قوله (جاء عمي من الرضاعة) وفي رواية البخاري إن أفلح أخا أبي العقيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة (فليلج عليك) أي ليدخل (إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل) وفي رواية البخاري في تفسير سورة الأحزاب فإن أخاه أبو القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس (قال فإنه عمك فليلج عليك) فيه دليل على أن لبن الفحل يحرم حتى يثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن كما ثبت من جانب المرضعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت عمومة الرضاع وألحقها بالنسب
قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا لبن الفحل) قال الحافظ في الفتح ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي في أهل الشام والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة وبن جريج في أهل مكة ومالك في أهل المدينة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يحرم وحجتهم هذا الحديث الصحيح
يعني حديث عائشة المذكور في الباب (وقد رخص بعض أهل
العلم في لبن الفحل) روي ذلك عن بن عمر وأبي الزبير ورافع بن خديج وغيرهم ومن التابعين عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشعبي وإبراهيم النخعي وغيرهم
واحتجوا بقوله تعالى (وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم) ولم يذكر العمة والبنت كما ذكرهما في النسب
وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة
واحتج بعضهم من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل من الرجل وإنما ينفصل من المرأة فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل
والجواب أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه وأيضا فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معا فوجب أن يكون الرضاع منهما وإلى هذا أشار بن عباس بقوله في هذه المسألة اللقاح واحد وأيضا فإن الوطء يدر اللبن فللفحل فيه نصيب (والقول الأول أصح) فإنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة ولم يثبت القول الثاني بدليل صحيح قوله (له جاريتان) أي أمتان (أرضعت أحدهما جارية) أي صبية (والأخرى غلاما) أي والجارية الأخرى أرضعت صبيا (فقال لا) أي لا يحل للغلام أن يتزوج الجارية (اللقاح واحد) قال الجزري في النهاية اللقاح بالفتح اسم ماء الفحل أراد أن ماء الفحل الذي حملت منه واحد واللبن الذي أرضعته كل واحدة منهما كان أصله ماء الفحل ويحتمل أن يكون اللقاح في هذا الحديث بمعنى الإلقاح يقال ألقح الفحل الناقة إلقاحا ولقاحا كما يقال أعطى إعطاء وعطاء
والأصل فيه للإبل ثم استعير للناس انتهى
وأثر بن عباس هذا سكت عنه الترمذي والظاهر أن إسناده صحيح
$ 3 - (باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان)