قوله (أن سلمان بن صخر الأنصاري) هو سلمة بن صخر المذكور في الحديث المتقدم (أحد بني بياضة) بالنصب بدل من سلمان (حتى يمضي رمضان) قال الطيبي رحمه الله فيه دليل على صحة ظهار الموقت (وقع عليها) أي جامعها وفي رواية غير الترمذي قال كنت امرأ قد أوتيت في جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع فبينا هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها
فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت لهم انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمري
فقالوا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها ولكن اذهب أنت واصنع ما بدا لك فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم إلخ (فذكر ذلك له) وفي رواية غير الترمذي فأخبرته خبري فقال لي أنت بذاك فقلت أنا بذاك
فقال أنت بذاك فقلت أنا بذاك
فقال أنت بذاك قلت نعم ها أنا ذا فامض في حكم الله عز وجل فأنا صابر له (أعتق رقبة) ظاهره عدم اعتبار كونها مؤمنة وبه قال عطاء والنخعي وأبو حنيفة
وقال مالك والشافعي وغيرهما لا يجوز ولا يجزئ إعتاق الكافر لأن هذا مطلق مقيد بما في كفارة القتل من اشتراط الإيمان
وأجيب بأن تقييد حكم بما في حكم آخر مخالف لا يصح ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام حديث معاوية بن الحكم السلمي فإنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إعتاق جاريته عن الرقبة التي عليه قال لها أين الله قالت في السماء فقال من أنا فقالت رسول الله
قال فأعتقها فإنها مؤمنة
ولم يستفصله عن الرقبة التي عليه وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كذا في النيل وغيره قلت فيه شيء فتفكر (قال فصم شهرين متتابعين قال لا
أستطيع) وفي رواية غير الترمذي وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم (قال أطعم ستين مسكينا
قال لا أجد) في رواية غير الترمذي والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشا ما لنا عشاء
(لفروة بن عمرو) بفتح الفاء وسكون الراء البياضي الأنصاري شهد بدرا وما بعدها من المشاهد
روى عنه أبو حازم التمار (ذلك العرق) بفتح العين والراء ويسكن (وهو مكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية
قال في القاموس المكتل كمنبر زنبيل يسع خمسة عشر صاعا انتهى
وقال في النهاية العرق بفتح الراء زنبيل منسوج من خوص
وفي القاموس عرق التمر الشقيقة المنسوجة من الخوص قبل أن يجعل منه الزنبيل أو الزنبيل نفسه ويسكن انتهى
وهو تفسير من الراوي (إطعام ستين مسكينا) أي ليطعم ستين مسكينا واحتج بهذا الحديث الشافعي على أن الواجب لكل مسكين مد فإن العرق يأخذ خمسة عشر صاعا
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه إن الواجب لكل مسكين صاع من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر واحتجوا برواية أبي داود فإنه وقع فيها فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا
قال الشوكاني وظاهر الحديث أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا ولا يجزئ إطعام دونهم
وإليه ذهب الشافعي ومالك
وقال أبو حنيفة وأصحابه انه يجزئ إطعام واحد ستين يوما انتهى
وقال الطيبي في الحديث دليل على أن كفارة الظهار مرتبة انتهى
قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود وصححه بن خزيمة وبن الجارود وقد أعله عبد الحق بالانقطاع وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمة
وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري وفي إسناده محمد بن إسحاق
قوله (وفي الباب عن خولة بنت ثعلبة وهي امرأة أوس بن الصامت) هذه العبارة ليست في بعض النسخ
وأخرج حديثها أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو رواه عن معمر بالعنعنة
(باب ما جاء في الإيلاء)
هو مشتق من الألية بالتشديد وهي اليمين والجمع ألايا وزن عطايا قال الشاعر قليل الألايا حافظ بيمينه فإن سبقت منه الألية برت فجمع بين المفرد والجمع وفي الشرع الحلف الواقع من الزوج أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر أو أكثر
ويأتي الكلام في ما يتعلق به عن قريب [1201] قوله (آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) من الإيلاء أي حلف (وحرم فجعل الحرام حلالا إلخ) في الصحيحين أن الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه هو العسل
وقيل تحريم مارية
وروى بن مردويه عن طريق عائشة ما يفيد الجمع بين الروايتين
وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية ومدة إيلائه صلى الله عليه وسلم من نسائه شهر كما ثبت في صحيح البخاري واختلف في سبب إيلائه صلى الله عليه وسلم فقيل سببه الحديث الذي أفشته حفصة كما في صحيح البخاري من حديث بن عباس
واختلف أيضا في ذلك الحديث الذي أفشته وقد وردت في بيانه روايات مختلفة
وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدا قالوا فإن من أخرجه حلف على أنقص منها لم يكن مؤليا
قوله (وفي الباب عن أبي موسى) لينظر (وأنس) أخرجه البخاري إن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه الحديث
وفي الباب عن أم سلمة عند البخاري بنحو حديث أنس وعن جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه شهرا قوله (وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة) وأخرجه بن ماجه
قال الحافظ في الفتح رجاله موثقون ولكنه رجح الترمذي إرساله على وقفه انتهى
قوله (والإيلاء أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته أربعة أشهر وأكثر)
الحلف وفي الشرع هو ما ذكره الترمذي فلو قال لا أقربك ولم يقل والله
لم يكن موليا
وقد فسر بن عباس به قوله تعالى الذين يؤلون من نسائهم بالقسم الإيلاء في
اللغة أخرجه عبد الرزاق وبن المنذر وعبد بن حميد وفي مصحف أبي بن كعب للذين يقسمون
أخرجه بن أبي داود في المصاحف عن حماد ثم عند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي في الجديد إذا حلف على ترك قربان زوجته أربعة أشهر يكون مؤليا
واشترط مالك أن يكون مضرا بها أو يكون في حالة الغضب
فإن كان للإصلاح لم يكن موليا
ووافقه أحمد وأخرج نحوه عبد الرزاق عن علي
وكذلك أخرج الطبري عن بن عباس وعلي والحسن
وحجة من أطلق إطلاق قوله تعالى للذين يؤلون الآية
واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لو حلف أن لا يقرب أقل من أربعة أشهر لا يكون مؤليا
وكذلك أخرجه الطبري وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن بن عباس قال كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله لهم أربعة أشهر وعشرا
فمن كان إيلاؤه أقل فليس بإيلاء
قوله (فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إذا مضت أربعة أشهر يوقف) أي المولي يعني لا يقع بمضي هذه المدة الطلاق بل يوقف المولي (فإما يفيء) أي يرجع (وإما أن يطلق) وإن جامع زوجته في أربعة أشهر فليس عليه إلا كفارة يمين (وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق) وسائر أهل الحديث كما ستعرف روى البخاري في صحيحه عن بن عمر قال إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق يعني المولي
قال البخاري ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الحافظ في الفتح من وصل هذه الآثار ثم قال وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وسائر أصحاب الحديث إلا أن للمالكية والشافعية بعد ذلك تفاريع يطول شرحها منها أن الجمهور ذهبوا إلى أن الطلاق يكون فيه رجعيا لكن قال مالك لا تصح رجعته إلا إن جامع في العدة
وقال الشافعي ظاهر كتاب الله تعالى على أن له أربعة أشهر ومن كانت له أربعة أشهر أجلا فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي فإذا انقضت فعليه أحد أمرين إما أن يفيء وإما أن يطلق
فلهذا قلنا لا يلزمه الطلاق بمجرد مضي المدة حتى يحدث رجوعا أو طلاقا
ثم رجح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به والترجيح قد يقع بالأكثر مع موافقة ظاهر القرآن
ونقل بن المنذر عن بعض الأئمة قال لم يجد في شيء من الأدلة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقا ولو جاز لكان العزم على الفيء
فيئا ولا قائل به وكذلك ليس في شيء من اللغة أن اليمين الذي لا ينوي به الطلاق تقتضي طلاقا
وقال غيره العطف على الأربعة أشهر بالفاء يدل على أن التخيير بعد مضي المدة والذي يتبادر من لفظ التربص أن المراد به المدة المضروبة ليقع التخيير بعدها
وقال غيره جعل الله الفيء والطلاق معلقين بفعل المولي بعد المدة وهو من قوله تعالى فإن فاءوا وان عزموا
فلا يتجه قول من قال إن الطلاق يقع بمجرد مضي المدة انتهى ما في فتح الباري
(وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة
وهو قول الثوري وأهل الكوفة) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله قال محمد في موطإه
بلغنا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت أنهم قالوا إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيء فقد بانت بتطليقة بائنة وهو خاطب من الخطاب وكانوا لا يرون أن يوقف بعد الأربعة
وقال بن عباس في تفسير هذه الآية للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم قال الفيء الجماع في الأربعة الأشهر وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة فإذا مضت بانت بتطليقة ولا يوقف بعدها وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة انتهى ما في الموطإ
قلت هذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وقد عرفت أن مذهب أكثر الصحابة رضي الله عنهم هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وسائر أهل الحديث
ويوافقه ظاهر القرآن فتفكر والله تعالى أعلم
$ 2 - (باب ما جاء في اللعان)
هو مأخوذ من اللعن لأن الملاعن يقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين
واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل وهو الذي بدأ به في الآية وهو أيضا يبدأ به وله أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس
وقيل سمي لعانا لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها لأن الرجل إذا كان
كاذبا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما
قاله الحافظ في الفتح
وقال بن الهمام في شرح الهداية اللعان مصدر لاعن واللعن في اللغة الطرد والإبعاد وفي الفقه اسم لما يجري بين الزوجين من الشهادات بالألفاظ المعلومات وشرطه قيام النكاح وسببه قذف زوجته بما يوجب الحد في الأجنبية وحكمه حرمتها بعد التلاعن وأهله من كان أهلا للشهادة
فإن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان عندنا
وأما عند الشافعي فأيمان مؤكدات بالشهادات وهو الظاهر من قول مالك وأحمد
انتهى كلام بن الهمام مختصرا