قوله (لا تحرم المصة ولا المصتان) وفي حديث أم الفضل لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان
وفي رواية لا تحرم الرضعة والرضعتان
والمصة هي المرة من المص كالرضعة من الرضاع
قال في القاموس مصصته بالكسر أمصه ومصصته أمصه كخصصته أخصه شربته شربا رفيقا انتهى وقال في الصراح المص مكيدن
وقال في القاموس ملج الصبي أمه كنصر وسمع تناول ثديها بأدنى فمه
وامتلج اللبن امتصه وأملجه أرضعه والمليج الرضيع انتهى
وقال فيه رضع أمه كسمع وضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة وتكسر إن امتص ثديها انتهى
وقال بن الأثير في النهاية فلا تحرم الملجة والملجتان
وفي رواية الإملاجة والإملاجتان
الملج المص ملج الصبي أمه إذا رضعها
والملجة المرة والإملاجة المرة أيضا من أملجته أمه أي أرضعته يعني أن المصة والمصتين لا يحرمان ما يحرمه الرضاع الكامل انتهى
قوله (وفي الباب عن أم الفضل) إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أتحرم المصة فقال لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان
وفي رواية قالت دخل أعرابي على نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي فقال يا نبي الله إن كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان
أخرجهما أحمد ومسلم (وأبي هريرة) أخرجه النسائي
وقال بن عبد البر لا يصح مرفوعا
كذا في التلخيص (والزبير) أخرجه أحمد والنسائي وبن حبان (وبن الزبير عن عائشة) أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما
قوله (وهو غير محفوظ والصحيح عند أهل الحديث حديث بن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة الخ) وأعل
بن جرير الطبري الحديث بالاضطراب
فإنه روي عن علي بن الزبير عن أبيه وعنه عن عائشة وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة
وجمع بن حبان بينهما بإمكان أن يكون بن الزبير سمعه من كل منهم
قال الحافظ في التلخيص وفي ذلك الجمع بعد على طريقة أهل الحديث انتهى
قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وغيره (والعمل على هذا) أي حديث عائشة لا تحرم المصة والمصتان (عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم) ذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وبن المنذر وداود وأتباعه إلا بن حزم إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات لقوله صلى الله عليه وسلم لا تحرم الرضعة والرضعتان
فإن مفهومه أن الثلاث تحرم
وأغرب القرطبي فقال لم يقل به إلا داود
كذا في فتح الباري
قوله (وقالت عائشة أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات) بسكون الشين وبفتح الضاد قاله القارىء
(فنسخ من ذلك خمسا) أي فنسخ الله تعالى من ذلك المذكور خمس رضعات
وقد ضبط في النسخة الأحمدية المطبوعة فنسخ بضم النون وكسر السين ويخدشه قوله خمسا بالنصب
نعم لو كان خمس بالرفع لكان صحيحا (وصار إلى خمس رضعات إلخ)
وفي رواية مسلم قالت فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن
قال النووي معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا حتى أنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى
والنسخ ثلاثة أنواع أحدها ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات
والثاني ما نسخ تلاوته دون حكمه كخمس رضعات وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما
والثالث ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته وهذا هو الأكثر وعنه قوله تعالى الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم الآية
انتهى كلام النووي
(وبهذا كانت عائشة تفتي وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
وهو قول الشافعي وإسحاق) قال
النووي اختلف العلماء في القدر الذي يثبت به حكم الرضاع فقالت عائشة والشافعي وأصحابه لا يثبت بأقل من خمس رضعات
وقال جمهور العلماء يثبت برضعة واحدة
حكاه بن المنذر عن بن مسعود وبن عمر وبن عباس وطاءوس وبن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة رضي الله عنهم
قال فأما الشافعي وموافقوه فأخذوا بحديث عائشة خمس رضعات معلومات
وأخذ مالك بقوله تعالى (وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم) ولم يذكر عددا وههنا اعتراضات من قبل الشافعية على المالكية ومن قبل المالكية على الشافعية مذكورة في شروح مسلم والبخاري
(فهو مذهب قوي) لصحة دليله وقوته (وجبن) الجبن بضم الجيم وسكون الموحدة ضد الشجاعة فهو إما مصدر ويحتمل أن يكون بصيغة الماضي بفتح الموحدة وبضمها
(عنه) الضمير المجرور يرجع إلى قوله ذاهب (أن يقول فيه) أي في هذا المذهب القوي (شيئا) والمعنى جبن عن ذلك الذاهب أن يتكلم في هذا المذهب القوي بشيء من الكلام أو ذلك جبن عنه
والظاهر أن هذا مقولة أحمد
وقيل أنه مقولة الترمذي
وضمير عنه يرجع إلى أحمد
قوله (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يحرم قليل الرضاع وكثيره إذا وصل إلى الجوف
وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ووكيع وأهل الكوفة) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وهو قول الجمهور وإليه ميلان الإمام البخاري رحمه الله فإنه قال في صحيحه باب من قال لارضاع بعد حولين إلى أن قال وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره انتهى
قال الحافظ وهذا مصير منه إلى التمسك بالعموم الوارد في الأخبار انتهى
قلت استدل هؤلاء الأئمة بإطلاق قوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وإطلاق حديث إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب
وغير ذلك قال الحافظ في الفتح وقوى مذهب الجمهور أن الأخبار اختلفت في العدد
وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك
فوجب الرجوع إلى أصل ما ينطلق عليه الاسم
ويعضده من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضي تأييد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر أو يقال مائع يلج الباطن فيحرم فلا يشترط فيه العدد كالمني والله أعلم
وأيضا فقول
عائشة عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ
لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي الأصوليين لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآنا ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه انتهى كلام الحاكم
(باب ما جاء في شهادة المرأة الواحدة في الرضاع)