قوله (حدثنا سعيد بن ميناء) هو بالمد والقصر وقد تقدم بيانه مرات قوله (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خمصا) هو بفتح الخاء والميم أي رأيته ضامر البطن من الجوع قوله (فانكفأت إلى امرأتي) أي انقلبت ورجعت ووقع في نسخ فانكفيت وهو خلاف المعروف في اللغة بل الصواب انكفأت بالهمز
قوله (فأخرجت لي جرابا) وهو وعاء من جلد معروف بكسر الجيم وفتحها الكسر أشهر وقد سبق بيانه قوله (ولنا بهيمة داجن) هي بضم الياء تصغير بهيمة وهي الصغيرة من أولاد الضأن قال الجوهري وتطلق على الذكر والأنثى كالشاة والسخلة الصغيرة من أولاد المعز وقد سبق قريبا أن الداجن ما ألف البيوت قوله (فجئته فساررته فقلت يا رسول الله) فيه جواز المساررة بالحاجة بحضرة الجماعة وإنما نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (إن جابرا قد صنع لكم سورا فحى هلابكم) أما السور فبضم السين وإسكان الواو غير مهموز وهو الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا وهي لفظة فارسية وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم بألفاظ غير العربية فيدل على جوازه وأما حى هلا بتنوين هلا وقيل بلا تنوين على وزن علا ويقال حي هل فمعناه عليك بكذا إو ادع بكذا قاله أبوعبيد وغيره وقيل معناه أعجل به وقال الهروي معناه هات وعجل به قوله (وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس) إنما فعل هذا لأنه صلى الله عليه وسلم دعاهم فجاؤا تبعا له كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي قدامهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير هذا الحال لا يتقدمهم ولا يمكنهم من وطء
عقبيه وفعله هنا لهذه المصلحة قوله (حتى جئت امرأتي فقالت بك وبك) أي ذمته ودعت عليه وقيل معناه بك تلحق الفضيحة وبك يتعلق الذم وقيل معناه جرى هذا برأيك وسوء نظرك وتسببك قوله (قد فعلت الذي قلت لي) معناه أنى أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بما عندنا فهو أعلم بالمصلحة قوله (ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك ثم قال ادعي خابزة فلتخبز معك) هذه اللفظة وهي ادعي وقعت في بعض الأصول هكذا ادعي بعين ثم ياء وهو الصحيح الظاهر لأنه خطاب للمرأة ولهذا قال فلتخبز معك وفى بعضها اذعونى بواو ونون وفي بعضها ادعني وهما أيضا صحيحان وتقديره اطلبوا واطلب لي خابزة وقوله عمد بفتح الميم وقوله بصق هكذا هو في أكثر الأصول وفي بعضها بسق وهي لغة قليلة والمشهور بصق وبزق وحكى جماعة من أهل اللغة بسق لكنها قليلة كما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم (واقدحي من برمتكم) أي اغرفي والقدح المغرفة يقال قدحت المرق أقدحه بفتح الدال غرفته قوله (وهم ألف فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجينتنا لتخبز كما هو) قوله تركوه وانحرفوا أي شبعوا وانصرفوا وقوله تغط بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء أي تغلي ويسمع غليانها وقوله كما هو يعود إلى العجين وقد تضمن هذا الحديث علمين من أعلام النبوة أحدهما تكثير الطعام القليل والثاني علمه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر فيكفي ألفا وزيادة فدعا له ألفا قبل أن يصل إليه وقد علم أنه صاع شعير وبهيمة والله أعلم وأما الحديث الثالث وهو حديث أنس في طعام أبي طلحة ففيه أيضا هذان العلمان من أعلام النبوة وهما تكثير القليل وعلمه
صلى الله عليه وسلم بأن هذا القليل سيكثره الله تعالى فيكفي هؤلاء الخلق الكثير فدعاهم له واعلم أن أنسا رضي الله عنه روى هنا حديثين الأول من طريق والثاني من طريق وهما قضيتان جرت فيهما هاتان المعجزتان وغيرهما من المعجزات ففي الحديث الأول أن أبا طلحة وأم سليم رضي الله عنهما أرسلا أنسا رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأقراص شعير قال أنس فذهبت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد ومعه أصحابه فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك أبو طلحة فقلت نعم فقال ألطعام فقلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت الله ورسوله أعلم قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلمي ما عندك يا أم سليم فأتت بذلك الخبز فأمر به صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت عليه عكة لها فأدمته ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلا أو ثمانون قوله صلى الله
عليه وسلم