قوله (كان الرجل يضحي بالشاة) أي الواحدة (عنه) أي عن نفسه (وعن أهل بيته) وفي رواية مالك في الموطأ كنا نصحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته (فيأكلون ويطعمون) من الإطعام (حتى تباهى الناس) أي تفاخروا وفي رواية مالك ثم تباهى الناس بعد وفي رواية في موطأه ثم تباهى الناس بعد ذلك (فصارت) أي الضحايا (كما ترى)
وفي رواية مالك فصارت مباهاة
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في الموطأ وبن ماجه
قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق) وهو قول مالك والليث والأوزاعي
قال العيني في البناية بعد ما ذكر حديث عبد الله بن هشام قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي الشاة الواحدة عن جميع أهله وحديث أنه ذبح كبشا عن أمته وبهذه الأخبار ذهب مالك وأحمد والليث والأوزاعي إلى جواز الشاة عن أكثر من واحد كذا في التعليق الممجد
وقال مالك في الموطأ أحسن ما سمعت في البدنة والبقرة والشاة الواحدة أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته البدنة ويذبح البقرة والشاة الواحدة هو يملكها ويذبحها عنهم ويشركهم فيها انتهى
واحتج هؤلاء الأئمة بحديث أبي أيوب المذكور في هذا الباب وهو نص صريح في أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته وإن كانوا كثيرين وهو الحق
قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم كما قال عطاء بن يسار سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون
قال الترمذي حديث حسن صحيح
واستدلوا أيضا بحديث أبي سريحة قال أحملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والان يبخلنا جيراننا رواه بن ماجه
قال الشوكاني في النيل وحديث أبي سريحة إسناده في سنن بن ماجه إسناد صحيح وقال والحق أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة انتهى
واستدلوا أيضا بما أخرج الحاكم عن أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن
هشام وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير فمسح رأسه ودعا له قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله
وقال الحاكم صحيح الإسناد وهو خلاف من يقول إنها لا تجزئ إلا عن الواحدة انتهى كذا في تخريج الهداية للزيلعي
وقال الزيلعي قبل هذا ويشكل على المذهب يعني مذهب الحنفية أيضا في منعهم الشاة لأكثر من واحد بالأحاديث المتقدمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش عنه وعن أمته
وأخرج الحاكم عن أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام إلخ
واستدلوا أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتى به ليضحي به قال يا عائشة هلمي المدية ثم قال اشحذيها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه
ثم قال بسم الله
اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد
ثم ضحى به ورواه مسلم قال الخطابي في المعالم قوله تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهله وإن كثروا
وروي عن أبي هريرة وبن عمر أنهما كانا يفعلان ذلك وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه انتهى
فإن قلت هذه الأحاديث منسوخة أو مخصوصة لا يجوز العمل بها كما قال الطحاوي في شرح الآثار
قلت تضحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمته وإشراكهم في أضحيته مخصوص به صلى الله عليه وسلم
وأما تضحيته عن نفسه وآله فليس بمخصوص به صلى الله عليه وسلم ولا منسوخا والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يضحون الشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته كما عرفت ولم يثبت عن أحد من الصحابة التضحية عن الأمة وإشراكهم في أضحيته ألبتة
وأما ما ادعاه الطحاوي فليس عليه دليل
فإن قلت حديث أبي أيوب المذكور محمول على ما إذا كان الرجل محتاجا إلى اللحم أو فقيرا لا يجب عليه الأضحية فيذبح الشاة الواحدة عن نفسه ويطعم اللحم أهل بيته أو يشركهم في الثواب فذلك جائز وأما الاشتراك في الشاة الواحدة في الأضحية الواجبة فلا فإن الاشتراك خلاف القياس وإنما جوز في البقر والإبل لورود النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإبل والبقرة ولا نص في الشاة كذا في التعليق الممجد نقلا عن البناية للعيني
قلت كما ورد النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإبل والبقرة كذلك
ورد النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشاة الواحدة إلا أنه قد ثبت الاشتراك في الإبل والبقرة من أهل أبيات شتى
وثبت الاشتراك في الشاة من أهل بيت واحد كما عرفت فالقول بأن الاشتراك في الشاة خلاف القياس وأنه لا نص فيه باطل جدا
وأما حملهم حديث أبي أيوب المذكور على ما إذا كان الرجل محتاجا إلى اللحم أو فقيرا لا يجب عليه الأضحية فلا دليل عليه ولم يثبت أن من كان من الصحابة يجد سعة يضحي الشاة عن نفسه فقط ولا يشرك أهله فيها ومن كان منهم لا يجد سعة يضحي الشاة الواحدة عن نفسه وعن أهله ويشركهم فيها ولما لم يثبت هذا التفريق بطل حمل الحديث عليه
والظاهر أن أبا سريحة كان ذا سعة ولم يكن فقيرا ومع هذا كان يضحي الشاة الواحدة عن أهل بيته فإنه لو كان فقيرا لم يحمله أهله على الجفاء ولم يبخله جيرانه
باب [1506] قوله (عن جبلة بن سحيم) بمهملتين مصغرا كوفي ثقة من الثالثة مات سنة خمس وعشرين ومائة
قوله (فأعادها) أي فأعاد ذلك الرجل تلك المقالة أي الأضحية أواجبة هي (عليه) أي على بن عمر رضي الله عنه (فقال) أي بن عمر (أتعقل) أي أتفهم (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون) الظاهر أنه لم يثبت عند بن عمر وجوب الأضحية فلذا لم يقل في جواب السائل نعم
وقال البخاري في صحيحه قال بن عمر رضي الله عنه هي سنة ومعروف قال الحافظ في الفتح وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد إلى بن عمر
قوله (هذا حديث حسن) ذكر الحافظ هذا الحديث وتحسين الترمذي في الفتح وسكت عنه لكن في سنده الحجاج والظاهر أنه بن أرطاة وهو مدلس ورواه عن جبلة بلفظ عن
قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة) قال الحافظ في الفتح كأن الترمذي فهم من كون بن عمر لم يقل في الجواب نعم أنه لا يقوله بالوجوب فإن الفعل المجرد لا يدل على ذلك وكأنه أشار بقوله والمسلمون إلى أنها ليست من الخصائص وكان بن عمر حريصا على اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك لم يصرح بعدم الوجوب انتهى
قوله (وهو قول سفيان الثوري وبن المبارك) قال الشيخ عبد الحق في اللمعات اختلفوا في أن الأضحية واجبة أو سنة فذهب أبو حنيفة وصاحباه وزفر إلى أنها واجبة على كل حر مسلم مقيم موسر
وعند الشافعي وفي رواية عن أبي يوسف سنة مؤكدة وهو المشهور المختار في مذهب أحمد وفي رواية عنه أنه واجب على الغني وسنة على الفقير
وفي رسالة بن أبي زيد في مذهب مالك أنه سنة واجبة على من استطاعها ودليل الوجوب ما روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن مخنف بن سليم فذكر حديثه وفيه على كل أهل بيت في كل عام أضحية قال الشيخ وهذا صفة الوجوب وقال صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا ومثل هذا الوعيد لا يليق إلا بترك الواجب انتهى
كلام الشيخ
قلت قال الحافظ في الفتح قد احتج من قال بالوجوب بما ورد في حديث مخنف بن سليم رفعه على كل أهل بيت أضحية أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي ولا حجة فيه لأن الصيغة ليست في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية انتهى كلام الحافظ وأما حديث من وجد سعة فلا يقربن مصلانا فأخرجه بن ماجه وأحمد ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحا في الإيجاب قاله الحافظ
واستدلوا أيضا بقوله تعالى (فصل لربك وانحر) والأمر للوجوب
وأجيب بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له لا للأصنام فالأمر متوجه إلى ذلك لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام ولا شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر على أنه قد روي أن المراد بالنحر وضع اليدين حال الصلاة على الصدر ولهم دلائل أخرى لكن لا يخلو واحد منها عن كلام
واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث بن عباس مرفوعا ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الضحى أخرجه البزار وبن عدي والحاكم وأجيب بأن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج وقد صرح الحافظ بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه
واستدلوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة وكذلك أخرج عن بن عباس وبلال وأبي مسعود وبن عمر
وأجيب بأن هذه آثار الصحابة رضي الله عنهم قال الشوكاني بعد ذكرها ألا حجة في شيء من ذلك انتهى
ولهم دلائل أخرى لا يخلو واحد منها عن كلام
فنقول كما قال بن عمر رضي الله عنه ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحى المسلمون والله تعالى أعلم