قوله (أربع في أمتي) أي خصال أربع كائنة في أمتي (من أمر الجاهلية) أي حال كونهن من أمور الجاهلية وخصالها (لن يدعهن) بفتح الدال أي لن يتركهن (النياحة) هي قول واويلاه واحسرتاه والندبة عد شمائل الميت مثل واشجاعاه واأسداه واجبلاه قاله القارىء (والطعن في الأحساب) جمع الحسب وما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك وقيل الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه
قال بن السكيت الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لآبائه شرف والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء (والعدوى) بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة
قال الجزري في النهاية هو اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء يقال أعداه الداء يعديه إعداء وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا فتنتفي مخالطته بإبل أخرى حذارا أن يتعدى ما به من الجرب إليها فيصيبها ما أصابه وقد أبطله الإسلام لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس الأمر كذلك وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء (أجرب بعير) أي صار ذا جرب (من أجرب البعير الأول) هذا رد عليهم أي من أين صار فيهم الجرب (والأنواء مطرنا بنوء كذا
وكذا) الأنواء جمع نوء
قال النووي في شرح مسلم نقلا عن الشيخ أبي عمر الصلاح النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءا أي سقط وغاب وقيل نهض وطلع وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما
وقال الأصمعي إلى الطالع منهما
قال أبو عبيد ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوأ تسمية للفاعل بالمصدر
قال أبو إسحاق الزجاج في أماليه الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارج انتهى كلام النووي
3 -
ما جاء في كراهية البكاء على الميت [1002] قوله (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فيه دلالة على أنه لا يجوز البكاء على الميت لأنه سبب لتعذيبه
وإليه ذهب بعض أهل العلم كما ستعرف
وقد حكى النووي إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين
قوله (وفي الباب عن بن عمر وعمران بن حصين) أما حديث بن عمر فأخرجه الشيخان بمثل حديث عمر رضي الله عنه
ولأحمد ومسلم عنه بلفظ الميت يعذب في قبره بما نيح عليه
وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه النسائي مرفوعا بلفظ الميت يعذب بنياحة أهله عليه الحديث
قوله (حديث عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
قوله (وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت وقالوا الميت يعذب ببكاء أهله عليه إلخ) وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر وابنه
وروي عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث وعارضها بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وروى عنه أبو يعلى أنه قال تالله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره
وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له واختلفوا في التأويل فذهب جمهورهم كما قال النووي إلى تأويلها بمن أوصى بأن يبكى عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن العبد إذا مت فابكيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا أم معبد
قال في الفتح واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية والحديث دال على أنه إنما يقع عند الامتثال والجواب أنه ليس في السياق حصر لا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلا انتهى
قلت والحق هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل هذه الأحاديث الصحيحة ولا وجه لردها مع إمكان التأويل ولهم تأويلات بعضها قريبة وبعضها بعيدة فتؤخذ القريبة وتترك البعيدة
وإن شئت الوقوف على هذه التأويلات فارجع إلى فتح الباري وغيره من شروح البخاري (وقال بن المبارك أرجو إن كان ينهاهم في حياتهم أن لا يكون عليه من ذلك شيء) وهذا هو رجائي والله تعالى أعلم