي عياض والحكمة في غسل الوجه إذهاب النعاس وآثار النوم وأما غسل اليد فقال القاضي لعله كان لشئ نالهما وفي هذا الحديث أن النوم بعد الاستيقاظ في الليل ليس بمكروه وقد جاء عن بعض زهاد السلف كراهة ذلك ولعلهم ولعلهم أرادوا من لم يأمن استغراق النوم بحيث يفوته وظيفته ولا يكون مخالفا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمن من فوات أوراده ووظيفته والله أعلم
(باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له)
(وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع) فيه حديث عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب
توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام) وفى رواية (إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة) وفي رواية عمر رضي الله عنه (يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ) وفي رواية (نعم ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء) وفي رواية (توضأ واغسل ذكرك ثم نم) وفي رواية
(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كان جنبا ربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام) وفي رواية (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا) وفي رواية (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد) حاصل الأحاديث كلها أنه يجوز للجنب أن ينام ويأكل ويشرب ويجامع قبل الاغتسال وهذا مجمع عليه وأجمعوا على أن بدن الجنب وغرقه طاهران وفيها أنه يستحب أن يتوضأ ويغسل فرجه لهذه الأمور كلها ولا سيما إذا أراد جماع من لم يجامعها فإنه يتأكد استحباب غسل ذكره وقد نص أصحابنا أنه يكره النوم والأكل والشرب والجماع قبل الوضوء وهذه الأحاديث تدل عليه ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب وبهذا قال مالك والجمهور وذهب بن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه
وهو مذهب داود الظاهري والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل وأما حديث بن عباس المتقدم في الباب قبله في الاقتصار على الوجه واليدين فقد قدمنا أن ذلك لم يكن في الجنابة بل في الحدث الأصغر وأما حديث أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء رواه أبو داود والترمذى والنسائى وبن ماجه وغيرهم فقال أبو داود عن يزيد بن هارون وهم أبو إسحاق في هذا يعني في قوله لا يمس ماء وقال الترمذي يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق وقال البيهقي طعن الحفاظ في هذه اللفظة فبان بما ذكرناه ضعف الحديث وإذا ثبت ضعفه لم يبق فيه ما يعترض به على ما قدمناه ولوصح لم يكن أيضا مخالفا بل كان له جوابان أحدهما جواب الإمامين الجليلين أبي العباس بن شريح وأبي بكر البيهقي أن المراد لا يمس ماء للغسل والثاني وهو عندي حسن أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلا لبيان الجواز إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه والله أعلم وأما طوافه صلى الله عليه وسلم على نسائه بغسل واحد فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بينهما أو يكون المراد بيان جواز ترك الوضوء وقد جاء في سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه فقيل يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا فقال هذا أزكى وأطيب وأطهر قال أبو داود والحديث الأول أصح قلت وعلى تقدير صحته يكون هذا في وقت وذاك في وقت والله أعلم واختلف العلماء في حكمة هذا الوضوء فقال أصحابنا لأنه يخفف الحدث فإنه يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء وقال أبو عبد الله المازري رضي الله عنه اختلف في تعليله فقيل ليبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه وقيل بل لعله أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه قال المازري ويجري هذا الخلاف في وضوء الحائض قبل أن تنام فمن علل بالمبيت على طهارة استحبه لها هذا كلام المازري وأما أصحابنا فإنهم متفقون على أنه لا يستحب الوضوء للحائض والنفساء لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهما فإن كانت الحائض قد انقطعت حيضتها صارت كالجنب والله أعلم وأما طواف النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه بغسل واحد فهو محمول على أنه كان برضاهن أو برضى صاحبة النوبة إن كانت نوبة واحدة وهذا التأويل يحتاج إليه من يقول كان القسم واجبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدوام كما يجب علينا وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل فإن له أن يفعل ما يشاء
وهذا الخلاف في وجوب القسم هو وجهان لأصحابنا والله أعلم وفي هذه الأحاديث المذكورة في الباب أن غسل الجنابة ليس على الفور وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة وهذا بإجماع المسلمين وقد اختلف أصحابنا فى الموجب لغسل الجنابة هل هو حصول الجنابة بالتقاء الختانين أو إنزال المني أم هو القيام إلى الصلاة أم هو حصول الجنابة مع القيام إلى الصلاة فيه ثلاثة أوجه لأصحابنا ومن قال يجب بالجنابة قال هو وجوب موسع وكذا اختلفوا في موجب الوضوء هل هو الحدث أم القيام إلى الصلاة أم المجموع وكذا اختلفوا في الموجب لغسل الحيض هل هو خروج الدم أم انقطاعه والله أعلم وأما ما يتعلق بأسانيد الباب فقوله قال بن المثنى في حديثه حدثنا الحكم سمعت إبراهيم يحدث معناه قال بن المثنى في روايته عن محمد بن جعفر عن شعبة قال شعبة حدثنا الحكم قال سمعت إبراهيم يحدث وفي الرواية المتقدمة شعبة عن الحكم عن إبراهيم والمقصود أن الرواية الثانية أقوى من الأولى فإن الأولى بعن عن والثانية بحدثنا وسمعت وقد علم أن حدثنا وسمعت أقوى من عن وقد قالت جماعة من العلماء إن عن لا تقتضي الاتصال ولو كانت من غير مدلس وقد قدمنا إيضاح هذا في الفصول وفي مواضع كثيرة بعدها والله أعلم وفيه محمد بن أبي بكر المقدمي هو بفتح الدال المشددة منسوب إلى جده مقدم وقد تقدم بيانه مرات وفيه أبو المتوكل عن أبي سعيد هو أبو المتوكل الناجي واسمه علي بن داود وقيل بن داود بضم الدال منسوب إلى بني ناجية قبيلة معروفة والله أعلم
(باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها)
فيه (أن أم سليم رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة رضي الله عنها
يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه فقالت عائشة رضي الله عنها يا أم سليم فضحت النساء تربت يمينك قولها تربت يمينك خير فقال لعائشة بل أنت فتربت يمينك نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك) وفي الباب المذكور الروايات الباقية وستمر عليها إن شاء الله تعالى اعلم أن المرأة إذا خرج منها المني وجب عليها الغسل كما يجب على الرجل بخروجه وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني أو إيلاج الذكر في الفرج وأجمعوا على وجوبه عليها بالحيض والنفاس واختلفوا في وجوبه على من ولدت ولم تر دما أصلا والأصح عند أصحابنا وجوب الغسل وكذا الخلاف فيما إذا ألقت مضغة أو علقة والأصح وجوب الغسل ومن لا يوجب الغسل يوجب الوضوء والله أعلم ثم إن مذهبنا أنه يجب الغسل بخروج المني سواء كان بشهوة ودفق أم بنظر أم في النوم أو في اليقظة وسواء أحس بخروجه أم لا وسواء خرج من العاقل أم من المجنون ثم إن المراد بخروج المني أن يخرج إلى الظاهر أما ما لم يخرج فلا يجب الغسل وذلك بأن يرى النائم أنه يجامع وأنه قد أنزل ثم يستيقظ فلا يرى شيئا فلا غسل عليه بإجماع المسلمين وكذا لو اضطرب بدنه لمبادى خروج المني فلم يخرج وكذا لو نزل المني إلى أصل الذكر ثم لم يخرج فلا غسل وكذا لو صار المني في وسط الذكر وهو في صلاة فأمسك بيده على ذكره فوق حائل فلم يخرج المني حتى سلم من صلاته صحت صلاته فإنه مازال متطهرا حتى خرج والمرأة كالرجل في هذا إلا أنها إذا كانت ثيبا فنزل المني إلى فرجها ووصل الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء وهو الذي يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة وجب عليها الغسل بوصول المنى إلى ذلك موضع لأنه في حكم الظاهر وإن كانت بكرا لم يلزمها ما لم يخرج من فرجها لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل والله أعلم وأما ألفاظ الباب ومعانيه ففيه أم سليم وهي أم أنس بن مالك واختلفوا في اسمها فقيل اسمها سهلة وقيل مليكة وقيل رميثة وقيل أنيفة ويقال الرميضا
والغميصا وكانت من فاضلات الصحابيات ومشهوراتهن وهي أخت أم حرام بنت ملحان رضي الله عنهما والله أعلم وأما قول عائشة رضي الله عنها فضحت النساء فمعناه حكيت عنهن أمرا يستحيا من وصفهن به ويكتمنه وذلك أن نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال وأما قولها تربت يمينك ففيه خلاف كثير منتشر جدا للسلف والخلف من الطوائف كلها ولأصح الأقوى الذي عليه المحققون في معناه أنها كلمة أصلها افتقرت ولكن العرب اعتادت استعماله غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي فيذكرون تربت يداك وقاتله الله ما أشجعه ولا أم له ولا أب لك وثكلته أمه وويل أمه وما أشبه هذا من ألفاظهم يقولنها عند انكار الشئ أو الزجر عنه أزجر عنه أو الذم عليه أو استعظامه أو الحث عليه أو الإعجاب به والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة بل أنت فتربت يمينك فمعناه أنت أحق أن يقال لك هذا فإنها فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها فلم تستحق الإنكار واستحققت أنت الإنكار لإنكارك ما لا انكار فيه وأما قوله قولها تربت يمينك خير فكذا وقع في أكثر الأصول وهو تفسير ولم يقع هذا التفسير في كثير من الأصول وكذلك ذكر الاختلاف في إثباته وحذفه القاضي عياض ثم اختلف المثبتون في ضبطه فنقل صاحب المطالع وغيره عن الأكثرين أنه خير بإسكان الياء المثناة من تحت ضد الشر وعن بعضهم أنه خبر بفتح الباء الموحدة قال القاضي عياض وهذا الثانى ليس بشئ قلت كلاهما صحيح فالأول معناه لم ترد بهذا شتما ولكنها كلمة تجري على اللسان ومعنى الثاني أن هذا ليس بدعاء بل هو خبر لا يراد حقيقته والله أعلم قوله (حدثنا عباس بن الوليد حدثنا يزيد بن زريع) هو عباس بالباء الموحدة والسين المهملة وصحفه بعض الرواة لكتاب مسلم فقال عياش بالياء المثناة والشين المعجمة وهو غلط صريح فإن عياشا بالمعجمة هو عياش بن الوليد الرقام البصري ولم يرو عنه مسلم شيئا وروى عنه البخاري
وأما عباس بالمهملة فهو بن الوليد البصري الترسي وروى عنه البخاري ومسلم جميعا وهذا مما لا خلاف فيه وكان غلط هذا القائل وقع له من حيث إنهما مشتركان في الأب والنسب والعصر والله أعلم قوله (فقالت أم سليم واستحييت من ذلك) هكذا هو في الأصول وذكر الحافظ أبو علي الغساني أنه هكذا في أكثر النسخ وأنه غير في بعض النسخ فجعل فقالت أم سلمة والمحفوظ من طرق شتى أم سلمة قال القاضي عياض وهذا هو الصواب لأن السائلة هي أم سليم والرادة عليها أم سلمة في هذا الحديث وعائشة في الحديث المتقدم ويحتمل أن عائشة وأم سلمة جميعا أنكرتا عليها وإن كان أهل الحديث يقولون الصحيح هنا أم سلمة لعائشة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فمن أين يكون الشبه) معناه أن الولد متولد من ماء الرجل وماء المرأة فأيهما غلب كان الشبه له وإذا كان للمرأة مني فإنزاله وخروجه منها ممكن ويقال شبه وشبه لغتان مشهورتان إحداهما بكسر الشين وإسكان الباء والثانية بفتحهما والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر) هذا أصل عظيم في بيان صفة المني وهذه صفته في حال السلامة وفي الغالب قال العلماء مني الرجل في حال الصحة أبيض ثخين يتدفق في خروجه دفقة بعد دفقة ويخرج بشهوة ويتلذذ بخروجه وإذا خرج استعقب خروجه فتورا ورائحة كرائحة طلع النخل ورائحة الطلع قريبة من رائحة العجين وقيل تشبه رائحته رائحة الفصيل وقيل إذا يبس كان رائحته كرائحة البول فهذه صفاته وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يستقل بكونه منيا وذلك بأن يمرض فيصير منيه رقيقا أصفر أو يسترخي وعاء المني فيسيل من غير التذاذ وشهوة أو يستكثر من الجماع فيحمر ويصير كماء اللحم وربما خرج دما غبيطا وإذا خرج المني أحمر فهو طاهر موجب للغسل كما لو كان أبيض ثم إن خواص المني التي عليها الاعتماد في كونه منيا ثلاث أحدها الخروج بشهوة مع
الفتور عقبه والثانية الرائحة التي شبه الطلع كما سبق الثالث الخروج بزريق ودفق ودفعات وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيا ولا يشترط اجتماعها فيه واذا لم يوجد شئ منها لم يحكم بكونه منيا وغلب على الظن كونه ليس منيا هذا كله في مني الرجل وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق وقد يبيض لفضل قوتها وله خاصيتان يعرف بواحدة منهما إحداهما أن رائحته كرائحة مني الرجل والثانية التلذذ بخروجه وفتور شهوتها عقب خروجه قالوا ويجب الغسل بخروج المني بأي صفة وحال كان والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه) وفي الرواية الأخرى (إذا علا ماؤها ماء الرجل وإذا علا ماء الرجل ماءها) قال العلماء يجوز أن يكون المراد بالعلو هنا السبق ويجوز أن يكون المراد الكثرة والقوة بحسب كثرة الشهوة وقوله صلى الله عليه وسلم فمن أيهما علا هكذا هو في الأصول فمن أيهما بكسر الميم وبعدها نون ساكنة وهي الحرف المعروف وإنما ضبطته لئلا يصحف بمني والله أعلم قوله (حدثنا داود بن رشيد) هو بضم الراء وفتح الشين قوله صلى الله عليه وسلم (إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل) معناه إذا خرج منها المني فلتغتسل كما أن الرجل إذا خرج منه المني اغتسل وهذا من حسن العشرة ولطف الخطاب واستعمال اللفظ الجميل موضع اللفظ الذي يستحيا منه في العادة والله أعلم قولها (إن الله لا يستحي من الحق
قال العلماء معناه لا يمتنع من بيان الحق وضرب المثل بالبعوضة وشبهها كما قال سبحانه وتعالى أن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه وقيل معناه إن الله لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه وإنما قالت هذا اعتذارا بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحي النساء في العادة من السؤال عنه وذكره بحضرة الرجال ففيه أنه ينبغي لمن عرضت له مسألة أن يسأل عنها ولا يمتنع من السؤال حياء من ذكرها فإن ذلك ليس بحياء حقيقي لأن الحياء خير كله والحياء لا يأتي إلا بخير والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير بل هو شر فكيف يكون حياء وقد تقدم إيضاح هذه المسألة في أوائل كتاب الإيمان وقد قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين والله أعلم قال أهل العربية يقال استحيا بياء قبل الألف يستحي بياءين ويقال أيضا يستحي بياء واحدة في المضارع والله أعلم قوله (قالت عائشة فقلت لها أف لك) معناه استحقارا لها ولما تكلمت به وهي كلمة تستعمل في الاحتقار والاستقذار والإنكار قال الباجي والمراد بها
هنا الإنكار وأصل الأف وسخ الأظفار وفي أف عشر لغات أف وأف وأف بضم الهمزة مع كسر الفاء وفتحها وضمها بغير تنوين وبالتنوين فهذه الستة والسابعة إف بكسر الهمزة وفتح الفاء والثامنة أف بضم الهمزة وإسكان الفاء والتاسعة أفي بضم الهمزة وبالياء وأفه بالهاء وهذه اللغات مشهورات ذكرهن كلهن بن الأنباري وجماعات من العلماء ودلائلها مشهورة ومن أخصرها ما ذكره الزجاج وبن الأنباري واختصره أبو البقاء فقال من كسر بناه على الأصل ومن فتح طلب التخفيف ومن ضم أتبع ومن نون أراد التنكير ومن لم ينون أراد التعريف ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفا وقال الأخفش وبن الأنباري في اللغة التاسعة بالياء كأنه إضافة إلى نفسه والله أعلم قوله (عن مسافع بن عبد الله) هو بضم الميم وبالسين المهملة وبكسر الفاء قولها (تربت يداك وألت) هو بضم الهمزة وفتح اللام المشددة وإسكان التاء هكذا الرواية فيه ومعناه أصابتها الألة بفتح الهمزة وتشديد اللام وهي الحربة وأنكر بعض الأئمة هذا اللفظ وزعم أن صوابه أللت بلامين الأولى مكسورة والثانية ساكنة وبكسر التاء وهذا الإنكار فاسد بل ما صحت به الرواية صحيح وأصله أللت بكسر اللام الأولى وفتح الثانية وإسكان التاء كردت أصله رددت ولا يجوز فك هذا الإدغام إلا مع المخاطب وإنما وحد ألت مع تثنية يداك لوجهين أحدهما أنه أراد الجنس والثاني صاحبة اليدين أي وأصابتك
الألة فيكون جمعا بين دعاءين والله أعلم
(باب بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من
مائها)
فيه حديث ثوبان رضي الله عنه في قصة الحبر اليهودي وقد تقدم في الباب الذي قبله بيان صفة المني وأما الحبر فهو بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان وهو العالم قوله (حدثني أبو أسماء الرحبي) هو بفتح الراء والحاء واسمه عمرو بن مرثد الشامي الدمشقي قال أبو سليمان بن زيد كان أبو أسماء الرحبي من رحبة دمشق قرية من قراها بينها وبين دمشق ميل رأيتها عامرة والله أعلم قوله (فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود) هو بفتح النون والكاف وبالتاء المثناة من فوق ومعناه يخط بالعود في الأرض ويؤثر به فيها وهذا يفعله المفكر وفي هذا دليل على جواز فعل مثل هذا وأنه ليس مخلا بالمروءة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم
(هم في الظلمة دون الجسر) هو بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان والمراد به هنا الصراط قوله صلى الله عليه وسلم (فمن أول الناس إجازة) هو بكسر الهمزة وبالزاي ومعناه جوازا وعبورا قوله (فما تحفتهم) هي بإسكان الحاء وفتحها لغتان وهي ما يهدى إلى الرجل ويخص به ويلاطف وقال إبراهيم الحلبي هي طرف الفاكهة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (زيادة كبد النون) هو النون بنونين الأولى مضمومة وهو الحوت وجمعه نينان وفي الرواية الأخرى (زائدة كبد النون) والزيادة والزائدة شئ واحد وهو طرف الكبد وهو أطيبها قوله (فما غذاؤهم) روي على وجهين أحدهما بكسر الغين وبالذال المعجمة والثاني بفتح الغين وبالدال المهملة قال القاضي عياض هذا الثاني هو الصحيح وهو رواية الأكثرين قال والأول ليس بشئ قلت وله وجه وتقديره ما غذاؤهم في ذلك الوقت وليس المراد والسؤال عن غذائهم دائما والله أعلم قوله (على إثرها) بكسر الهمزة مع إسكان الثاء وبفتحهما جميعا لغتان مشهورتان قوله صلى الله عليه وسلم (من عين فيها تسمى سلسبيلا) قال جماعة من أهل اللغة والمفسرين السلسبيل اسم للعين وقال مجاهد وغيره هي شديدة الجري وقيل هي السلسة اللينة قوله صلى الله عليه وسلم (أذكرا بإذن الله وآنثا بإذن الله) معنى الأول
كان الولد ذكرا ومعنى الثاني كان أنثى وقوله آنثا بالمد في أوله وتخفيف النون وقد روي بالقصر وتشديد النون والله أعلم
(باب صفة غسل الجنابة)
قال أصحابنا كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل فيغسل كفيه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء ثم يغسل ما على فرجه وسائر بدنه من الأذى ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله ثم يدخل أصابعه كلها في الماء فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات ويتعاهد معاطف بدنه كالإبطين وداخل الأذنين والسرة وما بين الأليتين وأصابع الرجلين وعكن البطن وغير ذلك فيوصل الماء إلى جميع ذلك ثم يفيض على رأسه ثلاث حثيات ثم يفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات يدلك في كل مرة ما تصل إليه يداه من بدنه وإن كان يغتسل في نهر أو بركة انغمس فيها ثلاث مرات ويوصل الماء إلى جميع بشرته والشعور الكثيفة والخفيفة ويعم بالغسل ظاهر الشعر وباطنه وأصول منابته والمستحب أن يبدأ بميامنه وأعالي بدنه وأن يكون مستقبل القبلة وأن يقول بعد الفراغ أشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه ويستصحب النية إلى أن يفرغ من غسله فهذا كمال الغسل والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء وتعميم البدن شعره وبشره بالماء ومن شرطه أن يكون البدن طاهرا من النجاسة وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها وهي أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك فلا يصح غسله لترك ذلك وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوءه أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده والله أعلم هذا مذهبنا ومذهب كثيرين من الأئمة ولم يوجب أحد من العلماء الدلك في الغسل ولا في الوضوء إلا مالك والمزني ومن سواهما يقول هو سنة لو تركه صحت طهارته في الوضوء والغسل ولم يوجب أيضا الوضوء في غسل الجنابة إلا داود الظاهري ومن سواه يقولون هو سنة فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله واستباح به الصلاة وغيرها ولكن الأفضل أن يتوضأ كما ذكرنا وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده وإذا توضأ أولا لا يأتي به ثانيا فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوءان والله أعلم فهذا مختصر ما يتعلق بصفة الغسل وأحاديث الباب تدل على معظم ما ذكرناه وما بقي فله دلائل مشهورة والله أعلم واعلم أنه جاء في روايات عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه فظاهر هذا أنه صلى الله عليه وسلم أكمل الوضوء بغسل الرجلين وقد جاء في أكثر روايات ميمونة توضأ ثم أفاض الماء عليه ثم تنحى فغسل رجليه وفي رواية من حديثها رواها البخاري توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه ثم أفاض الماء عليه ثم نحى قدميه فغسلهما وهذا تصريح بتأخير القدمين وللشافعي رضي الله عنه قولان أصحهما وأشهرهما والمختار منهما أنه يكمل وضوءه بغسل القدمين والثاني أنه يؤخر غسل القدمين فعلى القول الضعيف يتأول روايات عائشة وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين كما بينته ميمونة في رواية البخاري فهذه الرواية صريحة وتلك الرواية محتملة للتأويل فيجمع بينهما بما ذكرناه وأما على المشهور الصحيح فيعمل بظاهر الروايات المشهورة المستفيضة عن عائشة وميمونة جميعا في تقديم وضوء
الصلاة فإن ظاهره كمال الوضوء فهذا كان الغالب والعادة المعروفة له صلى الله عليه وسلم وكان يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين لا لأجل الجنابة فتكون الرجل مغسولة مرتين وهذا هو الأكمل الأفضل فكان صلى الله عليه وسلم يواظب عليه وأما رواية البخاري عن ميمونة فجرى ذلك مرة أو نحوها بيانا للجواز وهذا كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ومرة مرة فكان الثلاث في معظم الأوقات لكونه الأفضل والمرة في نادر من الأوقات لبيان الجواز ونظائر هذا كثيرة والله أعلم وأما نية هذا الوضوء فينوي به رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبا غير محدث فإنه ينوي به سنة الغسل والله أعلم قوله فيدخل أصابعه في أصول الشعر إنما فعل ذلك ليلين الشعر ويرطبه فيسهل مرور الماء عليه قوله (حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على
رأسه ثلاث حفنات) معنى استبرأ أي أوصل البلل إلى جميعه ومعنى حفن أخذ الماء بيديه جميعا قولها (أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة) هو بضم الغين وهو الماء الذي يغتسل به قولها (ثم ضرب بيده الأرض فدلكها دلكا شديدا) فيه أنه يستحب للمستنجي بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب أو أشنان أو يدلكها بالتراب أو بالحائط ليذهب الاستقذار منها قولها (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه) هكذا هو في الأصول التي ببلادنا كفه بلفظ الإفراد وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين وفي رواية الطبري كفيه بالتثنية وهي مفسرة لرواية الأكثرين والحفنة ملء الكفين جميعا قولها (ثم أتيته بالمنديل فرده) فيه استحباب ترك تنشيف الأعضاء وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل على خمسة أوجه أشهرها أن المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه والثاني أنه مكروه والثالث أنه مباح يستوي فعله وتركه وهذا هو الذي نختاره فإن المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر والرابع أنه مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ والخامس يكره في الصيف دون الشتاء هذا ما ذكره أصحابنا وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب أحدها أنه لا بأس به في الوضوء والغسل وهو قول أنس بن مالك والثوري والثاني مكروه فيهما وهو قول بن عمر وبن أبي ليلى والثالث يكره في الوضوء دون الغسل وهو قول بن عباس رضي الله عنهما وقد جاء في ترك التنشيف هذا الحديث والحديث الآخر في الصحيح أنه
صلى الله عليه وسلم
(اغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء وأما فعل التنشيف فقد
رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم من أوجه لكن أسانيدها ضعيفة قال الترمذي لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه قال فإذا كان النفض مباحا كان التنشيف مثله أو أولى لاشتراكهما في إزالة الماء والله أعلم وأما المنديل فبكسر الميم وهو معروف وقال بن فارس لعله مأخوذ من الندل وهو النقل وقال غيره هو مأخوذ من الندل وهو الوسخ لأنه يندل به ويقال تندلت بالمنديل قال الجوهري ويقال أيضا تمندلت به وأنكرها الكسائي والله أعلم قولها (وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه) فيه دليل على أن نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه أشهرها أن المستحب تركه ولا يقال أنه مكروه والثاني أنه مكروه والثالث أنه مباح يستوي فعله وتركه وهذا هو الأظهر المختار فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ولم يثبت في النهي شئ أصلا والله أعلم قوله (وحدثنا محمد بن المثنى العنزي) هو بفتح العين والنون وبالزاي)
قولها (دعا بشئ نحو الحلاب) هو بكسر الحاء وتخفيف اللام وآخره باء موحدة وهو إناء يحلب فيه ويقال له المحلب أيضا بكسر الميم قال الخطابي هو إناء يسع قدر حلبة ناقة وهذا هو المشهور الصحيح المعروف في الرواية وذكر الهروي عن الأزهري أنه الجلاب بضم الجيم وتشديد اللام قال الأزهري وأراد به ماء الورد وهو فارسي معرب وأنكر الهروي هذا وقال أراه الحلاب وذكر نحو ما قدمناه والله أعلم
(باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة)
(وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد وغسل أحدهما بفضل الآخر) أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء قال الشافعي رحمه الله تعالى وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي قال العلماء والمستحب ان لاينقص في الغسل عن صاع ولافي الوضوء عن مد والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي والمد رطل وثلث ذلك معتبر على التقريب لاعلى التحديد وهذا هو الصواب المشهور وذكر جماعة من أصحابنا وجها لبعض أصحابنا أن الصاع هنا ثمانية أرطال والمد رطلان وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطيء البحر والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه وقال بعض أصحابنا الإسراف حرام والله أعلم وأما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين لهذه الأحاديث التي في الباب وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع أيضا وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء سواء خلت به أو لم تخل قال بعض أصحابنا ولا كراهة في ذلك للأحاديث الصحيحة الواردة به وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها وروي هذاعن عبد الله بن سرجس والحسن البصري وروي عن أحمد رحمه الله تعالى كمذهبنا وروي عن الحسن
وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقا والمختار ما قاله الجماهير لهذه الأحاديث الصحيحة في تطهيره صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ولا تأثير للخلوة وقد ثبت في الحديث الآخر أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل بفضل بعض أزواجه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأصحاب السنن قال الترمذي هو حديث حسن صحيح وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء عنه بأجوبة أحدها أنه ضعيف ضعفه أئمة الحديث منهم البخاري وغيره الثاني أن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط منها وذلك مستعمل الثالث أن النهي للاستحباب والأفضل والله أعلم قوله (الفرق) قال سفيان هو ثلاثة آصع أما كونه ثلاثة آصع فكذا قاله الجماهير وهو بفتح الفاء وفتح الراء وإسكانها لغتان حكاهما بن دريد وجماعة غيره والفتح أفصح وأشهر وزعم الباجي أنه الصواب وليس كما قال بل هما لغتان وأما قوله ثلاثة آصع فصحيح فصيح وقد جهل من أنكر هذا وزعم أنه لا يجوز إلا أصوع وهذه منه غفلة بينة أو جهالة ظاهرة فإنه يجوز أصوع وآصع فالأول هو الأصل والثاني على القلب فتقدم الواو على الصاد وتقلب ألفا وهذا كما قالوا آدر وشبهه وفي الصاع لغتان التذكير والتأنيث ويقال صاع وصوع بفتح الصاد والواو وصواع ثلاث لغات وأما قولها كان يغتسل من الفرق فلفظة من هنا المراد بها بيان الجنس والإناء الذي يستعمل الماء منه وليس المراد أنه يغتسل بماء الفرق بدليل الحديث الآخر كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من قدح يقال له الفرق وبدليل الحديث الآخر يغتسل بالصاع قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في القدح هكذا هو في الأصول في القدح وهو صحيح ومعناه من القدح قوله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع فاغتسلت وبيننا وبينها ستر فأفرغت على رأسها ثلاثا قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ظاهر الحديث
أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل لذي المحرم النظر إليه من ذات المحرم وكان أحدهما أخاها من الرضاعة كما ذكر قيل اسمه عبد الله بن يزيد وكان أبوسلمة بن أختها من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر قال القاضي ولولا أنهما شاهدا ذلك ورأياه لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى إذ لو فعلت ذلك كله في ستر عنهما لكان عبثا ورجع الحال إلى وصفها له وإنما فعلت الستر ليستتر أسافل البدن وما لا يحل للمحرم نظره والله أعلم والرضاعة والرضاع بفتح الراء وكسرها فيهما لغتان الفتح أفصح وفي هذا الذي فعلته عائشة رضي الله عنها دلالة على استحباب التعليم بالوصف بالفعل فإنه أوقع في النفس من القول ويثبت في الحفظ ما لايثبت بالقول والله أعلم قوله (وكان أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة) الوفرة أشبع وأكثر من اللمة واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر قاله الأصمعي وقال غيره الوفرة أقل من اللمة وهي ما لا يجاوز الأذنين وقال أبو حاتم الوفرة
ما على الأذنين من الشعر قال القاضي عياض رحمه الله تعالى المعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب ولعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعلن هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفا لمؤنة رؤوسهن وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لافي حياته كذا قاله أيضا غيره وهو متعين ولايظن بهن فعله في حياته صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء والله أعلم قولها (ونحن جنبان) هذا جار على إحدى اللغتين في الجنب أنه يثنى ويجمع فيقال جنب وجنبان وجنبون وأجناب واللغة الأخرى رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب ونساء جنب بلفظ واحد قال الله تعالى وإن كنتم جنبا وقال تعالى ولا جنبا الآية وهذه اللغة أفصح وأشهر ويقال في الفعل أجنب الرجل وجنب بضم الجيم وكسر النون والأولى أفصح وأشهر وأصل الجنابة في اللغة البعد وتطلق على الذي وجب عليه غسل بجماع أو خروج مني لأنه يجتنب الصلاة والقراءة والمسجد ويتباعد عنها والله أعلم قوله (عن عراك) هو بكسر العين وتخفيف الراء قوله (إن عائشة رضي الله عنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد) وفي الرواية الأخرى
(من إناء واحد تختلف أيدينا فيه) قد ذكر القاضي في تفسير الرواية الأولى وجهين أحدهما أن كل واحد منهما ينفرد في اغتساله بثلاثة أمداد والثاني أن يكون المراد بالمد هنا الصاع ويكون موافقا لحديث الفرق ويجوز أن يكون هذا وقع في بعض الأحوال واغتسلا من إناء يسع ثلاثة أمداد وزاده لما فرغ والله أعلم ثم إنه وقع في هذا الحديث (ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك) وفي الرواية الأخرى كان يغتسل من إناء واحد هو الفرق وفي الرواية الأخرى فدعت بإناء قدر الصاع فاغتسلت به وفي الأخرى (كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك) وفي الرواية الأخرى (يغسله الصاع ويوضئه المد) وفي الأخرى (يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) قال الإمام الشافعي وغيره من العلماء الجمع بين هذه الروايات أنها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله فدل على انه لاحد في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه والله أعلم قوله عن أبي الشعثاء اسمه جابر بن زيد قوله علمي والذي يخطر على
بالي أن أبا الشعثاء أخبرني يقال يخطر بضم الطاء وكسرها لغتان الكسر أشهر معناه يمر ويجري والبال القلب والذهن قال الأزهري يقال خطر ببالي وعلى بالي كذا يخطر خطورا إذا وقع ذلك في بالك وهمك قال غيره الخاطر الهاجس وجمعه خواطر وهذا الحديث ذكره مسلم رحمه الله تعالى متابعة لاانه قصد الاعتماد عليه والله أعلم قوله عن عبد الله بن عبد الله بن جبر) وفي الرواية الأخرى (عن بن جبر) هذا كله صحيح وقد أنكره عليه بعض الائمة وقال صوابه بن جابر وهذا غلط من هذا المعترض بل يقال فيه جابر وجبر وهو عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك وممن ذكر الوجهين فيه الإمام أبو عبد الله البخاري وأن مسعرا وأبا العميس وشعبة وعبد الله بن عيسى يقولون فيه جبر والله أعلم قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك) وفي رواية بخمس مكاكي بتشديد الياء والمكوك بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها وجمعه مكاكيك ومكاكي ولعل المراد بالمكوك هنا المد كما قال في الرواية الأخرى يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد
قوله (حدثنا أبو ريحانة عن سفينة) اسم أبي ريحانة عبد الله بن مطر ويقال زياد بن مطر وأما سفينة فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه يقال اسمه مهران بن فروخ وقيل اسمه بحران وقيل رومان وقيل قيس وقيل عمير وقيل شنبة بإسكان النون بعد الشين وبعدها باء موحدة كنيته المشهورة أبو عبد الرحمن وقيل أبو البختري قيل سبب تسميته سفينة أنه حمل متاعا كثيرا لرفقة في الغزو فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت سفينة قوله (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا بن علية ح وحدثني علي بن حجر حدثنا إسماعيل عن أبي ريحانة عن سفينة قال أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد وفي حديث بن حجر أو قال ويطهره المد قال وكان كبر وما كنت أثق بحديثه) قوله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بخفض صاحب صفة لسفينة وأبو بكر القائل هو بن أبي شيبة يعني مسلم أن أبا بكر بن أبي شيبة وصفه وعلي بن حجر لم يصفه بل اقتصر على قوله عن سفينة وأما قوله وقد كان كبر فهو بكسر الباء وما كنت أثق بحديثه هكذا هو في أكثر الأصول أثق بكسر الثاء المثلثة من الوثوق الذي هو الاعتماد ورواه جماعة وما كنت أينق بياء مثناة تحت ثم نون أي أعجب به وأرتضيه والقائل وقد كان كبر هو أبو
ريحانة والذي كبر هو سفينة ولم يذكر مسلم رحمه الله تعالى حديثه هذا معتمدا عليه وحده بل ذكره متابعة لغيره من الأحاديث التي ذكرها والله أعلم
(باب استحباب افاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثا)
فيه (سليمان بن صرد) هو بضم الصاد وفتح الراء وبالدال المهملات وهو مصروف وهو صحابي مشهور وقوله (تماروا في الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي تنازعوا فيه فقال بعضهم صفته كذا وقال آخرون كذا وفيه جواز المناظرة والمباحثة في العلم وفيه جواز مناظرة المفضولين بحضرة الفاضل ومناظرة الأصحاب بحضرة إمامهم وكبيرهم قوله صلى الله عليه وسلم (أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف) المراد ثلاث حفنات كل واحدة منهن ملء الكفين جميعا وفي هذا الحديث استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثا وهو متفق عليه وألحق به أصحابنا سائر البدن قياسا على الرأس وعلى أعضاء الوضوء وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبني على التخفيف ويتكرر فإذا استحب فيه الثلاث ففي الغسل أولى ولا نعلم في هذا خلافا إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي من أصحابنا فإنه قال لا يستحب التكرار في الغسل وهذا شاذ متروك وقد قدمنا في الباب قبله بيان أقل الغسل
والله أعلم قوله (وحدثنا يحيى بن يحيى وإسماعيل بن سالم قالا أخبرنا هشيم عن أبي بشر عن أبي سفيان عن جابر) ثم قال مسلم بعد هذا قال بن سالم في روايته حدثنا هشيم قال حدثنا أبو بشر هذا فيه فائدة عظيمة من دقائق هذا العلم ولطائفه وهي مصرحة بغزارة علم مسلم رحمه الله تعالى ودقيق نظره وهي أن هشيما رحمه الله تعالى مدلس وقد قال في الرواية المتقدمة عن أبي بشر والمدلس اذا قال عن لايحتج به الا اذا أثبت سماعه ذلك الحديث من ذلك الشخص الذي عنعن عنه فبين مسلم أنه ثبت سماعه من جهة اخرى وهي رواية بن سالم فانه قال فيها اخبرنا ابوبشر وقد قدمنا مرات بيان مثل هذه الدقيقة واسم أبي بشر جعفر بن إياس وهو جعفر بن أبي وحشية واسم أبي سفيان هذا طلحة بن نافع وقد تقدم بيانه والله اعلم
باب حكم ضفائر المغتسله
فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت (قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي
أفأنقضه لغسل الجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) وفي رواية فأنقضه للحيض والجنابة وفيه حديث عائشة بنحو معناه قولها أشد ضفر رأسي هو بفتح الضاد وإسكان الفاء هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث والمستفيض عند المحدثين والفقهاء وغيرهم ومعناه أحكم فتل شعري وقال الامام بن بري في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء من ذلك قولهم في حديث أم سلمة أشد ضفر رأسي يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء وصوابه ضم الضاد والفاء جمع ضفيرة كسفينة وسفن وهذا الذي أنكره رحمه الله تعالى ليس كما زعمه بل الصواب جواز الأمرين ولكل منهما معنى صحيح ولكن يترجح ما قدمناه لكونه المروي المسموع في الروايات الثابتة المتصلة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (تحثي على رأسك ثلاث حثيات) هي بمعنى الحفنات في الرواية الأخرى والحفنة ملء الكفين من أي شيء كان ويقال حثيت وحثوت بالياء والواو لغتان مشهورتان والله أعلم واسم أم سلمة هند وقيل رمكة وليس بشيء قولها في الرواية الأخرى (فأنقضه للحيضة) هي بفتح الحاء
والله أعلم أما أحكام الباب فمذهبنا ومذهب الجمهور أن ضفائر المغتسلة إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجب نقضها وإن لم يصل إلا بنقضها وجب نقضها وحديث أم سلمة محمول على أنه كان يصل الماء إلى جميع شعرها من غير نقض لأن إيصال الماء واجب وحكي عن النخعي وجوب نقضها بكل حال عن الحسن وطاوس وجوب النقض في غسل الحيض دون الجنابه ودليلنا حديث أم سلمه واذا كان للرجل ضفيرة فهو كالمرأة والله أعلم واعلم أن غسل الرجل والمرأة من الجنابة والحيض والنفاس وغيرها من الأغسال المشروعة سواء في كل شيء إلا ما سيأتي في المغتسلة من الحيض والنفاس أنه يستحب لها أن تستعمل فرصة من مسك وقد تقدم بيان صفة الغسل بكمالها في الباب السابق فإن كانت المرأة بكرا لم يجب إيصال الماء إلى داخل فرجها وإن كانت ثيبا وجب إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة لأنه صار في حكم الظاهر هكذا نص عليه الشافعي وجماهير أصحابنا وقال بعض أصحابنا لايجب على الثيب غسل داخل الفرج وقال بعضهم يجب ذلك في غسل الحيض والنفاس ولا يجب في غسل الجنابة والصحيح الأول والله أعلم وأما أمر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بنقض النساء رؤوسهن إذا اغتسلن فيحمل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهن ويكون ذلك في شعور لايصل إليها الماء أو يكون مذهبا له أنه يجب النقض بكل حال كما حكيناه عن النخعي ولا يكون
بلغه حديث أم سلمة وعائشة ويحتمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط لا للإيجاب والله تعالى أعلم
باب استحباب استعمال المغتسله من الحيض فرصة من مسك
في موضع الدم
قد قدمنا في الباب الذي قبله أن صفة غسل المرأة والرجل سواء وتقدم بيان ذلك مستوفى والمراد في هذا الباب بيان أن السنة في حق المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيأ من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها ويستحب هذا للنفساء أيضا لأنها في معنى الحائض وذكر المحاملي من أصحابنا في كتابه المقنع أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تطيب جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها وهذا الذي ذكره من تعميم مواضع الدم من البدن غريب لا أعرفه لغيره بعد البحث عنه واختلف العلماء في الحكمة في استعمال المسك فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم أن المقصود باستعمال المسك تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة وحكى أقضى القضاة الماوردي من أصحابنا وجهين لأصحابنا أحدهما هذا والثاني أن المراد كونه أسرع إلى علوق الولد قال فإن قلنا بالأول ففقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الرائحة وإن قلنا بالثاني استعملت ما قام مقامه في ذلك من القسط والأظفار وشبههما قال واختلفوا في وقت استعماله فمن قال بالأول قال تستعمله بعد الغسل ومن قال بالثاني قال قبله هذا آخر كلام الماوردي وهذا الذي حكاه من استعماله قبل الغسل ليس بشيء ويكفي في إبطاله رواية مسلم في الكتاب في قوله صلى الله عليه وسلم تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها وهذا نص في استعمال الفرصة بعد الغسل وأما قول من قال ان المراد الاسراع في العلوق فضعيف أوباطل فانه
على مقتضى قوله ينبغي أن يخص به ذات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال وهذا شيء لم يصر إليه أحد نعلمه وإطلاق الأحاديث يرد على من التزمه بل الصواب أن المراد تطيب المحل وإزالة الرائحة الكريهة وأن ذلك مستحب لكل مغتسلة من الحيض اوالنفاس سواء ذات الزوج وغيرها وتستعمله بعد الغسل فإن لم تجد مسكا فتستعمل أي طيب وجدت فإن لم تجد طيبا استحب لها استعمال طين أو نحوه مما يزيل الكراهة نص عليه أصحابنا فإن لم تجد شيئا من هذا فالماء كاف لها لكن إن تركت التطيب مع التمكن منه كره لها وإن لم تتمكن فلا كراهة في حقها والله أعلم وأما الفرصة فهي بكسر الفاء واسكان الراء وبالصاد المهمله وهي القطعة والمسك بكسر الميم وهو الطيب المعروف هذا هو الصحيح المختار الذي رواه وقاله المحققون وعليه الفقهاء وغيرهم من أهل العلوم وقيل مسك بفتح الميم وهو الجلد أي قطعة جلد فيه شعر ذكر القاضي عياض أن فتح الميم هي رواية الاكثرين وقال أبوعبيد وبن قتيبة إنما هو قرضة من مسك بقاف مضمومة وضاد معجمة ومسك بفتح الميم أي قطعة من جلد وهذا كله ضعيف والصواب ما قدمناه ويدل عليه الرواية الأخرى المذكورة في الكتاب فرصة ممسكة وهي بضم الميم الأولى وفتح الثانية وفتح السين المشددة أي قطعة من قطن أو صوف أو خرقة مطيبة بالمسك كما قدمنا بيانه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (تطهري بها وسبحان الله) قد قدمنا أن سبحان الله في هذا الموضع وأمثاله يراد بها التعجب وكذا لااله إلا الله ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لايحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر وفي هذا جواز التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه وكذلك يجوز عند التثبت على الشيء والتذكر به وفيه استحباب استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات وقد تقدم بيان هذه القاعدة مرات والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم
(تتبعي بها آثار الدم) قال جمهور العلماء يعني به الفرج وقد قدمنا عن المحاملي أنه قال تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها وفي ظاهر الحديث حجة له قوله (حدثنا حبان حدثنا وهيب) هو حبان بفتح الحاء وبالباء الموحدة وهو حبان بن هلال قوله (غسل المحيض) هو الحيض وقد تقدم بيانه واضحا قوله صلى الله عليه وسلم (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا ثم تصب عليها الماء) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى التطهر الاول تطهر من النجاسة وما مسها من دم الحيض هكذا قال القاضي والأظهر والله أعلم أن المراد بالتطهر الأول الوضوء كما جاء في صفة غسله صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا في أول كتاب الوضوء بيان معنى تحسين الطهر وهو اتمامه بهيأته فهذا المراد بالحديث قوله صلى الله عليه وسلم (حتى تبلغ شؤن رأسها) هو بضم الشين المعجمة وبعدها همزة ومعناه أصول شعر رأسها وأصول الشؤن الخطوط التي في عظم الجمجمة وهو مجتمع شعب عظامها الواحد منها شأن قوله قالت عائشة كأنها تخفي ذلك تتبعين أثر الدم معناه قالت لها كلاما خفيا
تسمعه المخاطبة لايسمعه الحاضرون والله أعلم قولها (دخلت أسماء بنت شكل) هو شكل بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين هذا هو الصحيح المشهور وحكى صاحب المطالع فيه إسكان الكاف وذكر الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي في كتابه الأسماء المبهمة وغيره من العلماء أن اسم هذه السائلة أسماء بنت يزيد بن السكن التي كان يقال لها خطيبة النساء وروى الخطيب حديثا فيه تسميتها بذلك والله أعلم
(باب المستحاضة وغسلها وصلاتها)
فيه (أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها قالت يارسول الله إني امرأة أستحاض
فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) وفيه غيره من الأحاديث قد قدمنا أن الاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه وأنه يخرج من عرق يقال له العاذل بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة بخلاف دم الحيض فإنه يخرج من قعر الرحم وأما حكم المستحاضة فهو مبسوط في كتب الفقه أحسن بسط وأنا أشير إلى أطراف من مسائلها فاعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام فيجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عندنا وعند جمهور العلماء حكاه بن المنذر في الاشراق عن بن عباس وبن المسيب والحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد الله المزني والأوزاعي والثوري ومالك وإسحاق وابي ثور قال بن المنذر وبه أقول قال وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لا يأتيها زوجها وبه قال النخعي والحكم وكرهه ابن سيرين وقال أحمد لايأتيها الاأن يطول ذلك بها وفي رواية عنه رحمه الله تعالى أنه لايجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت والمختار ما قدمناه عن الجمهور والدليل عليه ما روى عكرمة عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما بهذا اللفظ بإسناد حسن قال البخاري في صحيحه قال بن عباس المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت الصلاة أعظم ولأن المستحاضة كالطاهرة في الصلاة والصوم وغيرهما فكذا في الجماع ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بتحريمه والله أعلم وأما الصلاة والصيام والاعتكاف وقرآة القرآن ومس المصحف وحمله وسجود التلاوة وسجود الشكر ووجوب العبادات عليها فهي في كل ذلك كالطاهرة وهذا مجمع عليه وإذا أرادت المستحاضة الصلاة فإنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث وطهارة النجس فتغسل فرجها قبل الوضوء والتيمم إن كانت تتيمم وتحشو فرجها بقطنة أوخرقة رفعا للنجاسة
أو تقليلا لها فإن كان دمها قليلا يندفع بذلك وحده فلا شيء عليها غيره وإن لم يندفع شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت وهو أن تشد على وسطها خرقة أو خيطا أو نحوه على صورة التكة وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخذيها وأليتيها وتشد الطرفين بالخرقة التي في وسطها أحدهما قدامها عند صرتها والآخر خلفها وتحكم ذلك الشد وتلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين بالقطنة التي على الفرج إلصاقا جيدا وهذا الفعل يسمى تلجما واستثفارا وتعصيبا قال أصحابنا وهذا الشد والتلجم واجب إلا في موضعين أحدهما أن يتأذى بالشد ويحرقها اجتماع الدم فلا يلزمها لما فيه من الضرر والثاني أن تكون صائمة فتترك الحشو في النهار وتقتصر على الشد قال أصحابنا ويجب تقديم الشد والتلجم على الوضوء وتتوضأ عقيب الشد من غير إمهال فإن شدت وتلجمت وأخرت الوضوء وتطاول الزمان ففي صحة وضوئها وجهان الاصح أنه لايصح واذا استوثقت بالشد علىالصفة التي ذكرناها ثم خرج منها دم من غير تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها ولها أن تصلي بعد فرضها ماشاءت من النوافل لعدم تفريطها ولتعذر الاحتراز عن ذلك أما إذا خرج الدم لتقصيرها في الشد أوزالت العصابة عن موضعها لضعف الشد فزاد خروج الدم بسببه فإنه يبطل طهرها فإن كان ذلك في أثناء صلاة بطلت وإن كان بعد فريضة لم تستبح النافلة لتقصيرها وأما تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة فينظر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالا له تأثير أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد وإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم ففيه وجهان لأصحابنا أصحهما وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء ثم اعلم أن مذهبنا أن المستحاضة لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة مؤداة كانت أو مقضية وتستبيح معها ما شاءت من النوافل قبل الفريضة وبعدها ولنا وجه أنها لا تستبيح أصلا لعدم ضرورتها إليها النافلة والصواب الأول وحكي مثل مذهبنا عن عروة بن الزبير وسفيان الثوري وأحمد وابي ثور وقال أبوحنيفه طهارتها مقدرة بالوقت فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة وقال ربيعة ومالك وداود دم الاستحاضة لاينقض الوضوء فإذا تطهرت فلها أن تصلي بطهارتها ماشاءت من الفرائض إلى أن تحدث بغير الاستحاضة والله أعلم قال أصحابنا ولا يصح وضوء المستحاضة لفريضة قبل دخول وقتها وقال ابوحنيفه يجوز ودليلنا أنها طهارة ضرورة فلا تجوز قبل وقت الحاجة
قال أصحابنا وإذا توضأت بادرت إلى الصلاة عقب طهارتها فإن أخرت بأن توضأت في أول الوقت وصلت في وسطه نظر إن كان التأخير للاشتغال بسبب من أسباب الصلاة كستر العورة والأذان والإقامة والاجتهاد في القبلة والذهاب إلى المسجد الأعظم والمواضع الشريفة والسعي في تحصيل سترة تصلي إليها وانتظار الجمعة والجماعة وما أشبه ذلك جاز على المذهب الصحيح المشهور ولنا وجه أنه لايجوز وليس بشيء وأما إذا أخرت بغير سبب من هذه الأسباب وما في معناها ففيه ثلاثة أوجه أصحها لايجوز وتبطل طهارتها والثاني يجوز ولاتبطل طهارتها ولها أن تصلي بها ولو بعد خروج الوقت والثالث لها التأخير ما لم يخرج وقت الفريضة فإن خرج الوقت فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة فإذا قلنا بالاصح وانها إذا أخرت لاتستبيح الفريضة فبادرت فصلت الفريضة فلها أن تصلي النوافل ما دام وقت الفريضة باقيا فإذا خرج وقت الفريضة فليس لها أن تصلي بعد ذلك النوافل بتلك الطهارة على أصح الوجهين والله أعلم قال أصحابنا وكيفية نية المستحاضة في وضوئها أن تنوي استباحة الصلاة ولا تقتصر على نية رفع الحدث ولنا وجه أنه يجزئها الاقتصار على نية رفع الحدث ووجه ثالث أنه يجب عليها الجمع بين نية استباحة الصلاة ورفع الحدث والصحيح الأول فإذا توضأت المستحاضة استباحت الصلاة وهل يقال ارتفع حدثها فيه أوجه لأصحابنا الأصح أنه لايرتفع شيء من حدثها بل تستبيح الصلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث كالمتيمم فإنه محدث عندنا والثاني يرتفع حدثها السابق والمقارن للطهارة دون المستقبل والثالث يرتفع الماضي وحده واعلم أنه لايجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلاة ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف وهو مروي عن علي وبن مسعود وبن عباس وعائشة رضي الله عنهم وهو قول عروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبي حنيفة وأحمد وروي عن بن عمر وبن الزبير وعطاء بن أبي رباح أنهم قالوا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة وروي هذا أيضا عن علي وبن عباس وروي عن عائشة أنها قالت تغتسل كل يوم غسلا واحدا وعن المسيب والحسن قالا تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائما والله أعلم ودليل الجمهور أن الاصل عدم الوجوب فلايجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها وهو قوله
صلى الله عليه وسلم
(إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي
وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالغسل فليس فيها شيء ثابت وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي فكانت تغتسل عند كل صلاة قال الشافعي رحمه الله تعالى إنما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة قال ولا شك إن شاء الله تعالى أن غسلها كان تطوعا غير ما أمرت به وذلك واسع لها هذا كلام الشافعي بلفظه وكذا قال شيخه سفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهما وعباراتهم متقاربة والله أعلم واعلم أن المستحاضة على ضربين أحدهما أن تكون ترى دما ليس بحيض ولا يخلط بالحيض كما إذا رأت دون يوم وليلة والضرب الثاني أن ترى دما بعضه حيض وبعضه ليس بحيض بأن كانت ترى دما متصلا دائما أومجاوزا لأكثر الحيض وهذه لها ثلاثة أحوال أحدها أن تكون مبتدأة وهي التي لم تر الدم قبل ذلك وفي هذا قولان للشافعي أصحهما ترد إلى يوم وليلة والثاني إلى ست أو سبع والحال الثاني أن تكون معتادة فترد إلى قدر عادتها في الشهر الذي قبل شهر استحاضتها والثالث أن تكون مميزة ترى بعض الأيام دما قويا وبعضها دما ضعيفا كالدم الأسود والأحمر فيكون حيضها أيام ألاسود بشرط أن لاينقص الأسود عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر يوما ولاينقص الأحمر عن خمسة عشر ولهذا كله تفاصيل معروفة لانرى الإطناب فيها هنا لكون هذا الكتاب ليس موضوعا لهذا فهذه أحرف من أصول مسائل المستحاضة أشرت إليها وقد بسطتها بشواهدها وما يتعلق بها من الفروع الكثيرة في شرح المهذب والله أعلم قوله (فاطمة بنت أبي حبيش) هو بحاء مهملة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم)
شين معجمة واسم أبي حبيش قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي واما قوله في الرواية الأخرى (فاطمة بنت أبي حبيش بن عبد المطلب بن أسد) فكذا وقع في الاصول بن عبد المطلب واتفق العلماء على أنه وهم والصواب فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بحذف لفظة عبد والله أعلم وأما قوله (امرأة منا) فمعناه من بني أسد والقائل هو هشام بن عروة أو أبوه عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى والله أعلم قولها فقلت يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا فيه ان المستحاضة تصلى أبدا الافي الزمن المحكوم بأنه حيض وهذا مجمع عليه كما قدمناه وفيه جواز استفتاء من وقعت له مسألة وجواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء وجواز استماع صوتها عند الحاجة قوله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عرق وليس بالحيضة أما عرق فهو بكسر العين وإسكان الراء وقد تقدم أن هذا العرق يقال له العاذل بكسر الذال المعجمة وأما الحيضة فيجوز فيها الوجهان المتقدمان اللذان ذكرناهما مرات أحدهما مذهب الخطابي كسر الحاء أي الحالة والثاني وهو الأظهر فتح الحاء أي الحيض وهذا الوجه قد نقله الخطابي عن أكثر المحدثين أو كلهم كما قدمناه عنه وهو في هذا الموضع متعين أو قريب من المتعين فإن المعنى يقتضيه لأنه صلى الله عليه وسلم أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض والله أعلم وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه إنما ذلك عرق انقطع وانفجر فهي زيادة لاتعرف في الحديث وإن كان لها معنى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة يجوز في الحيضة هنا الوجهان فتح الحاء وكسرها جوازا حسنا وفي هذا نهي لها عن الصلاة في زمن الحيض وهو نهي تحريم ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين وسواء في هذه الصلاة المفروضة والنافلة لظاهر الحديث وكذلك يحرم عليها الطواف وصلاة الجنازة وسجود التلاوة وسجود الشكر وكل هذا متفق عليه وقد أجمع العلماء على أنها ليست مكلفة بالصلاة وعلى
أنه لاقضاء عليها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي المراد بالإدبار انقطاع الحيض ومما ينبغي أن يعتنى به معرفة علامة انقطاع الحيض وقل من أوضحه وقد اعتنى به جماعة من أصحابنا وحاصله أن علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة وسواء خرجت رطوبة بيضاء أم لم يخرج شيء أصلا قال البيهقي وبن الصباغ وغيرهما من أصحابنا الترية رطوبة خفيفة لاصفرة فيها ولاكدره تكون على القطنه أثر لالون قالوا وهذا يكون بعد انقطاع دم الحيض قلت هي الترية بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحت مشددة وقد صح عن عائشة رضي الله عنها ما ذكره البخاري في صحيحه عنها أنها قالت للنساء لاتعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة وهي الجص شبهت الرطوبة النقية الصافية بالجص قال أصحابنا إذا مضى زمن حيضتها وجب عليها أن تغتسل في الحال لاول صلاة تدركها ولايجوز لها أن تترك بعد ذلك صلاة ولا صوما ولا يمتنع زوجها من وطئها ولاتمتنع من شيء يفعله الطاهر ولا تستظهر بشيء أصلا وعن مالك رضي الله عنه رواية أنها تستظهر بالإمساك عن هذه الأشياء ثلاثة أيام بعد عادتها والله أعلم وفي هذا الحديث الأمر بإزالة النجاسة وأن الدم نجس وأن الصلاة تجب لمجرد انقطاع الحيض والله أعلم قوله (وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره) قال القاضي عياض رضي الله عنه الحرف الذي تركه هو قوله اغسلي عنك الدم وتوضئي ذكر هذه الزيادة النسائي وغيره وأسقطها مسلم لأنها مما انفرد به حماد قال النسائي لا نعلم أحدا قال وتوضئي في الحديث غير حماد يعني والله أعلم في حديث هشام وقد روى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية عدي بن أبي ثابت وحبيب بن أبي ثابت وأيوب بن أبي مكين قال أبو داود وكلها ضعيفة والله أعلم قوله (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية (بنت جحش) ولم
يذكر أم حبيبة وفي رواية (أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف) وذكر الحديث وفيه (قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش) وفي الرواية الأخرى (أن ابنة جحش كانت تستحاض) هذه الألفاظ هكذا هي ثابتة في الأصول وحكى القاضي عياض في الرواية الأخيرة أنه وقع في نسخة أبي العباس الرازي أن زينب بنت جحش قال القاضي اختلف أصحاب الموطأ في هذا عن مالك وأكثرهم يقولون زينب بنت جحش وكثير من الرواة يقولون عن ابنة جحش وهذا هوالصواب وبين الوهم فيه قوله وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف وزينب هي أم المؤمنين ولم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قط إنما تزوجها أولا زيد بن حارثة ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة أختها وقد جاء مفسرا على الصواب في قوله ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف وفي قوله كانت تغتسل في بيت أختها زينب قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى قيل إن بنات جحش الثلاث زينب وأم حبيبة وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله كن يستحضن كلهن وقيل إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه الموعب في شرح الموطأ مثل هذا وذكر أن كل واحدة منهن اسمها
زينب ولقبت إحداهن حمنة وكنيت الأخرى أم حبيبة وإذا كان هذا هكذا فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب وقد ذكر البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة من أزواجه صلى الله عليه وسلم وفي رواية أن بعض أمهات المؤمنين وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف مع بعض نسائه وهي مستحاضة هذا آخر كلام القاضي وأما قوله أم حبيبة فقد قال الدارقطني قال إبراهيم الحربي الصحيح أنها أم حبيب بلا هاء واسمها حبيبة قال الدارقطني قول الحربي صحيح وكان من أعلم الناس بهذا الشأن قال غيره وقد روي عن عمرة عن عائشة أن أم حبيب وقال أبو علي الغساني الصحيح أن اسمها حبيبة قال وكذلك قاله الحميدي عن سفيان وقال بن الأثير يقال لها أم حبيبة وقيل أم حبيب قال والأول أكثر وكانت مستحاضة قال وأهل السير يقولون المستحاضة أختها حمنة بنت جحش قال بن عبد البر الصحيح أنهما كانتا تستحاضان قوله إن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت أما قوله ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بفتح الخاء والتاء المثناة من فوق ومعناه قريبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال أهل اللغة الأختان جمع ختن وهم أقارب زوجة الرجل والأحماء أقارب زوج المرأة والأصهار يعم الجميع وأما قوله وتحت عبد الرحمن بن عوف فمعناه أنها زوجته فعرفها بشيئين أحدهما كونها أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم والثاني كونها زوجة عبد الرحمن وأما والدها جحش فهو بفتح الجيم وإسكان الحاء المهملة وبالشين المعجمة قوله في رواية محمد بن سلمة المرادي (عن بن وهب عن عمرو بن الحرث عن بن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة) هكذا وقع في هذه الرواية عن عروة بن الزبير وعمرة وهو الصواب وكذلك رواه بن أبي ذئب الزهري عن عروة وعمرة وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عروة وعمرة كما رواه الزهري وخالفهما الأوزاعي فرواه عن الزهري عن عروة عن عمرة بعن جعل عروة راويا عن عمر وأما قول مسلم بعد هذا حدثنا محمد بن المثنى حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض عن جميع رواة مسلم إلا السمرقندي
فإنه جعل عروة مكان عمرة والله أعلم قوله ص (ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي) وفي الرواية الاخرى (امكثي قدرما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) في هذين اللفظين دليل على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض وإن كان الدم جاريا وهذا مجمع عليه وقد قدمنا بيناه قوله (فكانت تغتسل في مركن) هو بكسر الميم وفتح الكاف وهو الإجانة التي تغسل فيها الثياب قوله (حتى تعلوا حمرة الدم الماء) معناه أنها كانت تغتسل في المركن فتجلس فيه وتصب عليها الماء فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم فيحمر الماء ثم انه لابد انها كانت تنظف بعد ذلك عن تلك الغسالة المتغيرة
قوله (رأيت مركنها ملآن) هكذا هو في الأصول ببلادنا وذكر القاضي عياض أنه روي أيضا ملأى وكلاهما صحيح الأول على لفظ المركن وهو مذكر والثاني على معناه وهو الاجانة والله أعلم
باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة
قولها (فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) هذا الحكم متفق عليه أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لاتجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال وأجمعوا على أنه لايجب عليهما قضاء الصلاة وأجمعوا على أنه يجب عليهما قضاء الصوم قال العلماء والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها بخلاف الصوم فإنه يجب في السنة مرة واحدة وربما كان الحيض يوما أو يومين قال أصحابنا كل صلاة تفوت في زمن الحيض لاتقضي إلا ركعتي الطواف قال الجمهور من أصحابنا وغيرهم وليست الحائض مخاطبة بالصيام في زمن الحيض وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد وذكر بعض أصحابنا وجها أنها مخاطبة بالصيام في حال الحيض وتؤمر بتأخيره كما يخاطب المحدث بالصلاة وان كانت لاتصح منه في زمن الحدث وهذا الوجه ليس بشيء فكيف يكون
الصيام واجبا عليها ومحرما عليها بسبب لا قدرة لها على إزالته بخلاف المحدث فإنه قادر على إزالة الحدث قوله (عن أبي قلابة) هو بكسر القاف وتخفيف اللام وبالباء الموحدة واسمه عبد الله بن زيد وقد تقدم بيانه قوله (عن يزيد الرشك) هو بكسر الراء وإسكان الشين المعجمة وهو يزيد بن أبي يزيد الضبعي مولاهم البصري أبو الأزهري واختلف العلماء في سبب تلقيبه بالرشك فقيل معناه بالفارسية القاسم وقيل الغيور وقيل كثير اللحية وقيل الرشك بالفارسية اسم للعقرب فقيل ليزيد الرشك لأن العقرب دخلت في لحيته فمكثت فيها ثلاثة ايام وهو لايدري بها لأن لحيته كانت طويلة عظيمة جدا حكى هذه الأقوال صاحب المطالع وغيره وحكاها أبو علي الغساني وذكر هذا القول الأخير بإسناده والله أعلم قولها (حرورية أنت) هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى وهي نسبة إلى حروراء وهي قرية بقرب الكوفة قال السمعاني هو موضع على ميلين من الكوفة كان أول اجتماع الخوارج به قال الهروي تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها فمعنى قول عائشة رضي الله عنها إن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض وهو خلاف إجماع المسلمين وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة هو استفهام إنكار أي هذه طريقة الحرورية وبئست الطريقة قولها (كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لاتؤمر بقضاء) معناه لايأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء مع علمه بالحيض وتركها الصلاة في زمنه ولو كان القضاء واجبا لأمرها به قولها أفأمرهن أن يجزين) هو بفتح الياء وكسر الزاي
غير مهموز وقد فسره محمد بن جعفر في الكتاب أن معناه يقضين وهو تفسير صحيح يقال جزى يجزئ أي قضى وبه فسروا قوله تعالى لا تجزى نفس عن نفس شيئا ويقال هذا الشيء يجزي عن كذا أي يقوم مقامه قال القاضي عياض وقد حكى بعضهم فيه الهمز والله أعلم
باب تستر المغتسل بثوب ونحوه
قوله (عن أبي النضر أن أبا مرة مولى أم هانئ) وفي الرواية الأخرى (أن أبا مرة مولى عقيل) أما ابوالنضر فاسمه سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني مولى عمر بن عبد الله التيمي وأما أبو مرة فاسمه يزيد وهو مولى أم هانئ وكان يلزم أخاها عقيلا فلهذا نسبه في الرواية الأخرى إلى ولائه وأما أم هانئ فاسمها فاختة وقيل فاطمة وقيل هند كنيت بابنها هانئ بن هبيرة بن عمرو وهانئ بهمز آخره أسلمت أم هانئ في يوم الفتح رضي الله عنها قولها (ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب) هذا فيه دليل على جواز اغتسال
الإنسان بحضرة امرأة من محارمه إذا كان يحول بينه وبينها ساتر من ثوب وغيره قولها (ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى) هذا اللفظ فيه فائدة لطيفة وهي أن صلاة الضحى ثمان ركعات وموضع الدلالة كونها قالت سبحة الضحى وهذا تصريح بأن هذا سنة مقررة معروفة وصلاها بنية الضحى بخلاف الرواية الأخرى صلى ثمان ركعات وذلك ضحى فإن من الناس من يتوهم منه خلاف الصواب فيقول ليس في هذا دليل على أن الضحى ثمان ركعات ويزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في هذا الوقت ثمان ركعات بسبب فتح مكة لا لكونها الضحى فهذا الخيال الذي يتعلق به هذا القائل في هذا اللفظ لايتأتى له في قولها سبحة الضحى ولم تزل الناس قديما وحديثا يحتجون بهذا الحديث على أثبات الضحى ثمان ركعات والله أعلم والسبحة بضم السين وإسكان الباء هي النافلة سميت بذلك للتسبيح الذي فيها قوله (فصلى ثمان سجدات) المراد ثمان ركعات وسميت الركعة سجدة لاشتمالها عليها وهذا من باب تسمية الشيء بجزئه قوله (أخبرنا موسى القارئ) هو بهمز آخره منسوب إلى القراءة والله أعلم
(باب تحريم النظر إلى العورات)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولاتفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) وفي الرواية الأخرى (عرية الرجل وعرية المرأة) ضبطنا هذه اللفظة الأخيرة على ثلاثة أوجه عرية بكسر العين وإسكان الراء وعرية بضم العين وإسكان الراء وعرية بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء وكلها صحيحة قال أهل اللغة عرية الرجل بضم العين وكسرها هي متجردة والثالثة على التصغير وفي الباب زيد بن الحباب وهو بضم الحاء المهملة وبالباء الموحدة المكررة المخففة والله أعلم وأما أحكام الباب ففيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة وهذا لاخلاف فيه وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع ونبه صلى الله عليه وسلم بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة وذلك بالتحريم أولى وهذا التحريم في حق غيرألازواج والسادة أما الزوجان فلكل واحد منهما النظر إلى عورة صاحبه جميعها إلا الفرج نفسه ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما النظر إلى فرج صاحبه من غير حاجة وليس بحرام والثاني أنه حرام عليهما والثالث أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهة وتحريما وأما السيد مع أمته فإن كان يملك
وطأها فهما كالزوجين وإن كانت محرمة عليه بنسب كأخته وعمته وخالته أو برضاع أو مصاهرة كأم الزوجة وبنتها وزوجة ابنه فهي كما إذا كانت حرة وإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو معتدة أو مكاتبة فهي كالأمة الأجنبية وأما نظر الرجل إلى محارمه ونظرهن إليه فالصحيح أنه يباح فيما فوق السرة وتحت الركبة وقيل لا يحل الا مايظهر في حال الخدمة والتصرف والله أعلم وأما ضبط العورة في حق الأجانب فعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة وكذلك المرأة مع المرأة وفي السرة والركبة ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها ليستا بعورة والثاني هما عورة والثالث السرة عورة دون الركبة وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها فكذلك يحرم عليها النظر إلى كل شيء من بدنه سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها وقال بعض اصحابنا لايحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة وليس هذا القول بشيء ولا فرق أيضا بين الأمة والحرة إذا كانتا أجنبيتين وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة سواء كان نظره بشهوة أم لا سواء أمن الفتنة أم خافها هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين نص عليه الشافعي وحذاق أصحابه رحمهم الله تعالى ودليله أنه في معنى المرأة فإنه يشتهى كما تشتهى وصورته في الجمال كصورة المرأة بل ربما كان كثير منهم أحسن صورة من كثير من النساء بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر وهو أنه يتمكن في حقهم من طرق الشر مالا يتمكن من مثله في حق المرأة والله أعلم وهذا الذي ذكرناه في جميع هذه المسائل من تحريم النظر هو فيما إذا لم تكن حاجة أما إذا كانت حاجة شرعية فيجوز النظر كما في حالة البيع والشراء والتطبب والشهادة ونحو ذلك ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه وأما الشهوة فلا حاجة إليها قال أصحابنا النظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد حتى يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولايفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد وكذلك في المرأة مع المرأة فهو نهي تحريم إذا لم يكن بينهما حائل وفيه دليل على تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه كان وهذا متفق عليه وهذا مما تعم به البلوى ويتساهل فيه كثير من الناس باجتماع الناس في الحمام فيجب على الحاضر فيه أن يصون بصره ويده وغيرها عن عورة غيره وأن يصون عورته عن بصر غيره ويد غيره من قيم وغيره ويجب عليه إذا رأى من يخل بشيء من هذا أن ينكر عليه قال العلماء ولا يسقط عنه الإنكار
بكونه يظن أن لا يقبل منه بل يجب عليه الإنكار إلا أن يخاف على نفسه وغيره فتنة والله أعلم وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي فإن كان لحاجة جاز وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف العلماء في كراهته وتحريمه والأصح عندنا أنه حرام ولهذه المسائل فروع وتتمات وتقييدات معروفة في كتب الفقه وأشرنا هنا إلى هذه الأحرف لئلا يخلو هذا الكتاب من أصل ذلك والله أعلم
(باب جواز الاغتسال عريانا في الخلوة)
فيه قصة موسى عليه السلام وقد قدمنا في الباب السابق أنه يجوز كشف العورة في موضع الحاجة في الخلوة وذلك كحالة الاغتسال وحال البول ومعاشرة الزوجة ونحو ذلك فهذا كله جائز فيه التكشف في الخلوة وأما بحضرة الناس فيحرم كشف العورة في كل ذلك قال العلماء والتستر بمئزر ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف والتكشف جائز مدة الحاجة في الغسل ونحوه والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصح كما قدمنا في الباب السابق أن ستر العورة في الخلوة واجب على الأصح إلا في قدر الحاجة والله أعلم وموضع الدلالة من هذا الحديث أن موسى عليه الصلاة والسلام اغتسل في الخلوة عريانا وهذا يتم على قول من يقول من أهل الأصول إن شرع من قبلنا شرع لنا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (كانت بنواسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض) يحتمل أن هذا كان جائزا في شرعهم وكان موسى عليه السلام يتركه تنزها واستحبابا وحياء ومروءة ويحتمل
أنه كان حراما في شرعهم كما هو حرام في شرعنا وكانوا يتساهلون فيه كما يتساهل فيه كثيرون من أهل شرعنا والسوءة هي العورة سميت بذلك لأنه يسوء صاحبها كشفها والله أعلم قوله (إنه آدر) هو بهمزة ممدودة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء مخففتين قال أهل اللغة هو عظيم الخصيتين قوله صلى الله عليه وسلم فجمح موسى عليه السلام باثره) جمع مخفف الميم معناه جرى أشد الجري ويقال بإثره بكسر الهمزة مع إسكان الثاء ويقال أثره بفتحهما لغتان مشهورتان تقدمتا قوله صلى الله عليه وسلم (حتى نظر إليه) هو بضم النون وكسر الظاء مبني لما لم يسم فاعله قوله صلى الله عليه وسلم (فطفق بالحجر ضربا) هو بكسر الفاء وفتحها لغتان معناه جعل وأقبل وصار ملتزما لذلك ويجوز أن يكون أراد موسى صلى الله عليه وسلم بضرب الحجر إظهار معجزة لقومه بأثر الضرب في الحجر ويحتمل أنه أوحي إليه أن يضربه لإظهار المعجزة والله أعلم قوله (انه بالحجر ندب) هوبفتح النون والدال وهو الأثر والله أعلم
(باب الاعتناء بحفظ العورة)
قوله (عن جابر رضي الله عنه قال لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم) إلى آخره
هذا الحديث مرسل صحابي وقد قدمنا أن العلماء من الطوائف متفقون على الاحتجاج بمرسل الصحابي إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني من أنه لا يحتج به وقد تقدم دليل الجمهور في الفصول المذكورة في أول الكتاب وسميت الكعبة كعبة لعلوها وارتفاعها وقيل لاستدارتها وعلوها والله أعلم قوله (اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة) معناه ليقيك الحجارة أو من أجل الحجارة وقد قدمنا في كتاب الإيمان أن العاتق ما بين المنكب والعنق وجمعه عواتق وعتق وعتق وهو مذكر وقد يؤنث قوله (فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء) معنى خر سقط وطمحت بفتح الطاء والميم أي ارتفعت وفي هذا الحديث بيان بعض ما أكرم الله سبحانه وتعالى
به رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه صلى الله عليه وسلم كان مصونا محميا في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهلية وقد تقدم بيان عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم في كتاب الإيمان وجاء في رواية في غير الصحيحين أن الملك نزل فشد عليه صلى الله عليه وسلم إزاره والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ولا تمشوا عراة) هو نهي تحريم كما تقدم في الباب السابق والله أعلم
(باب التستر عند البول قوله)
(شيبان بن فروخ) هو بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وبالخاء المعجمة غير مصروف لكونه أعجميا وقد تقدم بيانه مرات قوله (عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي) هو بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة قوله (وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل) يعني حائط نخل أما الهدف فبفتح الهاء والدال وهو ما ارتفع من الأرض وأما حائش النخل فبالحاء المهملة والشين المعجمة وقد فسره في الكتاب بحائط النخل وهو البستان وهو تفسير صحيح ويقال فيه أيضا حش وحش بفتح الحاء وضمها وفي هذا الحديث من الفقه استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط أو هدف أو وهدة أو نحو ذلك بحيث يغيب جميع شخص الإنسان عن أعين الناظرين وهذه سنة متأكده والله أعلم
باب بيان أن الجماع كان في أول الاسلام لا يوجب
الغسل إلا أن ينزل المني)
(وبيان نسخه وأن الغسل يجب بالجماع) اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال وعلى وجوبه بالإنزال وكان جماعة من الصحابة على أنه لايجب الا بالأنزال ثم رجع بعضهم وانتقد الاجماع بعد الاخرين وفي الباب حديث إنما الماء من الماء مع حديث أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل يأتي أهله ثم لاينزل قال يغسل ذكره ويتوضأ وفيه الحديث الآخر إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل قال العلماء العمل على هذا الحديث وأما حديث الماء من الماء فالجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا إنه منسوخ ويعنون بالنسخ أن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا ثم صار واجبا وذهب بن عباس رضي الله عنه وغيره إلى أنه ليس منسوخا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل وهذا الحكم باق بلا شك وأما حديث أبي بن كعب ففيه جوابان أحدهما أنه منسوخ والثاني أنه محمول على ما إذا باشرها فيما سوى الفرج والله أعلم قوله (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء) هو بضم القاف ممدود مذكر مصروف هذا هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون وفيه لغة أخرى أنه مؤنث غير مصروف وأخرى أنه مقصور قوله (عتبان بن مالك) هو بكسر العين على
المشهور وقيل بضمها وقد قدمناه في كتاب الإيمان قوله (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا المعتمر حدثنا أبي حدثنا أبو العلاء بن الشخير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا) هذا الإسناد كله بصريون إلا أبا العلاء فإنه كوفي وأبو العلاء اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير بكسر الشين والخاء المعجمتين والخاء المشددة وأبوالعلاء تابعي ومراد مسلم بروايته هذا الكلام عن أبي العلاء أن حديث الماء من الماء منسوخ وقول أبي العلاء أن السنة تنسخ السنة هذا صحيح قال العلماء نسخ السنة بالسنة يقع على أربعة أوجه أحدها نسخ السنة المتواترة بالمتواترة والثاني نسخ خبر الواحد بمثله والثالث نسخ الآحاد بالمتواترة والرابع نسخ المتواتر بالآحاد فأما الثلاثة الأول فهي جائزة بلا خلاف وأما الرابع فلا يجوز عند الجماهير وقال بعض أهل الظاهر يجوز والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) وفي رواية بن بشار (أعجلت أو أقحطت) أما أعجلت فهو في الموضعين بضم الهمزة وإسكان العين وكسر الجيم أما أقحطت فهو في الأولى بفتح الهمزة والحاء وفي رواية بن بشار بضم الهمزة وكسر الحاء مثل أعجلت والروايتان صحيحتان ومعنى الإقحاط هنا عدم إنزال المني وهو استعارة من قحوط المطر وهو انحباسه وقحوط
الأرض وهو عدم إخراجها النبات والله أعلم قوله (ثم يكسل) ضبطناه بضم الياء ويجوز فتحها يقال أكسل الرجل في جماعه إذا ضعف عن الإنزال وكسل أيضا بفتح الكاف وكسر السين والأول أفصح قوله صلى الله عليه وسلم (يغسل ماأصابه من المرأة) فيه دليل على نجاسة رطوبة فرج المرأة وفيها خلاف معروف والأصح عند بعض أصحابنا نجاستها ومن قال بالطهارة يحمل الحديث على الاستحباب وهذا هو الأصح عند أكثر أصحابنا والله أعلم قوله (حدثني أبي عن الملى عن الملى يعني بقوله الملى عن الملي أبو أيوب) هكذا هو في الأصول أبو أيوب
بالواو وهو صحيح والملي المعتمد عليه المركون إليه والله أعلم قوله (إذا جامع ولم يمن) هوبضم الياء وإسكان الميم هذه اللغة الفصيحة وبها جاءت الرواية وفيه لغة ثانية بفتح الياء والثالثة بضم الياء مع فتح الميم وتشديد النون يقال أمنى ومنى ومنى ثلاث لغات حكاها أبو عمرو الزاهد والأولى أفصح وأشهر وبها جاء القرآن قال الله تعالى أفرأيتم ما تمنون قوله (أبو غسان المسمعي) هو بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة ويجوز صرفه وترك صرفه والمسمعي بكسر الميم الأولى وفتح الثانية واسمه مالك بن عبد الواحد وقد تقدم بيانه مرات لكني أنبه عليه وعلى مثله لطول العهد به كما شرطته في الخطبة قوله (أبورافع عن أبي هريرة) اسم أبي رافع نفيع وقد تقدم أيضا قوله صلى الله عليه وسلم (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها) وفي رواية (أشعبها
اختلف العلماء في المراد بالشعب الأربع فقيل هي اليدان والرجلان وقيل الرجلان والفخذان وقيل الرجلان والشفران واختار القاضي عياض أن المراد شعب الفرج الأربع والشعب النواحي واحدتها شعبة وأما من قال أشعبها فهو جمع شعب ومعنى جهدها حفرها كذا قاله الخطابي وقال غيره بلغ مشقتها يقال جهدته وأجهدته بلغت مشقته قال القاضي عياض رحمه الله تعالى الأولى أن يكون جهدها بمعنى بلغ جهده في العمل فيها والجهد الطاقة وهو إشارة إلى الحركة وتمكن صورة العمل وهو نحو قول من قال حفرها أي كدها بحركته والافأي مشقة بلغ بها في ذلك والله أعلم ومعنى الحديث أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة وهذا لا خلاف فيه اليوم وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة
ومن بعدهم ثم انعقد الاجماع على ماذكرناه وقد تقدم بيان هذا قال أصحابنا ولو غيب الحشفة في دبر امرأة أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها وجب الغسل سواء كان المولج فيه حيا أو ميتا صغيرا أو كبيرا وسواء كان ذلك عن قصد أم عن نسيان وسواء كان مختارا أو مكرها أو استدخلت المرأة ذكره وهو نائم وسواء انتشر الذكر أم لا وسواء كان مختونا أم أغلف فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول به إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيا أو صبية فإنه لايقال وجب عليه لأنه ليس مكلفا ولكن يقال صار جنبا فإن كان مميزا وجب على الولي أن يأمره بالغسل كما يأمره بالوضوء فإن صلى من غير غسل لم تصح صلاته وإن لم يغتسل حتى بلغ وجب عليه الغسل وإن اغتسل في الصبى ثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل قال أصحابنا والاعتبار في الجماع بتغييب الحشفة من صحيح الذكر بالاتفاق فإذا غيبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام ولا يشترط تغييب جميع الذكر بالاتفاق ولو غيب بعض الحشفة لا يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق إلا وجها شاذا ذكره بعض أصحابنا أن حكمه حكم جميعها وهذا الوجه غلط منكر متروك وأما إذا كان الذكر مقطوعا فإن بقي منه دون الحشفة لم يتعلق به شيء من الأحكام وإن كان الباقي قدر الحشفة فحسب تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله وإن كان زائدا على قدر الحشفة ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا أصحهما أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه والثاني لايتعلق شيء من الاحكام الابتغييب جميع الباقي والله أعلم ولو لف على ذكره خرقة وأولجه في فرج امرأة ففيه ثلاثه اوجه لاصحابنا الصحيح منها والمشهور أنه يجب عليهما الغسل والثاني لايجب لأنه أولج في خرقة والثالث إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذة والرطوبة لم يجب الغسل والاوجب والله أعلم ولو استدخلت المرأة ذكر بهيمة وجب عليها الغسل ولو استدخلت ذكرا مقطوعا فوجهان أصحهما يجب عليها الغسل قولها (على الخبير سقطت) معناه صادفت خبيرا بحقيقة ما سألت عنه عارفا بخفيه وجليه حاذقا فيه قوله صلى الله عليه وسلم (ومس
الختان الختان فقد وجب الغسل) قال العلماء معناه غيبت ذكرك في فرجها وليس المراد حقيقة المس وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج ولايمسه الذكر في الجماع وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل لا عليه ولا عليها فدل على أن المراد ما ذكرناه والمراد بالمماسة المحاذاة وكذلك الرواية الأخرى إذا التقى الختانان أي تحاذيا قوله (عن جابر بن عبد الله عن أم كلثوم عن عائشة) أم كلثوم هذه تابعية وهي بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر فإن جابرا رضي الله عنه صحابي وهو أكبر من أم كلثوم سنا ومرتبة وفضلا رضي الله عنهم أجمعين قوله صلى الله عليه وسلم إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل) فيه جواز ذكر مثل هذا بحضرة الزوجة إذا ترتبت عليه مصلحة ولم يحصل به أذى وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة ليكون أوقع في نفسه وفيه أن فعله صلى الله عليه وسلم للوجوب ولولا ذلك لم يحصل جواب السائل
باب الوضوء مما مست النار
ذكر مسلم رحمه الله تعالى في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار ثم عقبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ وهذه عادة مسلم وغيره من
أئمة الحديث يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالناسخ وقد اختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم توضؤوا مما مست النار فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى انه لاينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار ممن ذهب إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وبن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وعائشة رضي الله عنهم أجمعين وهؤلاء كلهم صحابة وذهب إليه جماهير التابعين وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبي ثور وأبي خيثمة رحمهم الله وذهب طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بأكل ما مسته النار وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والزهري وأبي قلابة 2وأبي مجلر واحتج هؤلاء بحديث توضؤوا مما مسته النار واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار وقد ذكر مسلم هنا منها جملة وباقيها في كتب أئمة الحديث المشهورة وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين أحدهما أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة والجواب الثاني أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لايجب الوضوء بأكل ما مسته
النار والله أعلم قوله في أول الباب (قال قال بن شهاب أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) كذا هو في جميع الأصول عبد الملك بن أبي بكر وكذا نقله الحافظ أبو علي الغساني عن جماعة رواة الكتاب قال أبو علي وفي نسخه بن الحذاء مما أصلح بيده فافسده قال بن شهاب فأخبرني عبد الله بن أبي بكر جعل عبد الله موضع عبد الملك قال أبو علي والصواب عبد الملك وكذا رواه الجلودي وكذلك هو في نسخة أبي زكريا عن بن ماهان وكذلك رواه الزبيدي عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر وهو أخو عبد الله بن أبي بكر والله أعلم قوله (إن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) هكذا هو في مسلم هنا وفي باب الجمعة والبيوع ووقع في باب الجمعة من كتاب مسلم من رواية بن جريج إبراهيم بن عبد الله بن قارظ وكلاهما قد قيل وقد اختلف الحفاظ فيه على هذين القولين فصار إلى كل واحد منهما جماعة كثيرة وقارظ بالقاف وكسر الراء وبالظاء المعجمة قوله (إنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد فقال إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها) قال الهروي وغيره الأثوار جمع ثور وهو القطعة من الأقط وهو بالثاء المثلثة والأقط معروف وهو مما مسته النار قوله (يتوضأ على المسجد) دليل على جواز الوضوء في المسجد وقد نقل بن المنذر اجماع العلماء على جوازه مالم يؤذ به
أحدا قوله (أكل عرقا) هو بفتح العين وإسكان الراء وهو العظم عليه قليل من اللحم وقد تقدم بيانه في آخر كتاب الإيمان مبسوطا قوله (يحتز من كتف شاة) فيه جواز قطع اللحم بالسكين وذلك تدعو إليه الحاجة لصلابة اللحم أو كبر القطعة قالوا ويكره من غير حاجة قوله (فدعي إلى الصلاة فقام فطرح السكين وصلى ولم يتوضأ) في هذا دليل على جواز بل استحباب استدعاء الأئمة إلى الصلاة إذا حضر وقتها وفيه أن الشهادة على النفي تقبل إذا كان المنفي محصورا مثل هذا وفيه أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب وفي السكين لغتان التذكير والتأنيث
يقال سكين جيد وجيدة سميت سكينا لتسكينها حركة المذبوح والله أعلم قوله (عن أبي غطفان عن أبي رافع رضي الله عنه قال أشهد لكنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ) أما أبو غطفان بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة فهو بن طريف المري المدني قال الحاكم أبو أحمد لايعرف اسمه قال ويقال في كنيته أيضا أبو مالك وأما أبو رافع فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه أسلم وقيل إبراهيم وقيل هرمز وقيل ثابت وقوله بطن الشاة يعني الكبد وما معه من حشوها وفي الكلام حذف تقديره أشوي بطن الشاه فيأكل منه ثم يصلي ولايتوضأ والله أعلم قوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ثم دعا بماء فتمضمض وقال إن له دسما) فيه استحباب المضمضة من شرب اللبن قال العلماء وكذلك غيره من المأكول والمشروب تستحب له المضمضة ولئلا تبقى منه بقايا يبتلعها في حال الصلاة ولتنقطع لزوجته ودسمه ويتطهر فمه واختلف العلماء في استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده والأظهر استحبابه أولا إلا أن يتيقن من نظافة اليد من النجاسة والوسخ واستحبابه بعد الفراغ الا أن لايبقى على اليد أثر الطعام بأن كان يابسا ولم يمسه بها وقال مالك رحمه الله تعالى لا يستحب غسل اليدللطعام إلا أن يكون على اليد أولا قذر ويبقى عليها بعد الفراغ رائحة والله أعلم قوله (وحدثني أحمد بن عيسى قال
حدثنا أحمد بن وهب وأخبرني عمرو) هكذا هو في الأصول وأخبرني عمرو بالواو في وأخبرني وهي واو العطف والقائل وأخبرني عمرو هو بن وهب وإنما أتى بالواو أولا لأنه سمع من عمرو أحاديث فرواها وعطف بعضها على بعض فقال إبن وهب أخبرني عمروبكذا وأخبرني عمرو بكذا وعدد تلك الأحاديث فسمع احمد بن عيسى لفظ بن وهب هكذا بالواو فأداه أحمد بن عيسى كما سمعه فقال حدثنا بن وهب قال يعني ابن وهب وأخبرني عمرو والله أعلم قوله حدثنا محمد بن عمرو بن حلحله هو بالحائين المهملتين المفتوحتين بينهما اللام الساكنة قوله (وفيه أن بن عباس رضي الله عنهما شهد ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم) هذا فيه فائدة لطيفة وذلك أن الرواية الأولى فيها عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع ثيابه وليس فيها أن ابن عباس رأى هذه القضية فيحتمل أنه رآها ويحتمل أنه سمعها من غيره وعلى تقدير أن يكون سمعها من غيره يكون مرسل صحابي وقد منع الاحتجاج به الأستاذ أبو إسحاق ألاسفرايني والصواب قول الجمهور الاحتجاج به فلما كانت هذه الرواية محتملة هذا الذي ذكرناه نبه
مسلم رحمه الله تعالى على ما يزيل هذا كله فقال شهد بن عباس ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم
(باب الوضوء من لحوم الإبل)
في إسناده (موهب) هو بفتح الهاء والميم وفيه أشعث بن أبي الشعثاء هما بالثاء المثلثة واسم أبي الشعثاء سليم بن أسود أما أحكام الباب فاختلف العلماء في أكل لحوم الجزور وذهب الاكثرون إلى أنه لاينقض الوضوء ممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبن مسعود وابي بن كعب وبن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وبن خزيمة واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي وحكي عن أصحاب الحديث مطلقا وحكي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين واحتج هؤلاء بحديث الباب وقوله صلى الله عليه وسلم نعم فتوضأ من لحوم الإبل
وعن البراء بن عازب قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فأمر به قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وإسحاق بن راهويه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان حديث جابر وحديث البراء وهذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ولكن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص والخاص مقدم على العام والله أعلم وأما إباحته صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابض الغنم دون مبارك الإبل فهو متفق عليه والنهي عن مبارك الإبل وهي أعطانها نهي تنزيه وسبب الكراهة ما يخاف من نفارها وتهويشها على المصلي والله أعلم
(باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث)
(فله يصلي بطهارته تلك) فيه قوله (شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال لاينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (قوله يخيل إليه الشيء يعني خروج الحدث منه وقوله صلى الله عليه وسلم حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا معناه يعلم وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وحكي عن مالك
رحمه الله تعالى روايتان إحداهما أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة ولا يلزمه إن كان في الصلاة والثانية يلزمه بكل حال وحكيت الرواية الأولى عن الحسن البصري وهو وجه شاذ محكي عن بعض اصحابنا وليس بشيء قال اصحابنا ولافرق في الشك بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحدث وعدمه أو يترجح أحدهما أو يغلب على ظنه فلا وضوء عليه بكل حال قال أصحابنا ويستحب له أن يتوضأ احتياطا فلوتوضأ احتياطا ودام شكه فذمته بريئة وإن علم بعد ذلك أنه كان محدثا فهل تجزيه تلك الطهارة الواقعة في حال الشك فيه وجهان لاصحابنا اصحهما عندهم أنه لاتجزيه لأنه كان مترددا في نيته والله أعلم وأما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين وأما إذا تيقن أنه وجد منه بعد طلوع الشمس مثلا حدث وطهارة ولا يعرف السابق منهما فإن كان لايعرف حاله قبل طلوع الشمس لزمه الوضوء وإن عرف حاله ففيه أوجه لأصحابنا أشهرهما عندهم أنه يكون بضد ما كان قبل طلوع الشمس فإن كان قبلها محدثا فهو الآن متطهر وإن كان قبلها متطهرا فهو الآن محدث والثاني وهو الأصح عند جماعات من المحققين أنه يلزمه الوضوء بكل حال والثالث يبني على غالب ظنه والرابع يكون كما كان قبل طلوع الشمس ولا تأثير للأمرين الواقعين بعد طلوعها هذا الوجه غلط صريح وبطلانه أظهر من أن يستدل عليه وإنما ذكرته لأنبه على بطلانه لئلا يغتر به وكيف يحكم بأنه على حاله مع تيقن بطلانها بما وقع بعدها والله أعلم ومن مسائل القاعدة المذكورة أن من شك في طلاق زوجته أو عتق عبده أو نجاسة الماء الطاهر أو طهارة النجس أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره أو أنه صلى ثلاث ركعات أو أربعا أو أنه ركع وسجد أم لا أوأنه نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف وهوفي أثناء هذه العبادات وما أشبه هذه الأمثلة فكل هذه الشكوك لا تأثير لها والأصل عدم هذا الحادث وقد استثنى العلماء مسائل من هذه القاعدة وهي معروفة في كتب الفقه لايتسع هذا الكتاب لبسطها فإنها منتشرة وعليها اعتراضات ولها أجوبة ومنها مختلف فيه فلهذا حذفتها هنا وقد أوضحتها بحمد الله تعالى في باب مسح الخف وباب الشك في نجاسة الماء من المجموع في شرح المهذب وجمعت فيها متفرق كلام الأصحاب وما تمس إليه الحاجة منها والله أعلم قوله (عن سعيد وعباد بن تميم عن عمه شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة) ثم قال مسلم في آخر الحديث
قال أبو بكر وزهير بن حرب في روايتهما هو عبد الله بن زيد) معنى هذا أن في رواية أبي بكر وزهير سميا عم عباد بن تميم فإنه رواه أولا عن سعيد هو بن المسيب وعن عباد بن تميم عن عمه ولم يسمه فسماه في هذه الرواية فقال هذا العم هو عبد الله بن زيد وهو بن زيد بن عاصم وهو راوي حديث صفة الوضوء وحديث صلاة الاستسقاء وغيرهما وليس هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان وقوله شكى هوبضم الشين وكسر الكاف والرجل مرفوع ولم يسم هنا الشاكي وجاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي وينبغي أن لايتوهم بهذا أنه شكى مفتوحة الشين والكاف ويجعل الشاكي هو عمه المذكور فإن هذا الوهم غلط والله أعلم
(باب طهارة جلود الميتة بالدباغ)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم في الشاة الميتة (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا إنها ميتة
فقال إنما حرم أكلها وفي الرواية الأخرى (هلا انتفعتم بجلدها قالوا إنها ميتة فقال إنما حرم أكلها) وفي الرواية الأخرى (ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به) وفي الرواية الأخرى (ألا انتفعتم
بإهابها) وفي الحديث الآخر (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) وفي الرواية الاخرى (عن بن وعلة قال سألت بن عباس قلت إنا نكون بالمغرب فيأتينا المجوس بالأسقية فيها الماء والودك فقال اشرب فقلت
أرأي تراه فقال بن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دباغه طهوره) اختلف العلماء في دباغ جلود الميتة وطهارتها بالدباغ على سبعة مذاهب أحدها مذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما والمذهب الثاني لايطهر شيء من الجلود بالدباغ وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة رضي الله عنهم وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك والمذهب الثالث يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره وهومذهب الاوزاعي وبن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه والمذهب الرابع يطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير وهو مذهب أبي حنيفة والمذهب الخامس يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه ويستعمل في اليابسات دون المائعات ويصلى عليه لافيه وهذا مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابه عنه والمذهب السادس يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف والمذهب السابع أنه ينتفع بجلود الميتة وان لم تدبغ ويجوزاستعمالها في المائعات واليابسات وهو مذهب الزهري وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه واحتجت كل طائفة من أصحاب هذه المذاهب بأحاديث وغيرها وأجاب بعضهم عن دليل بعض وقد أوضحت دلائلهم في أوراق من شرح المهذب والغرض هنا بيان الاحكام والاستنباط من الحديث وفي حديث بن وعلة عن بن عباس دلالة لمذهب الأكثرين أنه يطهر ظاهره وباطنه فيجوز استعماله في المائعات فإن جلود ما ذكاه المجوس نجسة وقد نص على طهارتها بالدباغ واستعمالها في الماء والودك وقد يحتج الزهري بقوله صلى الله عليه وسلم ألا انتفعتم بإهابها ولم يذكر دباغها ويجاب عنه بأنه مطلق وجاءت الروايات الباقية ببيان الدباغ وأن دباغه طهوره والله أعلم واختلف أهل اللغة في الإهاب فقيل هو الجلد مطلقا وقيل هو الجلد قبل الدباغ فأما بعده فلا يسمى إهابا وجمعه أهب بفتح الهمزة والهاء وبضمهما لغتان ويقال طهر الشيء وطهر بفتح الهاء وضمها لغتان والفتح أفصح والله أعلم
فصل
يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه وذلك كالشت والشب والقرظ وقشور الرمان وما أشبه ذلك من الأدوية الطاهرة ولا يحصل بالتشميس عندنا وقال أصحاب أبي حنيفة يحصل ولا يحصل عندنا بالتراب والرماد والملح على الأصح في الجميع وهل يحصل بالأدوية النجسة كذرق الحمام والشب المتنجس فيه وجهان أصحهما عند الأصحاب حصوله ويجب غسله بعد الفراغ من الدباغ بلا خلاف ولو كان دبغه بطاهر فهل يحتاج إلى غسله بعد الفراغ فيه وجهان وهل يحتاج إلى استعمال الماء في أول الدباغ فيه وجهان قال أصحابنا ولا يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل فلو أطارت الريح جلد ميتة فوقع في مدبغه طهر والله أعلم وإذا طهر بالدباغ جاز الانتفاع به بلا خلاف وهل يجوز بيعه فيه قولان للشافعي أصحهما يجوز وهل يجوز أكله فيه ثلاثة أوجه أو أقوال أصحها لا يجوز بحال والثاني يجوز والثالث يجوز أكل جلد مأكول اللحم ولا يجوز غيره والله أعلم وإذا طهر الجلد بالدباغ فهل يطهر الشعر الذي عليه تبعا للجلد إذا قلنا بالمختار في مذهبنا إن شعر الميتة نجس فيه قولان للشافعي أصحهما واشهرهما لايطهر لأن الدباغ لايؤثر فيه بخلاف الجلد قال أصحابنا لا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدباغ في الأشياء الرطبة ويجوز في اليابسات مع كراهته والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إنما حرم أكلها) رويناه على وجهين حرم بفتح الحاء وضم الراء وحرم بضم الحاء وكسر الراء المشددة في هذا اللفظ دلالة على تحريم أكل جلد الميتة وهو الصحيح كما قدمته وللقائل الآخر أن يقول المراد تحريم لحمها والله أعلم قوله (قال ابو بكر وبن أبي عمر في حديثهما عن ميمونة) يعني انهما ذكرا في روايتهما ان بن عباس رواه عن ميمونة قوله (إن داجنة كانت) هي بالدال المهملة والجيم والنون قال أهل اللغة وداجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة وغيرهما وقد دجن في بيته إذا ألزمه والمراد بالداجنة هنا الشاة قوله (عبد الرحمن بن وعلة السبئي) هو بفتح الواو وإسكان العين المهملة والسبئي بفتح السين المهملة وبعدها الباء الموحدة ثم الهمزة ثم ياء النسب قوله بمثله يعني حديث يحيى بن يحيى هكذا هو في الأصول يعني بالياء المثناة من تحت ولعله من كلام الراوي عن مسلم ولو روي بالنون في أوله على أنه من كلام مسلم لكان حسنا ولكن لم يرو قوله (إن أبا الخير) هو بالخاء المعجمة واسمه مرثد بن عبد الله اليزني بفتح الياء والزاي وقوله
(يأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودك) هكذا هو في الأصول ببلادنا يجعلون بالعين بعد الجيم وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة قال ورواه بعضهم يجملون بالميم ومعناه يذيبون يقال بفتح الياء وضمها لغتان يقال جملت الشحم وأجملته أذبته والله أعلم قوله (رأيت على بن وعلة السبئي فروا) هكذا هو في النسخ فروا وهوالصحيح المشهور في اللغة وجمع الفرو فراء ككعب وكعاب وفيه لغة قليلة أنه يقال فروة بالهاء كما يقولها العامة حكاها بن فارس في المجمل والزبيدي في مختصر العين قوله (فمسسته) هو بكسر السين الأولى على الأخيرة المشهورة وفي لغة قليلة بفتحها فعلى الأول المضارع يمسه بفتح الميم وعلى الثانية بضمها والله سبحانه وتعالى أعلم
(باب التيمم)
التيمم في اللغة هو القصد قال الإمام أبو منصور الأزهري التيمم في كلام العرب القصد يقال تيممت فلانا ويممته وتأممته وأممته أي قصدته والله أعلم واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو خصيصة خص الله سبحانه وتعالى به هذه الأمة زادها الله تعالى شرفا وأجمعت الأمة على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين سواء كان عن حدث أصغر أوأكبر وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها والله أعلم واختلف العلماء في كيفية التيمم فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وممن قال بهذا من العلماء علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله بن عمر وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي وآخرون رضي الله عنهم أجمعين وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد واسحاق وبن المنذر وعامة أصحاب الحديث وحكي عن الزهري أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين هكذا حكاه عنه أصحابنا في كتب المذهب وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابي لم يختلف أحد من العلماء في انه لايلزم مسح ماوراء المرفقين وحكى أصحابنا ايضا عن بن سيرين أنه قال لا يجزيه أقل من ثلاث ضربات ضربة
للوجه وضربة ثانية لكفيه وثالثة لذراعيه وأجمع العلماء على جواز التيمم عن الحدث الأصغر وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار ومن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وحكي مثله عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه وقد جاءت بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة المشهورة والله أعلم وإذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعي أنه قال لا يلزمه وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره صلى الله عليه وسلم للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء والله أعلم ويجوز للمسافر والمعزب في الإبل وغيرهما أن يجامع زوجته وإن كانا عادمين للماء ويغسلان فرجيهما ويتيممان ويصليان ويجزيهما التيمم ولا إعادة عليهما إذا غسلا فرجيهما فإن لم يغسل الرجل ذكره وما أصابه من المرأة وصلى بالتيمم على حاله فإن قلنا إن رطوبة فرج المرأة نجسة لزمه إعادة الصلاة وإلا فلا يلزمه الإعادة والله أعلم وأما إذا كان على بعض أعضاء المحدث نجاسة فأراد التيمم بدلا عنها فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يجوز أن يتيمم إذا كانت النجاسة على بدنه ولم يجز إذا كانت على ثوبه واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة وقال بن المنذر كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلي والله أعلم وأما إعادة الصلاة التي يفعلها بالتيمم فمذهبنا أنه لايعيد إذا تيمم للمرض أو الجراحة ونحوهما وأما إذا تيمم للعجز عن الماء فإن كان في موضع يعدم فيه الماء غالبا كالسفر لم تجب الإعادة وإن كان في موضع لا يعدم فيه الماء إلا نادرا وجبت الإعادة على المذهب الصحيح والله أعلم وأما جنس ما يتيمم به فاختلف العلماء فيه فذهب الشافعي وأحمد وبن المنذر وداود الظاهري وأكثر الفقهاء إلى أنه لايجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق بالعضو وقال أبو حنيفة ومالك يجوز التيمم بجميع أنواع الأرض حتى بالصخرة المغسولة وزاد بعض أصحاب مالك فجوزه بكل ما اتصل بالأرض من الخشب وغيره وعن مالك في الثلج روايتان وذهب الأوزاعي وسفيان الثوري إلى أنه يجوز بالثلج وكل ما على الأرض والله أعلم وأما حكم التيمم فمذهبنا ومذهب الاكثرين أنه لايرفع الحدث بل يبيح الصلاة
فيستبيح به فريضة وماشاء من النوافل ولايجمع بين فريضتين بتيمم واحد وإن نوى بتيممه الفرض استباح الفريضة والنافلة وإن نوى النفل استباح النفل ولم يستبح به الفرض وله أن يصلي على جنائز بتيمم واحد وله أن يصلي بالتيمم الواحد فريضة وجنائز ولا يتيمم قبل دخول وقتها وإذا رأى المتيمم لفقد الماء ماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته بل له أن يتمها إلا إذا كان ممن تلزمه الإعادة فإن صلاته تبطل برؤية الماء والله أعلم قوله (عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره) فيه جواز مسافرة الزوج بزوجته الحرة قولها (حتى إذا كان بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليس معهم ماء وليسوا على ماء) وفي الرواية الأخرى
(عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت) أما البيداء فبفتح الباء الموحدة في أولها وبالمد وأما ذات الجيش فبفتح الجيم وإسكان الياء وبالشين المعجمة والبيداء وذات الجيش موضعان بين المدينة وخيبر وأما العقد فهو بكسر العين وهو كل ما يعقد ويعلق في العنق فيسمى عقدا أو قلاده وأما قولها عقد لي وفي الرواية الأخرى استعارت من أسماء قلادة فلا مخالفة بينهما فهو في الحقيقة ملك لأسماء وأضافته في الرواية إلى نفسها لكونه في يدها وقولها فهلكت معناه ضاعت وفي هذا الفصل من الحديث فوائد منها جواز العارية وجواز عارية الحلي وجواز المسافرة بالعارية إذا كان بإذن المعير وجواز اتخاذ النساء القلائد وفيه الاعتناء بحفظ حقوق المسلمين وأموالهم وإن قلت ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه وجواز الإقامة في موضع لا ماء فيه وإن احتاج إلى التيمم وفيه غير ذلك والله أعلم قولها (فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي) فيه تأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب ونحوه وفيه تأديب الرجل ابنته وإن كانت كبيرة مزوجة خارجة عن بيته وقولها يطعن هو بضم العين وحكي فتحها وفي الطعن في المعاني عكسه قوله (فقال أسيد بن حضير) هو بضم الهمزة وفتح السين وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وهذا وإن كان ظاهرا فلا يضر بيانه لمن لا يعرفه قولها (فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته) كذا وقع هنا وفي رواية البخاري فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها وفي رواية رجلين وفي رواية ناسا وهي قضية واحدة قال العلماء المبعوث هو أسيد بن حضير وأتباع له فذهبوا فلم يجدوا شيئا ثم وجدها أسيد بعد رجوعه تحت البعير والله أعلم قوله (فصلوابغير وضوء) فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله وهذه
المسألة فيها خلاف للسلف والخلف وهي أربعة أقوال للشافعي أصحها عند أصحابنا أنه يجب عليه أن يصلي ويجب عليه أن يعيد الصلاة أما الصلاة فلقوله صلى الله عليه وسلم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وأما الإعادة فلأنه عذر نادر فصار كما لو نسي عضوا من أعضاء طهارته وصلى فإنه يجب عليه الإعادة والقول الثاني لا يجب عليه الصلاة ولكن يستحب ويجب القضاء سواء صلى أم لم يصل والثالث يحرم عليه الصلاة لكونه محدثا ويجب الإعادة والرابع يجب الصلاة ولا يجب الإعادة وهذا مذهب المزني وهو أقوى الأقوال دليلا ويعضده هذا الحديث وأشباهه فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب إعادة مثل هذه الصلاة والمختار أن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولم يثبت الأمر فلا يجب وهكذا يقول المزني في كل صلاة وجبت في الوقت على نوع من الخلل لا تجب إعادتها وللقائلين بوجوب الإعادة أن يجيبوا عن هذا الحديث بأن الإعادة ليست على الفور ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة على المختار والله أعلم قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا اختلف في الصعيد على ما قدمناه في أول الباب فالأكثرون على أنه هنا التراب وقال الآخرون هو جميع ما صعد على وجه الأرض وأما الطيب فالأكثرون على أنه الطاهر وقيل الحلال والله أعلم واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن القصد إلى الصعيد واجب قالوا فلو ألقت الريح عليه ترابا فمسح به وجهه لم يجزئه بل لابد من نقله من الأرض أو غيرها
وفي المسألة فروع كثيرة مشهورة في كتب الفقه والله أعلم قوله (لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا) معنى أوشك قرب وأسرع وقد زعم بعض أهل اللغة أنه لا يقال أوشك وإنما يستعمل مضارعا فيقال يوشك كذا وليس كما زعم هذا القائل بل يقال أوشك أيضا ومما يدل عليه هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح مثله وقوله برد هو بفتح الباء والراء وقال الجوهري برد بضم الراء والمشهور الفتح والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك أن تقول كذا) وضرب بيديه إلى الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه فيه دلالة لمذهب من يقول يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين جميعا وللآخرين أن يجيبوا عنه بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم وقد أوجب الله تعالى غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء ثم قال تعالى في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء في أول الآية فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح والله أعلم
وقوله فنفض يده قد احتج به من جوز التيمم بالحجارة وما لاغبار عليه قالوا اذا لو كان الغبار معتبرا لم ينفض اليد وأجاب الآخرون بأن المراد بالنفض هنا تخفيف الغبار الكثير فإنه يستحب إذا حصل على اليد غبار كثير أن يخفف بحيث يبقى ما يعم العضو والله أعلم قوله (عبد الرحمن بن أبزى) هو بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وبعدها زاي ثم باء وعبد الرحمن صحابي قوله (فقال عمر اتق الله تعالى يا عمار قال إن شئت لم أحدث به) معناه قال عمر لعمار اتق الله تعالى فيما ترويه وتثبت فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر وأما قول عمار إن شئت لم أحدث به فمعناه والله أعلم إن رأيت المصلحة في إمساكي عن التحديث به راجحة على مصلحة تحديثي به أمسكت فإن طاعتك واجبة علي في غير المعصية وأصل تبليغ هذه السنة وأداء العلم قد حصل فإذا
أمسك بعد هذا لايكون داخلا فيمن كتم العلم ويحتمل أنه أراد إن شئت لم أحدث به تحديثا شائعا بحيث يشتهر في الناس بل لا أحدث به إلا نادرا والله أعلم وفي قصة عمار جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإن عمارا رضي الله عنه اجتهد في صفة التيمم وقد اختلف أصحابنا وغيرهم من أهل الأصول في هذه المسألة على ثلاثة أوجه أصحها يجوز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم بحضرته وفي غير حضرته والثاني لايجوز بحال والثالث لايجوز بحضرته ويجوز في غير حضرته والله أعلم قوله (وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة) هكذا وقع في صحيح مسلم من جميع الروايات منقطعا بين مسلم والليث وهذا النوع يسمى معلقا وقد تقدم بيانه وإيضاح هذا الحديث وغيره مما في معناه في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب وذكرنا أن في صحيح مسلم أربعة عشر أواثني عشر حديثا منقطعة هكذا وبيناها والله أعلم قوله في حديث الليث هذا (أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة) هكذا هو في أصول صحيح مسلم قال أبو علي الغساني وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم قوله عبد الرحمن خطأ صريح وصوابه عبد الله بن يسار وهكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم على الصواب فقالوا عبد الله بن يسار قال القاضي عياض ووقع في روايتنا صحيح مسلم من طريق السمرقندي عن الفارسي عن الجلودي عن عبد الله بن يسار على الصواب وهم أربعة إخوة عبد الله وعبد الرحمن وعبد الملك وعطاء مولى ميمونة والله أعلم قوله (دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة) أما الصمة فبكسر الصاد المهملة وتشديد الميم وأما أبو الجهم فبفتح الجيم وبعدها هاء ساكنة هكذا هو في مسلم وهو غلط وصوابه ما وقع في صحيح البخاري وغيره
أبو الجهيم بضم الجيم وفتح الهاء وزيادة ياء هذا هو المشهور في كتب الأسماء وكذا ذكره مسلم في كتابه في أسماء الرجال والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وغيرهم وكل من ذكره من المصنفين في الأسماء والكنى وغيرهما واسم أبي الجهيم عبد الله كذا سماه مسلم في كتاب الكنى وكذا سماه أيضا غيره والله أعلم وأعلم أن أبا الجهيم هذا هو المشهور أيضا في حديث المرور بين يدي المصلي واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري البخاري وهو غير أبي الجهم المذكور في حديث الخميصة والأنبجانية ذلك بفتح الجيم بغير ياء واسمه عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي من بني عدي بن كعب وسنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى قوله (أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل) هو بفتح الجيم والميم ورواية النسائي بئر الجمل بالألف واللام وهو موضع بقرب المدينة والله أعلم قوله (أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد عليه السلام هذا الحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان عادما للماء حال التيمم فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع ولا فرق أيضا بين صلاة الجنازة والعيد وغيرهما هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما وحكى البغوي من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلاها بالتيمم ثم توضأ وقضاها والمعروف الأول والله أعلم وفي هذا الحديث جواز التيمم بالجدارإذا كان عليه غبار وهذا جائز عندنا وعند الجمهور من السلف والخلف واحتج به من جوز التيمم بغير التراب وأجاب الآخرون بأنه محمول على جدار عليه تراب وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها كما يجوز للفرائض وهذا مذهب العلماء كافة إلا وجها شاذا منكرا لبعض
أصحابنا أنه لايجوز التيمم إلا للفريضة وليس هذا الوجه بشيء فإن قيل كيف تيمم بالجدار بغير إذن مالكه فالجواب أنه محمول على أن هذا الجدار كان مباحا أومملوكا لإنسان يعرفه فأدل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وتيمم به لعلمه بأنه لا يكره مالكه ذلك ويجوز مثل هذا والحالة هذه لآحاد الناس فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى والله أعلم قوله (إن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم
(يبول فسلم فلم يرد عليه) فيه أن المسلم في هذا الحال
لايستحق جوابا وهذا متفق عليه قال أصحابنا ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط فإن سلم عليه كره له رد السلام قالوا ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار قالوا فلا يسبح ولا يهلل ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يحمد الله تعالى إذا عطس ولا يقول مثل ما يقول المؤذن قالوا وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه ولا يحرك به لسانه وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع هو كراهة تنزيه لا تحريم فلا إثم على فاعله وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام ويستثنى من هذا كله موضع الضرورة كما إذا رأى ضريرا يكاد أن يقع في بئر أو رأى حية أو عقربا أو غير ذلك يقصد إنسانا أو نحو ذلك فإن الكلام في هذه المواضع ليس بمكروه بل هو واجب وهذا الذي ذكرناه من الكراهة في حال الاختيار هو مذهبنا ومذهب الاكثرين وحكاه بن المنذر عن بن عباس وعطاء وسعيد الجهني وعكرمة رضي الله عنهم وحكى عن ابراهيم النخعي وبن سيرين أنهما قالا لا بأس به والله أعلم)
(باب الدليل على أن المسلم لا ينجس)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (سبحان الله أن المؤمن لاينجس) وفي الرواية الاخرى (إن المسلم لاينجس
هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها قال بعض أصحابنا هو طاهر بإجماع المسلمين قال ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج هذا حكم المسلم الحي وأما الميت ففيه خلاف للعلماء وللشافعي فيه قولان الصحيح منهما أنه طاهر ولهذا غسل ولقوله صلى الله عليه وسلم إن المسلم لا ينجس وذكر البخاري في صحيحه عن بن عباس تعليقا المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا هذا حكم المسلم وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف وأما قول الله عز وجل انما المشركون نجس فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء وهذا كله بإجماع المسلمين كما قدمته في باب الحيض وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة فتجوزالصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب احترام أهل الفضل وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في حال مجالسة شيخه فيكون متطهرا متنظفا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها وقص الأظفار وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة وغير ذلك فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء والله أعلم وفي هذا الحديث أيضا من
من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه وقال له صوابه وبين له حكمه والله أعلم وأما ألفاظ الباب ففيه قوله صلى الله عليه وسلم (المؤمن لاينجس) يقال بضم الجيم وفتحها لغتان وفي ماضيه لغتان نجس ونجس بكسر الجيم وضمها فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضا وهذا قياس مطرد معروف عند أهل العربية إلا أحرفا مستثناة من المكسور والله أعلم وفيه قوله فانسل أي ذهب في خفية) وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) وقد قدمنا في مواضع أن سبحان الله في هذا الموضع وشبهه يراد بها التعجب وبسطنا الكلام فيه في باب وجوب الغسل على المرأة إذا أنزلت المني وفيه قوله (فحاد عنه) أي مال وعدل وفيه أبو رافع عن أبي هريرة واسم أبي رافع نفيع وفيه أبو وائل واسمه شقيق بن سلمة وأما ما يتعلق بأسانيد الباب ففيه قول مسلم في الإسناد الثاني (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا وكيع عن مسعر عن واصل عن أبي وائل عن حذيفة) هذا الإسناد كله كوفيون إلا أن حذيفة كان معظم مقامه بالمدائن وأما قوله في الإسناد الأول (حدثني زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سعيد قال حميد حدثنا ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له قال حدثنا إسماعيل بن علية عن حميد الطويل عن أبي رافع عن أبي هريرة) فقد يلتبس على بعض الناس قوله قال حميد حدثنا وليس فيه ما يوجب اللبس على من له أدنى اشتغال بهذا الفن فإن أكثر ما فيه أنه قدم حميدا على حدثنا والغالب أنهم يقولون حدثنا حميد فقال هو حميد حدثنا ولا فرق بين تقديمه وتأخيره في المعنى والله أعلم وأما قوله عن حميد عن أبي رافع فهكذا هو في صحيح مسلم في جميع النسخ قال القاضي عياض قال الإمام أبو عبد الله المازري هذا الإسناد منقطع إنما يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع هكذا أخرجه البخاري وأبوبكر بن أبي شيبة
في مسنده وهذا كلام القاضي عن المازري وكما أخرجه البخاري عن حميد عن بكر عن أبي رافع كذلك أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وبن ماجه وغيرهم من الأئمة ولا يقدح هذا في أصل متن الحديث فإن المتن ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة والله أعلم
باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها
قول عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه) هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار وهذا جائز بإجماع المسلمين وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعا ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية فإن الجميع يحرم ولو قال الجنب بسم الله أو الحمدلله ونحو ذلك إن قصد به القرآن حرم عليه وإن قصد به الذكر أو لم يقصد شيئا لم يحرم ويجوز للجنب والحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما وأن ينظرا في المصحف ويستحب لهما اذاأرادا الاغتسال أن يقولا بسم الله على قصد الذكر واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع وقد قدمنا بيان هذا قريبا في آخر باب التيمم وبينا الحالة التي تستثنى منه وذكرنا هناك اختلاف العلماء في كراهته فعلى قول الجمهور أنه مكروه يكون الحديث مخصوصا بما سوى هذه الأحوال ويكون معظم المقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى متطهرا ومحدثا وجنبا وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا والله أعلم قوله في إسناد حديث الباب (حدثنا البهي عن عروة) هو بفتح الباء الموحده وكسرالهاء وتشديد الياء وهو لقب له واسمه عبد الله بن بشار قال يحيى بن معين وأبو علي الغساني وغيرهما قالا وهو معدود في الطبقة الأولى من الكوفيين وكنيته أبو محمد وهو مولى مصعب بن الزبير والله أعلم
(باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة في ذلك)
(وأن الوضوء ليس على الفور) اعلم أن العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل ويشرب ويذكر الله سبحانه وتعالى ويقرأ القرآن ويجامع ولا كراهة في شيء من ذلك وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة مع إجماع الأمة وقد قدمنا أن أصحابنا رحمهم الله تعالى اختلفوا في وقت وجوب الوضوء هل هو بخروج الحدث ويكون وجوبا موسعا أم لا يجب إلا بالقيام إلى الصلاة أم يجب بالخروج والقيام فيه ثلاثة أوجه أصحها عندهم الثالث والله أعلم قوله (وأتي بطعام فقيل له ألا توضأ فقال لم أصلي فأتوضأ) أما لم فبكسر اللام وفتح الميم وأصلي بإثبات الياء في آخره وهو استفهام إنكار ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن والمراد بالوضوء الوضوء
الشرعي وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي وجعل المراد غسل الكفين وحكى اختلاف العلماء في كراهته غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه وحكى الكراهة عن مالك والثوري رحمهما الله تعالى والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعي والله سبحانه وتعالى اعلم
باب ما يقال اذا أراد دخول الخلاء
قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) وفي رواية إذا دخل الكنيف وفي رواية (أعوذ بالله من الخبث والخبائث
أما الخلاء فبفتح الخاء والمد والكنيف بفتح الكاف وكسر النون والخلاء والكنيف والمرحاض كلها موضع قضاء الحاجة وقوله إذا دخل معناه إذا أراد الدخول وكذا جاء مصرحا به في رواية البخاري قال كان إذا أراد أن يدخل وأما الخبث فبضم الباء وإسكانها وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أن أكثر روايات الشيوخ الإسكان وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى الخبث بضم الباء جماعة الخبيث والخبائث جمع الخبيثة قال يريد ذكران الشياطين وإناثهم قال وعامة المحدثين يقولون الخبث بإسكان الباء وهو غلط والصواب الضم هذا كلام الخطابي وهذا الذي غلطهم فيه ليس بغلط ولا يصح إنكاره جواز الإسكان فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف كما يقال كتب ورسل وعنق وأذن ونظائره فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية وهو باب معروف من أبواب التصريف لايمكن إنكاره ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم الإمام أبوعبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه واختلفوا في معناه فقيل هو الشر وقيل الكفر وقيل الخبث الشياطين والخبائث المعاصي قال بن الأعرابي الخبث في كلام العرب المكروه فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من الملل فهو الكفر وإن كان من الطعام فهو الحرام وإن كان من الشراب فهو الضار والله أعلم وهذا الأدب مجمع على استحبابه ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء والله أعلم
(باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء)
فيه قول مسلم (وحدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال أقيمت الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي الرجل) وفي رواية (نجي لرجل فما قام إلى الصلاة
حتى نام القوم) قال مسلم (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب سمع أنس بن مالك رضي الله عنه أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم) قال مسلم (وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد وهو بن الحارث حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أنسا يقول كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون قال قلت سمعته من أنس قال إي والله) هذه الأسانيد الثلاثة رجالها بصريون كلهم وقد قدمنا مرات أن شعبة واسطي بصري وقد قدمنا بيان كون فروخ والد شيبان لا ينصرف للعجمة وقد قدمنا بيان الفائدة في قوله وهو بن الحارث وأوضحنا ذلك في الفصول المتقدمة وفي مواضع بعدها وأما قوله قلت سمعته من أنس قال إي والله مع أنه قال أولا سمعت أنسا فأراد به الاستثبات فإن قتادة رضي الله عنه كان من المدلسين وكان شعبة رحمه الله تعالى من أشد الناس ذما للتدليس وكان يقول الزنى أهون من التدليس وقد تقرر أن المدلس إذا قال عن لا يحتج به وإذا قال سمعت احتج به على المذهب الصحيح المختار فأراد شعبة رحمه الله تعالى الاستثبات من قتادة في لفظ السماع والظاهر أن قتادة علم ذلك من حال شعبة ولهذا حلف بالله تعالى والله أعلم وأما قوله نجي لرجل فمعناه مسار له والمناجاة التحديث سرا ويقال رجل نجى رجلان ونجى ورجال نجي بلفظ واحد قال الله تعالى
وقربناه نجيا وقال تعالى خلصوا نجيا والله أعلم وأما فقه الحديث ففيه جواز مناجاة الرجل بحضرة الجماعة وإنما نهي عن ذلك بحضرة الواحد وفيه جواز الكلام بعد اقامة الصلاة لاسيما في الأمور المهمة ولكنه مكروه في غير المهم وفيه تقديم الأهم فالأهم من الأمور عند ازدحامها فإنه صلى الله عليه وسلم إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مهم من أمور الدين مصلحته راجحة على تقديم الصلاة وفيه أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء وهذه هي المسألة المقصودة بهذا الباب وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب أحدها أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج وشعبة والمذهب الثاني أن النوم ينقض الوضوء بكل حال وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه وهو قول غريب للشافعي قال بن المنذر وبه أقول قال وروي معناه عن بن عباس وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم والمذهب الثالث أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال وهذا مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه والمذهب الرابع أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لاينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة أو لم يكن وإن نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه انتقض وهذا مذهب أبي حنيفة وداود وهو قول للشافعي غريب والمذهب الخامس أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد روي هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى والمذهب السادس أنه لا ينقض الانوم الساجد وروي أيضا عن أحمد رضي الله عنه والمذهب السابع أنه لاينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيف للشافعي رحمه الله تعالى والمذهب الثامن أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلا انتقض سواء قل أو كثر سواء كان في الصلاة أو خارجها وهذا مذهب الشافعي وعنده أن النوم ليس حدثا في نفسه وإنما هو دليل على خروج الريح فإذا نام غير ممكن المقعدة غلب على الظن خروج الريح فجعل
الشرع هذا الغالب كالمحقق وأما إذا كان ممكنا فلا يغلب على الظن الخروج والأصل بقاء الطهارة وقد وردت أحاديث كثيرة في هذه المسألة يستدل بها لهذه المذاهب وقد قررت الجمع بينها ووجه الدلالة منها في شرح المهذب وليس مقصودي هنا الإطناب بل الإشارة إلى المقاصد والله أعلم واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء سواء قل أو كثر سواء كان ممكن المقعدة أوغير ممكنها قال أصحابنا وكان من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لاينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا للحديث الصحيح عن بن عباس قال نام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ والله أعلم (فرع) قال الشافعي والأصحاب لاينقض الوضوء بالنعاس وهوالسنة قالوا وعلامة النوم أن فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيرها من الحواس وأما النعاس فلا يغلب على العقل وإنما تفتر فيه الحواس من غير سقوطها ولو شك هل نام أم نعس فلا وضوء عليه ويستحب أن يتوضأ ولو تيقن النوم وشك هل نام ممكن المقعدة من الأرض أم لا لم ينقض وضوؤه ويستحب أن يتوضأ ولو نام جالسا ثم زالت أليتاه أو إحداهما عن الأرض فإن زالت قبل الانتباه انتقض وضوؤه لأنه مضى عليه لحظة وهو نائم غير ممكن المقعدة وإن زالت بعد الانتباه أو معه أو شك في وقت زوالها لم ينتقض وضوؤه ولو نام ممكنا مقعدته من الأرض مستندا إلى حائط أوغيره لم ينتقض وضوؤه سواء كانت بحيث لو رفع الحائط لسقط أو لم يكن ولونام محتبيا ففيه ثلاثة أوجه لاصحابنا أحدها لاينتقض كالمتربع والثاني ينتقض كالمضطجع والثالث إن كان نحيف البدن بحيث لاتنطبق أليتاه على الأرض انتقض وإن كان ألحم البدن بحيث ينطبقان لم ينتقض والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة
كتاب الصلاة
اختلف العلماء في أصل الصلاة فقيل هي الدعاء لاشتمالها عليه وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم وقيل لأنها ثانية لشهادة التوحيد كالمصلي من السابق في خيل الحلبة وقيل هي من الصلوين وهما عرقان مع الردف وقيل هما عظمان ينحنيان في الركوع والسجود قالوا ولهذا كتبت الصلوة بالواو في المصحف وقيل هي من الرحمة وقيل أصلها الإقبال على الشيء وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم
باب بدء الاذان
قال أهل اللغة الأذان الإعلام قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله وقال تعالى فأذن مؤذن ويقال الأذان والتأذين والأذين قوله (كان المسلمون يجتمعون فيتحينون الصلاة) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى معنى يتحينون يقدرون حينها ليأتوا إليها فيه والحين الوقت من الزمان قوله (فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا) قال أهل اللغة هو الذي يضرب به النصارى لأوقات
صلواتهم وجمعه نواقيس والنقس ضرب الناقوس قوله (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا وقال بعضهم قرنا فقال عمر رضي الله عنه أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا بلال فناد بالصلاة) في هذا الحديث فوائد منها منقبة عظيمة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في إصابته الصواب وفيه التشاور في الامور لاسيما المهمة وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء واختلف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت سنة في حقه صلى الله عليه وسلم كما في حقنا والصحيح عندهم وجوبها وهو المختار قال الله تعالى وشاورهم في الامر والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو أهل الأصول أن الأمر للوجوب وفيه أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة والله أعلم وأما قوله (أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة) فقال القاضي عياض رحمه الله ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي بل إخبار بحضور وقتها وهذا الذي قاله محتمل أو متعين فقد صح في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما أنه رأى الأذان في المنام فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره به فجاء عمر رضي الله عنه فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى وذكر الحديث فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر فيكون الواقع الإعلام أولا ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان فشرعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إما بوحي وإما باجتهاده صلى الله عليه وسلم على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم وليس هو عملا بمجرد المنام هذا ما لايشك فيه بلا خلاف والله أعلم قال الترمذي ولايصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء غير حديث الأذان وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ذاك له أحاديث كثيرة في الصحيحين وهو عم عباد
بن تميم والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (يابلال قم فناد بالصلاة) فقال القاضي عياض رحمه الله فيه حجة لشرع الأذان من قيام وأنه لايجوز الأذان قاعدا قال وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور فإنه جوزه ووافقه أبو الفرج المالكي وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين أحدهما أنا قدمنا عنه أن المراد بهذا النداء الإعلام بالصلاة لا الأذان المعروف والثاني أن المراد قم فاذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان لكن يحتج للقيام في الأذان بأحاديث معروفة غير هذا وأما قوله مذهب العلماء كافة أن القيام واجب فليس كما قال بل مذهبنا المشهور أنه سنة فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة وكذا لو أذن مضطجعا مع قدرته على القيام صح أذانه على الأصح لأن المراد الإعلام وقد حصل ولم يثبت في اشتراط القيام شيء والله أعلم وأما السبب في تخصيص بلال رضي الله عنه بالنداء والإعلام فقد جاء مبينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك قيل معناه أرفع صوتا وقيل أطيب فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه وهذا متفق عليه قال أصحابنا فلو وجدنا مؤذنا حسن الصوت يطلب على أذانه رزقا وآخر يتبرع بالأذان لكنه غير حسن الصوت فأيهما يؤخذ فيه وجهان أصحهما يرزق حسن الصوت وهو قول بن شريح والله أعلم وذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء إظهار شعار الإسلام وكلمة التوحيد والإعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها والدعاء إلى الجماعة والله أعلم
باب الأمر بشقع الأذن وايتار الاقامة الا كلمة
الاقامة فانها مثنى)
فيه خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر
الإقامة إلا الإقامة) أما خالد الحذاء فهو خالد بن مهران أبو المنازل بضم الميم وبالنون وكسر الزاي ولم يكن حذاء وإنما كان يجلس في الحذائين وقيل في سببه غير هذا وقد سبق بيانه وأما أبو قلابة فبكسر القاف وبالباء الموحدة اسمه عبد الله بن زيد الجرمي تقدم بيانه أيضا وقوله يشفع الأذان هو بفتح الياء والفاء وقوله أمر بلال هو بضم الهمزة وكسر الميم أي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدثين وشذ بعضهم فقال هذا اللفظ وشبهه موقوف لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا خطأ والصواب أنه مرفوع لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا اللفظ قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا أوأمر الناس بكذا ونحوه فكله مرفوع سواء قال الصحابي ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بعد وفاته والله أعلم وأما قوله أمر بلال أن يشفع الأذان فمعناه يأتي به مثنى وهذا مجمع عليه اليوم وحكي في إفراده خلاف عن بعض السلف واختلف العلماء في إثبات الترجيع كما سأذكره في الباب الآتي إن شاء الله تعالى وأما قوله ويوتر الإقامة فمعناه يأتي بها وترا ولا يثنيها بخلاف الأذان وقوله إلا الإقامة معناه إلا لفظ الإقامة وهي قوله قد قامت الصلاة فانه لايوترها بل يثنيها واختلف العلماء رضي الله عنهم في لفظ الإقامة فالمشهور من مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي رضي الله عنه وبه قال أحمد وجمهور العلماء أن الإقامة إحدى عشرة كلمة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وقال مالك رحمه الله في المشهور عنه هي عشر كلمات فلم يثن لفظ الإقامة وهو قول قديم للشافعي ولنا قول شاذ أنه يقول في الأول الله أكبر مرة وفي الآخر الله أكبر ويقول قد قامت الصلاة مرة فتكون ثمان كلمات والصواب الأول وقال أبو حنيفة الإقامة سبع عشرة كلمة فيثنيها كلها وهذا المذهب شاذ قال الخطابي مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب
إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى مذهب عامة العلماء أنه يكرر قوله قد قامت الصلاة إلا مالكا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها والله أعلم والحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أبلغ في إعلامهم والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها ولهذا قال العلماء يكون رفع الصوت في الإقامة دونه في الأذان وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصود الإقامة والله أعلم فإن قيل قد قلتم أن المختار الذي عليه الجمهور أن الإقامة إحدى عشرة كلمة منها الله أكبر الله أكبر أولا وآخرا وهذا تثنية فالجواب أن هذا وإن كان صورة تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد ولهذا قال أصحابنا يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بنفس واحد ثم يقول الله أكبر الله أكبر بنفس آخر والله أعلم قوله (ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة) هو بضم الياء وإسكان العين أي يجعلوا له علامة يعرف بها قوله (فذكروا أن ينوروا نارا) وفي الرواية الأخرى يوروا نارا بضم الياء وإسكان الواو ومعناهما متقارب فمعنى ينوروا أي يظهروا نورها ومعنى أي يوقدوا ويشعلوا يقال أوريت النار أي أشعلتها قال الله تعالى أفرأيتم النار التي تورون والله أعلم
باب صفة الاذان
قوله (أبو غسان المسمعي) قد قدمنا مرات أن غسان مختلف في صرفه والمسمعي بكسر الميم الأولى وفتح الثانية منسوب إلى مسمع جد قبيلة قوله (أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي) قوله صاحب هو مجرور صفة لهشام ولايقال إنه مرفوع صفة لمعاذ وقد صرح مسلم رحمه الله بأنه صفة لهشام ذكره في أواخر كتاب الإيمان في حديث الشفاعة وقد بينته هناك وأوضحت القول فيه وذكرت أنه يقال فيه الدستواني بالنون وأنه منسوب إلى دستوا كورةمن كور الأهواز قوله (عن عامر الأحول عن مكحول عن عبد الله بن محيريز) هؤلاء ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض وعامر هذا هو عامر بن عبد الواحد البصري قوله (عن أبي محذورة) اسمه سمرة وقيل أوس وقيل جابر وقال بن قتيبة في المعارف اسمه سليمان بن سمرة وهو غريب وأبو محذورة قرشي جمحي أسلم بعد حنين وكان من أحسن الناس صوتا توفي بمكة رضي الله عنه سنة تسع وخمسين وقيل سبع وسبعين ولم يزل مقيما بمكة وتوارثت ذريته الأذان رضي الله تعالى عنهم قوله (عن أبي محذورة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم يعود فيقول أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين
حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله) هكذا وقع هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله الله أكبر مرتين فقط ووقع في غير مسلم الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أربع مرات قال القاضي عياض رحمه الله ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات وكذلك اختلف في حديث عبد الله بن زيد في التثنية والتربيع والمشهور فيه التربيع وبالتربيع قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء وبالتثنية قال مالك واحتج بهذا الحديث وبأنه عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن واحتج الجمهور بأن الزيادة من الثقة مقبولة وبالتربيع عمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم والله أعلم وفي هذا الحديث حجة بينة ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع وهو العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يشرع الترجيع عملا بحديث عبد الله بن زيد فإنه ليس فيه ترجيع وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح والزيادة مقدمة مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين وحديث بن زيد في أول الأمر وانضم إلى هذا كله عمل أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار وبالله التوفيق واختلف أصحابنا في الترجيع هل هو ركن لايصح الأذان إلا به أم هو سنة ليس ركنا حتى لو تركه صح الأذان مع فوات كمال الفضيلة على وجهين والأصح عندهم أنه سنة وقد ذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه والصواب إثباته والله أعلم قوله حي على الصلاة معناه تعالوا إلى الصلاة وأقبلوا إليها قالوا وفتحت الياء لسكونها وسكون الياء السابقة المدغمة ومعنى حي على الفلاح هلم إلى الفوز والنجاة وقيل إلى البقاء أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة والفلح بفتح الفاء واللام لغة في الفلاح حكاهما الجوهري وغيره ويقال لحي على كذا الحيعلة قال الإمام أبو منصور الأزهري قال الخليل بن أحمد رحمهما الله تعالى
الحاء والعين لا يأتلفان في كلمة أصلية الحروف لقرب مخرجيهما إلا أن يؤلف فعل من كلمتين مثل حي على فيقال منه حيعل والله أعلم
(باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد)
فيه حديث بن عمر رضي الله عنهما (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وبن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنهما) في هذا الحديث فوائد منها جواز وصف الإنسان بعيب فيه للتعريف أو مصلحة تترتب عليه لا على قصد التنقيص وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة وهي ستة مواضع يباح فيها ذكر الإنسان بعيبه ونقصه وما يكرهه وقد بينتها بدلائلها واضحة في آخر كتاب الأذكار الذي لا يستغني متدين عن مثله وسأذكرها إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح عند قول النبي صلى الله عليه وسلم أما معاوية فصعلوك وفي حديث إن أبا سفيان رجل شحيح وفي حديث بئس أخو العشيرة وأنبه على نظائرها في مواضعها إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق واسم بن أم مكتوم عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة هذا قول الأكثرين وقيل اسمه عبد الله بن زائدة واسم أم مكتوم عاتكه توفي بن أم مكتوم يوم القادسية شهيدا والله أعلم وقوله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان يعني بالمدينة وفي وقت واحد وقد كان أبو محذورة مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وسعد القرظ أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء مرات وفي هذا الحديث استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر عند طلوعه كما كان بلال وبن أم مكتوم يفعلان قال أصحابنا فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب الحاجة وقد اتخذ عثمان رضي الله عنه أربعة للحاجة عند كثرةالناس قال اصحابنا ويستحب أن لايزاد على اربعة
إلا لحاجة ظاهرة قال أصحابنا وإذا ترتب للاذان اثنان فصاعدا فالمستحب ان يؤذنوا دفعة واحدة بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه فإن تنازعوا في الابتداء به أقرع بينهم وإن ضاق الوقت فإن كان المسجد كبيرا أذنوا متفرقين في أقطاره وإن كان ضيقا وقفوا معا وأذنوا وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تهويش فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلا واحد فإن تنازعوا أقرع بينهم وأما الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أحق بها إن كان هو المؤذن الراتب أو لم يكن هناك مؤذن راتب فإن كان الأول غير المؤذن الراتب فأيهما أولى بالإقامة فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أن الراتب أولى لأنه منصبه ولو أقام في هذه الصور غير من له ولاية الإقامة اعتد به على المذهب الصحيح المختار الذي عليه جمهور أصحابنا وقال بعض أصحابنا لا يعتد به كما لو خطب بهم واحد وأم بهم غيره فلا يجوز على قول وأما إذا أذنوا معا فإن اتفقوا على إقامة واحد وإلا فيقرع قال أصحابنا رحمهم الله ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد وقال بعض أصحابنا لا بأس أن يقيموا معا إذا لم يؤد إلى التهويش
(باب جواز أذان الأعمى إذا كان معه بصير)
فيه حديث عائشة رضي الله عنها (كان بن أم مكتوم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعمى) وقد تقدم معظم فقه الحديث في الباب قبله ومقصود الباب أن أذان الأعمى صحيح وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصير كما كان بلال وبن أم مكتوم قال أصحابنا ويكره أن يكون الأعمى مؤذنا وحده والله أعلم
(باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا
سمع فيهم الأذان)
فيه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار فسمع رجلا يقول الله أكبر الله أكبرفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفطرة ثم قال أشهد أن لا إله الاالله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من النار فنظروا فإذا راعي معزى) قوله صلى الله عليه وسلم على الفطرة أي على الإسلام وقوله صلى الله عليه وسلم خرجت من النار أي بالتوحيد وقوله فإذا هو راعي معزى احتج به في أن الأذان مشروع للمنفرد وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا ومذهب غيرنا وفي الحديث دليل على أن الاذان يمنع الاغارة على أهل ذلك الموضع فإنه دليل على إسلامهم وفيه أن النطق بالشهادتين يكون إسلاما وإن لم يكن باستدعاء ذلك منه وهذا هو الصواب وفيه خلاف سبق في أول كتاب الإيمان
(باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه)
(ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل له الوسيلة) فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي
صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) وفي الحديث الآخر (إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي علىالصلاة قال لاحول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لاحول ولا قوة إلا بالله
ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة) وفي الحديث الآخر (من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه) أما أسماء الرجال ففيه خبيب بن عبد الرحمن بن إساف فخبيب بضم الخاء المعجمة واساف بكسر الهمزة وفيه الحكيم بن عبد الله هو بضم الحاء وفتح الكاف وقد سبق في الفصول التي في مقدمة الكتاب أن كل ما في الصحيحين من هذه الصورة فهو حكيم بفتح الحاء إلا اثنين بالضم حكيم هذا وزريق بن حكيم وأما قول مسلم (حدثنا إسحاق بن منصور قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن جهضم الثقفي قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية) إلى آخره فقال الدارقطني في كتاب الاستدراك هذا الحديث رواه الدراوردي وغيره مرسلا وقال الدارقطني أيضا في كتاب العلل هو حديث متصل وصله إسماعيل بن جعفر وهو ثقة حافظ وزيادته مقبولة وقد رواه البخاري ومسلم في الصحيحين وهذا الذي قاله الدارقطني في كتاب العلل هو الصواب فالحديث صحيح وزيادة الثقة مقبولة وقد سبق مثال هذا في الشرح والله أعلم وأما لغاته ففيه والوسيلة وقد فسرها صلى الله عليه وسلم بأنها منزلة في الجنة قال أهل اللغة الوسيلة المنزلة عند الملك وقوله صلى الله عليه وسلم حلت له الشفاعة
أي وجبت وقيل نالته قوله ص إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة إلى آخره معناه قال كل نوع من هذا مثنى كما هو المشروع فاختصر صلى الله عليه وسلم من كل نوع شطره تنبيها على باقية ومعنى حي على كذا أي تعالوا إليه والفلاح الفوز والنجاة وإصابة الخير قالوا وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح ويقرب منها النصيحة وقد سبق بيان هذا في حديث الدين النصيحة فمعنى حي على الفلاح أي تعالوا إلى سبب الفوز والبقاء في الجنة والخلود في النعيم والفلاح والفلح تطلقهما العرب أيضا على البقاء وقوله لاحول ولا قوة إلا بالله يجوز فيه خمسة اوجه لاهل العربية مشهورة احدهما لاحول ولا قوة بفتحهما بلا تنوين والثاني فتح الأول ونصب الثاني منونا والثالث رفعهما منونين والرابع فتح الأول ورفع الثاني منونا والخامس عكسه قال الهروي قال أبو الهيثم الحول الحركة أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله وكذا قال ثعلب وآخرون وقيل لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله وقيل لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته وحكي هذا عن بن مسعود رضي الله عنه وحكى الجوهري لغة غريبة ضعيفة أنه يقال لاحيل ولا قوة إلا بالله بالياء قال والحيل والحول بمعنى ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله الحوقلة هكذا قاله الأزهري والأكثرون وقال الجوهري الحولقة فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله تعالى وعلى الثاني الحاء واللام من الحول والقاف من القوة والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف ومثل الحولقة الحيعلة في حي على الصلاة حي على الفلاح حي على كذا والبسملة في بسم الله والحمد له في الحمد لله والهيللة في لا إله إلا الله والسبحلة في سبحان الله أما أحكام الباب ففيه استحباب قول سامع المؤذن مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن عام مخصوص لحديث عمر أنه يقول في الحيعلتين لاحول ولا قوة إلا بالله وفيه استحباب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من متابعة المؤذن واستحباب سؤال الوسيلة له وفيه أنه يستحب أن يقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن منها ولا ينتظر فراغه من كل الأذان وفيه أنه يستحب أن يقول بعد قوله وأنا أشهد أن
محمدا رسول الله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا وفيه أنه يستحب لمن رغب غيره في خير أن يذكر له شيئا من دلائله لينشطه لقوله صلى الله عليه وسلم فإنه من صلى علي مرة صلىالله عليه بها عشرا ومن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة وفيه أن الأعمال يشترط لها القصد والإخلاص لقوله صلى الله عليه وسلم من قلبه واعلم أنه يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما ومنها أن يكون في صلاة فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة فسمع المؤذن لم يوافقه وهو في الصلاة فإذا سلم أتى بمثله فلو فعله في الصلاة فهل يكره فيه قولان للشافعي رضي الله عنه أظهرهما أنه يكره لأنه اعراض عن الصلاة لكن لاتبطل صلاته ان قال ماذكرناه لأنها أذكار فلو قال حي على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالما بتحريمه لأنه كلام آدمي ولو سمع الأذان وهو في قراءة أو تسبيح أو نحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال الصلاة خير من النوم قال سامعه صدقت وبررت هذا تفصيل مذهبنا وقال القاضي عياض رحمه الله اختلف أصحابنا هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في صلاة الفريضة والنافلة أم لا يحكيه فيهما أم يحكيه في النافلة دون الفريضة على ثلاثة أقوال ومنعه أبو حنيفة فيهما وهل هذا القول مثل قول المؤذن واجب على من سمعه في غير الصلاة أم مندوب فيه خلاف حكاه الطحاوي الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مندوب قال واختلفوا هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط قال واختلف قول مالك هل يتابع المؤذن في كل كلمات الأذان أم إلى آخر الشهادتين لأنه ذكر وما بعده بعضه ليس بذكر وبعضه تكرار لما سبق والله أعلم (فصل) قال القاضي عياض رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر إلى آخره ثم قال في آخره من قلبه دخل الجنة إنما كان كذلك لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى وانقياد لطاعته وتفويض إليه لقوله لا حول ولا قوة إلا بالله فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان وكمال الإسلام واستحق الجنة بفضل الله تعالى وهذا معنى قوله في الرواية الأخرى رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا
وبالإسلام دينا قال واعلم أن الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات فأوله إثبات الذات وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها وذلك بقوله الله أكبر وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه ثم صرح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا صلى الله عليه وسلم وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات فدعاهم إلى الصلاة وعقبها بعد إثبات النبوة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل ثم دعا إلى الفلاح وهوالفوز والبقاء في النعيم المقيم وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للاعلام بالشروع فيها وهومتضمن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه هذا آخر كلام القاضي وهو من النفائس الجليلة وبالله التوفيق
(باب فضل الاذان وهروب الشيطان عند سماعه)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة) وقوله صلى الله عليه وسلم
(إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء قال الراوي هي من المدينة ستة وثلاثون ميلا) وفي رواية (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط حتى لايسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس) وفي رواية (إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص) وفي رواية
(إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى) أما أسماء الرجال ففيه طلحة بن يحيى عن عمه هذا العم هو عيسى بن طلحة بن عبيد الله كما بينه في الرواية الأخرى وقوله (الأعمش عن أبي سفيان) اسم أبي سفيان طلحة بن نافع سبق بيانه مرات وقوله (قال سليمان فسألته عن الروحاء) سليمان هو الأعمش سليمان بن مهران والمسئول أبو سفيان طلحة بن نافع وفيه أمية بن بسطام بكسر الباء وفتحها مصروف وغير مصروف وسبق بيانه في أول الكتاب مرات قوله (أرسلني أبي إلى بني حارثة) هو بالحاء قوله (الحزامي) هو بالحاء المهملة والزاي وأما لغاته وألفاظه فقوله صلى الله عليه وسلم المؤذنون أطول الناس أعناقا هو بفتح همزة أعناقا جمع عنق واختلف السلف والخلف في معناه فقيل معناه أكثر الناس تشوفا إلى
رحمة الله تعالى لأن المتشوف يطيل عنقه إلى ما يتطلع إليه فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب وقال النضر بن شميل إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق وقيل معناه أنهم سادة ورؤساء والعرب تصف السادة بطول العنق وقيل معناه أكثر أتباعا وقال بن الأعرابي معناه أكثر الناس أعمالا قال القاضي عياض وغيره ورواه بعضهم إعناقا بكسر الهمزة أي إسراعا إلى الجنة وهو من سير العنق قوله مكان الروحاء هي بفتح الراء وبالحاء المهملة وبالمد قوله إذا سمع الشيطان الأذان أحال هو بالحاء المهملة أي ذهب هاربا قوله وله حصاص هو بحاء مهملة مضمومة وصادين مهملتين أي ضراط كما في الرواية الأخرى وقيل الحصاص شدة العدو قالهما أبو عبيد والأئمة من بعده قال العلماء وإنما أدبر الشيطان عند الأذان لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لايسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة قال القاضي عياض وقيل إنما يشهد له المؤمنون من الجن والإنس فأما الكافر فلا شهادة له قال ولا يقبل هذا من قائله لما جاء في الآثار من خلافه قال وقيل أن هذا فيمن يصح منه الشهادة ممن يسمع وقيل بل هو عام في الحيوان والجماد وأن الله تعالى يخلق لها ولما لا يعقل من الحيوان إدراكا للأذان وعقلا ومعرفة وقيل إنما يدبر الشيطان لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه وقيل ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد وقوله صلى الله عليه وسلم حتى إذا ثوب بالصلاة المراد بالتثويب الإقامة وأصله من ثاب إذا رجع ومقيم الصلاة راجع إلى الدعاء إليها فإن الأذان دعاء إلى الصلاة والإقامة دعاء إليها قوله حتى يخطر بين المرء ونفسه هو بضم الطاء وكسرها حكاهما القاضي عياض في المشارق قال ضبطناه عن المتقنين بالكسر وسمعناه من أكثر الرواة بالضم قال والكسر هو الوجه ومعناه يوسوس وهو من قولهم خطر الفحل بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه وأما بالضم فمن السلوك والمرور أي يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه وبهذا فسره الشارحون للموطأ وبالأول فسره الخليل قوله (حتى يظل الرجل إن يدري كيف صلى) إن بمعنى ما كما في الرواية
الاولى هذا هوالمشهور في قوله إن يدري إنه بكسر همزة إن قال القاضي عياض وروي بفتحها قال وهي رواية بن عبد البر وادعى أنها رواية أكثرهم وكذا ضبطه الأصيلي في كتاب البخاري والصحيح الكسر أما فقه الباب ففيه فضيلة الأذان والمؤذن وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين مصرحة بعظم فضله واختلف أصحابنا هل الأفضل للإنسان أن يرصد نفسه للأذان أم للإمامة على أوجه أصحها الأذان أفضل وهو نص الشافعي رضي الله عنه في الأم وقول أكثر أصحابنا والثاني الإمامة افضل وهونص الشافعي أيضا والثالث هما سواء والرابع إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل وإلا فالأذان قاله أبو علي الطبري وأبو القاسم بن كج والمسعودي والقاضي حسين من أصحابنا وأما جمع الرجل بين الإمامة والأذان فإن جماعة من أصحابنا يستحب ان لا يفعله وقال بعضهم يكره وقال محققوهم وأكثرهم انه لابأس به بل يستحب وهذا أصح والله أعلم
(باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة
الإحرام)
(والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لايفعله اذا رفع من السجود) فيه 0 بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وقبل أن يركع وإذا رفع من الركوع ولا يرفعهما بين السجدتين) وفي رواية
(ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود) وفي رواية (إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر) وفي رواية مالك بن الحويرث (إذا صلى كبر ثم رفع يديه) وفي رواية له (إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما اذنيه) وفي رواية (يحاذي بهما
فروع أذنيه) أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام واختلفوا فيما سواها فقال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم يستحب رفعهما أيضا عند الركوع وعند الرفع منه وهو رواية عن مالك وللشافعي قول أنه يستحب رفعهما في موضع آخر رابع وهو إذا قام من التشهد الأول وهذا القول هو الصواب فقد صح فيه حديث بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله رواه البخاري وصح أيضا من حديث أبي حميد الساعدي رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة وقال أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري من أصحابنا وبعض أهل الحديث يستحب أيضا في السجود وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام وهو أشهر الروايات عن مالك واجمعوا على انه لايجب شيء من الرفع وحكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري من أصحابنا أصحاب الوجوه وقد حكيته عنه في شرح المهذب وفي تهذيب اللغات وأما صفة الرفع فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه أي أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه فهذا معنى قولهم حذو منكبيه وبهذا جمع الشافعي رضي الله عنه بين روايات الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه وأما وقت الرفع ففي الرواية الأولى رفع يديه ثم كبر وفي الثانية كبر ثم رفع يديه وفي الثالثة إذا كبر رفع يديه ولأصحابنا فيه أوجه أحدها يرفع غير مكبر ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه مع انتهائه والثاني يرفع غير مكبر ثم يكبر ويداه قارتان ثم يرسلهما والثالث يبتدئ الرفع من ابتدائه التكبير وينهيهما معا والرابع يبتدئ بهما معا وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال والخامس وهو الأصح يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ولا استحباب في الانتهاء فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس تمم الباقي وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع ولو كان أقطع اليدين من المعصم أو إحداهما رفع الساعد وإن قطع من الساعد رفع العضد على الأصح وقيل لا يرفعه لو لم يقدر على الرفع إلا بزيادة على المشروع اونقص منه فعل الممكن فإن أمكن فعل الزائد ويستحب
أن يكون كفاه إلى القبلة عند الرفع وأن يكشفهما وأن يفرق بين أصابعهما تفريقا وسطا ولو ترك الرفع حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي فلو تركه حتى أتمه لم يرفعهما بعده ولا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يبالغ في مده بالتمطيط بل يأتي به مبينا وهل يمده أو يخففه فيه وجهان أصحهما يخففه وإذا وضع يديه حطهما تحت صدره فوق سرته هذا مذهب الشافعي والأكثرين وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي تحت سرته والأصح أنه إذا أرسلهما أرسلهما إرسالا خفيفا إلى تحت صدره فقط ثم يضع اليمين على اليسار وقيل يرسلهما إرسالا بليغا ثم يستأنف رفعهماالى تحت صدره والله أعلم واختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين فقال الشافعي رضي الله عنه فعلته إعظاما لله تعالى واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال غيره هو استكانة واستسلام وانقياد وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة للاستسلام وقيل هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه وقيل إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه سبحانه وتعالى كما تضمن ذلك قوله الله أكبر فيطابق فعله قوله وقيل إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة الإحرام وقيل غير ذلك وفي أكثرها نظر والله أعلم وقوله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ثم كبر فيه إثبات تكبيرة الإحرام وقد قال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري من رواية مالك بن الحويرث وقال صلى الله عليه وسلم للذي علمه الصلاة إذا قمت إلى الصلاة فكبر وتكبيرة الإحرام واجبة عند مالك والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم إلا ما حكاه القاضي عياض رحمه الله وجماعة عن بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي أنه سنة ليس بواجب وأن الدخول في الصلاة يكفي فيه النية ولا أظن هذا يصح عن هؤلاء الأعلام مع هذه الأحاديث الصحيحة مع حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ولفظة التكبير الله اكبر فهذا يجزئ بالاجماع قال الشافعي ويجزي الله الاكبر لايجزي غيرهما وقال مالك لا يجزئ إلا الله أكبر وهو الذي ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله وهذا قول منقول عن الشافعي في القديم وأجاز أبو يوسف الله الكبير وأجاز أبو حنيفة الاقتصار فيه على كل لفظ فيه تعظيم الله تعالى كقوله الرحمن أكبر أو الله أجل أو أعظم وخالفه جمهور العلماء
من السلف والخلف والحكمة في ابتداء الصلاة بالتكبير افتتاحها بالتنزيه والتعظيم لله تعالى ونعته بصفات الكمال والله أعلم
(باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة)
(إلا رفعه من الركوع فيقول فيه سمع الله لمن حمده) فيه (أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يصلي لهم فيكبر كلما خفض ورفع فلما انصرف قال والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية عنه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمد حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا لك الحمد ثم يكبر حين يهوى ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى
بعد الجلوس) فيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع فانه يقول سمع الله لمن حمد وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة وكان بعضهم لايرى التكبير إلا للإحرام وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة وكان هؤلاء لم يبلغهم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا كان أبو هريرة يقول إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم واستقر العمل على ما في حديث أبي هريرة هذا ففي كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة وهي تكبيرة الإحرام وخمس في كل ركعة وفي الثلاثية سبع عشرة وهي تكبيرةالإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الاول وخمس ركعة وفي الرباعية اثنتان وعشرون ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة واعلم ان تكبيرة الاحرام واجبة وما عدا سنة لو تركه صحت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة هذا مذهب العلماء كافة إلا واحمد بن حنبل رضي الله عنه في إحدى الروايتين عنه أن جميع التكبيرات واجبة ودليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الأعرابي الصلاة فعلمه واجباتها فذكر منها
تكبيرة الإحرام ولم يذكر ما زاد وهذا موضع البيان ووقته ولا يجوز التأخير عنه وقوله يكبرحين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع ويكبر حين يقوم من المثنى هذا دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات وبسطه عليها فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع ويمده حتى يصل حد الراكعين ثم يشرع في تسبيح الركوع ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الهوي إلى السجود ويمده حتى يضع جبهته على الأرض ثم يشرع في تسبيح السجود ويبدأ في قوله سمع الله لمن حمده حين يشرع في الرفع من الركوع ويمده حتى ينتصب قائما ثم يشرع في ذكر الاعتدال وهو ربنا لك الحمدالى آخره ويشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال ويمده حتى ينتصب قائما هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وبه قال مالك انه لايكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائما ودليل الجمهور ظاهر الحديث وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي رضي الله عنه وطائفة أنه يستحب لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد فيقول سمع الله لمن حمده
في حال ارتفاعه وربنا لك الحمد في حال استوائه وانتصابه في الاعتدال لأنه ثبت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهما جميعا وقال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وسيأتي بسط الكلام في هذه المسألة وفروعها وشرح ألفاظها ومعانيها حيث ذكره مسلم رحمه الله تعالى بعد هذا إن شاء الله تعالى قوله لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم) فيه إشارة إلى ما قدمناه أنه كان هجر استعمال التكبير في الانتقالات والله أعلم
(باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وانه اذا لم يحسن)
(الفاتحه ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها) فيه قوله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي رواية
(من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله إلى آخره) وفيه حديث الأعرابي المسيء صلاته أما ألفاظ الباب فالخداج بكسر الخاء المعجمة قال الخليل بن أحمد والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والهروي وآخرون الخداج النقصان يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقصا وإن كان لتمام الولادة ومنه قيل لذي اليدية مخدج اليد أي ناقصها قالوا فقوله صلى الله عليه وسلم خداج أي ذات خداج وقال جماعة من أهل اللغة خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام وأم القرآن اسم الفاتحة وسميت أم القرآن لأنها فاتحته كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها قوله عز وجل (مجدني عبدي) أي عظمني
قوله (إن أبا السائب أخبره) أبو السائب هذا لا يعرفون له اسما وهو ثقة قوله (حدثني أحمد بن جعفر المعقري) هو بفتح الميم وإسكان العين وكسر القاف منسوب إلى معقر وهي ناحية من اليمن وأما الأحكام ففيه وجوب قراءة الفاتحة وأنها متعينة لا يجزي غيرها إلا لعاجز عنها وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وطائفة قليلة لا تجب الفاتحة بل الواجب آية من القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم اقرأ ما تيسر ودليل الجمهور قوله لا صلاة إلا بأم القرآن فإن قالوا المراد لا صلاة كاملة قلنا هذا خلاف ظاهر اللفظ ومما يؤيده حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه بإسناد صحيح وكذا رواه أبو حاتم بن حبان وأما حديث اقرأ ما تيسر فمحمول على الفاتحة فإنها متيسرة أو على ما زاد على الفاتحة بعدها أو على من عجز عن الفاتحة وقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لم لمن يقرأ بفاتحة الكتاب فيه دليل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد ومما يؤيد وجوبها على المأموم قول أبي هريرة اقرأ بها في نفسك فمعناه اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تدبر ذلك وتذكره فلا يقبل لأن القراءة لا تطلق إلا على حركةاللسان بحيث يسمع نفسه ولهنا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئا مرتكبا لقراءة الجنب المحرمة وحكى القاضي عياض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وربيعة ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب مالك أنه لا يجب قراءة أصلا وهي رواية شاذة عن مالك وقال الثوري والأوزعاني وأبو حنيفة رضي الله عنهم لا يجب القراءة في الركعتين الأخيرتين بل هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت والصحيح الذي عليه جمهور العلماء من السلف والخلف وجوب الفاتحة في كل ركعة لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي ثم افعل ذلك في يصلاتك كلها قوله سبحانه وتعالى (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) الحديث قال العلماء المراد بالصلاة هنا الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها كقوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة قال العلماء والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار واحتج القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث وهو من أوضح ما احتجوا به قالوا لأنها سبع آيات بالإجماع فثلاث في أولها ثناء أولها الحمد لله وثلاث دعاء أولها اهدنا الصراط المستقيم والسابعة متوسطة وهي إياك نعبد وإياك نستعين قالوا ولأنه سبحانه وتعالى قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين فلم يذكر البسملة ولو كانت منها لذكرها وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة أحدها أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ والثاني أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة والثالث معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين
قال العلماء وقوله تعالى حمدني عبدي وأثنى علي ومجدني إنما قاله لأن التحميد الثناء بجميل الفعال والتمجيد الثناء بصفات الجلال ويقال أثنى عليه في ذلك كله ولهذا جاء جوابا للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية وقوله وربما قال فوض إلي عبدي وجه مطابقة هذا لقوله مالك يوم الدين أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم وبجزاء العباد وحسابهم والدين الحساب وقيل الجزاء ولا دعوى لأحد ذلك اليوم ولا مجاز وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي ويدعي بعضهم دعوى باطلة وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم هذا معناه وإلا فالله سبحانه وتعالى هو المالك والملك على الحقيقة للدارين وما فيهما ومن فيهما وكل من سواه مربوب له عبد مسخر ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لايخفى وقوله تعالى فإذا قال العبد اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة فهذا لعبدي هكذا هو في صحيح مسلم وفي غيره فهؤلاء لعبدي وفي هذه الرواية دليل على أن اهدنا وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أم لا فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنها من الفاتحة وأنها آية واهدنا وما بعده آيتان ومذهب مالك وغيره ممن يقول إنها ليست من الفاتحة يقول اهدنا وما بعده ثلاث آيات وللأكثرين أن يقولوا قوله هؤلاء المراد به الكلمات لا الآيات بدليل رواية مسلم فهذا لعبدي وهذا أحسن من الجواب بأن الجمع محمول على الاثنين لأن هذا مجاز عند الأكثرين فيحتاج إلى دليل على صرفه عن الحقيقة إلى المجاز والله أعلم وقول أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لا صلاة إلا بقراءة قال أبو هريرة فما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم) معناه ما جهر فيه بالقراءة جهرنا به وما أسر أسررنا به وقد اجتمعت الأمة على الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء وعلى الإسرار في الظهر والعصر وثالثة المغرب والأخريين من العشاء واختلفوا في العيد والاستسقاء ومذهبنا الجهر فيهما وفي نوافل الليل قيل يجهر فيها وقيل بين الجهر والإسرار ونوافل النهار يسر بها والكسوف يسر بها نهارا ويجهر ليلا والجنازة يسر بها ليلا ونهارا وقيل يجهر ليلا ولو فاته صلاة ليلة كالعشاء فقضاها في ليلة أخرى جهر وإن قضاها نهارا فوجهان الأصح يسر والثاني يجهر وإن فاته نهارية كالظهر فقضاها نهارا أسر وإن قضاها ليلا فوجهان الأصح يجهر والثاني يسر وحيث قلنا يجهر أو يسر فهو سنة فلو تركه صحت صلاته ولا يسجد للسهو عندنا قوله (ومن قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل) فيه دليل لوجوب الفاتحة وأنه لا يجزي غيرها وفيه استحباب السورة بعدها وهذا مجمع عليه في الصبح والجمعة والأولين من كل الصلوات وهو سنة عند جميع العلماء وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة وهو شاذ مردود وأما السورة في الثالثة والرابعة فاختلف العلماء هل تستحب أم لا وكره ذلك مالك رحمه الله تعالى
واستحبه الشافعي رضي الله عنه في قوله الجديد دون القديم والقديم هنا أصح وقال آخرون هو مخير إن شاء قرأ وإن شاء سبح وهذا ضعيف وتستحب السورة في صلاة النافلة ولا تستحب في الجنازة على الأصح لأنها مبنية على التخفيف ولا يزاد على الفاتحة إلا التأمين عقبها ويستحب أن تكون السورة في الصبح والأوليين من الظهر من طوال المفصل وفي العصر والعشاء من اوساطه وفي المغرب من قصاره واختلفوا في تطويل القراءة في الأولى على الثانية والأشهر عندنا أنه لا يستحب بل يسوي بينهما والأصح أنه يطول الأولى للحديث الصحيح وكان يطول في الأولى ما لايطول في الثانية ومن قال بالقراءة في الأخريين من الرباعية يقول هي أخف من الأوليين واختلفوا في تقصير الرابعة على الثالثة والله أعلم وحيث شرعت السورة فتركها فاتته الفضيلة ولا يسجد للسهو وقراءة سورة قصيرة أفضل من قراءة قدرها من طويلة ويقرأ على ترتيب المصحف ويكره عكسه ولا تبطل به الصلاة ويجوز القراءة بالقراءات السبع ولا يجوز بالشواذ وإذا لحن في الفاتحة لحنا يخل المعنى كضم تاء أنعمت أو كسرها أو كسر كاف إياك بطلت صلاته وإن لم يخل المعنى كفتح الباء من المغضوب عليهم ونحوه كره ولم تبطل صلاته ويجب ترتيب قراءة الفاتحة وموالاتها ويجب قراءتها بالعربية ويحرم بالعجمية ولا تصح الصلاة بها سواء عرف العربية أم لا ويشترط في القراءة وفي كل الأذكار إسماع نفسه والأخرس ومن في معناه يحرك لسانه وشفتيه بحسب الإمكان ويجزئه والله أعلم حديث أبي هريرة قوله (دخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام فقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
(وعليك السلام ثم قال ارجع فصل فإنك لم تصل حتى فعل
ذلك ثلاث مرات فقال الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا علمني قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) وفي رواية (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر) هذا الحديث مشتمل على فوائد كثيرة وليعلم أولا أنه محمول على بيان الواجبات دون السنن فإن قيل لم يذكر فيه كل الواجبات فقد بقي واجبات مجمع عليها ومختلف فيها فمن المجمع عليه النية والقعود في التشهد الأخير وترتيب أركان الصلاة ومن المختلف فيه التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه والسلام وهذه الثلاثة واجبة عند الشافعي رحمه الله تعالى وقال بوجوب السلام الجمهور وأوجب التشهد كثيرون وأوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع الشافعي الشعبي وأحمد بن حنبل وأصحابهما وأوجب جماعة من أصحاب الشافعي نية الخروج من الصلاة وأوجب أحمد رحمه الله تعالى التشهد)
الأول وكذلك التسبيح وتكبيرات الانتقالات فالجواب أن الواجبات الثلاثة المجمع عليها كانت معلومة عند السائل فلم يحتج إلى بيانها وكذا المختلف فيه عند من يوجبه يحمله على أنه كان معلوما عنده وفي هذا الحديث دليل على أن إقامة الصلاة ليست واجبة وفيه وجوب الطهارة واستقبال القبلة وتكبيرة الإحرام والقراءة وفيه أن التعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام ووضع اليد اليمنى على اليسرى وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود وهيئات الجلوس ووضع اليد على الفخذ وغير ذلك مما لم يذكره في الحديث ليس بواجب إلا ما ذكرناه من المجمع عليه والمختلف فيه وفيه دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع والجلوس بين السجدتين ووجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ولم يوجبها أبو حنيفة رحمه الله تعالى وطائفة يسيرة وهذا الحديث حجة عليهم وليس عنه جواب صحيح وأما الاعتدال فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء يجب الطمأنينة فيه كما يجب في الجلوس بين السجدتين وتوقف في إيجابها بعض أصحابنا واحتج هذا القائل بقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثم ارفع حتى تعتدل قائما فاكتفى بالاعتدال ولم يذكر الطمأنينة كما ذكرها في الجلوس بين السجدتين وفي الركوع والسجود وفيه وجوب القراءة في الركعات كلها وهو مذهبنا ومذهب الجمهور كما سبق وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه يستحب له أن يذكره له ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما لا يعني وموضع الدلالة أنه قال علمني يا رسول الله أي علمني الصلاة فعلمه الصلاة واستقبال القبلة والوضوء وليسا من الصلاة لكنهما شرطان لها وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته وإيضاح المسألة وتلخيص المقاصد والاقتصار في حقه على المهم دون المكملات التي لا يحتمل حاله حفظها والقيام بها وفيه استحباب السلام عند اللقاء ووجوب رده وأنه يستحب تكراره إذا تكرر اللقاء وإن قرب العهد وأنه يجب رده في كل مرة وأن صيغة الجواب وعليكم السلام أو وعليك بالواو وهذه الواو مستحبة عند الجمهور وأوجبها بعض أصحابنا وليس بشيء بل الصواب أنها سنة قال الله تعالى قالوا سلاما قال سلام وفيه أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته ولا يسمى مصليا بل يقال لم تصل فإن قيل كيف تركه مرارا يصلي صلاة فاسدة فالجواب أنه لم يؤذن له في صلاة فاسدة ولا علم من حاله أنه يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة بل هو محتمل أن
يأتي بها صحيحة وإنما لم يعلمه أولا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة كما أمرهم بالإحرام بالحج ثم بفسخه إلى العمرة ليكون أبلغ في تقرير ذلك عندهم والله أعلم واعلم أنه وقع في إسناد هذا الحديث في مسلم عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال الدارقطني في استدراكاته خالف يحيى بن سعيد في هذا جميع أصحاب عبيد الله فكلهم رووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة لم يذكروا أباه قال الدارقطني ويحيى حافظ فيعتمد ما رواه فحصل أن الحديث صحيح لا علة فيه ولو كان الصحيح ما رواه الأكثرون لم يضر في صحة المتن وقد سبق بيان مثل هذا مرات في أول الكتاب ومقصودي بذكر هذا أن لا يغتر بذكر الدارقطني أو غيره له في الاستدراكات والله عز وجل أعلم
(باب نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه)
يه قول (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر فقال أيكم قرأ خلفي سبح اسم ربك الأعلى فقال رجل أنا ولم أرد بها إلا الخير قال قد علمت أن بعضكم خالجنيها) وفي الروايتين الأخيرتين أنه كان في صلاة الظهر بلا شك خالجنيها أي نازعنيها ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه والإنكار في جهره أو رفع صوته بحيث أسمع غيره لا عن أصل القراءة بل فيه أنهم كانوا يقرؤن بالسورة في الصلاة السرية وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام وللمأموم وهذا الحكم عندنا ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية كما لا يقرؤها في الجهرية وهذا غلط لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات وهنا لا يسمع فلا معنى لسكوته من غير استماع ولو
كان في الجهرية بعيدا عن الإمام لا يسمع قراءته فالأصح أنه يقرأ السورة لما ذكرناه والله أعلم قوله (عن قتادة عن زرارة) وفي الرواية الثانية (عن قتادة قال سمعت زرارة) فيه فائدة وهي أن قتادة رحمه الله تعالى مدلس وقد قال في الرواية الأولى عن والمدلس لا يحتج بعنعنته إلا أن يثبت سماعه لذلك الحديث ممن عنعن عنه في طريق آخر وقد سبق التنبيه على هذا في مواطن كثيرة والله أعلم
(باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة)
وفيه قول أنس (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم
أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) وفي رواية (وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها) في إسناده قتادة عن أنس وفي الطريق الثاني قيل لقتادة أسمعته من أنس قال نعم وهذا تصريح بسماعه فينتفي ما يخاف من إرساله لتدليسه وقد سبق مثله في آخر الباب قبله وقوله يستفتحون بالحمد لله هو برفع الدال على الحكاية استدل بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة ومن يراها منها ويقول لا يجهر ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى وطوائف من السلف والخلف أن البسملة آية من الفاتحة وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة واعتمد أصحابنا ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في المصحف بخط المصحف وكان هذا باتفاق الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في كل الأعصار إلى يومنا وأجمعوا أنها ليست في أول براءة وأنها لا تكتب فيها وهذا يؤكد ما قلناه قوله (حدثنا محمد بن مهران عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبدة إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وعن قتادة أنه كتب يخبره عن أنس أنه حدثه قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو علي الغساني هكذا وقع عن عبدة أن عمر وهو مرسل
يعني أن عبدة وهو بن أبي لبابة لم يسمع من عمر قال وقوله بعده عن قتادة يعني الأوزاعي عن قتادة عن أنس هذا هو المقصود من الباب وهو حديث متصل هذا كلام الغساني والمقصود أنه عطف قوله وعن قتادة على قوله عن عبدة وإنما فعل مسلم هذا لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمعه ومقصوده الثاني المتصل دون الأول المرسل ولهذا نظائر كثيرة في صحيح مسلم وغيره ولا إنكار في هذا كله وقوله سبحانك اللهم وبحمدك قال الخطابي أخبرني بن خلاد قال سألت الزجاج عن الواو في قوله وبحمدك فقال معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك قال والجد هنا العظمة والله تعالى أعلم
(باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى
براءة)
فيه أنس رضي الله عنه قال (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ثم قال أتدرون ما الكوثر فقلنا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير هو حوض يرد عليه
أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقال ما تدري ما أحدثوا بعدك) وفي رواية ما أحدث وفيها بين أظهرنا في المسجد قوله بينا قال الجوهري بينا فعل أشبعت الفتحة فصارت ألفا واصلة ومن قال وبينما بمعناه زيدت فيه ما بقول بينا نحن نرقبه أتانا أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه ثم حذف المضاف الذي هو أوقات قال وكان الأصمعي يخفض ما بعد بينا إذا صلح في موضعه بين وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما على الابتداء والخبر قوله بين أظهرنا أي بيننا قوله أغفى إغفاءة أي نام وقوله آنفا أي قريبا وهو بالمد ويجوز القصر في لغة قليلة وقد قرئ به في السبع والشانئ المبغض والأبتر هو المنقطع العقب وقيل المنقطع عن كل خير قالوا أنزلت في العاص بن وائل والكوثر هنا نهر في الجنة كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم وهو في موضع آخر عبارة عن الخير الكثير وقوله يختلج أي ينتزع ويقتطع في هذا الحديث فوائد منها أن البسملة في أوائل السور من القرآن وهو مقصود مسلم بإدخال الحديث هنا وفيه جواز النوم في المسجد وجواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه وأنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسما أو غيره مما يقتضي حدوث أمر يستحب له أن يسأل عن سببه وفيه إثبات الحوض والإيمان به واجب وسيأتي بسطه حيث ذكر مسلم أحاديثه في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى وقوله لا تدري ما أحدثوا بعدك تقدم شرحه في أول كتاب الطهارة والله أعلم
(باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام
تحت صدره)
فوق سرته ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه فيه (وائل بن حجر رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه) فيه محمد بن جحادة بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مخففة ثم ألف ثم دال مهملة ثم هاء قوله حيال أذنيه بكسر الحاء أي قبالتهما وقد سبق بيان كيفية رفعهما ففيه فوائد منها أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها لقوله كبر ثم التحف وفيه استحباب رفع يديه عند الدخول في الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه وفيه استحباب كشف اليدين عند الرفع ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه واستحباب وضع اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام ويجعلهما تحت صدره فوق سرته هذا مذهبنا المشهور وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق المروزي من أصحابنا يجعلهما تحت سرته وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه روايتان كالمذهبين وعن أحمد روايتان كالمذهبين ورواية ثالثة أنه مخير بينهما ولا ترجيح وبهذا قال الأوزاعي وبن المنذر وعن مالك رحمه الله روايتان إحداهما يضعهما تحت صدره والثانية يرسلهما ولا يضع إحداهما على الأخرى وهذه رواية جمهور أصحابه وهي الأشهر عندهم
وهي مذهب الليث بن سعد وعن مالك رحمه الله أيضا استحباب الوضع في النفل والإرسال في الفرض وهو الذي رجحه البصريون من أصحابه وحجة الجمهور في استحباب وضع اليمين على الشمال حديث وائل المذكور هنا وحديث أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعيه في الصلاة قال أبو حازم ولا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري وهذا حديث صحيح مرفوع كما سبق في مقدمة الكتاب وعن هلب الطائي رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه رواه الترمذي وقال حديث حسن وفي المسألة أحاديث كثيرة ودليل وضعهما فوق السرة حديث وائل بن حجر قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره رواه بن خزيمة في صحيحه وأما حديث علي رضي الله عنه أنه قال من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة ضعيف متفق على تضعيفه رواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي شيبة عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف بالاتفاق قال العلماء والحكمة في وضع إحداهما على الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث والله أعلم
(باب التشهد في الصلاة)
فيه تشهد بن مسعود وتشهد بن عباس وتشهد أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم واتفق العلماء على جوازها كلها واختلفوا في الأفضل منها فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى وبعض أصحاب مالك أن تشهد بن عباس أفضل لزيادة لفظة المباركات فيه وهي موافقة لقول الله عز وجل تحية من عند الله مباركة طيبة ولأنه أكده بقوله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن وقال أبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهما وجمهور الفقهاء وأهل الحديث
تشهد بن مسعود أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة وإن كان الجميع صحيحا وقال مالك رحمه الله تعالى تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموقوف عليه أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله وهو التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله سلام عليك أيها النبي إلى آخره واختلفوا في التشهد هل هو واجب أم سنة فقال الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة التشهد الأول سنة والأخير واجب وقال جمهور المحدثين هما واجبان وقال أحمد رضي الله عنه الأول واجب والثاني فرض وقال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما وجمهور الفقهاء هما سنتان وعن مالك رحمه الله رواية بوجوب الأخير وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب القعود بقدره في آخر الصلاة وأما ألفاظ الباب ففيه لفظة التشهد سميت بذلك للنطق بالشهادة بالوحدانية والرسالة وأما قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله هو السلام) فمعناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ومعناه السالم من النقائص وسمات الحدوث ومن الشريك والند وقيل المسلم أولياءه وقيل المسلم عليهم وقيل غير ذلك وأما التحيات فجمع تحية وهي الملك وقيل البقاء وقيل العظمة وقيل الحياة وإنما قيل التحيات بالجمع لأن ملوك العرب كان كل واحد منهم تحييه أصحابه بتحية مخصوصة فقيل جميع تحياتهم لله تعالى وهو المستحق لذلك حقيقة والمباركات والزاكيات في حديث عمر رضي الله عنه بمعنى واحد والبركة كثرة الخير وقيل النماء وكذا الزكاة أصلها النماء والصلوات هي الصلوات المعروفة وقيل الدعوات والتضرع وقيل الرحمة أي الله المتفضل بها والطيبات أي الكلمات الطيبات وقوله في حديث بن عباس التحيات المباركات الصلوات الطيبات تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث بن مسعود وغيره ولكن حذفت الواو اختصارا وهو جائز معروف في اللغة ومعنى الحديث أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى ولا تصلح حقيقتها لغيره وقوله (السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وقوله في آخر الصلاة (السلام عليكم) فقيل معناه التعويذ بالله والتحصين به سبحانه وتعالى فإن السلام اسم له سبحانه وتعالى تقديره الله عليكم حفيظ وكفيل كما يقال الله معك أي بالحفظ والمعونة واللطف وقيل معناه السلامة والنجاة لكم ويكون مصدرا كاللذاذة واللذاذ كما قال الله تعالى فسلام لك من أصحاب اليمين واعلم أن السلام الذي في قوله السلام عليك أيها النبي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يجوز فيه حذف الألف واللام فيقال سلام عليك أيها النبي وسلام علينا ولا خلاف في جواز الأمرين هنا ولكن الألف واللام أفضل وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم وأما الذي في آخر الصلاة وهو سلام التحليل فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من جوز الأمرين فيه هكذا ويقول الألف واللام أفضل ومنهم من أوجب الألف واللام لأنه لم ينقل إلا بالألف واللام ولأنه تقدم ذكره في التشهد فينبغي أن يعيده بالألف واللام ليعود التعريف إلى سابق كلامه كما يقول جاءني رجل فأكرمت الرجل قوله وعلى عباد الله الصالحين قال الزجاج وصاحب المطالع وغيرهما العبد الصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء) فيه دليل على أن الألف واللام داخلتين على الجنس تقتضي الاستغراق والعموم قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال أهل اللغة يقال رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة قال بن فارس وبذلك سمي نبينا صلى الله عليه وسلم محمدا يعني لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة ألهم أهله التسمية بذلك قوله صلى الله عليه وسلم (ثم يتخير من المسألة ما شاء) فيه استحباب الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام وفيه أنه يجوز الدعاء بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثما وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة واستدل به جمهور العلماء على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد
الأخير ليست واجبة ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبعض أصحاب مالك رحمه الله تعالى وجوبها في التشهد الأخير فمن تركها بطلت صلاته وقد جاء في رواية من هذا الحديث في غير مسلم زيادة فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ولكن هذه الزيادة ليست صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله حدثني عبد الله بن سخبرة هو بسين مهملة مفتوحة ثم خاء معجمة
ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة قوله (أقرت الصلاة بالبر والزكاة) قالوا معناه قرنت بهما وأقرت معهما وصار الجميع مأمورا به قوله (فأرم القوم) هو بفتح الراء وتشديد الميم أي سكتوا قوله (لقد رهبت أن تبكعني) هو بفتح المثناة في أوله وإسكان الموحدة بعدها أي تبكتني بها وتوبخني قوله صلى الله عليه وسلم (أقيموا صفوفكم) أمر بإقامة الصفوف وهو مأمور به بإجماع الأمة وهو أمر ندب والمراد تسويتها والاعتدال فيها وتتميم الأول فالأول منها والتراص فيها وسيأتي بسط الكلام فيها حيث ذكرها مسلم إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (ثم ليؤمكم
أحدكم) فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات ولا خلاف في ذلك ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب أم إيجاب على أربعة مذاهب فالراجح في مذهبنا وهو نص الشافعي رحمه الله تعالى وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية إذا فعله من يحصل به إظهار هذا الشعار سقط الحرج عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا كلهم وقالت طائفة من أصحابنا هي سنة وقال بن خزيمة من أصحابنا هي فرض عين لكن ليست بشرط فمن تركها وصلى منفردا بلا عذر أثم وصحت صلاته وقال بعض أهل الظاهر هي شرط لصحة الصلاة وقال بكل قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء وستأتي المسألة في بابها إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا كبر فكبروا) فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام ويتضمن مسئلتين إحداهما أنه لا يكبر قبله ولا معه بل بعده فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويا الاقتداء بالإمام وقد بقي للإمام منها حرف لم يصح إحرام المأموم بلاخلاف لأنه نوى الإقتداء بالإمام بمن لم يصر إماما بل بمن سيصير إماما إذا فرغ من التكبير والثانية أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام ولا يتأخر فلو تأخر جاز وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين) فيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده فإذا قال الإمام ولا الضالين قال الإمام والمأموم معا آمين وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا قالوا معناه إذا أراد التأمين ليجمع بينه وبين هذا الحديث وهو يريد التأمين في آخر قوله ولا الضالين فيعقب إرادته تأمينه وتأمينكم معا وفي آمين لغتان المد والقصر والمد أفصح والميم خفيفة فيهما ومعناه استجب وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في التأمين وما يتعلق به في بابه حيث ذكره مسلم قوله صلى الله عليه وسلم (فقولوا آمين يجبكم الله) هو بالجيم أي يستجب دعاكم وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم فتلك بتلك) معناه اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه وكذلك رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه ومعنى تلك بتلك أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تنجبر لكم بتأخيركم في الركوع بعد رفعه لحظة فتلك اللحظة بتلك اللحظة وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه وقال مثله في السجود وقوله صلى الله عليه وسلم (وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم) فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم أنه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن حمده وحينئذ يسمعونه فيقولون وفيه دلالة لمذهب من يقول لا يزيد المأموم على قوله ربنا لك الحمد ولا يقول معه سمع الله لمن حمده ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي وسيأتي بسط الكلام فيه في بابه إنشاء الله تعالى ومعنى سمع الله لمن حمده أي أجاب دعاء من حمده ومعنى يسمع الله لكم يستجب دعاءكم قوله ربنا لك الحمد هكذا هو هنا بلا واو وفي غير هذا الموضع ربنا ولك الحمد وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها وكلاهما جاءت به روايات كثيرة والمختار أنه على وجه الجواز وأن الأمرين جائزان ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ونقل القاضي عياض رضي الله عنه اختلافا عن مالك رحمه الله تعالى وغيره في الأرجح منهما وعلى إثبات الواو يكون قوله ربنا متعلقابما قبله تقديره سمع الله لمن حمده يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا ولك الحمد على هدايتنا لذلك قوله (وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات) استدل جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه التحيات ولا يقول
بسم الله وليس هذا الاستدلال بواضح لأنه قال فليكن من أول ولم يقل فليكن أول والله أعلم قوله (وفي حديث جرير عن سليمان التيمي عن قتادة من الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا) هكذا (قال أبو إسحاق قال أبو بكر بن أخت أبي النضر في هذا الحديث فقال مسلم تريد أحفظ من سليمان فقال له أبو بكر فحديث أبي هريرة فقال هو صحيح يعني وإذا قرأ فأنصتوا فقال هو عندي صحيح فقال لم لم تضعه ها هنا قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه) فقوله قال أبو إسحاق هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم راوي الكتاب عنه وقوله قال أبو بكر في هذا الحديث يعني طعن فيه وقدح في صحته فقال له مسلم أتريد أحفظ من سليمان يعني أن سليمان كامل الحفظ والضبط فلا تضر مخالفة غيره وقوله فقال
أبو بكر فحديث أبي هريرة قال هو صحيح يعني قال أبو بكر لم لم تضعه ها هنا في صحيحك فقال مسلم ليس هذا مجمعا على صحته ولكن هو صحيح عندي وليس كل صحيح عندي وضعته في هذا الكتاب إنما وضعت فيه ما أجمعوا عليه ثم قد ينكر هذا الكلام ويقال قد وضع أحاديث كثيرة غير مجمع عليها وجوابه أنها عند مسلم بصفة المجمع عليه ولا يلزم تقليد غيره في ذلك وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه واعلم أن هذه الزيادة وهي قوله وإذا قرأ فأنصتوا مما اختلف الحافظ في صحته فروى البيهقي في السنن الكبير عن أبي داود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة وكذلك رواه عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني والحافظ أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله قال البيهقي قال أبو علي الحافظ هذه اللفظة غير محفوظة قد خالف سليمان التيمي فيها جميع أصحاب قتادة واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه والله أعلم
(باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد)
اعلم أن العلماء اختلفوا في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب التشهد الأخير في الصلاة فذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى والجماهير إلى أنها سنة لو تركت صحت الصلاة وذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى إلى أنها واجبة لو تركت لم تصح الصلاة وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وهو قول الشعبي وقد نسب جماعة الشافعي رحمه الله تعالى في هذا إلى مخالفة الإجماع ولا يصح قولهم فإنه مذهب الشعبي كما ذكرنا وقد رواه عن البيهقي وفي الاستدلال لوجوبها خفاء وأصحابنا يحتجون بحديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه المذكور هنا أنهم قالوا كيف نصلي عليك يا رسول الله فقال قولوا اللهم صلي على محمد إلى
آخره قالوا والأمر للوجوب وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضم إليه الرواية الأخرى كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخره وهذه الزيادة صحيحة رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء البستي والحاكم أبو عبد الله في صحيحيهما قال الحاكم هي زيادة صحيحة واحتج لها أبو حاتم وأبو عبد الله أيضا في صحيحيهما بما روياه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي لم يحمد الله ولم يمجده ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليدع ما شاء قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم وهذان الحديثان وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع كالصلاة على الآل والذرية والدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما فإن الأمر للوجوب فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل بقي الباقي على الوجوب والله أعلم والواجب عند أصحابنا اللهم صل على محمد وما زاد عليه سنة ولنا وجه شاذ أنه يجب الصلاة على الآل وليس بشيء والله أعلم واختلف العلماء في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال أظهرها وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين أنهم جميع الأمة والثاني بنو هاشم وبنو المطلب والثالث أهل بيته صلى الله عليه وسلم وذريته والله أعلم قوله عن نعيم بن عبد الله المجمر هو بضم الميم وإسكان الجيم وكسر الميم وقد تقدم بيانه وسبب تسميته المجمر وأنه صفة لنعيم أو لأبيه في أول كتاب الوضوء قوله (عن أبي مسعود الأنصاري) هو البدري واسمه عقبة بن عمر وتقدم في آخر المقدمة وفي غيره قوله (أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك) معناه أمرنا الله تعالى بقوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما فكيف نلفظ بالصلاة وفي هذا أن من أمر بشيء لا يفهم مراده يسأل عنه ليعلم ما يأتي به قال القاضي ويحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة
في غير الصلاة ويحتمل أن يكون في الصلاة قال وهو الأظهر قلت وهذا ظاهر اختيار مسلم ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع قوله (فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله) معناه كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره سؤاله وشق عليه قوله صلى الله عليه وسلم (والسلام كما قد علمتم) معناه قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام علي فأما الصلاة فهذه صفتها وأما السلام فكما علمتم في التشهد وهو قولهم السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقوله علمتم هو بفتح العين وكسر اللام المخففة ومنهم من رواه بضم العين وتشديد اللام أي علمتكموه وكلاهما صحيح قوله صلى الله عليه وسلم (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم قال العلماء معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل هو بمعنى التطهير والتزكية واختلف العلماء في الحكمة في قوله اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض رضي الله عنه أظهر الأقوال أن نبينا صلى الله عليه وسلم سأل ذلك لنفسه ولأهل بيته ليتم النعمة عليهم كما أتمها على إبراهيم وعلى آله وقيل بل سأل ذلك لأمته وقيل بل ليبقى ذلك له دائما إلى يوم القيامة ويجعل له به لسان صدق في الآخرين كإبراهيم صلى الله عليه وسلم وقيل كان ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقيل سأل صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم هذا كلام القاضي والمختار في ذلك أحد ثلاثة أقوال أحدها حكاه بعض أصحابنا عن الشافعي رحمه الله تعالى أن معناه صل على محمد وتم الكلام هنا ثم استأنف وعلى آل محمد أي وصل على آل محمد كما صليت
على إبراهيم وآل إبراهيم فالمسئول له مثل إبراهيم وآله هم آل محمد صلى الله عليه وسلم لا نفسه القول الثاني معناه اجعل لمحمد وآله صلاة منك كما جعلتها لإبراهيم وآله فالمسئول المشاركة في أصل الصلاة لا قدرها القول الثالث أنه على ظاهره والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة بمقدار الصلاة التي لإبراهيم وآله والمسئول مقابلة الجملة فإن المختار في الآل كما قدمناه أنهم جميع الأتباع ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء ولا يدخل في آل محمد صلى الله عليه وسلم نبي فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء والله أعلم قال القاضي عياض ولم يجئ في هذه الأحاديث ذكر الرحمة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في بعض الأحاديث الغريبة قال واختلف شيوخنا في جواز الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة فذهب بعضهم وهو اختيار أبي عمر بن عبد البر إلى أنه يقال وأجازه غيره وهو مذهب أبي محمد بن أبي زيد وحجة الأكثرين تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه وليس فيها ذكر الرحمة والمختار أنه لا يذكر الرحمة وقوله وبارك على محمد وعلى آل محمد قيل البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل الثبات على ذلك من قولهم بركت الإبل أي ثبتت على الأرض ومنه بركة الماء وقيل التزكية والتطهير من العيوب كلها وقوله اللهم صل على محمد
وعلى آل محمد احتج به من أجاز الصلاة على غير الأنبياء وهذا مما اختلف العلماء فيه فقال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والأكثرون لا يصلي على غير الأنبياء استقلالا فلا يقال اللهم صل على أبي بكر أو عمر أو علي أو غيرهم ولكن يصلي عليهم تبعا فيقال اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته كما جاءت به الأحاديث وقال أحمد وجماعة يصلى على كل واحد من المؤمنين مستقلا واحتجوا بأحاديث الباب وبقوله صلى الله عليه وسلم اللهم صل على آل أبي أوفى وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم قالوا وهو موافق لقول الله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته واحتج الأكثرون بأن هذا النوع مأخوذ من التوقيف واستعمال السلف ولم ينقل استعمالهم ذلك بل خصوا به الأنبياء كما خصوا الله تعالى بالتقديس والتسبيح فيقال قال الله سبحانه وتعالى وقال الله تعالى وقال عز وجل وقال جلت عظمته وتقدست أسماؤه وتبارك وتعالى ونحو ذلك ولا يقال قال النبي عز وجل وإن كان عزيزا جليلا ولا نحو ذلك وأجابوا عن قول الله عز وجل هو الذي يصلي عليكم وملائكته وعن الأحاديث بأن ما كان من الله عز وجل ورسوله فهو دعاء وترحم وليس فيه معنى التعظيم والتوقير الذي يكون من غيرهما وأما الصلاة على الآل والأزواج والذرية فإنما جاء على التبع لا على الاستقلال وقد بينا أنه يقال تبعا لأن التابع
يحتمل فيه ما لا يحتمل استقلالا واختلف أصحابنا في الصلاة على غير الأنبياء هل يقال هو مكروه أو هو مجرد ترك أدب والصحيح المشهور أنه مكروه كراهة تنزيه قال الشيخ أبو محمد الجويني والسلام في معنى الصلاة فإن الله تعالى قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء فلا يقال أبو بكر وعمر وعلي عليهم السلام وإنما يقال ذلك خطابا للأحياء والأموات فيقال السلام عليكم ورحمة الله والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا) قال القاضي معناه رحمته وتضعيف أجره كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشرة امثالها قال وقد يكون الصلاة على وجهها وظاهرها تشريفا له بين الملائكة كما في الحديث وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم
(باب التسميع والتحميد والتأمين)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي رواية (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من
وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي رواية (إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي رواية (إذا قال القارئ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال من خلفه آمين فوافق قوله قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه) وسبق في حديث أبي موسى في باب التشهد إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين في هذه
الأحاديث استحباب التأمين عقب الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد وأنه ينبغي أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لقوله صلى الله عليه وسلم وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وأما رواية إذا أمن فأمنوا فمعناها إذا أراد التأمين وقد قدمنا بيان هذا قريبا في حديث أبي موسى في باب التشهد ويسن للإمام والمنفرد الجهر بالتأمين وكذا للمأموم على المذهب الصحيح هذا تفصيل مذهبنا وقد اجتمعت الأمة على أن المنفرد يؤمن وكذلك الإمام والمأموم في الصلاة السرية وكذلك قال الجمهور في الجهرية وقال مالك رحمه الله تعالى في رواية لا يؤمن الإمام في الجهرية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه والكوفيون ومالك في رواية لا يجهر بالتأمين وقال الأكثرون يجهر وقوله صلى الله عليه وسلم من وافق قوله قول الملائكة ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة معناه وافقهم في وقت التأمين فأمن مع تأمينهم فهذا هو الصحيح والصواب وحكى القاضي عياض قولا أن معناه وافقهم في الصفة والخشوع والإخلاص واختلفوا في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة وقيل غيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم فوافق قوله قول أهل السماء وأجاب الأولون عنه بأنه إذا قالها الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء وقول بن شهاب (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين) معناه أن هذه صيغة تأمين النبي صلى الله عليه وسلم وهو تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا ورد لقول من زعم أن معناه إذا دعا الإمام بقوله اهدنا الصراط إلى آخرها وفي هذا الحديث دليل على قراءة الفاتحة لأن التأمين لا يكون إلا عقبها والله أعلم
باب ائتمام المأموم بالإمام
فيه أنس رضي الله عنه قال (سقط النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحش شقه الأيمن فدخلنا
عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا فصلينا وراءه قعودا فلما قضى الصلاة قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا سجد فاسجدوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون) وفي رواية (فإذا صلى قائما فصلوا قياما) وفي رواية عائشة رضي الله عنها
(صلى جالسا فصلوا بصلاته قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا) وذكر أحاديث أخر بمعناه قوله جحش هو بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة أي خدش وقوله فحضرت الصلاة ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة مكتوبة وفيه جواز الإشارة والعمل القليل في الصلاة للحاجة وفيه متابعة الإمام في الأفعال والتكبير وقوله ربنا ولك الحمد كذا وقع هنا ولك الحمد بالواو وفي روايات بحذفها وقد سبق أنه يجوز الأمران وفيه وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير والقيام والقعود والركوع والسجود وأنه يفعلها بعد المأموم فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام منها فإن شرع فيها قبل فراغ الإمام منها لم تنعقد صلاته ويركع بعد شروع الإمام في الركوع وقبل رفعه منه فإن قارنه أو سبقه فقد أساء ولكن لا تبطل صلاته وكذا السجود ويسلم بعد فراغ الإمام من السلام فإن سلم قبله بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور وإن سلم معه لا قبله ولا بعده فقد أساء ولا تبطل صلاته على الصحيح وقيل تبطل وأما قوله صلى الله عليه وسلم
وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا فاختلف العلماء فيه فقالت طائفة بظاهره وممن قال به أحمد بن حنبل والأوزاعي رحمهما الله تعالى وقال مالك رحمه الله تعالى في رواية لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائما ولا قاعدا وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف رحمهم الله تعالى لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائما واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته بعد هذا قاعدا وأبو بكر رضي الله عنه والناس خلفه قياما وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الإمام والنبي صلى الله عليه وسلم مقتد به لكن الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام وقد ذكره مسلم بعد هذا الباب صريحا أو كالصريح فقال في روايته عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر وأما قوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فمعناه عند الشافعي وطائفة في الأفعال الظاهرة وإلا فيجوز أن يصلي الفرض خلف النفل وعكسه والظهر خلف العصر وعكسه وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما وآخرون لا يجوز ذلك وقالوا معنى الحديث ليؤتم به في الأفعال والنيات ودليل الشافعي رضي الله عنه وموافقيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرتين بكل فرقة مرة فصلاته الثانية وقعت له نفلا وللمقتدين فرضا وأيضا حديث معاذ كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة ولهم مما يدل على أن الائتمام إنما يجب في الأفعال الظاهرة قوله صلى الله عليه وسلم في رواية جابر رضي الله عنه (ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا) والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم (إنما الإمام جنة) أي ساتر
لمن خلفه ومانع من خلل يعرض لصلاتهم بسهو أو مرور أي كالجنة وهي الترس الذي يستر من وراءه ويمنع وصول مكروه إليه قوله صلى الله عليه وسلم (إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهو قعود فلا تفعلوا) فيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير فليس من هذا بل هو جائز قد جاءت به أحاديث وأطبق عليه السلف والخلف وقد جمعت دلائله وما يرد عليه في جزء وبالله التوفيق والعصمة
(باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر
وغيرهما)
من يصلي بالناس وأن من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام إذا قدر عليه ونسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام فيه حديث استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وقد قدمنا في آخر الباب
السابق دليل ما ذكرته في الترجمة قولها (المخضب) هو بكسر الميم وبخاء وضاد معجمتين وهو إناء نحو المركن الذي يغسل فيه قوله (ذهب لينوء) أي يقوم وينهض وقوله (فأغمي عليه) دليل على جواز الإغماء على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا شك في جوازه فإنه مرض والمرض يجوز عليهم بخلاف الجنون فإنه لا يجوز عليهم لأنه نقص والحكمة في جواز المرض عليهم ومصائب الدنيا تكثير أجرهم وتسلية الناس بهم ولئلا يفتتن الناس بهم ويعبدوهم لما يظهر عليهم من المعجزات والآيات البينات والله أعلم قوله (فقال أصلى الناس فقيل لا وهم ينتظرونك يا رسول الله) دليل على أنه إذا تأخر الإمام عن أول الوقت ورجي مجيئه على قرب ينتظر ولا يتقدم غيره وسنبسط المسألة في الباب بعده إن شاء الله تعالى قولها (قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل) دليل الاستحباب بالغسل من الإغماء وإذا تكرر الإغماء استحب تكرر الغسل لكل مرة فإن لم يغتسل إلا بعد الإغماء مرات كفى غسل واحد وقد حمل القاضي عياض الغسل هنا على الوضوء من حيث إن الإغماء ينقض الوضوء ولكن الصواب أن المراد غسل جميع البدن فإنه ظاهر اللفظ ولا مانع يمنع منه فإن الغسل مستحب من الإغماء بل قال بعض أصحابنا إنه واجب وهذا شاذ ضعيف قوله (والناس عكوف) أي مجتمعون منتظرون لخروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصل الاعتكاف اللزوم والحبس
قولها (لصلاة العشاء الآخرة) دليل على صحة قول الإنسان العشاء الآخرة وقد أنكره الأصمعي والصواب جوازه فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وأنس والبراء وجماعة آخرين إطلاق العشاء الآخرة وقد بسطت القول فيه في تهذيب الأسماء واللغات قولها (فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس فقال أبو بكر رضي الله عنه وكان رجلا رقيقا يا عمر صل بالناس فقال عمر رضي الله عنه أنت أحق بذلك) فيه فوائد منها فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر رضي الله عنه لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يعدل إلى غيره ومنها أن المفضول إذا عرض عليه الفاضل مرتبة لا يقبلها بل يدعها للفاضل إذا لم يمنع مانع ومنها جواز الثناء في الوجه لمن أمن عليه الإعجاب والفتنة لقوله أنت أحق بذلك وأما قول أبي بكر لعمر رضي الله عنهما صل بالناس فقاله للعذر المذكور وهو أنه رجل رقيق القلب كثير الحزن والبكاء لا يملك عينيه وقد تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعا والمختار ما ذكرناه قولها (فخرج بين رجلين أحدهما العباس) وفسر بن عباس
الآخر بعلي بن أبي طالب وفي الطريق الآخر (فخرج ويد له على الفضل بن عباس ويدله على رجل آخر) وجاء في غير مسلم بين رجلين أحدهما أسامة بن زيد وطريق الجمع بين هذا كله أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة صلى الله عليه وسلم تارة هذا وتارة ذاك وذاك ويتنافسون في ذلك وهؤلاء هم خواص أهل بيته الرجال الكبار وكان العباس رضي الله عنه أكثرهم ملازمة للأخذ بيده الكريمة المباركة صلى الله عليه وسلم أو أنه أدام الأخذ بيده وإنما يتناوب الباقون في اليد الأخرى وأكرموا العباس باختصاصه بيد واستمرارها له لما له من السن والعمومة وغيرهما ولهذا ذكرته عائشة رضي الله عنها مسمى وأبهمت الرجل الآخر إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازما في جميع الطريق ولا معظمه بخلاف العباس والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنبه) فيه جواز وقوف مأموم واحد بجنب الإمام لحاجة أو مصلحة كإسماع المأموضنين وضيق المكان ونحو ذلك قوله (هات) هو بكسر التاء قوله (استأذن أزواجه أن يمرض في بيتها) يعني بيت عائشة وهذا يستدل به من يقول كان القسم
واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه في الدوام كما يجب في حقنا ولأصحابنا وجهان أحدهما هذا والثاني سنة ويحملون هذا وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم هذا قسمي فيما أملك على الاستحباب ومكارم الأخلاق وجميل العشرة وفيه فضيلة عائشة رضي الله عنها ورجحانها على جميع أزواجه الموجودات ذلك الوقت وكن تسعا إحداهن عائشة رضي الله عنها وهذا لا خلاف فيه بين العلماء وإنما اختلفوا في عائشة وخديجة رضي الله عنهما قوله يخط برجليه في الأرض أي
لا يستطيع أن يرفعهما ويضعهما ويعتمد عليهما قوله صلى الله عليه وسلم (إنكن لأنتن صواحب يوسف) أي في التظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكن في طلب ما تردنه وتملن إليه وفي مراجعة عائشة جواز مراجعة ولي الأمر على سبيل العرض والمشاورة والإشارة بما يظهر أنه مصلحة وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة ومثل هذه المراجعة مراجعة عمر رضي الله عنه في قوله لا تبشرهم فيتكلوا وأشباهه كثيرة مشهورة قولها (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة) فيه دليل لما قاله أصحابنا أنه لا بأس باستدعاء الأئمة للصلاة قولها (رجل أسيف
أي حزين وقيل سريع الحزن والبكاء ويقال فيه أيضا الأسوف قولها (يهادى بين رجلين
أي يمشي بينهما متكئا عليهما يتمايل إليهما قوله (كأن وجهه ورقة مصحف) عبارة عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته وفي المصحف ثلاث لغات ضم الميم وكسرها وفتحها قوله (ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا) سبب تبسمه صلى الله عليه وسلم فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتباعهم لإمامهم وإقامتهم شريعته واتفاق كلمتهم واجتماع قلوبهم ولهذا استنار وجهه صلى الله عليه وسلم على عادته إذا رأى أو سمع ما يسره يستنير وجهه وفيه معنى آخر وهو تأنيسهم وإعلامهم بتماثل حاله في مرضه وقيل يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم خرج ليصلي بهم فرأى من نفسه ضعفا فرجع قوله
(ونكص) أي رجع إلى ورائه قهقرى قوله (حدثنا محمد بن المثنى وهرون قالا حدثنا عبد الصمد قال سمعت أبي يحدث قال حدثنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه) هذا الإسناد كله بصريون قوله (وضح لنا وجهه) أي بان وظهر
قوله (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبي موسى) هذا الإسناد كله كوقيون قولها (وأبو بكر يسمع الناس التكبير) فيه جواز رفع الصوت بالتكبير ليسمعه الناس ويتبعوه وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ونقلوا فيه الإجماع وما أراه يصح الإجماع فيه فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم أن منهم من أبطل صلاة المقتدي ومنهم من لم يبطلها ومنهم من قال إن أذن له الإمام في الإسماع صح الاقتداء به وإلا فلا ومنهم من أبطل صلاة المسمع ومنهم من صححها ومنهم من شرط إذن الإمام ومنهم من قال إن تكلف صوتا بطلت صلاته وصلاة من ارتبط بصلاته وكل هذا ضعيف والصحيح جواز كل ذلك وصحة صلاة المسمع والسامع ولا يعتبر إذن الإمام والله أعلم
(باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام)
ولم يخافوا مفسدة بالتقديم فيه حديث تقديم أبي بكر رضي الله عنه وحديث تقدم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فيه فضل الإصلاح بين الناس ومشي الإمام وغيره في ذلك وأن الإمام إذا تأخر عن الصلاة تقدم
غيره إذا لم يخف فتنة وإنكار من الإمام وفيه أن المقدم نيابة عن الإمام يكون أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به وفيه أن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل وأن الفاضل يوافقه وفيه أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة لقوله صفق الناس وفيه جواز الالتفات في الصلاة للحاجة واستحباب حمد الله تعالى لمن تجددت له نعمة ورفع اليدين بالدعاء وفعل ذلك الحمد والدعاء عقب النعمة وإن كان في صلاة وفيه جواز مشي الخطوة والخطوتين في الصلاة وفيه أن هذا القدر لا يكره إذا كان لحاجة وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم وهذا هو الصحيح في مذهبنا وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه بذلك الشيء لا تحتم الفعل فله أن يتركه ولا يكون هذا مخالفة للأمر بل يكون أدبا وتواضعا وتحذقا في فهم المقاصد وفيه ملازمة الأدب مع الكبار وفيه أن السنة لمن نابه شيء في صلاته كإعلام من يستأذن عليه وتنبيه الإمام وغير ذلك أن يسبح إن كان رجلا فيقول سبحان الله وأن تصفق وهو التصفيح إن كان امرأة فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر
ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللعب واللهو فإن فعلت هكذا على جهة اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة وفيه فضائل كثيرة لأبي بكر رضي الله عنه وتقديم الجماعة له واتفاقهم على فضله عليهم ورجحانه وفيه تقديم الصلاة في أول وقتها وفيه أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة لقوله أتصلي فأقيم وفيه أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة فهذا هو السنة ولو أقام غيره كان خلاف السنة ولكن يعتد بإقامته عندنا وعند جمهور العلماء وفيه جواز خرق الإمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج إلى خرقها لخروجه لطهارة أو رعاف أو نحوهما ورجوعه وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذر وكذا له خرقها في الدخول إذا رأى قدامهم فرجة فإنهم مقصرون بتركها واستدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم بالصلاة بعده فإن الصديق رضي الله عنه أحرم بالصلاة أولا ثم اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم حين أحرم بعده هذا هو الصحيح في مذهبنا وقوله (ورجع القهقرى) فيه أن من رجع في صلاته
لشيء يكون رجوعه إلى وراء ولا يستدبر القبلة ولا يتحرفها وأما حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة ومما فيه حمل الإداوة مع الرجل الجليل وجواز الاستعانة بصب الماء في الوضوء وغسل الكفين في أوله ثلاثا وجواز لبس الجباب وجواز إخراج اليد من أسفل الثوب إذا لم يتبين شيء من العورة وجواز المسح على الخفين
وغير ذلك مما سبق بيانه في موضعه والله تعالى أعلم
(باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في
الصلاة)
قوله صلى الله عليه وسلم (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) تقدم شرحه في الباب قبله
باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها
قوله صلى الله عليه وسلم (يا فلان ألا تحسن صلاتك ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي) وفي رواية (هل ترون قبلتي ها هنا فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم وراء ظهري) وفي رواية (أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي إذا ركعتم وسجدتم) قال العلماء معناه أن الله تعالى خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به قال القاضي قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمهور العلماء هذه
الرؤية رؤية بالعين حقيقة وفيه الأمر بإحسان الصلاة والخشوع وإتمام الركوع والسجود وجواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف وقوله صلى الله عليه وسلم إني لأراكم من بعدي أي من ورائي كما في الروايات الباقية قال القاضي عياض وحمله بعضهم على بعد الوفاة وهو بعيد عن سياق الحديث وقوله (حدثنا أبو غسان حدثنا معاذ حدثنا أبي وحدثنا محمد بن مثنى حدثنا بن أبي عدي عن سعيد كلاهما عن قتادة عن أنس هذان الطريقان من أبي غسان إلى أنس كلهم بصريون
(باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما)
قوله صلى الله عليه وسلم (لا تسبقوني بالركوع ولا بالقيام ولا بالانصراف) فيه تحريم هذه الأمور وما في معناها والمراد بالانصراف السلام
قوله صلى الله عليه وسلم (رأيت الجنة والنار) فيه أنهما مخلوقتان وقوله صلى الله عليه وسلم (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار) وفي رواية صورته في صورة حمار وفي رواية وجهه وجه حمار هذا كله بيان لغلظ تحريم ذلك والله أعلم
(باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة)
قوله صلى الله عليه وسلم (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة) أو لا ترجع إليهم وفي رواية أو لتخطفن أبصارهم فيه النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك قال القاضي عياض واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة فكرهه شريح وآخرون وجوزه الأكثرون وقالوا لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة ولا ينكر رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد قال الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون
باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة
باليد)
(ورفعها عند السلام وإتمام الصفوف الأول والتراص فيها والأمر بالاجتماع) قوله صلى الله عليه وسلم (مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس) هو بإسكان الميم وضمها
وهي التي لا تستقر بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها والمراد بالرفع المنهي عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين كما صرح به في الرواية الثانية قوله (فرآنا حلقا) هو بكسر الحاء وفتحها لغتان جمع حلقة بإسكان اللام وحكى الجوهري وغيره فتحها في لغة ضعيفة قوله صلى الله عليه وسلم (ما لي أراكم عزين) أي متفرقين جماعة جماعة وهو بتخفيف الزاي الواحدة عزة معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع وفيه الأمر بإتمام الصفوف الأول والتراص في الصفوف ومعنى إتمام الصفوف الأول أن يتم الأول ولا يشرع في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني ولا في الرابع حتى يتم الثالث وهكذا إلى آخرها وفيه أن السنة في السلام من الصلاة أن يقول السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله عن شماله ولا يسن زيادة وبركاته وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيف وأشار إليها بعض العلماء ولكنها بدعة إذ لم يصح فيها حديث بل صح هذا الحديث وغيره في تركها والواجب منه السلام عليكم مرة واحدة ولو قال السلام عليك بغير ميم لم تصح صلاته وفيه دليل على استحباب تسليمتين
وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقوله صلى الله عليه وسلم ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله المراد بالأخ الجنس أي إخوانه الحاضرين عن اليمين والشمال وفيه الأمر بالسكون في الصلاة والخشوع فيها والإقبال عليها وأن الملائكة يصلون وأن صفوفهم على هذه الصفة والله أعلم
باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها
(والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام) قوله صلى الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ليلني هو بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على
التوكيد وأولو الأحلام هم العقلاء وقيل البالغون والنهي بضم النون العقول فعلى قول من يقول أولو الأحلام العقلاء يكون اللفظان بمعنى فلما اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء قال أهل اللغة واحدة النهى نهية بضم النون وهي العقل ورجل نه ونهي من قوم نهين وسمي العقل نهية لأنه ينتهي إلى ما أمر به ولا يتجاوز وقيل لأنه ينهى عن القبائح قال أبو علي الفارسي يجوز أن يكون النهي مصدرا كالهدى وأن يكون جمعا كالظلم قال والنهي في اللغة معناه الثبات والحبس ومنه النهى والنهى بكسر النون وفتحها والنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع قال الواحدي فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس فالنهية هي التي تنهى وتحبس عن القبائح والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ثم الذين يلونهم) معناه الذين يقربون منهم في هذا الوصف قوله (يمسح مناكبنا) أي يسوي مناكبنا في الصفوف ويعدلنا فيها في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها وينقلوها ويعلموها الناس وليقتدي بأفعالهم من وراءهم ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك وفيه تسوية الصفوف
واعتناء الإمام بها والحث عليها قوله صلى الله عليه وسلم (وإياكم وهيشات الأسواق) هي بفتح الهاء وإسكان الياء وبالشين المعجمة أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها قوله (حدثني خالد الحذاء عن أبي معشر) اسم أبي معشر زياد بن كليب التميمي الحنظلي الكوفي قوله (حدثنا محمد بن مثنى وبن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس رضي الله عنه قال وحدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه) هذان الإسنادان بصريون وقوله صلى الله عليه وسلم (فإني أراكم خلف ظهري) تقدم شرحه في الباب قبله قوله صلى الله عليه وسلم (أقيموا الصف في الصلاة) أي سووه وعدلوه وتراصوا فيه قوله صلى الله عليه وسلم (لتسون
صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) قيل معناه يمسخها ويحولها عن صورها لقوله صلى الله عليه وسلم يجعل الله تعالى صورته صورة حمار وقيل يغير صفاتها والأظهر والله أعلم أن معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال تغير وجه فلان علي أي ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه علي لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن قوله (يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح) القداح بكسر القاف هي خشب السهام حين تنحت وتبرى واحدها قدح بكسر القاف معناه يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها قوله فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال لتسون عباد الله صفوفكم فيه الحث على تسويتها وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ومنعه بعض العلماء والصواب الجواز وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لغيرها أولا لمصلحة قوله صلى الله عليه وسلم (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) النداء هو الأذان والاستهام
الاقتراع ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن أذان بعد أذان أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق وجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه وفيه إثبات القرعة في الحقوق التي يزدحم عليها ويتنازع فيها قوله (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) التهجير التبكير إلى الصلاة أي صلاة كانت قال الهروي وغيره وخصه الخليل بالجمعة والصواب المشهور الأول قوله صلى الله عليه وسلم (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا) فيه الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول نومها وآخره ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين وفي هذا الحديث تسمية العشاء عتمة وقد ثبت النهي عنه وجوابه من وجهين أحدهما أن هذه التسمية بيان للجواز وأن ذلك النهي ليس للتحريم والثاني وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب فلو قال لو يعلمون ما في العشاء والصبح لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما قوله صلى الله عليه وسلم ولو حبوا هو بإسكان الباء وإنما ضبطته لأني رأيت من الكبار من صحفه قوله (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) معنى وليأتم بكم من بعدكم أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم
ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أوصف قدامه يراه متابعا للإمام وقوله صلى الله عليه وسلم لا يزال قوم يتأخرون أي عن الصفوف الأول حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة وعن العلم ونحو ذلك قوله (قتادة عن خلاس) هو بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبالسين المهملة قوله صلى الله عليه وسلم (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) أما صفوف الرجال فهي على عمومها فخيرها أولها أبدا وشرها آخرها أبدا أما صفوف النساء فالمراد بالحديث أما صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكسه وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع
كلامهم ونحو ذلك وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث وصرح به المحققون وقال طائفة من العلماء الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا يتخلله مقصورة ونحوها فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل الأول مالا يتخلله شيء وإن تأخر وقيل الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخر وهذان القولان غلط صريح وإنما أذكره ومثله لأنبه على بطلانه لئلا يغتر به والله أعلم
(باب أمر النساء المصليات وراء الرجال)
(أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يرفع الرجال) قوله (رأيت الرجال عاقدي أزرهم) معناه عقدوها لضيقها لئلا يكشف شيء من العورة ففيه الاحتياط في ستر العورة والتوثق بحفظ السترة وقوله (يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال) معناه لئلا يقع بصر امرأة على عورة رجل انكشف وشبه ذلك والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
(باب خروج النساء إلى المساجد)
(إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة) قوله صلى الله عليه وسلم (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهو أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة
ونحوها ممن يفتتن بها وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط قوله (فيتخذنه دغلا) هو بفتح الدال والغين المعجمة وهو الفساد والخداع والريبة قوله (فزبره) أي نهره قوله (فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا) وفي رواية فزبره وفي رواية فضرب في صدره فيه تعزير المعترض على السنة والمعارض لها برأيه وفيه تعزير الوالد ولده وإن كان كبيرا قوله صلى الله عليه وسلم (لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم) هكذا وقع في أكثر الأصول استأذنوكم وفي بعضها استأذنكم وهذا ظاهر والأول صحيح أيضا وعوملن معاملة
الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة) معناه إذا أرادت شهودها أما من شهدها ثم عادت إلى بيتها فلا تمنع من التطيب بعد ذلك وكذا قوله صلى الله عليه وسلم (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا) معناه إذا أرادت شهوده قوله صلى الله عليه وسلم (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) فيه دليل على جواز قول الإنسان العشاء الآخرة وأما ما نقل عن الأصمعي أنه قال من المحال قول العامة العشاء الآخرة لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة فلا توصف بالآخرة فهذا القول غلط لهذا الحديث وقد ثبت في صحيح مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة وألفاظهم بهذا مشهورة في هذه الأبواب التي بعد
هذا والبخور بتخفيف الخاء وفتح الباء والله أعلم قولها (لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد) يعني من الزينة والطيب وحسن الثياب والله أعلم
(باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية)
(بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة) ذكر في الباب حديث بن عباس رضي الله عنهما وهو ظاهر فيما ترجمنا له وهو مراد مسلم بإدخال هذا الحديث هنا وذكر تفسير عائشة رضي الله عنها أن الآية نزلت في الدعاء واختاره
الطبري وغيره لكن المختار الأظهر ما قاله بن عباس رضي الله عنهما والله أعلم
(باب الاستماع للقراءة)
فيه حديث بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله عز وجل (لا تحرك به لسانك) إلى آخرها قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كان مما يحرك به لسانه) إنما كرر لفظة كان لطول الكلام وقد قال العلماء إذا طال الكلام جازت إعادة اللفظ ونحوها كقوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون فأعاد أنكم لطول الكلام وقوله تعالى
ولما جاءهم كتاب من عند الله إلى قوله تعالى فلما جاءهم ما عرفوا وقد سبق بيان هذه المسألة مبسوطا في أوائل كتاب الإيمان وقوله كان مما يحرك به لسانه وشفتيه معناه كان كثيرا ما يفعل ذلك وقيل معناه هذا شأنه ودأبه قوله عز وجل فإذا قرأناه أي قرأه جبريل عليه السلام ففيه إضافة ما يكون عن أمر الله تعالى إليه قوله فيشتد عليه وفي الرواية الأخرى يعالج من التنزيل شدة سبب الشدة هيبة الملك وما جاء به وثقل الوحي قال الله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا والمعالجة المحاولة للشيء والمشقة في تحصيله قوله فكان ذلك يعرف منه يعني يعرفه من رآه لما يظهر على وجهه وبدنه من أثره كما قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا قوله فاستمع له وأنصت الاستماع
الإصغاء له والإنصات السكوت فقد يستمع ولا ينصت فلهذا جمع بينهما كما قال الله تعالى فاستمعوا له وأنصتوا قال الأزهري يقال أنصت ونصت وانتصت ثلاث لغات أفصحهن أنصت وبها جاء القرآن العزيز
(باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن)
قوله سوق عكاظ هو بضم العين وبالظاء المعجمة يصرف ولا يصرف والسوق تؤنث وتذكر لغتان قيل سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم قوله عن بن عباس رضي الله عنهما قال ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم وذكر بعده حديث بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال العلماء هما قضيتان فحديث بن عباس في أول الأمر وأول النبوة حين أتوا فسمعوا قراءة قل أوحى واختلف المفسرون هل علم النبي صلى الله عليه وسلم استماعهم حال استماعهم بوحي أوحي إليه أم لم يعلم بهم إلا بعد ذلك واما حديث بن مسعود فقضية أخرى جرت بعد ذلك بزمان الله أعلم بقدره وكان بعد اشتهار الإسلام قوله وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم ظاهر هذا الكلام أن هذا حدث بعد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكن قبلها ولهذا أنكرته الشياطين وارتاعت له وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب حتى قطع بين الشياطين وبين صعود السماء واستراق السمع كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا وأنا
لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وقد جاءت أشعار العرب باستغرابهم رميها لكونهم لم يعهدوه قبل النبوة وكان رميها من دلائل النبوة وقال جماعة من العلماء مازالت الشهب منذ كانت الدنيا وهو قول بن عباس والزهري وغيرهما وقد جاء ذلك في أشعار العرب وروى فيه بن عباس رضي الله عنهما حديثا قيل للزهري فقد قال الله تعالى فمن يستمع الآن يجدله شهابا رصدا فقال كانت الشهب قليلة فغلظ أمرها وكثرت حين بعث نبينا صلى الله عليه وسلم وقال المفسرون نحو هذا وذكروا أن الرمي بها وحراسة السماء كانت موجودة قبل النبوة ومعلومة ولكن إنما كانت تقع عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل بأهل الأرض أو إرسال رسول إليهم وعليه تأولوا قوله تعالى وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا وقيل كانت الشهب قبل مرئية ومعلومة لكن رجم الشياطين واحراقهم لم يكن الابعد نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم واختلفوا في إعراب قوله تعالى رجوما وفي معناه فقيل هو مصدر فتكون الكواكب هي الراجمة المحرقة بشهبها لا بأنفسها وقيل هو اسم فتكون هي بأنفسها التي يرجم بها ويكون رجوم جمع رجم بفتح الراء والله أعلم قوله فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها معناه سيروا فيها كلها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن الله
تعالى يمقت على ذلك قوله فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل هكذا وقع في مسلم بنخل بالخاء المعجمة وصوابه بنخلة بالهاء وهو موضع معروف هناك كذا جاء صوابه في صحيح البخاري ويحتمل أنه يقال فيه نخل ونخلة وأما تهامة فبكسر التاء وهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من تهامة قال بن فارس في المجمل سميت تهامة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح وقال صاحب المطالع سميت بذلك لتغير هوائها يقال تهم الدهن إذا تغير وذكر الحازمي أنه يقال في أرض تهامة تهائم قوله وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح فلما سمعوا القرآن قالوا هذا الذي حال بيننا وبين السماء فيه الجهر بالقراءة في الصبح وفيه إثبات صلاة الجماعة وأنها مشروعة في السفر وأنها كانت مشروعة من أول النبوة قال الإمام أبو عبد الله المازري ظاهر الحديث أنهم آمنوا عند سماع القرآن ولا بد لمن آمن عند سماعه أن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة وبعد ذلك يقع له العلم بصدق الرسول فيكون الجن علموا ذلك من كتب الرسل المتقدمين قبلهم على أنه هو النبي الصادق المبشر به واتفق العلماء على أن الجن يعذبون في الآخرة على المعاصي قال الله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين واختلفوا في أن مؤمنهم ومطيعهم هل يدخل الجنة وينعم بها ثوابا ومجازاة له على طاعته أم لا يدخلون بل يكون ثوابهم أن ينجوا من النار ثم يقال كونوا ترابا كالبهائم وهذا مذهب بن أبي سليم وجماعة والصحيح أنهم يدخلونها وينعمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما وهذا قول الحسن البصري والضحاك ومالك بن أنس وبن أبي ليلى وغيرهم وقوله (سألت بن مسعود هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قال لا) هذا صريح في إبطال الحديث المروي في سنن أبي داود وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور بن مسعود معه صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فإن هذا الحديث صحيح وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين ومداره على زيد
مولى عمرو بن حريث وهو مجهول قوله (استطير أو اغتيل) معنى استطير طارت به الجن ومعنى اغتيل قتل سرا والغيلة بكسر الغين هي القتل في خفية قال الدارقطني انتهى حديث بن مسعود عند قوله فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وما بعده من قول الشعبي كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي وبن علية وبن زريع وبن أبي زائدة وبن إدريس وغيرهم هكذا قاله الدارقطني وغيره ومعنى قوله إنه من كلام الشعبي أنه ليس مرويا عن بن مسعود بهذا الحديث وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه) قال بعض العلماء هذا لمؤمنيهم وأما غيرهم فجاء في حديث آخر أن طعامهم مالم يذكر اسم الله
عليه قوله (وددت أني كنت معه) فيه الحرص على مصاحبة أهل الفضل في أسفارهم ومهماتهم ومشاهدهم ومجالسهم مطلقا والتأسف على فوات ذلك قوله (آذنت بهم شجرة) هذا دليل على أن الله تعالى يجعل فيما يشاء من الجماد تمييزا ونظيره قول الله تعالى وإن منها لما يهبط من خشية الله وقوله تعالى وان من شئ الايسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقوله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي وحديث الشجرتين اللتين أتتاه صلى الله عليه وسلم وقد ذكره مسلم في آخر الكتاب وحديث حنين الجذع وتسبيح الطعام وفرار حجر موسى بثوبه ورجعان حراء وأحد والله أعلم
(باب القراءة في الظهر والعصر)
قوله في حديث أبي قتادة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين
الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحياناويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب) وفي رواية أبي سعيد رضي الله عنه (كان يقرأ في كل ركعة من الأوليين قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في
كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة وفي الأخريين قدر نصف ذلك) وفي حديث سعد (أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين) وفي حديث أبي سعيد الآخر قال (لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة
الأولى مما يطولها) وفي أحاديث أخر في غير الباب وهي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أخف الناس صلاة في تمام وأنه صلى الله عليه وسلم قال إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتتن أمه قال العلماء كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل ولا شغل هناك له ولا لهم طول وإذا لم يكن كذلك خفف وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت فيخفف وقيل إنما طول في بعض الأوقات وهو الأقل وخفف في معظمها فالإطالة لبيان جوازها والتخفيف لأنه الأفضل وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وقال إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وقيل طول في وقت وخفف في وقت ليبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة لا تقدير فيها من حيث الاشتراط بل يجوز قليلها وكثيرها وإنما المشترط الفاتحة ولهذا اتفقت الروايات عليها واختلف فيما زاد وعلى الجملة السنة التخفيف كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم للعلة التي بينها وإنما طول في بعض الأوقات لتحققه انتفاء العلة فإن تحقق أحد انتفاء العلة طول قوله وكان يقرأ بفاتحة الكتاب وسورتين فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم أن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة لان المستحب للقارئ ان يبتدىء من أول الكلام المرتبط ويقف عند انتهاء المرتبط وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير فندب منهم إلى إكمال السورة ليحترز عن الوقوف دون الارتباط وأما اختلاف الرواية في السورة في الأخريين فلعل سببه ما ذكرناه من اختلاف إطالة الصلاة وتخفيفها بحسب الأحوال وقد اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأخريين من الرباعية والثالثة من المغرب فقيل بالاستحباب وبعدمه وهما قولان للشافعي رحمه الله تعالى قال الشافعي ولو أدرك المسبوق الأخريين أتى بالسورة في الباقيتين عليه لئلا تخلو صلاته من سورة وأما اختلاف قدر القراءة في الصلوات فهو عند العلماء على ظاهره قالوا فالسنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل وتكون الصبح أطول وفي العشاء والعصر بأوساطه وفي المغرب بقصاره قالوا والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل وفي القائلة فيطولهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها والعصر ليست كذلك بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك والمغرب ضيقة الوقت
فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر والله أعلم وقوله وكان يطول الركعة الأولى ويقصر الثانية هذا مما اختلف العلماء في العمل بظاهره وهما وجهان لأصحابنا أشهرهما عندهم لا يطول والحديث متأول على أنه طول بدعاء الافتتاح والتعوذ أو لسماع دخول داخل في الصلاة ونحوه لافي القراءة والثاني أنه يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدا وهذا هو الصحيح المختار الموافق لظاهر السنة ومن قال بقراءة السورة في الأخريين اتفقوا على أنها أخف منها في الأوليين واختلف أصحابنا في تطويل الثالثة على الرابعة إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية وفي هذه الأحاديث كلها دليل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في جميع الركعات ولم يوجب أبو حنيفة رضي الله عنه في الأخريين القراءة بل خيره بين القراءة والتسبيح والسكوت والجمهور على وجوب القراءة وهو الصواب الموافق للسنن الصحيحة وقوله (وكان يسمعنا الآية) أحيانا هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو سنة ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر والله أعلم قوله (أخبرنا هشيم عن منصور عن الوليد بن مسلم عن أبي الصديق عن أبي سعيد) أما منصور فهو بن المعتمر وأما الوليد بن مسلم فليس هو الوليد بن مسلم الدمشقي أبا العباس الأموي مولاهم الإمام الجليل المشهور المتأخر صاحب الأوزاعي بل هو الوليد بن مسلم العنبري البصري أبو بشر التابعي وأن اسم أبي الصديق بكر بن عمرو وقيل بن قيس الناجي منسوب إلى ناجية قبيلة قوله (كنا نحزر قيامه) هو بضم الزاي وكسرها لغتان قوله (والآوليين والآخريين) هو بيائين مثناتين تحت قوله (فحزرنا قيامه قدر الم تنزيل السجدة) يجوز جر السجدة على البدل ونصبها بأعني ورفعها خبر مبتدأ محذوف قوله (على قدر قيامه من الأخريين) كذا هو في معظم الأصول من الأخريين وفي بعضها في الأخريين وهو معنى رواية من قوله (إن أهل الكوفة شكوا سعدا) هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه والكوفة هي البلدة المعروفة ودار الفضل ومحل الفضلاء بناها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعني أمر نوابه ببنائها هي والبصرة قيل سميت كوفة لاستدارتها تقول العرب رأيت كوفا وكوفانا للرمل المستدير وقيل لاجتماع الناس فيها تقول العرب تكوف الرمل إذا استدار وركب بعضه بعضا وقيل لأن ترابها خالطه
حصى وكل ما كان كذلك سمي كوفة قال الحافظ أبو بكر الحازمي وغيره ويقال للكوفة أيضا كوفان بضم الكاف قوله (فذكروا من صلاته) أي أنه لا يحسن الصلاة قوله (فأرسل إليه عمر رضي الله عنه) فيه أن الإمام إذا شكي إليه نائبه بعث إليه واستفسره عن ذلك وأنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته ووقوع فتنة عزله فلهذا عزله عمر رضي الله عنه مع أنه لم يكن فيه خلل ولم يثبت ما يقدح في ولايته وأهليته وقد ثبت في صحيح البخاري في حديث مقتل عمر والشورى أن عمر رضي الله عنه قال إن أصابت الإمارة سعدا فذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة قوله (لا أخرم عنها) هو بفتح الهمزة وكسر الراء أي لا أنقص قوله (إني لأركد بهم في الأوليين) يعني أطولهما وأديمهما وأمدهما كما قاله في الرواية الأخرى من قولهم ركدت السفن والريح والماء إذا سكن ومكث وقوله وأحذف في الأخريين يعني أقصرهما عن الأوليين لا أنه يخله بالقراءة ويحذفها كلها قوله (ذاك الظن بك أبا إسحاق) فيه مدح الرجل الجليل في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين وجمع العلماء بينهما بما ذكرته وقد أوضحتهما في كتاب الأذكار وفيه خطاب الرجل الجليل بكنيته دون اسمه قوله (وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) آلو بالمد في أوله وضم اللام أي لا أقصر في ذلك ومنه قوله تعالى لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون في إفسادكم قوله (حدثنا الوليد) يعنى بن مسلم هو صاحب الأوزاعي قوله (عن قزعة) هو بفتح الزاي وإسكانها قوله (وهو مكثور عليه) أي عنده ناس كثيرون للاستفادة منه قوله (أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك في ذلك من خير) معناه إنك لا تستطيع الإتيان بمثلها لطولها وكمال خشوعها وإن تكلفت ذلك شق عليك ولم تحصله فتكون قد علمت السنة وتركتها
(باب القراءة في الصبح)
قوله (أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي) قال الحفاظ قوله بن العاص غلط والصواب حذفه وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي بل هو عبد الله بن عمرو الحجازي كذا ذكره البخارى في تاريخه وبن أبي حاتم وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين وأما أبو سلمة هذا فهو أبو سلمة بن سفيان بن عبد الأشهل المخزومي ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه وأما العابدي فبالباء الموحدة قوله (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم سعلة) هي بفتح السين وفي هذا الحديث جواز قطع القراءة والقراءة ببعض السورة وهذا جائز بلا خلاف ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر وان
لم يكن له عذر فلا كراهة فيه أيضا ولكنه خلاف الأولى هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وبه قال مالك رحمه الله تعالى في رواية عنه والمشهور عنه كراهته قوله (حدثني الوليد بن سريع) هو بفتح السين وكسر الراء قوله (سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس أي يقرأ بالسورة التي فيها والليل اذا عسعس قال جمهور أهل اللغة معنى عسعس الليل أدبر كذا نقله صاحب المحكم عن الأكثرين ونقل الفراء اجماع المفسرين عليه قال وقال آخرون معناه أقبل وقال آخرون هو من الأضداد يقال إذا أقبل وإذا أدبر قوله زياد بن علاقة هو بكسر العين وقطبة بن مالك بضم القاف وبالباء الموحدة وهو عم زياد وقوله عزوجل والنخل باسقات أي طويلات قوله تعالى لها طلع نضيد قال أهل اللغة والمفسرون
معناه منضود متراكب بعضه فوق بعض قال بن قتيبة هذا قبل أن ينشق فإذا انشق كمامه وتفرق فليس هو بعد ذلك بنضيد قوله (عن أبي المنهال عن أبي برزة) اسم أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي وأبو برزة نضله عن عبيدة الاسلمى
(باب القراءة في العشاء)
فيه حديث البراء بن عازب (أن معاذا رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم
يأتي فيؤم قومه فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا أنافقت إلى آخره) في هذا الحديث جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لأن معاذا كان يصلي الفريضة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسقط فرضه ثم يصلي مرة ثانية بقومه هي له تطوع ولهم فريضة وقد جاء هكذا مصرحا به في غير مسلم وهذا جائز عند الشافعي رحمه الله تعالى وآخرين ولم يجزه ربيعة ومالك وأبو حنيفة رضي الله عنهم والكوفيون وتأولوا حديث معاذ رضي الله عنه على أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم تنفلا ومنهم من تأوله على أنه لم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال حديث معاذ كان في أول الأمر ثم نسخ وكل هذه التأويلات دعاوى لا أصل لها فلا يترك ظاهر الحديث بها
واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردا وإن لم يخرج منها وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها أنه يجوز لعذر ولغير عذر والثاني لا يجوز مطلقا والثالث يجوز لعذر ولا يجوز لغيره وعلى هذا العذر هو ما يسقط به عنه الجماعة ابتداء ويعذر في التخلف عنها بسببه وتطويل القراءة عذر على الأصح لقصة معاذ رضي الله عنه وهذا الاستدلال ضعيف لأنه ليس في الحديث أنه فارقه وبنى على صلاته بل في الرواية الأولى أنه سلم وقطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة وإنما يدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر والله أعلم قوله (فافتتح بسورة البقرة) فيه جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة ونحوها ومنعه بعض السلف وزعم أنه لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها البقرة ونحو هذا وهذا خطأ صريح والصواب جوازه فقد ثبت ذلك في الصحيح في أحاديث كثيرة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والتابعين وغيرهم ويقال سورة بلا همز وبالهمز لغتان ذكرهما بن قتيبة وغيره وترك الهمزة هنا هو المشهور الذي جاء به القرآن العزيز ويقال قرأت السورة وقرأت بالسورة وافتتحتها وافتتحت بها قوله (إنا أصحاب نواضح) هي الإبل التي يستقى عليها جمع ناضح وأراد إنا أصحاب عمل وتعب فلا نستطيع تطويل الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم (أفتان أنت يا معاذ) أي منفر عن الدين وصاد عنه ففيه
الإنكار على من ارتكب ما ينهى عنه وإن كان مكروها غير محرم وفيه جواز الاكتفاء في التعزير بالكلام وفيه الأمر بتخفيف الصلاة والتعزير على إطالتها إذا لم يرض المأمومون قوله (عن جابر أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة) فيه جواز قول عشاء الآخرة وقد سبق قريبا بيانه وقول الأصمعي بإنكاره وإبطال قوله والله أعلم قوله (حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو الربيع الزهراني قال أبو الربيع حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه) قال أبو مسعود الدمشقي قتيبة يقول في حديثه عن حماد عن عمرو ولم يذكر فيه أيوب وكان ينبغي لمسلم أن يبينه وكأنه أهمله لكونه جعل الرواية مسوقة عن أبي الربيع وحده والله أعلم
(باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف
والمريض وإذا صلى وحده فليصل كيف شاء) وفي رواية وذا الحاجة معنى أحاديث الباب ظاهر وهو الأمر للإمام بتخفيف الصلاة بحيث لا يخل بسنتها ومقاصدها وأنه إذا صلى لنفسه طول ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل وهي القيام والركوع والسجود والتشهد دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين والله أعلم قوله (إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا) فيه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير وفيه جواز ذكر الإنسان بهذا ونحوه في معرض الشكوى والاستفتاء قوله (فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال يا أيها الناس إن منكم منفرين) الحديث
فيه الغضب لما ينكر من أمور الدين والغضب في الموعظة قوله (عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أم قومك قال قلت يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا فقال ادنه فجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال تحول فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال أم قومك) قوله ثديي وكتفي بتشديد الياء على التثنية وفيه إطلاق اسم الثدي على حلمة الرجل وهذا هو الصحيح ومنهم من منعه وقد سبق بيانه في كتاب الإيمان وقوله جلسني هو بتشديد اللام وقوله أجد في نفسي شيئا قيل يحتمل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس فأذهبه الله تعالى ببركة كف رسول
الله صلى الله عليه وسلم ودعائه ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة فإنه كان موسوسا ولا يصلح للإمامة الموسوس فقد ذكر مسلم في الصحيح بعد هذا عن عثمان بن أبي العاص هذا قال قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني
قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة) وفي رواية (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به) الوجد يطلق على الحزن وعلى الحب أيضا وكلاهما سائغ هنا والحزن أظهر أي من حزنها واشتغال قلبها به وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الاتباع ومراعاة مصلحتهم وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم وإن كان يسيرا من غير ضرورة وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد وأن الصبي يجوز إدخاله المسجد وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدث قوله (حدثنا محمد بن منهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس) هذا الإسناد كله بصريون والله أعلم
(باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام)
قوله (حدثنا حامد بن عمر البكراوي) هو بفتح الباء منسوب إلى جده الأعلى أبي بكرة الصحابي رضي الله عنه وقد سبق بيانه مرارا قوله (رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت
قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء) فيه دليل على تخفيف القراءة والتشهد وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود ونحو هذا قول أنس في الحديث الثاني بعده ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام وقوله قريبا من السواء يدل على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض وذلك في القيام ولعله أيضا في التشهد واعلم أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام وأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة وفي الظهر بالم تنزيل السجدة وأنه كان تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع فيتوضأ ثم يأتي المسجد فيدرك الركعة الأولى وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون صلى الله عليه وسلم وأنه قرأ في المغرب بالطور وبالمرسلات وفي البخاري بالأعراف وأشباه هذا وكله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات وقد ذكره مسلم في الرواية الأخرى ولم يذكر فيه القيام وكذا ذكره البخاري وفي رواية للبخاري ما خلا القيام والقعود وهذا تفسير الرواية الأخرى وقوله (فجلسته ما بين التسليم والانصراف) دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس بعد التسليم شيئا يسيرا في مصلاه قوله (غلب على الكوفة رجل فأمر أبا عبيدة أن يصلي بالناس) وهذا الرجل هو مطر بن ناجية كما سماه في الرواية الثانية وأبو عبيدة هو بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما
باب متابعة الإمام والعمل بعده
قوله (عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد قال حدثني البراء وهو غير كذوب أنهم كانوا يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدا يحني ظهره حتى يضع النبي صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض ثم يخر من وراءه سجدا) قال يحيى بن معين القائل وهو غير كذوب هو أبو إسحاق قال ومراده أن عبد الله بن يزيد غير كذوب وليس المراد أن البراء غير كذوب لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية ولا يحسن فيه هذا القول وهذا الذي قاله بن معين خطأ عند العلماء بل الصواب أن القائل وهو غير كذوب هو عبد الله بن يزيد ومراده أن البراء غير كذوب ومعناه تقوية الحديث وتفخيمه والمبالغة في تمكينه من النفس لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه ونظيره قول بن عباس رضي الله عنه حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق وعن أبي هريرة مثله وفي صحيح مسلم عن أبي مسلم الخولاني حدثني الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي ونظائره
كثيرة فمعنى الكلام حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم فثقوا بما أخبركم عنه قالوا وقول بن معين أن البراء صحابي فينزه عن هذا الكلام لا وجه له لأن عبد الله بن يزيد صحابي أيضا معدود في الصحابة وفي هذا الحديث هذا الأدب من آداب الصلاة وهو أن السنة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض إلا أن يعلم من حاله أنه لو أخر إلى هذا الحد لرفع الإمام من السجود قبل سجوده قال أصحابنا رحمهم الله تعالى في هذا الحديث وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنة للمأموم التأخر عن الإمام قليلا بحيث يشرع في الركن بعد شروعه وقبل فراغه منه والله أعلم قوله (حدثنا أبان وغيره عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء) هذا مما تكلم فيه الدارقطني وقال الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد عن البراء ولم يقل أحد عن بن أبي ليلى غير أبان بن تغلب عن الحكم وقد خالفه بن عرعرة فقال عن الحكم عن عبد الله بن يزيد عن البراء وغيرابان أحفظ منه هذا كلام الدارقطني وهذا الاعتراض لا يقبل بل أبان ثقة نقل شيئا فوجب قبوله ولم يتحقق كذبه وغلطه ولا امتناع في أن يكون مرويا عن ابن يزيد وبن أبي ليلى والله أعلم قوله (لايحنو أحد منا ظهره حتى يراه قد سجد) هكذا هو في هذه الرواية الأخيرة من روايات البراء يحنو بالواو وباقي رواياته ورواية عمرو بن حريث بعدها كلها بالياء وكلاهما صحيح فهما لغتان حكاهما
الجوهري وغيره حنيت وحنوت لكن الياء أكثر ومعناه عطفته ومثله حنيت العود وحنوته عطفته قوله (عن الوليد بن سريع) هو بفتح السين المهملة وكسر الراء قوله تعالى (فلا أقسم بالخنس) قال المفسرون وأهل اللغة هي النجوم الخمسة وهي المشترى وعطارد والزهرة والمريخ وزحل هكذا قال أكثر المفسرين وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي رواية عنه أن هذه الخمسة والشمس والقمر وعن الحسن هي كل النجوم وقيل غير ذلك والخنس التي تخنس أي ترجع في مجراها والكنس التي تكنس أي تدخل في كناسها أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها والكنس جمع كانس والله تعالى أعلم بالصواب
(باب ما يقول إذا رفع رأسه من اركوع)
قوله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن عبيد بن الحسن عن بن أبي أوفى رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع ظهره من الركوع قال سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض
وملء ما شئت من شيء بعد) هذا الإسناد كله كوفيون وملء هو بنصب الهمز ورفعها والنصب أشهر وهو الذي اختاره بن خالويه ورجحه وأطنب في الاستدلال له وجواز الرفع على أنه مرجوح وحكي عن الزجاج أنه يتعين الرفع ولا يجوز غيره وبالغ في إنكار النصب وقد ذكرت كل ذلك بدلائله مختصرا في تهذيب الأسماء واللغات قال العلماء معناه حمدا لو كان أجساما لملأ السماوات والأرض وفي هذا الحديث فوائد منها استحباب هذا الذكر ومنها وجوب الاعتدال ووجوب الطمأنينة فيه وأنه يستحب لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد أن يقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ويجمع بينهما فيكون قوله سمع الله لمن حمده في حال ارتفاعه وقوله ربنا لك الحمد في حال اعتداله لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري قوله (سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد) قال العلماء معنى سمع هنا أجاب ومعناه أن من حمد الله تعالى متعرضا لثوابه استجاب الله تعالى له وأعطاه ما تعرض له فإنا نقول ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك قوله (حدثنا شعبة عن مجزأة بن زاهر) هو بميم مفتوحة ثم جيم ساكنة ثم زاي ثم همزة تكتب ألفا ثم هاء وحكى صاحب المطالع فيه كسر الميم أيضا ورجح الفتح وحكي أيضا ترك الهمز فيه قال وقاله الحياني بالهمز قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد) استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب وغيرها وقوله ماء البارد هو من إضافة الموصوف إلى صفته كقوله تعالى بجانب الغربي وقولهم مسجد الجامع وفيه المذهبان السابقان مذهب الكوفيين أنه جائز على ظاهره ومذهب البصريين أن تقديره ماء الطهور البارد وجانب المكان الغربي ومسجد
الموضع الجامع قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم طهرني من الذنوب والخطايا) يحتمل أن يكون الجمع بينهما كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما قال الخطيئة المعصية بين العبد وبين الله تعالى والإثم بينه وبين الآدمي قوله (كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ) وفي رواية من الدرن وفي رواية من الدنس كله بمعنى واحد ومعناه اللهم طهرني طهارة كاملة معتنى بها كما يعتنى بتنقية الثوب الأبيض من الوسخ قوله (أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أما قوله أهل فمنصوب على النداء هذا هو المشهور وجوز بعضهم رفعه على تقدير أنت أهل الثناء والمختار النصب والثناء والوصف الجميل والمدح والمجد العظمة ونهاية الشرف هذا هو المشهور في الرواية في مسلم وغيره قال القاضي عياض ووقع في رواية بن ماهان أهل الثناء والحمد وله وجه ولكن الصحيح المشهور الأول وقوله أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد هكذا هو في مسلم وغيره أحق بالألف وكلنا بالواو وأما ما وقع في كتب الفقه حق ما قال العبد كلنا بحذف
الألف والواو فغير معروف من حيث الرواية وإن كان كلاما صحيحا وعلى الرواية المعروفة تقديره أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت إلى آخره واعترض بينهما وكلنا لك عبد ومثل هذا الاعتراض في القرآن قول الله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون اعترض قوله تعالى وله الحمد في السماوات والأرض ومثله قوله تعالى قالت رب إني وضعتها انثى والله أعلم بما وضعت على قراءة من قرأ وضعت بفتح العين وإسكان التاء ونظائره كثيرة ومنه قول الشاعر ... ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد ... وقول الآخر ... ألاهل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن يملك يبقرا ... ونظائره كثيرة وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب للاهتمام به وارتباطه بالكلام السابق وتقديره هنا أحق قول العبد لا مانع لما أعطيت وكلنا لك عبد فينبغي لنا أن نقوله وقد أوضحت هذه المسألة بشواهدها في آخر صفة الوضوء من شرح المهذب وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله العبد فينبغي أن يحافظ عليه لأن كلنا عبدولا نهمله وإنما كان أحق ما قاله العبد
لما فيه من التفويض إلى الله تعالى والإذعان له والاعتراف بوحدانيته والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به وأن الخير والشر منه والحث على الزهادة في الدنيا والإقبال على الأعمال الصالحة وقوله ذا الجد المشهور فيه بفتح الجيم هكذا ضبطه العلماء المتقدمون والمتأخرون قال بن عبد البر ومنهم من رواه بالكسر وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري هو بالفتح قال وقاله الشيباني بالكسر قال وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل قال ولا يعلم من قاله غيره وضعف الطبري ومن بعده الكسر 2قالوا ومعناه على ضعفه الاجتهاد أي لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده إنما ينفعه وينجيه رحمتك وقيل المراد ذا الجد والسعي التام في الحرص على الدنيا وقيل معناه الإسراع في الهرب أي لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هربه فإنه في قبضتك وسلطانك والصحيح المشهور الجد بالفتح وهو الحظ والغنى والعظمة والسلطان أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه أي لا ينجيه حظه منك وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح كقوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك والله تعالى أعلم
(باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود)
قوله (قال أبو بكر حدثنا سفيان عن سليمان) هذا من ورع مسلم وباهر علمه لأن في رواية
اثنين عن سفيان بن عيينة أنه قال أخبرني سليمان بن سحيم وسفيان معروف بالتدليس وفي رواية أبي بكر عن سفيان عن سليمان فنبه مسلم على اختلاف الرواة في عبارة سفيان قوله (كشف الستارة) هي بكسر السين وهي الستر الذي يكون على باب البيت والدار قوله صلى الله عليه وسلم (نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وفي حديث علي رضي الله عنه (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعا أو ساجدا) فيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود وإنما وظيفة الركوع التسبيح ووظيفة السجود التسبيح والدعاء فلو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته والثاني يحرم وتبطل صلاته هذا إذا كان عمدا فإن قرأ سهوا لم يكره وسواء قرأ عمدا أو سهوا يسجد للسهو عند الشافعي رحمه الله تعالى وقوله صلى الله عليه وسلم (فأما الركوع فعظموا فيه الرب) أي سبحوه ونزهوه ومجدوه وقد ذكر مسلم بعد هذا الأذكار التي تقال في الركوع والسجود واستحب الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من العلماء أن يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات ويضم إليه ما جاء في حديث علي رضي الله عنه ذكره مسلم بعد هذا اللهم لك ركعت اللهم لك سجدت إلى آخره وإنما يستحب الجمع بينهما لغير الإمام وللإمام الذي يعلم أن المأمومين يؤثرون التطويل فإن شك لم يزد على التسبيح ولو اقتصر الإمام والمنفرد على تسبيحة واحدة فقال سبحان الله حصل أصل سنة التسبيح لكن ترك كمالها وأفضلها واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سنة غير واجب هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى والجمهور وأوجبه أحمد رحمه الله تعالى وطائفة من أئمة الحدي لظاهر الحديث في الأمر به ولقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وهو في صحيح البخاري وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب واحتجوا بحديث المسيء صلاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره به ولو وجب لأمره به فإن قيل فلم يأمره بالنية والتشهد والسلام فقد سبق جوابه عند شرحه وقوله صلى الله عليه وسلم فقمن هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة ياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق
وجدير وفيه الحث على الدعاء في السجود فيستحب أن يجمع في سجوده بين الدعاء والتسبيح وستأتي الأحاديث فيه قوله (ورأسه معصوب) فيه عصب الرأس عند وجعه قوله (عبد الله بن حنين) هو بضم الحاء وفتح النون قوله (نهاني ولا أقول نهاكم) ليس معناه أن النهي مختص به وإنما معناه أن اللفظ الذي سمعته بصيغة الخطاب لي فأنا أنقله كما سمعته وإن 8كان الحكم يتناول الناس
كلهم ذكر مسلم الاختلاف على إبراهيم بن حنين في ذكر بن عباس بين علي وعبد الله بن حنين
رضي الله عنهم قال الدارقطني من أسقط بن عباس أكثر وأحفظ قلت وهذا اختلاف لا يؤثر في صحة الحديث فقد يكون عبد الله بن حنين سمعه من بن عباس عن علي ثم سمعه من علي نفسه وقد تقدمت هذه المسألة في أوائل هذا الشرح مبسوطة قوله (نهاني حبي صلى الله عليه وسلم) هو بكسر الحاء والباء أي محبوبي
باب ما يقال في الركوع والسجود
قوله صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله وفيه الحث على الدعاء في السجود وفيه دليل لمن يقول إن السجود أفضل من القيام وسائر أركان الصلاة وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب أحدها أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة وممن قال بتفضيل تطويل السجود بن عمر رضي الله عنهما والمذهب الثاني مذهب الشافعي رضي الله عنه وجماعة أن تطويل القيام أفضل لحديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الصلاة طول القنوت والمراد بالقنوت القيام ولأن ذكر القيام القراءة وذكر السجود التسبيح والقراءة أفضل لأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود والمذهب الثالث أنهما سواء وتوقف أحمد بن حنبل رضي الله عنه في المسألة ولم يقض فيها بشيء وقال إسحاق بن راهويه أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل وأما في الليل فتطويل القيام إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه فتكثير الركوع والسجود
أفضل لأنه يقرأ جزأه ويربح كثرة الركوع والسجود وقال الترمذي إنما قال إسحاق هذا لأنهم وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بطول القيام ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف بالليل والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله) هو بكسر أولهما أي قليله وكثيره وفيه توكيد الدعاء وتكثير ألفاظه وإن أغنى بعضها عن بعض قولها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن) وفي الرواية الأخرى (أستغفرك وأتوب إليك) معنى يتأول القرآن يعمل ما أمر به في قول الله عز وجل فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وكان صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفي ما أمر به في الآية وكان يأتي به في الركوع والسجود لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به ليكون أكمل قال أهل اللغة العربية وغيرهم التسبيح التنزيه وقولهم سبحان
الله منصوب على المصدر يقال سبحت الله تسبيحا وسبحانا فسبحان الله معناه براءة وتنزيها له من كل نقص وصفة للمحدث قالوا وقوله وبحمدك أي وبحمدك سبحتك ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى وأن كل الأفعال له والله أعلم وفي قوله صلى الله عليه وسلم أستغفرك وأتوب إليك حجة أنه يجوز بل يستحب أن يقول أستغفرك وأتوب إليك وحكي عن بعض السلف كراهته لئلا يكون كاذبا قال بل يقول اللهم اغفر لي وتب علي وهذا الذي قاله من قوله اللهم اغفر لي وتب علي حسن لا شك فيه وأما كراهة قوله أستغفر الله وأتوب إليه فلا يوافق عليها وقد ذكرت المسألة بدلائلها في باب الاستغفار من كتاب الأذكار والله أعلم وأما استغفاره صلى الله عليه وسلم وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لي ذنبي كله مع أنه مغفور له فهو من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله تعالى والله أعلم قوله (عن مسلم بن صبيح) هو بضم
الصاد وهو أبو الضحى المذكور في الرواية الأولى قولها (فتحسست) هو بالحاء وقولها (افتقدت) وفي الرواية الأخرى فقدت هما لغتان بمعنى قوله (محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء وبالباء الموحدة قولها (فوقعت يدي على بطن قدمه وهو في المسجد وهما منصوبتان) استدل به من يقول لمس المرأة لا ينقض الوضوء وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وآخرين وقال مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى والأكثرون ينقض واختلفوا في تفصيل ذلك وأجيب عن هذا الحديث بأن الملموس لا ينتقض على قول الشافعي رحمه الله تعالى وغيره وعلى قول من قال ينتقض وهو الراجح عند أصحابنا يحمل هذا اللمس على أنه كان فوق حائل فلا يضر وقولها (وهما منصوبتان) فيه أن السنة نصبهما في السجود وقولها (وهو يقول اللهم إني
أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في هذا معنى لطيف وذلك أنه استعاذ بالله تعالى وسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته والرضاء والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والعقوبة فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله سبحانه وتعالى استعاذ به منه لا غير ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه وقوله لا أحصي ثناء عليك أي لا أطيقه ولا آتي عليه وقيل لا أحيط به وقال مالك رحمه الله تعالى معناه لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بها عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك وقوله (أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ورد للثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصار والتعيين فوكل ذلك إلى الله سبحانه وتعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه لأن الثناء تابع للمثنى عليه وكل ثناء أثنى به عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر الله أعظم وسلطانه أعز وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله أعوذ بك من سخطك ومن عقوبتك والله أعلم قوله (عن مطرف بن عبد الله بن الشخير) هو بكسر الشين والخاء المعجمتين قوله (سبوح قدوس) هما بضم السين والقاف وبفتحهما والضم أفصح وأكثر قال الجوهري في فصل ذرح كان سيبويه يقولهما بالفتح وقال الجوهري في فصل سبح سبوح من صفات الله تعالى قال ثعلب كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر وكذلك الذروح وهي دويبة حمراء منقطة بسواد تطير وهي من ذوات السموم وقال بن فارس والزبيدي وغيرهما سبوح هوالله عز وجل فالمراد بالسبوح القدوس المسبح
المقدس فكأنه قال مسبح مقدس رب الملائكة والروح ومعنى سبوح المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية وقدوس المطهر من كل ما لا يليق بالخالق وقال الهروي قيل القدوس المبارك قال القاضي عياض وقيل فيه سبوحا قدوسا على تقدير أسبح سبوحا أو أذكر أو أعظم أو أعبد وقوله رب الملائكة والروح قيل الروح ملك عظيم وقيل يحتمل أن يكون جبريل عليه السلام وقيل خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة والله سبحانه وتعالى أعلم
(باب فضل السجود والحث عليه)
فيه قوله صلى الله عليه وسلم (عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها
درجة وحط عنك بها خطيئة وفي الحديث الآخر أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك قال هو ذلك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود فيه الحث على كثرة السجود والترغيب والمراد به السجود في الصلاة وفيه دليل لمن يقول تكثير السجود أفضل من إطالة القيام وقد تقدمت المسألة والخلاف فيها في الباب الذي قبل هذا وسبب الحث عليه ما سبق في الحديث الماضي أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وهو موافق لقول الله تعالى واسجد واقترب ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن والله أعلم وقوله أو غير ذلك هو بفتح الواو
(باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب)
وعقص الرأس في الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة وأشار بيده إلى أنفه
والرجلين واليدين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب ولا الشعر) وفي رواية (أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين) وفي رواية عن بن عباس (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة ونهي أن يكف شعره أو
ثيابه) وفي رواية عن بن عباس رضي الله عنهما (أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام فجعل يحله فلما انصرف أقبل إلى بن عباس فقال مالك ولرأسي فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف) هذه الأحاديث فيها فوائد منها أن أعضاء السجود سبعة وأنه ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ويكفي بعضها والأنف مستحب فلو تركه جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز هذا مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى والأكثرين وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وبن القاسم من أصحاب مالك له أن يقتصر على أيهما شاء وقال أحمد رحمه الله تعالى وبن حبيب من أصحاب مالك رضي الله عنهما يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعا لظاهر الحديث قال الأكثرون بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد لأنه قال في الحديث سبعة فإن جعلا عضوين صارت ثمانية وذكر الأنف استحبابا وأما اليدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليهما فيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى أحدهما لا يجب لكن يستحب استحبابا متأكدا والثاني يجب وهو الأصح وهو الذي رجحه الشافعي رحمه الله تعالى فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته وإذا أوجبناه لم يجب كشف القدمين والركبتين وفي الكفين قولان للشافعي رحمه الله تعالى أحدهما يجب كشفهما كالجبهة وأصحهما لا يجب قوله صلى الله عليه وسلم سبعة أعظم أي أعضاء فسمى كل عضو عظما وإن كان فيه عظام كثيرة وقوله صلى الله عليه وسلم (لا نكفت الثياب ولا الشعر) هو بفتح النون وكسر الفاء أي لا نضمها ولا نجمعها والكفت الجمع والضم
ومنه قوله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أي نجمع الناس في حياتهم وموتهم وهو بمعنى الكف في الرواية الأخرى كلاهما بمعنى وقوله في الرواية الأخرى ورأسه معقوص اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه أو نحوه أو رأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء وهو كراهة تنزيه فلو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته واحتج في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإجماع العلماء وحكى بن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقا لمن صلى كذلك سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك لا لها بل لمعنى آخر وقال الداودي يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة والمختار الصحيح هو الأول وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم ويدل عليه فعل بن عباس المذكور هنا قال العلماء والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه ولهذا مثله بالذي يصلي وهو مكتوف قوله (عن بن عباس أنه رأى بن الحارث يصلي ورأسه معقوص فقام فجعل يحله) فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك لا يؤخر إذا لم يؤخره بن عباس رضي الله عنهما حتى يفرغ من الصلاة وأن المكروه ينكر كما ينكر المحرم وأن من رأى منكرا وأمكنه تغييره بيده غيره بها لحديث أبي سعيد الخدري وأن خبر الواحد مقبول والله أعلم
(باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض)
ورفع المرفقين عن الجنبين ورفع البطن عن الفخذين في السجود مقصود أحاديث الباب أنه ينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض ويرفع مرفقيه عن الأرض وعن جنبيه رفعا بليغا بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورا وهذا أدب متفق على استحبابه فلو تركه كان مسيئا مرتكبا والنهي للتنزيه وصلاته صحيحة والله أعلم قال العلماء والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى فإن المتبسط كشبه الكلب ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها والله أعلم
وأما ألفاظ الباب ففيه قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) وفي الرواية الأخرى ولا يتبسط بزيادة التاء المثناة من فوق انبساط الكلب هذان اللفظان صحيحان وتقديره ولا يبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب وكذا اللفظ الآخر ولا يتبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب ومثله قول الله تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا وقوله فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وفي هذه الآية الثانية شاهدان ومعنى يتبسط بالتاء المثناة فوق أي يتخذهما بساطا والله أعلم قوله (عن إياد) هو بكسر الهمزة وبالياء المثناة من تحت قوله (عن عبد الله بن مالك بن بحينة) الصواب فيه أن ينون مالك ويكتب بن بالألف لأن بن بحينة ليس صفة لمالك بل صفة لعبد الله لأن عبد الله اسم أبيه مالك واسم أم عبد الله بحينة فبحينة امرأة مالك وأم عبد الله بن مالك قوله (فرج بين يديه) يعني بين يديه وجنبيه قوله
(يجنح في سجوده) هو بضم الياء وفتح الجيم وكسر النون المشددة وهو معنى فرج بين يديه وهو معنى قوله في الرواية الأخرى خوى بيديه بالخاء المعجمة وتشديد الواو وفرج وجنح وخوى بمعنى واحد ومعناه كله باعد مرفقيه وعضديه عن جنبيه قوله (يجنح في سجوده حتى نرى بياض إبطيه) هو بالنون في نرى وروي بالياء المثناة من تحت المضمومة وكلاهما صحيح ويؤيد الياء الرواية الأخرى عن ميمونة إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه ضبطناه وضبطوه هنا بضم الياء ويؤيد النون رواية الليث في هذا الطريق حتى إني لأرى بياض إبطيه قوله (لو شاءت بهمة أن تمر) قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة البهمة واحدة البهم وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث وجمع البهم بهام بكسر الباء وقال الجوهري البهمة من أولاد الضأن خاصة ويطلق على الذكر والأنثى قال والسخال أولاد المعزى قوله (أخبرنا بن عيينة عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد بن الأصم) وفي الرواية الأخرى (أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري قال حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن يزيد بن الأصم) هكذا وقع في بعض الأصول عبيد الله بن عبد الله بتصغير
الأول في الروايتين وفي بعضها عبد الله مكبرا في الموضعين وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى والتصغير في الثانية وكله صحيح فعبد الله وعبيد الله أخوان وهما ابنا عبد الله بن الأصم وعبد الله بالتكبير أكبر من عبيد الله وكلاهما رويا عن عمه يزيد بن الأصم وهذا مشهور في كتب أسماء الرجال والذي ذكره خلف الواسطي في كتابه أطراف الصحيحين في هذا الحديث عبد الله بالتكبير في الروايتين وكذا ذكره أبو داود وبن ماجة في سننيهما من رواية بن عيينة بالتكبير ولم يذكروا رواية الفزاري ووقع في سنن النسائي اختلاف في الرواية عن النسائي بعضهم رواه بالتكبير وبعضهم بالتصغير ورواه البيهقي في السنن الكبير من رواية بن عيينة بالتصغير ومن رواية الفزاري بالتكبير والله أعلم قوله (حتى يرى وضح إبطيه) هو بفتح الضاد أي بياضهما قوله (وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى) يعني إذا قعد بين السجدتين أو في التشهد الأول وأما القعود في التشهد الأخير فالسنة فيه التورك كما رواه البخاري في صحيحه من رواية أبي حميد الساعدي وكذلك رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قوله (جعفر بن برقان) بضم الباء الموحدة والله أعلم
(باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به)
وصفة الركوع والاعتدال منه والسجود والاعتدال منه والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية وصفة الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول فيه أبو الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا وكان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم) وفي رواية ينهى عن عقب الشيطان أبو الجوزاء بالجيم والزاي واسمه أوس بن عبد الله بصرى قولها والقراءة بالحمد لله هو برفع الدال على الحكاية قولها (ولم يصوبه) هو بضم الياء وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة أي لم يخفضه خفضا بليغا بل يعدل فيه بين الإشخاص والتصويب قولها (وكان يفرش) هو بضم الراء وكسرها والضم أشهر قولها (عقبة الشيطان
بضم العين وفي الرواية الأخرى عقب الشيطان بفتح العين وكسر القاف هذا هو الصحيح المشهور فيه وحكى القاضي عياض عن بعضهم بضم العين وضعفه وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق ألييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع أما أحكام الباب فقولها كان يفتتح الصلاة بالتكبير فيه إثبات التكبير في أول الصلاة وأنه يتعين لفظ التكبير لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله وأنه صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه وقولها (والقراءة بالحمد لله رب العالمين) استدل به مالك وغيره ممن يقول إن البسملة ليست من الفاتحة وجواب الشافعي رحمه الله تعالى والأكثرين القائلين بأنها من الفاتحة أن معنى الحديث أنه يبتدئ القرآن بسورة الحمد لله رب العالمين لا بسورة أخرى فالمراد بيان السورة التي يبتدأ بها وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها وفيه أن السنة للراكع أن يسوي ظهره بحيث يستوي رأسه ومؤخره وفيه وجوب الإعتدال إذا رفع من الركوع وأنه يجب أن يستوي قائما لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وفيه وجوب الجلوس بين السجدتين قولها (وكان يقول في كل ركعتين التحية) فيه حجة لأحمد بن حنبل ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما والأكثرون هما سنتان ليسا واجبين وقال الشافعي رضي الله عنه الأول سنة والثاني واجب واحتج أحمد رحمه الله تعالى بهذا الحديث مع قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وبقوله كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن وبقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فليقل التحيات والأمر للوجوب واحتج الأكثرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول وجبره بسجود السهو ولو وجب لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان قالوا وإذا ثبت هذا في الأول فالأخير بمعناه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه الأعرابي حين علمه فروض الصلاة والله أعلم قولها وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى معناه يجلس مفترشا فيه حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات وعند مالك رحمه الله تعالى يسن متوركا بأن يخرج
رجله اليسرى من تحته ويفضي بوركه إلى الأرض وقال الشافعي رحمه الله تعالى السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا التي يعقبها السلام والجلسات عند الشافعي رحمه الله تعالى أربع الجلوس بين السجدتين وجلسة الاستراحة عقب كل ركعة يعقبها قيام والجلسة للتشهد الأول والجلسة للتشهد الأخير فالجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر صلاته متوركا جلس المسبوق مفترشا لأن جلوسه لا يعقبه سلام ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصح أنه يجلس مفترشا في التشهد فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم هذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بإطلاق حديث عائشة رضي الله عنها هذا واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بحديث أبي حميد الساعدي في صحيح البخاري وفيه تصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة وحمل حديث عائشة هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير للجمع بين الأحاديث وجلوس المرأة كجلوس الرجل وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس هذا مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى والجمهور وحكى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع وعن بعضهم التربع في النافلة والصواب الأول ثم هذه الهيئة مستوية فلو جلس في الجميع مفترشا أو متوركا أو متربعا أو مقعيا أو مادا رجليه صحت صلاته وإن كان مخالفا قولها (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) هو الإقعاء الذي فسرناه وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير الذي ذكرناه وأما الإقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا في حديث بن عباس أنه سنة فهو غير هذا كما سنفسره في موضعه إن شاء الله تعالى قولها (وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع) سبق الكلام عليه في الباب قبله قولها (وكان يختم الصلاة بالتسليم) فيه دليل على وجوب التسليم فإنه ثبت هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي واختلف العلماء فيه فقال مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف السلام فرض ولا تصح الصلاة إلا به قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي رضي الله عنهم هو سنة لو تركه صحت صلاته قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لو فعل منافيا للصلاة من حدث أو غيره في آخرها صحت صلاته واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه الأعرابي في واجبات الصلاة حين علمه واجبات الصلاة واحتج الجمهور بما ذكرناه وبالحديث الآخر في سنن أبي داود والترمذي مفتاح الصلاة الطهور وتحليلها التسليم ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد
رضي الله عنهم والجمهور أن المشروع تسليمتان ومذهب مالك رحمه الله تعالى في طائفة المشروع تسليمة وهو قول ضعيف عن الشافعي رحمه الله تعالى ومن قال بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة وشذ بعض الظاهرية والمالكية فأوجبها وهو ضعيف مخالف لإجماع من قبله والله أعلم
باب سترة المصلى والندب إلى الصلاة إلى سترة والنهي
عن المرور)
(بين يدي المصلي وحكم المرور ودفع المار وجواز الاعتراض بين يدي المصلي) (والصلاة إلى الراحلة والأمر بالدنو من السترة وبيان قدر السترة وما يتعلق بذلك) قوله صلى الله عليه وسلم (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك) المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء فهذه أربع لغات وهي العود الذي في آخر الرحل وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي وبيان أن أقل السترة مؤخرة الرحل وهي قدر عظم الذراع هو نحو ثلثي ذراع ويحصل بأى شئ أقامه بين يديه هكذا وشرط مالك رحمه الله تعالى أن يكون في غلظ الرمح قال العلماء والحكمة في السترة كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي قال وإن كان قد جاء به حديث وأخذ به أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فهو ضعيف واختلف فيه فقيل يكون مقوسا كهيئة المحراب وقيل قائما بين يدي المصلي إلى القبلة وقيل من جهة يمينه إلى شماله قال ولم ير مالك
رحمه الله تعالى ولا عامة الفقهاء الخط هذا كلام القاضي وحديث الخط رواه أبو داود وفيه ضعف واضطراب واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى فيه فاستحبه في سنن حرملة وفي القديم ونفاه في البويطي وقال جمهور أصحابه باستحبابه وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط والله أعلم قال أصحابنا ينبغي له أن يدنو من السترة ولا يزيد ما بينهما على ثلاث أذرع فإن لم يجد عصا ونحوها جمع أحجارا أو ترابا أو متاعه وإلا فليبسط مصلى وإلا فليخط الخط وإذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها وكذا يمنع من المرور بينه وبين الخط ويحرم المرور بينه وبينها فلو لم يكن سترة أو تباعد عنها فقيل له منعه والأصح أنه ليس له لتقصيره ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه لكن يكره ولو وجد الداخل فرجة في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويقف فيها لتقصير أهل الصف الثاني بتركها والمستحب أن يجعل السترة عن يمينه أو شماله ولا يضم لها والله أعلم قوله (حدثنا الطنافسي) هو بفتح الطاء
وكسر الفاء قوله (يركز العنزة) هو بفتح الياء وضم الكاف وهو بمعنى يغرز المذكور في الرواية الأخرى قوله (كان يعرض راحلته ويصلى اليها) هو بفتح الياء وكسر الراء وروي بضم الياء وتشديد الراء ومعناه يجعلها معترضة بينه وبين القبلة ففيه دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان وجواز الصلاة بقرب البعير بخلاف الصلاة في عطان الإبل فإنها مكروهة للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك لأنه يخاف هناك نفورها فيذهب الخشوع بخلاف هذا قوله (وهو بالأبطح) هو الموضع المعروف على باب مكة ويقال لها البطحاء أيضا قوله (فمن نائل وناضح) معناه فمنهم من ينال منه
شيئا ومنهم من ينضح عليه غيره شيئا مما ناله ويرش عليه بللا مما حصل له وهو معنى ما جاء في الحديث الآخر فمن لم يصب أخذ من يد صاحب قوله (فخرج بلال بوضوء فمن نائل وناضح فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ) فيه تقديم وتأخير تقديره فتوضأ فمن نائل بعد ذلك وناضح تبركا بآثاره صلى الله عليه وسلم وقد جاء مبينا في الحديث الآخر فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم قوله (عليه حلة حمراء) قال أهل اللغة الحلة ثوبان لا يكون واحدا وهما إزار ورداء ونحوهما وفيه جواز لباس الأحمر قوله (كأني أنظر إلى بياض ساقيه) فيه أن الساق ليست بعورة وهذا مجمع عليه قوله (فأذن بلال) فيه الأذان في السفر قال الشافعي رضي الله عنه ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر لأن أمر المسافر مبني على التخفيف قوله (فأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ها هنا وههنا يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح فيه أنه يسن للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يمينا وشمالا برأسه وعنقه قال أصحابنا ولا يحول قدميه وصدره عن القبلة وإنما يلوي رأسه وعنقه واختلفوا في كيفية التفاته على مذاهب وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها وهو قول الجمهور أنه يقول حي على الصلاة مرتين عن يمينه ثم يقول عن يساره مرتين حي على الفلاح والثاني يقول عن يمينه حي على الصلاة مرة ثم مرة عن يساره ثم يقول حي على الفلاح مرة عن يمينه ثم مرة عن يساره والثالث يقول عن يمينه حي على الصلاة ثم يعود إلى القبلة ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه فيقول حي على الصلاة ثم يلتفت عن يساره فيقول حي على الفلاح ثم يعود إلى القبلة ويلتفت عن يساره فيقول حي على الفلاح قوله (ثم ركزت له عنزة) هي عصا في أسفلها حديدة وفيه دليل على جواز استعانة الإمام بمن يركز له عنزة ونحو ذلك قوله (فصلى الظهر ركعتين) فيه أن الأفضل قصر الصلاة في السفر وإن كان بقرب بلد ما لم ينو الإقامة أربعة أيام فصاعدا
قوله (يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع) معناه يمر الحمار والكلب وراء السترة وقدامها إلى القبلة كما قال في الحديث الآخر ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة وفي الحديث الآخر فيمر من ورائها المرأة والحمار وفي الحديث السابق ولا يضره من مر وراء ذلك قوله (وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا) يعني رافعها إلى أنصاف ساقيه ونحو ذلك كما قال في الرواية السابقة كأني
أنظر إلى بياض ساقيه وفيه رفع الثوب عن الكعبين قوله (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة) فيه دليل على القصر والجمع في السفر وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى وأما من كان في وقت الأولى سائرا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية كذا جاءت الأحاديث ولأنه أرفق به قوله (أقبلت راكبا على أتان) وفي الرواية الأخرى على حمار وفي رواية للبخاري على حمار أتان قال أهل اللغة الأتان هي الأنثى من جنس الحمير ورواية من روى حمار محمولة على إرادة الجنس ورواية البخاري مبينة للجميع قوله (وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام) معناه قاربته واختلف العلماء في سن بن عباس رضي الله عنهما عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل عشر سنين وقيل ثلاث عشرة وقيل خمس عشرة وهو رواية سعيد بن جبير عنه قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو الصواب قوله (فأرسلت الأتان ترتع) أي ترعى
قوله (يصلي بمنى) فيها لغتان الصرف وعدمه ولهذا يكتب بالألف والياء والأجود صرفها وكتابتها بالألف سميت منى لما يمنى بها من الدماء أي يراق ومنه قول الله تعالى من مني يمنى وفي هذا الحديث أن صلاة الصبي صحيحة وأن سترة الإمام سترة لمن خلفه قال القاضي عياض رحمه الله تعالى واختلفوا هل سترة الأمام بنفسها سترة لمن خلفه أم هي سترة له خاصة وهو سترة لمن خلفه مع الاتفاق على أنهم مصلون إلى سترة قال ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه وهما قولان في مذهب مالك ومذهبنا أنها مشروعة مطلقا لعموم الأحاديث ولأنها تصون بصره وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته كما جاءت الأحاديث قوله وهو يصلي بمنى وفي رواية بعرفة وهو محمول على أنهما قضيتان قوله (في حجة الوداع) وفي رواية حجة الوداع أو يوم الفتح الصواب في حجة الوداع وهذا الشك محمول عليه قوله صلى الله عليه وسلم (إذا كان
أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) معنى يدرأ يدفع وهذا الأمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحدا من العلماء أوجبه بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب قال القاضي عياض وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل يجب ديته أم يكون هدرا فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك رضي الله عنه قال واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد في الرواية التي بعد هذه إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره فإن أبى فليقاتله قال وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده وإنما يدفعه ويرده من موقفه لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه ولهذا أمر بالقرب من سترته وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة والتسبيح قال وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مرورا ثانيا إلا شيئا روي عن بعض السلف أنه يرده وتأوله بعضهم هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى وهو كلام نفيس والذي قاله أصحابنا أنه يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشدها وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه كالصائل عليه لأخذ نفسه أو ماله وقد أباح له الشرع مقاتلته والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها قوله صلى الله عليه وسلم فإنما هو شيطان قال القاضي قيل معناه إنما حمله
على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان وقيل معناه يفعل فعل الشيطان لأن الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة وقيل المراد بالشيطان القرين كما جاء في الحديث الآخر فإن معه القرين والله أعلم قوله (فمثل) هو بفتح الميم وبفتح الثاء وضمها لغتان حكاهما صاحب المطالع وغيره الفتح أشهر ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره ومعناه انتصب والمضارع يمثل بضم الثاء لا غير منه الحديث من أحب أن يمثل الناس له قياما قوله (أرسله إلى أبي جهيم) هو بضم الجيم وفتح
الهاء مصغر واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري النجاري وهو المذكور في التيمم وهو غير أبي جهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم فإن صاحب الخميصة أبو جهم بفتح الجيم وبغير ياء واسمه عامر بن حذيفة العدوي قوله صلى الله عليه وسلم (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) معناه لو يعلم ما عليه من الإثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم ومعنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك قوله (كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة) يعني بالمصلى موضع السجود وفيه أن السنة قرب المصلى من سترته قوله (كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح) المراد بالتسبيح صلاة النافلة والسجود صلاة النافلة في
المصحف ثلاث لغات ضم الميم وفتحها وكسرها وفي هذا أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل وأما النهي عن إيطان الرجل موضعا من المسجد يلازمه فهو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه فأما ما فيه فضل فقد ذكرناه وأما من يحتاج إليه لتدريس علم أو للإفتاء أو سماع الحديث ونحو ذلك فلا كراهة فيه بل هو مستحب لأنه من تسهيل طرق الخير وقد نقل القاضي رضي الله عنه خلاف السلف في كراهة الإيطان لغير حاجة والاتفاق عليه لحاجة نحو ما ذكرناه قوله (كان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة) المراد بالقبلة الجدار وإنما أخر المنبر عن الجدار لئلا ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم عن بعض قوله (كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة) فيه ما سبق أنه لا بأس بإدامة الصلاة في مكان واحد إذا كان فيه فضل وفيه جواز الصلاة بحضرة الأساطين فأما الصلاة إليها فمستحبة لكن الأفضل أن لا يصمد إليها بل يجعلها عن يمينه أو شماله كما سبق وأما الصلاة بين الأساطين فلا كراهة فيها عندنا واختلف قول مالك في كراهتها إذا لم يكن عذر وسبب الكراهة عنده أنه يقطع الصف ولأنه يصلي إلى غير جدار قريب قوله صلى الله عليه وسلم (يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود
اختلف العلماء في هذا فقال بعضهم يقطع هؤلاء الصلاة وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقطعها الكلب الأسود وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء ووجه قوله إن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيء يعارض هذا الحديث وأما المرأة ففيها حديث عائشة رضي الله عنها المذكور بعد هذا وفي الحمار حديث بن عباس السابق وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهم وجمهور العلماء من السلف والخلف لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم وتأول هؤلاء هذا الحديث على أن المراد بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء وليس المراد إبطالها ومنهم من يدعي نسخه بالحديث الآخر لا يقطع صلاة المرء شيء وادرءوا ما استطعتم وهذا غير مرضي لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وتأويلها وعلمنا التاريخ وليس هنا تاريخ ولا تعذر الجمع والتأويل بل يتأول على ما ذكرناه مع أن حديث لا يقطع صلاة المرء شيء ضعيف والله أعلم قوله (سمعت سلم بن أبي الذيال) سلم بفتح السين وإسكان اللام والذيال بفتح الذال المعجمة وتشديد الياء قوله (يوسف بن حماد المعني
هو بإسكان العين وكسر النون وتشديد الياء منسوب إلى معن قوله (عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة) استدلت به عائشة رضي الله عنها والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل وفيه جواز صلاته إليها وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير النبي صلى الله عليه وسلم لخوف الفتنة بها وتذكرها وإشغال القلب بها بالنظر إليها وأما النبي صلى الله عليه وسلم فمنزه عن هذا كله وصلاته مع أنه كان في الليل والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح قولها (فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت) فيه استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل وفيه أنه يستحب لمن وثق باستيقاظه من آخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره أن يؤخر الوتر وإن لم يكن له تهجد فإن عائشة رضي الله عنها كانت بهذه الصفة وأما من لا يثق باستيقاظه ولا له من يوقظه فيوتر قبل أن ينام وفيه استحباب إيقاظ النائم للصلاة في وقتها وقد جاءت فيه أحاديث أيضا غير هذا قولها (إن المرأة
لدابة سوء) تريد به الإنكار عليهم في قولهم إن المرأة تقطع الصلاة قولها (فأكره أن أسنحه) هو بقطع الهمزة المفتوحة وإسكان السين المهملة وفتح النون أي أظهر له وأعترض يقال سنح لي كذا أي عرض ومنه السانح من الطير قولها (فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي) استدل به من يقول لمس النساء لا ينقض الوضوء والجمهور على أنه ينقض
وحملوا الحديث على أنه غمزها فوق حائل وهذا هو الظاهر من حال النائم فلا دلالة فيه على عدم النقض قولها (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) أرادت به الاعتذار تقول لو كان فيها مصابيح لقبضت رجلي عند إرادته السجود ولما أحوجته إلى غمزي قولها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه إلى جنبه) المرط كساء وفي هذا دليل على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وأبطلها أبو حنيفة رضي الله عنه وفيه أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعا ترى عليه دما أو نجاسة أخرى وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها وأما استقبال المصلي وجه غيره فمذهبنا ومذهب الجمهور كراهته ونقله القاضي عياض عن عامة العلماء رحمهم الله تعالى
(باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه)
قوله (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال أولكلكم ثوبان) فيه
جواز الصلاة في ثوب واحد ولا خلاف في هذا إلا ما حكي عن بن مسعود رضي الله عنه فيه ولا أعلم صحته وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل ومعنى الحديث أن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة وفي ذلك حرج وقد قال الله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في ثوب واحد ففي وقت كان لعدم ثوب آخر وفي وقت كان مع وجوده لبيان الجواز كما قال جابر رضي الله عنه ليراني الجهال وإلا فالثوبان أفضل كما سبق قوله صلى الله عليه وسلم (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) قال العلماء حكمته أنه إذا ائتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه فيشغل بذلك وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى
تحت صدره ورفعهما حيث شرع الرفع وغير ذلك لأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة وقد قال الله تعالى (خذوا زينتكم) ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى والجمهور هذا النهي للتنزيه لا للتحريم فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا وقال أحمد وبعض السلف رحمهم الله تعالى لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه لظاهر الحديث وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته ولكن يأثم بتركه وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه فإن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فأتزر به رواه البخاري ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل قوله (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملا به واضعا طرفيه على عاتقيه) وفي الرواية الأخرى (مخالفا بين طرفيه
وفي حديث جابر (متوشحا به) المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا قال بن السكيت التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره وفيه جواز الصلاة في ثوب واحد قوله (فرأيته يصلي على حصير يسجد) فيه دليل على جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض من ثوب وحصير وصوف وشعر وغير ذلك وسواء نبت من الأرض أم لا وهذا مذهبنا ومذهب
الجمهور وقال القاضي رحمه الله تعالى أما ما نبت من الأرض فلا كراهة فيه وأما البسط واللبود وغيرها مما ليس من نبات الأرض فتصح الصلاة فيه بالإجماع لكن الأرض أفضل منه إلا لحاجة حر أو برد أو نحوهما لأن الصلاة سرها التواضع والخضوع والله عز وجل أعلم
(كتاب المساجد ومواضع الصلاة