قوله (فليكفر عن يمينه وليفعل) استدل به من جوز الكفارة قبل الحنث وفيه أن الواو لمطلق الجمع
نعم وقع في حديث أم سلمة الذي أشار إليه الترمذي لفظ ثم ولفظه فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير أخرجه الطبراني وكذلك وقع لفظ ثم في حديث عبد الرحمن بن سمرة عند أبي داود ولفظه فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير قال الحافظ في بلوغ المرام إسناد هذه الرواية صحيح
قال الشوكاني وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه وأخرج الحاكم عن عائشة نحوها انتهى
فهذه الروايات تدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث
قوله (وفي الباب عن أم سلمة) أخرجه الطبراني كما تقدم آنفا
قوله (حديث أبي هريرة حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم
قوله (وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق) قال بن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفارة تجزئ قبل الحنث إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال لا يجزئ إلا بعد الحنث
وقال أهل الرأي تجزئ لا الكفارة قبل الحنث
وعن مالك روايتان ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري وخالفه بن حزم واحتج الأولون بالروايات التي وقع فيها تقديم الكفارة على الحنث وبالروايات التي وقع فيها لفظ ثم وقد ذكرناها فيما تقدم
واحتج الطحاوي لما ذهب إليه أهل الرأي بقوله تعالى (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم
ورده مخالفوه فقالوا بل التقدير فأردتم الحنث
قال الحافظ وأولى من ذلك أن يقال التقدير أعم من ذلك فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر انتهى
واحتجوا أيضا بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين ورده من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقا
واحتجوا أيضا بأن الكفارة بعد الحنث فرض وإخراجها قبله تطوع فلا يقوم التطوع مقام المفروض
وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزئ كما في تقديم الزكاة وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشرة صحابيا وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة وقد عرفت مما سلف أن المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم
ولولا الإجماع على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب
قال المازري للكفارة ثلاث حالات أحدها قبل الحلف فلا تجزىء اتفاقا ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزىء اتفاقا ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف
وأحاديث الباب تدل على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير وفي حديث عمرو بن شعيب ما يدل على أن ترك اليمين وإتيان الذي هو خير هو الكفارة
وقال أبو داود إنه ما ورد من ذلك إلا ما لا يعبأ به
قال الحافظ كأنه يشر إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة يرفعه من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير فهو كفارته ويحيى ضعيف جدا
وقد وقع في حديث عدي بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك فإنه أخرجه عنه بلفظ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي والذي زاد ذلك حافظ فهو المعتمد انتهى
(باب في الاستثناء في اليمين)