(عن أسماء إنها كانت تعلف فرس زوجها الزبير وتكفيه مؤنته وتسوسه وتدق النو لناضحه وتعلفه وتستقي الماء وتعجن) هذا كله من المعروف والمروآت التي أطبق الناس عليها وهو أن المرأة تخدم زوجها بهذه الأمور المذكورة ونحوها من الخبز والطبخ وغسل الثياب وغير ذلك وكله تبرع من المرأة وإحسان منها إلى زوجها وحسن معاشرة وفعل معروف معه ولايجب عليها شيء من ذلك بل لوامتنعت من جميع هذا لم تأثم ويلزمه هو تحصيل هذه الأمور لها ولا يحل
له إلزامها بشيء من هذا وإنما تفعله المرأة تبرعا وهي عادة جميلة استمر عليها النساء من الزمن الأول إلى الآن وإنما الواجب على المرأة شيئان تمكينها زوجها من نفسها وملازمة بيته قولها (وأخرز غربه) هو بغين معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة وهو الدلو الكبير قولها (وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهو على ثلثي فرسخ قال أهل اللغة يقال أقطعه اذا أعطاه قطيعةوهي قطعة أرض سميت قطيعة لأنها اقتطعها من جملة الأرض وقوله على ثلثي فرسخ أي من مسكنها بالمدينة وأما الفرسخ فهو ثلاثة أميال والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربع وعشرون إصبعا معترضة معتدلة والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات وفي هذا دليل لجواز إقطاع الامام فأما الأرض المملوكة لبيت المال فلايملكها أحد إلا بإقطاع الإمام ثم تارة يقطع رقبتها ويملكها الإنسان يرى فيه مصلحة فيجوز ويملكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها إذا رأى فيه مصلحة وتارة يقطعه منفعتها فيستحق الانتفاع بها مدة الإقطاع وأما الموات فيجوز لكل أحد احياؤه ولايفتقر إلى إذن الإمام هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور وقال أبو حنيفة لايملك الموات بالاحياء الاباذن الإمام وأما قولها وكنت أنقل النوى من أرض الزبير فأشار القاضي إلى أن معناه أنها تلتقطه من النوى الساقط فيها مما أكله الناس وألقوه قال ففيه جواز التقاط المطروحات رغبة عنها كالنوى والسنابل وخرق المزابل وسقاطتها ومايطرحه الناس من رديء المتاع ورديء الخضر وغيرها مما يعرف أنهم تركوه رغبة عنه فكل هذا يحل التقاطه ويملكه الملتقط وقد لقطه الصالحون وأهل الورع ورأوه من الحلال المحض وارتضوه لأكلهم ولباسهم قولها (فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومعه نفر من أصحابه فدعاني وقال إخ إخ ليحملني خلفه فاستحييت وعرفت غيرتك) أما لفظة إخ إخ فهي بكسر الهمزة وإسكان الخاء المعجمة وهي كلمة تقال للبعير ليبرك وفي هذا الحديث جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة وله نظائر كثيرة في الصحيح سبق بيانها في مواضعها وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات ورحمتهم ومواساتهم فيما أمكنه وفيه جواز إرداف المرأة التي ليست محرما إذا وجدت في طريق قد أعيت لا سيما مع جماعة رجال صالحين ولا شك في جواز مثل هذا وقال القاضي عياض هذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره فقد أمرنا بالمباعدة من أنفاس الرجال والنساء وكانت عادته صلى الله عليه وسلم مباعدتهن ليقتدى به أمته قال وإنما كانت هذه خصوصية له لكونها بنت أبي بكر وأخت عائشة وامرأة الزبير فكانت كإحدى أهله ونسائه مع ما خص به صلى الله عليه وسلم أنه أملك لإربه وأما إرداف المحارم فجائز بلاخلاف بكل حال قولها (أرسل إلي بخادم) أي جارية تخدمني يقال
للذكر والأنثى خادم بلا هاء قولها في الفقير الذي استأذنها في أن يبيع في ظل دارها وذكرت الحيلة في استرضاء الزبير هذا فيه حسن الملاطفة في تحصيل المصالح ومداراة أخلاق الناس في تتميم ذلك والله أعلم
(باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه)
قوله صلى الله عليه وسلم