قوله صلى الله عليه وسلم (ومنهم من تأخذه يعني النار إلى حجزته) هي بضم الحاء وإسكان الجيم وهي معقد الازار والسراويل ومنهم من تأخذه إلى ترقوته هي بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق وفي رواية حقويه بفتح الحاء وكسرها وهما
معقد الازار والمراد هنا ما يخاذى ذلك الموضع من جنبيه قوله صلى الله عليه وسلم (تحاجت النار والجنة) إلى آخره هذا الحديث على ظاهره وأن الله تعالى جعل في النار والجنة تمييزا تدركان به فتحاجتا ولايلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز فيهما دائما قوله صلى الله عليه وسلم (وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم) أما سقطهم فبفتح السين والقاف أى ضعفاؤهم والمتحقرون منهم وأما عجزهم فبفتح العين والجيم جمع عاجز أي العاجزون عن طلب الدنيا والتمكن فيها والثروة والشوكة وأما الرواية رواية محمد بن رافع ففيها لا يدخلنى الاضعاف الناس وغرتهم فروي على ثلاثة أوجه حكاها القاضي وهي موجودة في النسخ إحداها غرثهم بغين معجمة مفتوحة وثاء مثلثة قال القاضي هذه رواية الأكثرين من شيوخنا ومعناها أهل الحاجة والفاقة والجوع والغرث الجوع والثاني عجزتهم بعين مهملة مفتوحة وجيم وزاي وتاء جمع عاجز كما سبق والثالث غرتهم بغين معجمة مكسورة وراء مشددة وتاء مثناة فوق وهكذا هو الأشهر في نسخ بلادنا أي البله الغافلون الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا وهو نحو الحديث الآخر أكثر أهل الجنة البله قال القاضي معناه سواد الناس وعامتهم من أهل الايمان الذين لايفطنون للسنة فيدخل عليهم الفتنة أو يدخلهم في البدعة أو غيرها فهم ثابتوا الايمان وصحيحوا العقائد وهم أكثر المؤمنين وهم أكثر أهل الجنة وأما العارفون والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون وهم أصحاب الدرجات قال وقيل معنى الضعفاء هنا وفي الحديث الآخر أهل الجنة كل ضعيف متضعف أنه الخاضع لله تعالى المذل نفسه له سبحانه وتعالى ضد المتجبر المستكبر
قوله صلى الله عليه وسلم (فتقول قط قط فهنالك تمتلىء ويزوى بعضها إلى بعض) معنى يزوى يضم بعضها إلى بعض فتجتمع وتلتقي على من فيها ومعنى قط حسبي أي يكفيني هذا وفيه ثلاث لغات قط قط بإسكان الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة قوله صلى الله عليه وسلم فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله) وفي الرواية التى بعدها لاتزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة تبارك وتعالى قدمه فتقول قط قط وفي الرواية الأولى فيضع قدمه عليها هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات وقد سبق مرات بيان اختلاف العلماء فيها على مذهبين أحدهما وهو قول جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لايتكلم في تأويلها بل نؤمن أنها حق على ما أراد الله ولها معنى يليق بها وظاهرها غير مراد والثاني
وهو قول جمهور المتكلمين أنها تتأول بحسب ما يليق بها فعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث فقيل المراد بالقدم هنا المتقدم وهو شائع في اللغة ومعناه حتى يضع الله تعالى فيها من قدمه لها من أهل العذاب قال المازري والقاضي هذا تأويل النضر بن شميل ونحوه عن بن الأعرابي الثاني أن المراد قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم الثالث أنه يحتمل أن في المخلوقات ما يسمى بهذه التسمية وأما الرواية التي فيها يضع الله فيها رجله فقد زعم الإمام أبو بكر بن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل ولكن قد رواها مسلم وغيره فهي صحيحة وتأويلها كما سبق في القدم ويجوز أيضا أن يراد بالرجل الجماعة من الناس كما يقال رجل من جراد أي قطعة منه قال القاضي أظهر التأويلات أنهم قوم استحقوها وخلقوا لها قالوا ولابد من صرفه عن ظاهره لقيام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (ولايظلم الله من خلقه أحدا) قد سبق مرات بيان أن الظلم مستحيل في حق الله تعالى فمن عذبه بذنب أو بلاذنب فذلك عدل منه سبحانه وتعالى قوله صلى الله عليه وسلم (وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقا) هذا دليل لأهل السنة أن الثواب ليس متوقفا على الأعمال فإن هؤلاء يخلقون حينئذ ويعطون في الجنة ما يعطون بغير عمل ومثله أمر الأطفال والمجانين الذين لم يعملوا طاعة قط فكلهم في الجنة برحمة الله تعالى وفضله وفي هذا الحديث
دليل على عظم سعة الجنة فقد جاء في الصحيح أن للواحد فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها ثم يبقى فيها شيء لخلق ينشئهم الله تعالى