(إنه رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فاذا سمعتم به بأرضفلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه) وفي رواية إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بقي بعد بالأرض فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلايقدمن عليه ومن وقع بأرض وهو بها فلايخرجنه الفرار منه وفي حديث عمر رضي الله عنه أن الوباء وقع بالشام أما الوباء فمهموز مقصور وممدود لغتان القصر أفصح وأشهر وأما الطاعون فهو قروح تخرج في الجسد فتكون في المرافق أو الآباط أو الأيدي أوالأصابع وسائر البدن ويكون معه ورم وألم شديد وتخرج تلك القروح مع لهيب ويسود ماحواليه أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان القلب والقيء وأما الوباء فقال الخليل وغيره هو الطاعون وقال هو كل مرض عام والصحيح الذي قاله المحققون أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات ويكون مخالفا للمعتاد من أمراض في الكثرة وغيرها ويكون مرضهم نوعا واحدا بخلاف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة قالوا وكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر كان طاعونا وهو طاعون عمواس وهي قرية معروفة بالشام وقد سبق في شرح مقدمة الكتاب في ذكر الضعفاء من الرواة عند ذكره طاعون الجارف بيان الطواعين وأزمانها وعددها وأما كنها ونفائس مما يتعلق بها وجاء في هذه الأحاديث أنه أرسل على بني إسرائيل أو من كان قبلكم عذابا لهم هذا الوصف بكونه عذابا مختص بمن كان قبلنا وأما هذه الأمة فهولها رحمة وشهادة ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم المطعون شهيد وفي حديث آخر في غير الصحيحين أن الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث فى بلده
صابرا يعلم أنه لن يصيبه الاما كتب الله له الاكان له مثل أجر شهيد وفي حديث آخر الطاعون شهادة لكل مسلم وإنما يكون شهادة لمن صبر كما بينه في الحديث المذكور وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون ومنع الخروج منه فرارا من ذلك أما الخروج لعارض فلابأس به وهذا الذي ذكرناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور قال القاضي هو قول الأكثرين قال حتى قالت عائشةالفرار منه كالفرار من الزحف قال ومنهم من جوز القدوم عليه والخروج منه فرارا قال وروى
هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنه ندم على رجوعه من سرغ وعن أبي موسى الأشعري ومسروق والأسود بن هلال أنهم فروا من الطاعون وقال عمرو بن العاص فروا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال فقال معاذ بل هو شهادة ورحمة ويتأول هؤلاء النهي على أنه لم ينه عن الدخول عليه والخروج منه مخافة أن يصيبه غير المقدر لكن مخافة الفتنة على الناس لئلا يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه وسلامة الفار انما كانت
بفراره قالوا وهو من نحو النهي عن الطيرة والقرب من المجذوم وقد جاء عن بن مسعود قال الطاعون فتنة على المقيم والفار أما الفار فيقول فررت فنجوت وأما المقيم فيقول أقمت فمت وانما فر من لميأت أجله وأقام من حضر أجله والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه والفرار منه لظاهر الأحاديث الصحيحة قال العلماء وهو قريب المعنى من قوله صلى الله عليه وسلم لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا وفي هذا الحديث الاحتراز من المكاره وأسبابها وفيه التسليم لقضاء الله عند حلول الآفات والله أعلم واتفقوا على جواز الخروج بشغل وغرض غير الفرار ودليله صريح الأحاديث قوله في رواية أبي النضر (لا يخرجكم إلا فرار منه) وقع في بعض النسخ فرار بالرفع وفي بعضها فرارا بالنصب وكلاهما مشكل من حيث العربية والمعنى قال القاضي وهذه الرواية ضعيفة عند أهل العربية مفسدة للمعنى
لأن ظاهرها المنع من الخروج لكل سبب إلا للفرار فلا منع منه وهذا ضد المراد وقال جماعة ان لفظة إلاهنا غلط من الراوي والصواب حذفها كما هو المعروف في سائر الروايات قال القاضي وخرج بعض محققي العربية لرواية النصب وجها فقال هو منصوب على الحال قال ولفظة إلا هنا للإيجاب لا للاستثناء وتقديره لاتخرجوا اذا لم يكن خروجكم إلافرارا منه والله أعلم واعلم أن أحاديث الباب كلها من رواية أسامة بن زيد وذكر في الطرق الثلاث في آخر الباب ما يوهم أو يقتضي أنه من رواية سعد بن أبى وقاص عنالنبى صلى الله عليه وسلم قال القاضي وغيره هذا وهم إنما هو من رواية سعد عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم قوله