قوله (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب) فيه دليل على عدم صحة بيع الكلب مطلقا وهو قول الجمهور
(ومهر البغي) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعلة من بغت المرأة بغاء بالكسر إذا زنت
ومنه قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ومهر البغي هو ما تأخذه الزانية على الزنى سماه مهرا مجازا [1276] (وحلوان الكاهن) بضم الحاء المهملة وسكون اللام ما يعطاه على كهانته
قال الهروي أصله من الحلاوة شبه المعطى بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه سهلا بلا كلفة ومشقة
والكاهن هو الذي يتعاطى الإخبار عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار
وكانت في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور الكائنة ويزعمون أن لهم تابعة من الجن تلقي إليهم الأخبار
ومنهم من يدعي أنه يدرك الأمور بفهم أعطيه
ومنهم من زعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بهما على مواقعها كالشيء يسرق فيعرف المظنون به للسرقة ومتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها ونحو ذلك
ومنهم من يسمي المنجم كاهنا حيث إنه يخبر عن الأمور كإتيان المطر ومجيء الوباء وظهور القتال وطالع نحس أو سعيد وأمثال ذلك
وحديث النهي عن إتيان الكاهن يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم
كذا في المرقاة
قال الحافظ وحلوان الكاهن حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل
وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب انتهى
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم
في الأصل ما يكره لرداءته وخسته ويستعمل للحرام من حيث كرهه الشارع واسترذله كما يستعمل الطيب للحلال قال تعالى ولا تتبدلوا الخبيث قوله (كسب الحجام خبيث إلخ) أي مكروه لدناءته قال
القاضي الخبيث بالطيب أي الحرام بالحلال ولما كان مهر الزانية حراما كان الخبث المسند إليه بمعنى الحرام وكسب الحجام لما لم يكن حراما لأنه صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره كان المراد من المسند إليه الثاني
وأما نهي بيع الكلب فمن صححه كالحنفية فسره بالدناءة ومن لم يصححه كأصحابنا فسره بأنه حرام انتهى قوله (وفي الباب عن عمر) أخرجه الطبراني ذكره الزيلعي في نصب الراية ص 491 (وبن مسعود) لم أقف على حديثه (وجابر) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (وأبي هريرة) أخرجه بن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه ذكره الزيلعي (وبن عباس) أخرجه أحمد وأبو داود (وبن عمر) أخرجه الحاكم (وعبد الله بن جعفر) لم أقف على حديثه
قوله (حديث رافع حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم
قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا ثمن الكلب إلخ) قال الطيبي في الحديث دليل على أنه لا يصح بيعه وأن لا قيمة على متلفه سواء كان معلما أو لا وسواء كان يجوز افتناؤه أم لا
وأجاز أبو حنيفة بيع الكلب الذي فيه منفعة
وأوجب القيمة على متلفه
وعن مالك روايات الأولى لا يجوز البيع وتجب القيمة
والثانية كقول أبي حنيفة والثالثة كقول الجمهور انتهى
وقال الشوكاني في النيل وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره
ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد
قال في الفتح ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته
وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف
فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صح هذا المقيد للاحتجاج به
واختلفوا أيضا هل تجب القيمة على متلفه فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب ومن قال بجوازه قال بالوجوب
ومن فصل في البيع فصل في لزوم القيمة انتهى
$ 47 - (باب ما جاء في كسب الحجام)