Justice CouncilHadith commentaries

Tuhfat al-Ahwadhi on Jami' al-Tirmidhi 1884

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي — أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353هـ)

al-Mubarakfuri (d. 1353 AH) Printed edition: vol. 6, p. 6 The hadith: tirmidhi:1884

$ 3 - (باب ما جاء في التنفس في الإناء)

قوله كان يتنفس في الإناء أي في أثناء شربه من الإناء كما تقدم

قوله (هذا حديث صحيح) تقدم تخريجه انفا

قوله [1885] (عن يزيد بن سنان الجزري) بفتح جيم وزاي وبراء منسوب إلى جزيرة وهي بلاد بين الفرات ودجلة كذا في المغني ضعيف من كبار السابعة (عن بن لعطاء بن أبي رباح) لم أقف على اسمه

قوله (لا تشربوا واحدا) أي شربا واحدا (كشرب البعير) أي كما يشرب البعير دفعة واحدة لأنه يتنفس في الإناء (ولكن اشربوا مثنى وثلاث) أي مرتين مرتين أو ثلاثة ثلاثة (وسموا) أي قولوا بسم الله الرحمن الرحيم (إذا أنتم شربتم) أي أردتم الشرب (واحمدوا إذا أنتم رفعتم) أي الإناء عن الفم في كل مرة أو في الآخر قاله القارىء

قلت قاله الحافظ في الفتح أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس إذا أدنى الإناء إلى فيه

يسمي الله فإذا أخره حمد الله بفعل ذلك ثلاثا

وأصله في بن ماجة وله شاهد من حديث بن مسعودعند البزار والطبراني

وأخرج الترمذي من حديث بن عباس وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم

وهذا يحتمل أن يكون شاهدا لحديث أبي هريرة المذكور ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط والله أعلم انتهى كلام الحافظ

قوله (هذا حديث غريب) قال الحافظ في الفتح سنده ضعيف انتهى

$ 4 - (باب ما ذكر في الشرب بنفسين)

قوله [1886] (عن رشدين) بكسر الراء (بن كريب) بالتصغير

قوله (كان إذا شرب يتنفس مرتين) فيه ثبوت الشرب بنفسين لكن قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث هذا ليس نصا في الاقتصار على المرتين بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب فيكون قد شرب ثلاث مرات وسكت عن التنفس الأخير لكونه من ضرورة الواقع انتهى

قوله (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ هذا حديث حسن غريب

قال الحافظ في

الفتح سنده ضعيف والحديث أخرجه أيضا بن ماجه (قال) أي أبو عيسى الترمذي (وسألت عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي الحافظ صاحب المسند (ما أقربهما) بصيغة التعجب (ورشدين بن كريب أرجحهماعندي) إعلم أن رشدينا ومحمدا هما أخوان ابنان لكريب وكلاهما ضعيفان لكنهما ليسا متساويين في الضعف فعند الدارمي رشدين أرجح من محمد

وعند البخاري بالعكس ووافقه أبو حاتم فقال يكتب حديثه وهو أحب إلي من أخيه رشدين وقال الترمذي ربما قال الدارمي

$ 5 - (باب ما جاء في كراهية النفخ في الشراب)

قوله [1887] (عن أيوب وهو بن حبيب) الزهري المدني ثقة من السادسة (سمع أبا المثنى الجهني) المدني مقبول من الثالثة (نهى عن النفخ في الشراب) قال الجزري في النهاية إنما نهى عنه من أجل ما يخاف أن يبدر من ريقه فيقع فيه فربما شرب بعده غيره فيتأذى به (القذاة أراها) أي أبصرها والقذاة منصوب على شريطة التفسير (في الإناء) أي الذي فيه الشراب فلا بدلي أن أنفخ في الشراب لتذهب تلك القذاة (فقال أهرقها) بسكون الهاء من الإراقة بزيادة الهاء أي فأرق تلك القذاة عن الشراب ولا تنفخ فيه

قال القارىء أي بعض الماء لتخرج تلك القذاة منها والماء قد يؤنث كما ذكره المظهر في حاشية البيضاوي عند قوله تعالى فسالت أودية بقدرها

وأشار إليه صاحب القاموس بقوله مويه ومويهة (فقال) أي الرجل (فإني لا أروى) بفتح الواو (من نفس

واحد) بفتح الفاء أي بتنفس واحد أي لا يحصل لي الري من الماء في تنفس واحد فلا بد لي أن أتنفس في الشراب (قال فأبن القدح) أي أبعده أمر من الإبانة (عن فيك) أي عن فمك زاد في رواية ثم تنفس

وفي الحديث دليل على إباحة الشرب من نفس واحد لأنه لم ينه الرجل عنه بل قال ما معناه إن كنت لا تروى من واحد فأبن القدح وقد ورد النهي عن ذلك كما عرفت في الباب المتقدم ومجرد الجواز لا ينافي الكراهة

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والدارمي ومحمد بن الحسن في موطئه

قوله [1888] (نهى أن يتنفس) بصيغة المجهول أي لخوف بروز شيء من ريقه فيقع في الماء وقد يكون متغير الفم فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه وأن لا يتنفس فيه (أو ينفخ) بصيغة المجهول أيضا لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبع أو بخلال أو نحوه ولا حاجة إلى النفخ فيه بحال (فيه) أي في الإناء الذي يشرب منه والإناء يشمل إناء الطعام والشراب فلا ينفخ في الإناء ليذهب ما في الإناء من قذاة ونحوها فإنه لا يخلو النفخ غالبا من بذاق يستقذر منه وكذا لا ينفخ في الإناء لتبريد الطعام الحار بل يصبر إلى أن يبرد

وقال المهلب ومحل هذا الحكم إذا أكل وشرب مع غيره وأما لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر شيئا مما يتناوله فلابأس

قال الحافظ والأولى تعميم المنع لأن لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة أو يحصل التقذر من الإناء أو نحو ذلك انتهى

قلت بل هو المتعين عندي والله تعالى أعلم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وبن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره

(باب ما جاء في كراهية التنفس في الإناء)

قوله [1889] إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء هذا بظاهره مخالف لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا

قال الجزري في النهاية الحديثان صحيحان وهما باختلاف تقديرين أحدهما أن يشرب وهو يتنفس في الإناء من غير أن يبينه عن فيه وهو مكروه والآخر أن يشرب من الإناء ثلاثة أنفاس يفصل فيها فاه عن الإناء يقال أكرع في الإناء نفسا أو نفسين أي جرعة أو جرعتين انتهى كلام الجزري

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

$ 7 - (باب ما جاء في النهي عن اختناث الأسقية)

جمع السقاء وهو القربة

قال الجزري في النهاية خنثت السقاء إذا أثنيت فمه إلى خارج وشربت منه

وقبعته إذا أثنيته إلى داخل

قوله [1890] (عن أبي سعيد رواية) أي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه) أي النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن اختناث الأسقية) إنما نهى عنه لأنه ينتنها فإن إدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها وقيل لا يؤمن أن يكون فيها هامة وقيل لئلا يترشش الماء على الشارب لسعة فم السقاء وقد جاء في حديث آخر إباحته ويحتمل أن يكون النهي خاصا بالسقاء الكبير دون الإداوة أو ذا للضرورة والحاجة والنهي عن الاعتياد أو الثاني ناسخ للأول كذا في النهاية وغيرها

قوله (وفي الباب عن جابر وبن عباس وأبي هريرة) أما حديث جابر فلينظر من أخرجه

وأما حديث بن عباس فأخرجه الجماعة إلا مسلما عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من في السقاء

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وبن ماجه

$ 8 - (باب ما جاء في الرخصة)

في ذلك قوله [1891] (حدثنا عبد الله بن عمر) هو العمري (عن عيسى بن عبد الله بن أنيس) بالتصغير الأنصاري المدني مقبول من الرابعة (عن أبيه) هو عبد الله بن أنيس

قال المنذري في تلخيص السنن أبو عيسى هذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري وهو غير عبد الله بن أنيس الجهني فرق بينهما علي بن المديني وخليفة بن خياط شباب وغيرهما انتهى

وقال الحافظ في تهذيب التهذيب وجعلهما واحدا أبو علي بن السكن وغير واحد وهو المعتمد فإن كونه أنصاريا لا ينافي كونه جهنيا لما تقدم في الجهني أنه حليف الأنصار انتهى (فخنثها) أي أثنى فيها إلى الخارج (ثم شرب من فيها) أي من فمها

قوله (وفي الباب عن أم سليم) أخرجه أحمد عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت قربة معلقة فشرب منها فقطعت فاها فإنه لعندي وأخرجه الترمذي في الشمائل والطبراني والطحاوي في معاني الاثار وبن شاهين

قوله (هذا حديث ليس إسناده بصحيح) وأخرجه أبو داود

قوله عن [1892] (يزيد بن جابر) الأزدي الدمشقي ثقة فقيه من السادسة (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة) الأنصاري البخاري القاص قال بن سعد ثقة كثير الحديث كذا في الخلاصة (عن جدته كبشة) قال في تهذيب التهذيب كبشة يقال كبيشة بالتصغير بنت ثابت بن المنذر الأنصارية أخت حسان يقال لها البرصاء روت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشرب قائما من فم القربة وعنها عبد الرحمن بن أبو عمرة وهي جدة انتهى

قوله (فشرب من قربة) أي من فمها (فقمت إلى فيها) أي إلى فمها (فقطعته) لعله للتبرك به لوصول فم النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديث الباب تدل على جواز الشرب من في القربة

وأحاديث الباب المتقدم تدل على خلافها

قال الحافظ

قال شيخنا يعني الحافظ العراقي في شرح الترمذي لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسر ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة يعني أحاديث الإباحة وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي انتهى

قال الحافظ بن حجر ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من مطلق القربة ولا دلالة في أحاديث الجواز على الرخصة مطلقا بل على تلك الصورة وجدها وحملها على الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ

وقد سبق ابن العربي إلى نحو ما أشار إليه شيخنا فقال يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة إما عند الحرب وإما عند عدم الإناء

أو مع وجوده لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء انتهى كلام الحافظ

قلت قد رد القاضي الشوكاني على ما جمع به الحافظ العراقي بما فيه كلام ثم قال فالأولى الجمع بين الأحاديث بحمل الكراهة على التنزيه ويكون شربه صلى الله عليه وسلم بيانا للجواز انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وبن ماجة

19 -

باب ما جاء أن الأيمنين أحق بالشرب

قوله [1893] (قد شيب بماء) أي مزج بالماء وإنما كانوا يمزجونه بالماء لأن اللبن يكون عند حلبه حارا وتلك البلاد في الغالب حارة فكانوا يمزجونه بالماء لذلك

وقال النووي قوله شيب أي خلط وفيه جواز ذلك وإنما ينهي عن شربه إذا أراد بيعه لأنه غش

قال العلماء والحكمة في شربه أن يبرد أو يكثر أو للمجموع انتهى (ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن) يجوز أن يكون قوله الأيمن مبتدأ خبره محذوف أي الأيمن مقدم أو أحق ويجوز أن يكون منصوبا على تقدير قدموا الأيمن أو أعطوا

وقال النووي ضبط الأيمن بالنصب والرفع وهما صحيحان النصب على تقدير أعطي الأيمن والرفع على تقدير الأيمن أحق أو نحو ذلك وفي الرواية الأخرى الأيمنون وهو يرجح الرفع انتهى

وفيه دليل على أنه يقدم من على يمين الشارب في الشرب هلم جرا وهو مستحب عند الجمهور

وقال بن حزم يجب ولا فرق بين شراب اللبن وغيره كما في حديث سهل بن سعد وغيره

وقال النووي فيه بيان استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام وفيه أن الأيمن في الشراب ونحوه يقدم وإن كان صغيرا أو مفضولا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم الأعرابي والغلام على أبي بكر رضي الله عنه

وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف ولهذا يقدم الأعلم والأقرأ على الأسن الشيب في الإمامة في الصلاة انتهى

وقال الحافظ في الحديث إن سنة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن وإن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل المعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته

وقد يعارض حديث أنس يعني المذكور في الباب وحديث سهل يعني الذي أشار إليه الترمذي في الباب حديث سهل بن أبي خيثمة الآتي في القسامة كبر كبر وتقدم في الطهارة حديث بن عمر في الأمر بمناولة السواك الأكبر وأخص من ذلك حديث بن عباس الذي أخرجه أبو يعلى بسند قوي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقي قال ابدأوا بالكبير

ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه أو حيث لا يكون فيهم فتخص هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن أو يخص من عموم هذه الأمر بالبداءة بالكبير أما إذا جلس بعض عن يمين الرئيس وبعض عن يساره ففي هذه الصورة يقدم الصغير على الكبير والمفضول على الفاضل

ويظهر من هذا أن الأيمن ما امتاز لمجرد الجلوس في الجهة اليمنى بل بخصوص كونها يمين الرئيس فالفضل إنما فاض عليه من الأفضل انتهى كلام الحافظ

قوله (وفي الباب عن بن عباس وسهل بن سعد وبن عمر وعبد الله بن بسر) أما حديث بن عباس فأخرجه أحمد والترمذي في الدعوات وبن ماجه وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه الشيخان عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال الغلام والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك احدا

قال فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده

وأما حديث بن عمر فلينظر من أخرجه

وأما حديث عبد الله بن بسر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وبن ماجه

$ 0 - (باب ما جاء أن ساقي القوم آخرهم شربا)

قوله [1894] (عن عبد الله بن رباح) هو الأنصاري أبو خالد المدني

قوله (ساقي القوم آخرهم شربا) فيه دليل على أنه يشرع لمن تولى سقاية قوم أن يتأخر في الشرب حتى يفرغوا عن آخرهم وفيه إشارة إلى أن كل من ولي من أمور المسلمين شيئا يجب عليه تقديم إصلاحهم على ما يخص نفسه وأن يكون غرضه إصلاح حالهم وجر المنفعة إليهم ودفع المضار عنهم والنظر لهم في دق أمورهم وجلها وتقديم مصلحتهم على مصلحته وكذا من يفرق على القوم فاكهة فيبدأ بسقي كبير القوم أو بمن عن يمينه إلى آخرهم وما بقي شربه

ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث ابدأ بنفسك لأن ذاك عام وهذا خاص فيبنى العام على

الخاص

قوله (وفي الباب عن بن أبي أوفى) أخرجه أبو داود بمثل حديث أبي قتادة

قال المنذري رجال إسناده ثقات

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن ماجه هكذا مختصرا وأخرجه مسلم مطولا وفيه فقلت لا أشرب حتى يشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن ساقي القوم آخرهم

$ 1 - (باب ما جاء أي الشراب كان أحب إلى رسول الله)

صلى الله عليه وسلم قوله [1895] (كان أحب الشراب) بالرفع ونصبه أحب (الحلو البارد) بالنصب ورفعه أرفع

قال القارىء ومعنى أحب ألذ لأن ماء زمزم أفضل وكذا اللبن عنده أحب كما سيأتي اللهم إلا أن يراد هذا الوصف على الوجه الأعم فيشمل الماء القراح واللبن والماء المخلوط به أو بغيره كالعسل أو المنقوع فيه تمر أو زبيب وبه يحصل الجمع بينه وبين ما رواه أبو نعيم في الطب عن بن عباس كان أحب الشراب إليه اللبن

وما أخرجه بن السني وأبو نعيم في الطب عن عائشة رضي الله تعالى عنها كان أحب الشراب إليه العسل انتهى كلام القارىء

قلت وقيل المراد بقوله أحب الشراب في هذه الأحاديث أي من أحب الشراب أو كون هذه الأشياء أحب إليه صلى الله عليه وسلم كان من جهات مختلفة والله أعلم

وحديث عائشة هذا أخرجه أحمد والحاكم

قوله [1896] (حدثنا أحمد بن محمد) هو أبو العباس السمسار المعروف بمردويه (ويونس) هو بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي

قوله (الحلو) بضم الحاء المهملة وسكون اللام ضد المر (البارد) لأنه أطفأ للحرارة وأبعث على الشكر وأنفع للبدن

$ 25 - كتاب البر والصلة

(باب ما جاء في بر الوالدين)

قال في النهاية البر بالكسر الإحسان وهو في حق الوالدين وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم يقال بر يبر فهو بار وجمعه بررة

قال والبر والبار بمعنى وجمع البر أبرار وهو كثيرا ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد انتهى

وقال في القاموس البر ضد العقوق بررته وأبره كعلمته وضربته

وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم وقطع الرحم ضد ذلك يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة

قوله [1897] (أخبرنا بهز) بفتح موحدة وسكون هاء فزاي (بن حكيم) أي بن معاوية بن حيدة القشيري البصري (حدثني أبي) أي حكيم (عن جدي) أي معاوية بن حيدة وهو صحابي نزل البصرة ومات بخراسان (من أبر) بفتح الموحدة وتشديد الراء على صيغة المتكلم أي من أحسن إليه ومن أصله (قال أمك) بالنصب أي بر أمك وصلها أولا (قلت ثم من) أي ثم من أبر (ثم

الأقرب فالأقرب) أي إلى آخر ذوي الأرحام

قال النووي فيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب

قالوا وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها انتهى

وفي التنزيل إشارة إلى هذا التأويل في قوله تعالى حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم وهي تعب الحمل ومشقة الوضع ومحنة الرضاع

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه البخاري ومسلم (وعبد الله بن عمرو) أخرجه النسائي والدارمي مرفوعا لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر

وله في هذا الباب أحاديث أخرى (وعائشة) أخرجه البغوي في شرح السنة والبيهقي في شعب الإيمان (وأبي الدرداء) أخرجه الترمذي في باب الفضل في رضا الوالدين

قوله (وهذا حديث حسن) وأخرجه أبو داود

قوله (قد تكلم شعبة في بهز بن حكيم وهو ثقة عند أهل الحديث) قال الذهبي في الميزان وثقة بن المديني ويحيى والنسائي وقال أبو حاتم لا يحتج به وقال أبو زرعة صالح وقال البخاري يختلفون فيه وقال بن عدي لم أر له حديثا منكرا ولم أر أحدا من الثقات يختلف في الرواية عنه وقال صالح جزرة بهز عن أبيه عن جده إسناد أعرابي

وقال أحمد بن بشير أتيت بهزا فوجدته يلعب بالشطرنج وقال الحاكم ثقة إنما أسقط من الصحيح لأن روايته عن أبيه عن جده شاذة لا متابع له عليها

وقال أبو داود هو حجة عندي

2 -

باب منه قوله [1898] (عن الوليد بن العيزار) بن حريث العبدي الكوفي ثقة من الخامسة

قوله (أي الأعمال أفضل) قال الحافظ محصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو لائق بهم أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل أو أن أفضل ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة انتهى

(قال الصلاة لميقاتها) وفي رواية الصحيحين لوقتها وفي رواية لهما على وقتها وفي رواية الحاكم والدارقطني والبيهقي في أول وقتها

قال النووي في شرح المهذب أن رواية في أول وقتها ضعيفة انتهى (قلت ثم ماذا) قال الطيبي ثم لتراخي الرتبة لا لتراخي الزمان أي ثم بعد الصلاة أي العمل أفضل (قال بر الوالدين) أي أو أحدهما

قال بعض العلماء هذا الحديث موافق لقوله تعالى أن اشكر لي ولوالديك وكأنه أخذه من تفسير بن عيينة حيث قال من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا لوالديه عقبهما فقد شكر لهما كذا في الفتح (الجهاد في سبيل الله) قال بن بزبزة الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن لأن فيه بذل النفس إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون (ثم سكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم) هو مقول عبد الله بن مسعود (ولو استزدته) أي النبي صلى الله عليه وسلم يعني لو سألته أكثر من هذا (لزادني) في الجواب

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي

وفي المرقاة روى الدارقطني والحاكم وبن خزيمة وبن حبان والبيهقي عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال الصلاة لأول وقتها قال الحاكم والبيهقي في خلافياته صحيح على شرطهما

قوله (وقد رواه الشيباني) هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني وقد تقدم هذا الحديث بشرحه في باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل

(باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين)

وسخطه في سخطهما وسخط الرب بفتحتين ضد الرضا في سخط الوالد لأنه تعالى أمر أن يطاع الأب ويكرم فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن أغضبه فقد أغضب الله وهذا وعيد شديد يفيد أن العقوق كبيرة قوله وهذا أصح أي الموقوف أصح من المرفوع وأخرجه بن حبان مرفوعا في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم كذا في الترغيب قوله وفي الباب عن بن مسعود أخرجه الترمذي في الباب المتقدم ولم أقف على حديث عنه يطابق الباب نصا وصراحة قوله [1900] (الوالد أوسط أبواب الجنة) قال القاضي أي خير الأبواب وأعلاها والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوسل به إلى وصول درجتها العالية مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه وقال غيره إن للجنة أبوابا وأحسنها دخولا أوسطها وإن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد انتهى

فالمراد بالوالد الجنس أو إذا كان حكم الوالد هذا فحكم الوالدة أقوى وبالاعتبار أولى (فأضع) فعل أمر من الإضاعة (ذلك الباب) بترك المحافظة عليه (أو احفظه) أي داوم على تحصيله

قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه بن ماجة وبن حبان في صحيحه وأبو داود الطيالسي والحاكم في مستدركه وصححه وأقره الذهبي

قوله [1899] (رضا الرب في رضا الوالد) وكذا حكم الوالدة بل هو أولى ورواه الطبراني بلفظ رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما (وسخط الرب) بفتحتين ضد الرضا (في سخط الوالد) لأنه تعالى أمر أن يطاع الأب ويكرم فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن أغضبه فقد أغضب الله وهذا وعيد شديد يفيد أن العقوق كبيرة

قوله (وهذا أصح) أي الموقوف أصح من المرفوع وأخرجه بن حبان مرفوعا في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم كذا في الترغيب

قوله (وفي الباب عن بن مسعود) أخرجه الترمذي في الباب المتقدم ولم أقف على حديث عنه يطابق الباب نصا وصراحة

$ 4 - (باب ما جاء في عقوق الوالدين)

يقال عق والده يعقه عقوقا إذا آذاه وعصاه وخرج عليه وأصله من العق وهو الشق والقطع

قوله [1901] (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر) الكبائر جمع الكبيرة وهي السيئة العظيمة التي خطيئتها في نفسها كبيرة وعقوبة فاعلها عظيمة بالنسبة إلى معصية ليست بكبيرة وقيل الكبيرة ما أوعد عليه الشارع بخصوصه وقيل ما عين له حد وقيل النسبة إضافية فقد يكون الذنب كبيرة بالنسبة لما دونه صغيرة بالنسبة إلى ما فوقه وقد يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال

وقد بسط الحافظ الكلام في تفسير الكبيرة والصغيرة وما يتعلق بهما في الفتح في باب عقوق الوالدين من الكبائر من كتاب الأدب والنووي في شرح مسلم في باب الكبائر وأكبرها من كتاب الإيمان

وقوله (أكبر الكبائر) ليس على ظاهره من الحصر بل من فيه مقدرة فقد ثبت في أشياء أخر أنها من أكبر الكبائر منها حديث أنس في قتل النفس أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي

وحديث بن مسعود أي الذنب أعظم فذكر فيه الزنى بحليلة الجار

وحديث عبد الله بن أنيس الجهني مرفوعا قال من أكبر الكبائر فذكر منها اليمين الغموس أخرجه الترمذي بسند حسن وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد

وحديث أبي هريرة رفعه إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم أخرجه بن أبي حاتم بسند حسن وحديث بريدة رفعه من أكبر الكبائر فذكر منها منع فضل الماء ومنع الفحل أخرجه البزار بسند ضعيف

وحديث بن عمررفعه أكبر الكبائر سوء الظن بالله أخرجه بن مردويه بسند ضعيف ذكره الحافظ في الفتح (وعقوق الوالدين) بضم العين المهملة مشتق من العق وهو القطع والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد وضبطه بن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية كذلك ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين وهو كمن دعته أمه ليمرضها مثلا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها وغير ذلك أن لو تركها

وفعله وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة كالصلاة أول الوقت أو في الجماعة (قال وجلس) أي للاهتمام بهذا الأمر وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه (وكان متكئا) جملة حالية وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس والتهاون بها أكثر فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم

والعقوق يصرف عنه الطبع وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه وليس ذلك لعظمهما بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك قطعا بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإن مفسدته قاصرة غالبا

وهذا الحديث يأتي أيضا بسنده ومتنه في الشهادات

قوله (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه أبو داود

قوله [1902] (من الكبائر أن يشتم الرجل والديه) ولفظ البخاري إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه وهذا يقتضي أن سب الرجل والديه من أكبر الكبائر

ورواية الترمذي تقتضي أنه كبيرة وبينهما فرق من حيث إن الكبائر متفاوتة وبعضها أكبر من بعض (وهل يشتم) بكسر عينه ويضم أي يسب (الرجل والديه) أي هل يقع ذلك وهو استبعاد من السائل لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك فبين في الجواب أنه وإن لم يتعاط السب بنفسه في الأغلب الأكثر لكن قد يقع التسبب فيه وهو مما يمكن وقوعه كثيرا (قال نعم) أي يقع حقيقة تارة وهو نادر ومجاز أخرى وهو كثير لكن ما تعرفونه ثم بينه بقوله (يسب أبا الرجل فيسب) أي الرجل (أباه) أي أبا من سبه (ويشتم) أي تارة أخرى وقد يجمع ويشتم أيضا (أمه) أي أم الرجل (فيشتم) أي الرجل (أمه) أي أم سابه وفي الجمع بين الشتم والسب تفنن ففي القاموس شتمه يشتمه ويشتمه سبه وقد يفرق بينهما ويقال السب أعم فإنه شامل للعن أيضا بخلاف الشتم

قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان وأبو داود في الأدب

(باب ما جاء في إكرام صديق الوالد)

قوله [1903] (حدثنا أحمد بن محمد) هو المعروف بمردويه (حدثنا الوليد بن أبي الوليد) قال في التقريب الوليد بن أبي الوليد عثمان وقيل بن الوليد مولى عثمان أو بن عمر المدني أبو عثمان لين الحديث من الرابعة

قوله (إن أبر البر) أي أفضله بالنسبة إلى والده وكذا الوالدة أو هي بالأولى (أن يصل الرجل أهل ود أبيه) بضم الواو بمعنى المودة أي أصحاب مودته ومحبته

قال النووي الود هنا مضموم الواو وفي هذا فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم بإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشائخ والزوج والزوجة وقد سبقت الأحاديث في إكرامه صلى الله عليه وسلم خلائل خديجة رضي الله تعالى عنها انتهى

قوله (وفي الباب عن أبي أسيد) أخرجه أبو داود وبن ماجه وهو بضم الهمزة وفتح السين المهملة مصغرا

قوله (هذا حديث إسناده صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود

$ 6 - (باب في بر الخالة)

قوله [1904] (الخالة بمنزلة الأم) في الحضانة عند فقد الأم وأماتها لأنها تقرب منها في الحنو والاهتداء إلى ما يصلح الولد

قوله (وفي الحديث قصة طويلة) أخرجه الشيخان بقصته الطويلة ولفظهما هكذا عن البراء بن عازب قال صالح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على ثلاثة أشياء على أن من أتاه من المشركين رده إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام فلما دخلها ومضى الأجل خرج فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فأخذ بيدها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر قال علي أنا أخذتها وهي بنت عمي وقال جعفر بنت عمي وخالتها تحتي وقال زيد بنت أخي فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال الخالة بمنزلة الأم وقال لعلي أنت مني وأنا منك وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا انتهى

قوله (إني أصبت ذنبا عظيما) يجوز أنه أراد عظيما عندي لأن عصيان الله تعالى عظيم وإن كان الذنب صغيرا ويجوز أن يكون ذنبه كان عظيما من الكبائر وإن هذا النوع من البر يكون مكفرا له وكان مخصوصا بذلك الرجل علمه النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الوحي قاله الطيبي (هل لك من أم) أي ألك أم فمن زائدة أو تبعيضية قال (فبرها) بفتح الموحدة وتشديد الراء من بررت فلانا بالكسر أبره بالفتح أي أحسنت إليه

والمعنى أن صلة الرحم من جملة الحسنات التي يذهبن السيئات

وحديث بن عمر هذا

أخرجه أيضا بن حبان في صحيحه والحاكم إلا أنهما قالا هل لك والدان بالتثنية وقال الحاكم صحيح على شرطهما كذا في الترغيب

قوله (وفي الباب عن علي) أخرجه أبو داود بلفظ الخالة أم

قوله (أبو بكر بن حفص هو بن عمر بن سعد بن أبي وقاص) في التقريب عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو بكر المدني مشهور بكنيته من الخامسة

(باب ما جاء في دعوة الوالدين)

قوله [1905] (ثلاث دعوات) مبتدأ (مستجابات) خبر (لا شك فيهن) أي في استجابتهن (ودعوة الوالد على ولده) أي لضرره وحديث أبي هريرة هذا أورده السيوطي في الجامع الصغير وقال رواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة

قوله (وأبو جعفر الذي روى عن أبي هريرة يقال له أبو جعفر المؤذن ولا نعرف اسمه) في التقريب أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة ومن زعم أنه محمد بن علي بن الحسين فقد وهم

$ 8 - (باب ما جاء في حق الوالدين)

قوله [1906] (لا يجزئ) بفتح أوله وسكون الياء في آخره أي لا يكافىء (ولد والدا) أي إحسان والد (إلا أن يجده مملوكا) منصوب على الحال من الضمير المنصوب في يجده (فيشتريه فيعتقه) بالنصب فيهما

قال الجزري في النهاية ليس معناه استئناف العتق فيه بعد الشراء لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال وإنما معناه أنه إذا اشتراه فدخل في ملكه عتق عليه فلما كان الشراء سببا لعتقه أضيف العتق إليه وإنما كان هذا جزاء له لأن العتق أفضل ما ينعم به أحد على أحد إذا خلصه بذلك من الرق وجبر به النقص الذي فيه وتكمل له أحكام الأحرار في جميع التصرفات انتهى

قلت في قوله لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال نظر فإن بعض أهل الظاهر ذهبوا إلى أن الأب لا يعتق على الابن بمجرد الملك بل لا بد من إنشاء العتق واحتجوا بهذا الحديث

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود وبن ماجه

(باب ما جاء في قطيعة الرحم)

قوله [1907] (عن أبي سلمة) هو بن عبد الرحمن بن عوف الزهري

قوله (فقال) أي أبو الدرداء (خيرهم) مبتدأ (وأوصلهم) عطف على المبتدأ (أبو محمد) خبر وهو كنية عبد الرحمن بن عوف

والمعنى خير الناس وأوصلهم في علمي أبو محمد عبد الرحمن بن عوف (أنا الله) كان هذا توطئة للكلام حيث ذكر العلم الخاص ثم ذكر الوصف المشتق من مادة الرحم فقال (وأنا الرحمن) أي المتصف بهذه الصفة (خلقت الرحم) أي قدرتها أو صورتها مجسدة (وشققت) أي أخرجت وأخذت اسما (لها) أي للرحم (من اسمي) أي الرحمن وفيه إيماء إلى أن المناسبة الاسمية واجبة الرعاية في الجملة وإن كان المعنى على أنها أثر من آثار رحمة الرحمن ويتعين على المؤمن التخلق بأخلاق الله تعالى والتعلق بأسمائه وصفاته ولذا قال (فمن وصلها وصلته) أي إلى رحمتي أو محل كرامتي (ومن قطعها بتته) بتشديد الفوقية الثانية أي قطعته من رحمتي الخاصة من البت وهو القطع

قوله (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه إسماعيل القاضي في الأحكام كما في الفتح (وبن أبي أوفى) هو عبد الله بن أبي أوفى الجهني الأنصاري شهد أحدا وما بعدها

وأخرج حديثه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعا لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد (وعامر بن ربيعة) لم أقف على من أخرجه (وأبي هريرة) أخرجه الشيخان (وجبير بن مطعم) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي في الباب الآتي

قوله (حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف

وقال الترمذي حديث حسن صحيح

قال المنذري وفي تصحيح الترمذي له نظر فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا قاله يحيى بن معين وغيره

ورواه أبو داود وبن حبان في صحيحه من حديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن رداد الليثي عن عبد الرحمن بن عوف وقد أشار الترمذي إلى هذا ثم حكى عن البخاري أنه قال وحديث معمر خطأ انتهى

والحديث أخرجه أيضا أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والحاكم (ع 4 ن رداد) بفتح الراء وتشديد الدال المهملة بعدها

ألف ثم دال مهملة

وقال بعضهم أبو الرداد وهو أصوب

حجازي مقبول من الثانية (ومعمر كذا يقول) أي عن أبي سلمة عن رداد عن عبد الرحمن (قال محمد) يعني الإمام البخاري (وحديث معمر خطأ) وقال بن حبان في ثقات التابعين وما أحسب معمرا حفظه روى هذا الخبر أصحاب الزهري عن أبي سلمة عن بن عوف كذا في تهذيب التهذيب

$ 0 - (باب ما جاء في صلة الرحم)

بفتح الراء وكسر الحاء المهملة يطلق على الأقارب وهم من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا وسواء كان ذا محرم أم لا وقيل هم المحارم فقط والأول هو المرجح لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام وليس كذلك

يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه من علاقة القرابة والصهر قال بن أبي جمرة تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء

والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة فإن كانوا كفارا أو فجارا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى

قوله [1908] (وفطر بن خليفة) المخزومي مولاهم أبو بكر الحناط

صدوق رمي بالتشيع من الخامسة

قوله (ليس الواصل) أي بالرحم (بالمكافىء) بكسر فاء وهمز أي المجازي لأقاربه إن صلة فصلة وإن قطعا فقطع والمراد به نفي الكمال (ولكن) بتشديد النون (الواصل) بالنصب أي الواصل الكامل (الذي إذا انقطعت رحمه)

وفي رواية البخاري إذا قطعت رحمه (وصلها

هذا من باب الحث على مكارم الأخلاق كقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن السيئة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم صل من قطعك وأحسن إلى من أساءك

الحديث رواه البخاري عن علي رضي الله عنه

قال الطيبي التعريف في الواصل للجنس أي ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بوصله من يكافىء صاحبه بمثل فعله

ونظيره قولك هو ليس بالرجل بل الرجل من يصدر منه المكارم والفضائل انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وأبو داود

قوله (وفي الباب عن سليمان) لينظر من أخرجه (وعائشة) أخرجه البخاري ومسلم مرفوعا بلفظ الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله

قوله [1909] لا يدخل الجنة قاطع أي للرحم وقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد وقال فيه قاطع رحم

قال النووي وغيره يحمل تارة على من يستحل القطيعة وأخرى على أن لا يدخلها مع السابقين

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود

$ 1 - (باب ما جاء في حب الوالد ولده)

قوله [1910] (سمعت بن أبي سويد) اسمه محمد

قال في التقريب محمد بن أبي سويد الثقفي الطائفي مجهول من الرابعة وليس هو بن سويد راوي قصة غيلان انتهى

قلت بن سويد الذي روى قصة غيلان اسمه أيضا محمد

وقد أخرج الترمذي قصة

غيلان في باب الرجل يسلم وعنده عشر نسوة من

(أبواب النكاح)

ومحمد بن سويد الذي روى قصته ثقة كما في تهذيب التهذيب (خولة بنت حكيم) بدل من المرأة الصالحة وهي ابنة حكيم بن أمية السلمية يقال لها خويلة أيضا بالتصغير صحابية مشهورة يقال إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون كذا في التقريب

قوله (وهو محتضن) من الاحتضان أي جاعل في حضنه والحضن ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما كذا في القاموس (أحد ابني ابنته) فاطمة رضي الله عنها وهو إما الحسن أو الحسين رضي الله عنهما (إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون) الصيغ الثلاث من باب التفعيل أي تحملون على البخل والجبن والجهل فإن من ولد له جبن عن القتال لتربية الولد وبخل له وجهل حفظا لقلبه والجبن والجبان ضد الشجاعة والشجاع (وإنكم لمن ريحان الله) قال في النهاية الريحان يطلق على الرحمة والرزق والراحة بالرزق سمي الولد ريحانا انتهى

وقال في المجمع ويجوز إرادة الريحان المشموم لأنهم يشمون ويقبلون وهو من باب الرجوع ذمهم أولا ثم رجع إلى المدح أي مع كونهم مظنة أن يحملوا الآباء على البخل والجبن عن الغزو من ريحان الله أي رزقه انتهى

وقال العيني في العمدة وجه التشبيه أن الولد يشم ويقبل فكأنهم من جملة الرياحين

وقال الكرماني الريحان الرزق أو المشموم

قال العيني لا وجه هنا أن يكون بمعنى الرزق على ما لا يخفى

وروى الترمذي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه

وروى الطبراني في الأوسط من طريق أبي أيوب قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين يلعبان بين يديه فقلت أتحبهما يا رسول الله قال وكيف لا وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما انتهى

قوله (وفي الباب عن بن عمر) أخرجه الترمذي في مناقب الحسن والحسين (والأشعث بن قيس) أخرجه أحمد في مسنده ص 211 ج 5

قوله (ولا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة) قال الحافظ في تهذيب التهذيب في

ترجمته روى عن خولة بنت حكيم مرسلا انتهى فحديث عمر بن عبد العزيز هذا عن خولة منقطع

$ 2 - (باب ما جاء في رحمة الولد)

قوله [1911] (أبصر الأقرع بن حابس) هو من المؤلفة وممن حسن إسلامه (وهو يقبل الحسن) جملة حالية أي رأى الأقرع النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه يقبل الحسن فقال أي الأقرع (ما قبلت منهم أحدا) إما للاستكبار أو للاستحقار (إنه) الضمير للشأن (من لا يرحم لا يرحم) الأول بصيغة المعروف والثاني بصيغة المجهول أي من لا يرحم الناس لا يرحمه الله

وفي رواية البخاري ثم نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من لا يرحم لا يرحم

قال الحافظ هو بالرفع فيهما على الخبر

وقال عياض هو للأكثر

وقال أبو البقاء من موصولة ويجوز أن تكون شرطية فيقرأ بالجزم فيهما انتهى

قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في الفضائل (وعائشة) أخرجه البخاري ومسلم

قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الأدب ومسلم في الفضائل

$ 13 - (باب ما جاء في النفقة على البنات)

قوله [1916] (عن أيوب بن بشير) بن سعد بن النعمان كنيته أبو سليمان المدني له رؤية وثقه أبو داود وغيره (عن سعيد الأعشى) هو سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل الأعشى الزهري المدني مقبول من السادسة كذا في التقريب

وقال في الخلاصة وثقه بن حبان

قوله (من كانت له ثلاثة بنات أو ثلاث أخوات) أو للتنويع لا للشك وكذا في قوله أو ابنتان أو أختان

قوله (فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن) أي في أداء حقوقهن

قوله [1912] (عن سعيد بن عبد الرحمن) هو سعيد الأعشى المذكور في الإسناد السابق

قوله (فيحسن إليهن) وقع في حديث عقبة بن عامر في الأدب المفرد

فصبر عليهن وكذا وقع في بن ماجه زاد وأطعمهن وسقاهن وكساهن

وفي حديث بن عباس عند الطبراني فأنفق عليهن وزوجهن وأحسن أدبهن

وفي حديث جابر عند أحمد

وفي الأدب المفرد يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن زاد الطبراني فيه ويزوجهن قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الألفاظ وهذه الأوصاف يجمعها لفظ الإحسان

قوله (وفي الباب عن عائشة) لها حديثان في الباب أخرجهما الترمذي في هذا الباب (وعقبة بن عامر) أخرجه بن ماجه والبخاري في الأدب المفرد (وأنس) أخرجه الترمذي في هذا

الباب (وجابر) أخرجه أحمد والبخار في اللأدب المفرد

والبزار والطبراني في الأوسط

(وبن عباس) أخرجه بن ماجه بإسناد صحيح

وبن حبان في صحيحه من رواية شرحبيل عنه

والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا في الترغيب

قوله (وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان) اشتهر بكنيته له ولأبيه صحبة استصغر بأحد ثم شهد ما بعدها وكان من الحفاظ المكثرين مات سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع (وسعد بن أبي وقاص هو سعد بن مالك بن وهيب) هو أحد العشرة المبشرة بالجنة أسلم قديما وهو بن سبع عشرة سنة وقال كنت ثالث الإسلام وأنا أول من رمى السهم في سبيل الله شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم مات في قصره بالعقيق قريبا من المدينة فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين

وإنما ذكر الترمذي ها هنا سعد بن أبي وقاص لأنه كان مشاركا في اسم أبي سعيد واسم أبيه فذكر ترجمته ليتميز عنه

قوله (وقد زادوا في هذا الإسناد) أي الإسناد الثاني بين سعيد بن عبد الرحمن وأبي سعيد الخدري (رجلا) هو أيوب بن بشير فروى أبو داود في سننه قال حدثنا مسدد حدثنا خالد أخبرنا سهيل يعني بن أبي صالح عن سعيد الأعشى عن أيوب بن بشير الأنصاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عال ثلاث بنات فأدبهن الحديث ثم قال حدثنا يوسف بن موسى أخبرنا جرير عن سهيل بهذا الإسناد بمعناه

قال المنذري في تلخيص السنن

وأخرجه الترمذي من حديث سهيل عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد قال وقد زادوا في هذا الإسناد رجلا وأخرجه أيضا من حديث سفيان بن عيينة عن سهيل عن أيوب بن بشير عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد

وقال البخاري في تاريخه

وقال بن عيينة عن سهيل عن أيوب عن سعيد الأعشى ولا يصح انتهى

قوله [1913] (حدثنا العلاء بن مسلمة) بن عثمان الرواس مولى بني تميم بغدادي يكنى أبا سالم متروك ورماه بن حبان بالوضع من العاشرة (حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز) هو بن أبي رداد

قوله (من ابتلي بشيء من البنات) بصيغة المجهول أي امتحن قال الحافظ في الفتح اختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلي بما يصدر منهن وكذلك هل هو على العموم في البنات أو المراد من اتصف منهن بالحاجة إلى ما يفعل به

وقال النووي تبعا لابن بطال إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهون البنات فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك ورغب في إبقائهن وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن وجاهد نفسه في الصبر عليهن

وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى فإن من لم يتق الله لايأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه أو يقصر عما أمر بفعله أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابه والله أعلم (كن له حجابا من النار) أي يكون جزاؤه على ذلك وقاية بينه وبين نار جهنم حائلا بينه وبينها وفيه تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبا عن القيام بمصالح أنفسهن بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن وجزالة الرأي وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال

قوله (هذا حديث حسن) في سنده العلاء بن مسلمة وهو متروك فتحسين الترمذي له لشواهده

قوله [1915] (فلم تجد عندي شيئا غير تمرة) وفي رواية البخاري غير تمرة واحدة

قال العيني فإن قلت وقع في رواية عراك بن مالك عن عائشة جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها فأعجبني شأنها الحديث أخرجه مسلم فما الجمع بينهما قلت قيل يحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى تمرة واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين ويحتمل تعدد القصة انتهى

(فأعطيتها إياها) أي التمرة ولم تستحقرها لقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره

ولقوله عليه السلام اتقوا النار ولو بشق تمرة

(ولم تأكل منها) أي مع جوعها إذ يستبعد أن تكون شبعانة مع جوع ابنتيها (فأخبرته) أي بما جرى (من ابتلي بشيء من هذه البنات) زاد في رواية البخاري فأحسن إليهن (كن له) أي للمبتلى (سترا) بكسر أوله أي حجابا دافعا (من النار) أي دخولها

واختلف في المراد با حسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه والظاهر الثاني

وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن بزوج أو غيره

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي

قوله [1914] (حدثنا محمد بن عبيد) هو الطنافسي (حدثنا محمد بن عبد العزيز الراسبي) أبو روح البصري ثقة من السابعة (عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس) بن مالك مجهول الحال من الخامسة

قوله (من عال جاريتين) زاد في رواية مسلم حتى تبلغا

قال النووي معنى عالهما قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما مأخوذ من العول وهو القرب منه ابدأ بمن تعول (دخلت أنا وهو) أي الذي عالهما (الجنة) بالنصب (كهاتين وأشار بإصبعيه) أي السبابة والوسطى

وسيأتي توضيح قوله كهاتين في الباب الذي يليه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم وبن حبان في صحيحه (غير حديث) أي غير واحد من الحديث (والصحيح هو عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) وكذا رواه مسلم في صحيحه قال حدثني عمرو الناقد أخبرنا أبو أحمد الزبيري أخبرنا محمد بن عبد العزيز عن

عبيد بن أبي بكر بن أنس عن أنس بن مالك إلخ

وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس هذا كنيته أبو معاذ قال في التقريب ثقة من الرابعة

$ 4 - (باب ما جاء في رحمة اليتيم وكفالته)

أي الذي مات أبوه وهو صغير يستوي فيه المذكر والمؤنث قيل اليتيم من الناس من مات أبوه ومن الدواب من مات أمه

قوله [1917] (من قبض يتيما بين المسلمين) أي تسلم وأخذ وفي رواية شرح السنة من آوى يتيما كما في المشكاة (إلى طعامه وشرابه) الضميران لمن والمعنى من يضم اليتيم إليه ويطعمه (أدخله الله الجنة ألبتة) أي إدخالا قاطعا بلا شك وشبهة (إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر) المراد منه الشرك لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كذا ذكره الطيبي

وقال بن الملك أي الشرك وقيل مظالم الخلق

قال القارىء في المرقاة والجمع هو الأظهر للإجماع على أن حق العباد لا يغفر بمجرد ضم اليتيم ألبتة مع أن من جملة حقوق العباد أكل مال اليتيم نعم يكون تحت المشيئة فالتقدير إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر إلا بالتوبة أو بالاستحلال ونحوه

وحاصله أن سائر الذنوب التي بينه وبين الله تغفر إن شاء الله تعالى

قوله (وفي الباب عن مرة) أخرجه البخاري في الأدب المفرد والطبراني كما في الفتح (وأبي هريرة) أخرجه بن ماجه مرفوعا بلفظ خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو نعيم في الحلية (وأبي أمامة) أخرجه أحمد والترمذي (وسهل بن سعد) أخرجه الترمذي في هذا الباب

قوله (وحنش هو حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي) بفتح الراء والموحدة قال الحافظ في التقريب حسين بن قيس الرحبي أبو علي الواسطي لقبه حنش بفتح المهملة والنون ثم معجمة متروك من السادسة انتهى (وسليمان التيمي يقول حنش) يعني يذكره بلقبه حنش (وهو ضعيف عند أهل الحديث)

قال أحمد متروك وقال أبو زرعة وبن معين ضعيف وقال البخاري لا يكتب حديثه وقال السعدي أحاديثه منكرة جدا وقال الدارقطني متروك كذا في الميزان

قوله [1918] (حدثنا عبد الله بن عمران) بن رزين بن وهب المخزومي العابدي (أبو القاسم المكي القرشي) صدوق معمر من العاشرة

قوله (أنا وكافل اليتيم) أي مربيه قال في النهاية الكافل هو القائم بأمر اليتيم المربي له (في الجنة) خبر أنا ومعطوفة (كهاتين)

قال بن بطال حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك

وفي رواية البخاري في اللعان وفرج بينهما شيئا أي بين السبابة والوسطى وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي صلى الله عليه وسلم وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى

وهو نظير الحديث الآخر بعثت أنا والساعة كهاتين الحديث

وزعم بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك استوت إصبعاه في تلك الساعة ثم عادتا على حالهما الطبيعية الأصلية تأكيدا لأمر كفالة اليتيم

قال الحافظ ومثل هذا لا يثبت بالاحتمال

ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة أصبع أخرى

وقد وقع في رواية لأم سعيد عند الطبراني معي في الجنة كهاتين يعني المسبحة والوسطى إذا اتقى

ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخول الجنة لما أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة رفعه أنا أول من يفتح باب الجنة فإذا امرأة تبادرني فأقول من أنت فتقول أنا امرأة تأيمت على أيتام لي

ورواته لابأس بهم

وقوله تبادرني أي لتدخل معي أو تدخل في إثري

ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين سرعة الدخول وعلو المنزلة قال العراقي في شرح الترمذي لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا وكذلك كافل

اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه فظهرت مناسبة ذلك ذكره الحافظ في الفتح

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود

$ 5 - (باب ما جاء في رحمة الصبيان)

جمع الصبي قوله [1919] (حدثنا عبيد بن واقد) القيسي أو الليثي أبو عباد ضعيف من التاسعة (عن زربي) بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم تحتانية مشددة بن عبد الله الأزدي مولاهم أبي يحيى البصري ضعيف من الخامسة

قوله (ليس منا) قيل أي ليس على طريقتنا وهو كناية عن التبرئة ويأتي تفسيره من الترمذي في آخر الباب (من لم يرحم صغيرنا) أي من لا يكون من أهل الرحمة لأطفالنا (ولم يوقر) من التوقير أي لم يعظم (كبيرنا) هو شامل للشاب والشيخ

قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) أخرجه الترمذي في هذا الباب (وأبي هريرة) أخرجه الترمذي في باب رحمة الولد (وبن عباس) أخرجه الترمذي في هذا الباب (وأبي أمامة) أخرجه أحمد في مسنده ص 752 ج 5

قوله (وزربي له أحاديث مناكير عن أنس بن مالك وغيره) وقال البخاري في حديثه نظر

قوله [1920] (ويعرف شرف كبيرنا) عطف على يرحم أي لم يعرف شرف كبيرنا سنا أو علما وفي بعض النسخ ولم يعرف

قوله [1921] (ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر) بالجزم في الأفعال الثلاثة عطف على يرحم أي ولم يوقر كبيرنا ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر

وقوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد (وحديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب حديث حسن صحيح) فإن قلت محمد بن إسحاق مدلس وقد رواه عن عمرو بن شعيب بالعنعنة فكيف صحح الترمذي حديثه

لهذا قلت الظاهر أنه صححه بتعدد طرقه وشواهده

وحديث عمرو بن شعيب هذا أخرجه أيضا أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد والحاكم (وقد روي عن عبد الله بن عمرو عن غير هذا الوجه أيضا) أخرجه أبو داود من طريق بن أبي شيبة وبن السرح عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن بن عامر عن عبد الله بن عمرو

(قال بعض أهل العلم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا إلخ) تقدم الكلام مفصلا في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم ليس منا في باب النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب من أبواب الجنائز

$ 6 - (باب ما جاء في رحمة الناس)

قوله [1922] (من لم يرحم الناس لا يرحمه الله) وفي رواية البخاري

من لا يرحم لا يرحم ووقع

عند الطبراني من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء

وفي حديث الأشعث بن قيس عند الطبراني في الأوسط من لم يرحم المسلمين لم يرحمه الله

قال بن بطال فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم

قوله (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف) أخرجه الترمذي في باب قطيعة الرحم (وأبي سعيد) أخرجه الترمذي في باب الرياء والسمعة من أبواب الزهد (وبن عمر) أخرجه أحمد (وأبي هريرة) أخرجه الترمذي في هذا الباب (وعبد الله بن عمرو) أخرجه أيضا الترمذي في هذا الباب

قوله [1923] (كتب به) أي بالحديث (إلي) بتشديد الياء (وقرأته عليه) أي قرأت الحديث على منصور

والمعنى أن منصورا كتب الحديث إلى شعبة أولا ثم لقيه شعبة وقرأ الحديث عليه (سمع) أي منصور

قوله (لا تنزع الرحمة) بصيغة المجهول أي لا تسلب الشفقة على خلق الله ومنهم نفسه التي هي أولى بالشفقة والمرحمة عليها من غيرها بل فائدة شفقته على غيره راجعة إليها لقوله تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم (إلا من شقي) قال الطيبي لأن الرحمة في الخلق رقة القلب والرقة في القلب علامة الإيمان فمن لا رقة له لا إيمان له ومن لا إيمان له شقي فمن لا يرزق الرقة شقي انتهى

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفردوأبو داود وبن حبان

في صحيحه والحاكم في مستدركه

قال المناوي إسناده صحيح

قوله (وأبو عثمان الذي روى عن أبي هريرة لا نعرف اسمه يقال هو والد موسى بن أبي عثمان إلخ) قال في التقريب أبو عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة قيل اسمه سعيد وقيل عمران مقبول من الثالثة

قوله [1924] (عن أبي قابوس) غير منصرف للعجمة والعلمية

قطع بهذا غير واحد ممن يعتمد عليه كذا في مرقاة الصعود وأبو قابوس هذا هو مولى عبد الله بن عمرو بن العاص مقبول من الرابعة

قوله (الراحمون) لمن في الأرض من آدمي وحيوان محترم بنحو شفقة وإحسان ومواساة (يرحمهم الرحمن) أي يحسن إليهم ويتفضل عليهم والرحمة مقيدة باتباع الكتاب والسنة فإقامة الحدود والانتقام لحرمة الله لا ينافي كل منهما الرحمة (ارحموا من في الأرض) قال الطيبي أتى بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر والناطق والبهم والوحوش والطير انتهى

وفيه إشارة إلى أن إيراد من لتغليب ذوي العقول لشرفهم على غيرهم أو للمشاكلة المقابلة بقوله (يرحمكم من في السماء) وهو مجزوم على جواب الأمر أي الله تعالى وقيل المراد من سكن فيها وهم الملائكة فإنهم يستغفرون للمؤمنين قال الله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم وفي السراج المنير

وقد روي بلفظ ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء والمراد بأهل السماء الملائكة ومعنى رحمتهم لأهل الأرض دعاؤهم لهم بالرحمة والمغفرة كما قال تعالى ويستغفرون لمن امن الرحم شجنة بكسر المعجمة وسكون الجيم بعدها نون وجاء بضم أوله وفتحه رواية ولغة وأصل الشجنة عروق الشجر المشتبكة والشجن بالتحريك واحد الشجون وهي طرق

الأودية ومنه قولهم الحديث ذو شجون أي يدخل بعضه في بعض (من الرحمن) أي أخذ اسمها من هذا الاسم كما في حديث عبد الرحمن بن عوف في السنن مرفوعا أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي

والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى

وقال الإسماعيلي معنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة وليس معناه أنها من ذات الله تعالى الله عن ذلك ذكره الحافظ في الفتح

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وسكت عنه ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره والحديث أخرجه أحمد والحاكم أيضا

واعلم أن هذا الحديث هو الحديث المسلسل بالأولية

قال بن الصلاح في مقدمته قلما تسلم المسلسلات من ضعف أعني في وصف التسلسل لا في أصل المتن ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده وذلك نقص فيه وهو كالمسلسل بأول حديث سمعته على ما هو الصحيح في ذلك انتهى

$ 7 - (باب ما جاء في النصيحة)

قوله [1926] (الدين النصيحة) أي عماد الدين وقوامه هو النصيحة (ثلاث مرار) أي ذكرها ثلاثا للتأكيد بها والاهتمام بشأنها (قالوا) أي الصحابة رضي الله عنهم (لمن) أي النصيحة لمن (قال لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)

قال الجزري في النهاية النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها

وأصل النصح في اللغة الخلوص ويقال نصحته ونصحت له

ومعنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه ونصيحة رسوله التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه ونصيحة الأئمة أن يطيعهم

في الحق ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهى

وقد بسط النووي في شرح هذا الحديث في شرح مسلم بسطا حسنا

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم من حديث تميم الداري

قوله (وفي الباب عن بن عمر وتميم الداري وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان)

أما حديث بن عمر فأخرجه البزار

وأما حديث تميم الداري فأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود

وأما حديث جرير فأخرجه الترمذي في هذا الباب

وأما حديث حكيم بن أبي يزيد عن أبيه فلينظر من أخرجه

وأما حديث ثوبان فأخرجه الطبراني في الأوسط

قوله [1925] (على إقام الصلاة) أي إقامتها وإدامتها وحذف تاء الإقامة عند الإضافة للإطالة (وإيتاء الزكاة) أي إعطائها

قال النووي إنما اقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما أمي العبادات المالية والبدنية وهما أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين وأظهرها انتهى

لا يقال لعل غيرهما من الصوم والحج لم يكونا واجبين حينئذ لأنه أسلم عام توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (والنصح) بضم فسكون أي وبالنصيحة (لكل مسلم) أي من خاصة المسلمين وعامتهم

قال النووي في شرح مسلم ومما يتعلق بحديث جرير منقبة ومكرمة لجرير رواها الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده

اختصارها أن جريرا أمر مولاه أن يشتري له فرسا بثلثمائة درهم وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس فرسك خير من ثلاثمائة درهم أتبيعه بأربعمائة قال ذلك إليك يا أباعبد الله فقال فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة ثم لم يزل يزيده مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول فرسك خير إلى أن بلغ ثمان مائة درهم فاشتراه بها فقيل له في ذلك فقال إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم انتهى

قوله (حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

$ 18 - (باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم)

قوله [1927] (المسلم أخو المسلم) أي فليتعامل المسلمون فيما بينهم وليتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال (لا يخونه) من الخيانة خبر في معنى الأمر (ولا يخذله) بضم الذال المعجمة من الخذلان وهو ترك النصرة والإعانة

قال النووي معناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي (كل المسلم على المسلم حرام عرضه) بكسر العين المهملة وسكون الراء

قال الجزري في النهاية العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره

وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب

وقال بن قتيبة عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير انتهى

(التقوى ها هنا) زاد في رواية مسلم ويشير إلى صدره

قال في مجمع البحار أي لا يجوز تحقير المتقي من الشرك والمعاصي والتقوى محله القلب يكون مخفيا عن الأعين فلا يحكم بعدمه لأحد حتى يحقره أو يقال محل التقوى هو القلب فمن كان في قلبه التقوى لا يحقر مسلما لأن المتقي لا يحقر مسلما انتهى

(بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم) أي حسبه وكافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق احتقار أخيه المسلم

فقوله بحسب امرئ مبتدأ والباء فيه زائدة وقولهأن يحتقر خبره

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم

قوله [1928] (المؤمن للمؤمن) التعريف للجنس والمراد بعض المؤمن للبعض ذكره الطيبي (كالبنيان) أي البيت المبني (يشد بعضه) أي بعض البنيان والجملة حال أو صفة أو استئناف بيان لوجه الشبه وهو الأظهر (بعضا) قال الكرماني نصب بعضابنزع الخافض وقال غيره بل هو مفعول يشد

قال الحافظ ولكل وجه قال بن بطال والمعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها وقد ثبت حديث أبي هريرة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه

والحديث هكذا أخرجه الترمذي وغيره مختصرا وزاد البخاري ثم شبك بين أصابعه إلخ

قال الحافظ هو بيان لوجه التشبيه أيضا أي يشد بعضهم بعضا مثل هذا الشد انتهى

وقال النووي هذا الحديث صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم بعضا وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام

قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان

قوله (وفي الباب عن علي وأبي أيوب) أما حديث علي فلينظر من أخرجه

وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد والشيخان

قوله [1928] (إن أحدكم مرآة أخيه) بكسر ميم ومد همز أي آلة لإراءة محاسن أخيه ومعايبه لكن بينه وبينه فإن النصيحة في الملأ فضيحة وأيضا هو يرى من أخيه ما لا يراه من نفسه كما يرسم في المرآة ما هو مختف عن صاحبه فيراه فيها أي إنما يعلم الشخص عيب نفسه بإعلام أخيه كما يعلم خلل وجهه بالنظر في المرآة (فإن رأى) أي أحدكم (به) أي بأخيه (أذى) أي عيبا مما يؤذيه أو يؤذي غيره (فليمطه) من الإماطة والمعنى فليزل ذلك الأذى (عنه) أي عن أخيه إما بإعلامه حتى يتركه أو بالدعاء له حتى يرفع عنه وحديث أبي هريرة هذا ضعيف لضعف يحيى بن عبيد الله

وأخرج

نحوه أبو داود من وجه آخر

قال المنذري وفيه كثير بن زيد أبو محمد المدني مولى الاسلمتين

قال بن معين ليس بذلك القوي يكتب حديثه

وقال النسائي ضعيف

قوله (ويحيى بن عبيد الله ضعفه شعبة) قال في التقريب يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي المدني متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع انتهى

وقال الذهبي في الميزان في ترجمته قال شعبة رأيته يصلي صلاة لا يقيمها فتركت حديثه انتهى

قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه الطبراني في الأوسط والضياء بلفظ المؤمن مرآة المؤمن

قال المناوي بإسناد حسن

$ 9 - (باب ما جاء في السترة على المسلم)

قوله [1930] (حدثت عن أبي صالح) بصيغة المجهول وهذا يدل على أن بين الأعمش وأبي صالح واسطة ولم يسمع هذا الحديث منه ولم يذكر من حدثه عنه

وقد روى أبو عوانة وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما بينه الترمذي فيما بعد وهذا يدل على أن الأعمش سمع هذا الحديث من أبي صالح من غير واسطة فالتوفيق أن الأعمش رواه عنه بواسطة ثم لقيه فسمعه منه من غير واسطة والله تعالى أعلم

قوله (من نفس إلخ) قد تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب الستر على المسلم من أبواب الحدود وفي عقد الترمذي هذا الباب هناك وإيراده هذا الحديث فيه ثم عقده ها هنا وإيراده فيه تكرار

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وبن ماجه

$ 0 - (باب ما جاء في الذب عن المسلم)

في القاموس ذب عنه أي دفع عنه ومنع

قوله [1931] (عن أبي بكر النهشلي) الكوفي صدوق رمي بالإرجاء من السابعة (عن مرزوق أبي بكر التيمي) مقبول من السادسة

قوله (من رد عن عرض أخيه) أي منع غيبة عن أخيه (رد الله عن وجهه النار) أي صرف الله عن وجه الراد نار جهنم

قال المناوي أي عن ذاته العذاب وخص الوجه لأن تعذيبه أنكى في الإيلام وأشد في الهوان

قوله (وفي الباب عن أسماء بنت يزيد) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذب عن لحم أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار كذا عزاه صاحب المشكاة إلى البيهقي

قال القارىء في المرقاة وفي التصحيح رواه الطبراني محيي السنة وفي سنده ضعف وقال الحافظ المنذري في الترغيب رواه أحمد بسند حسن وبن أبي الدنيا والطبراني وغيرهم نقله ميرك انتهى ما في المرقاة

قوله (هذا حديث حسن) ورواه أحمد وبن أبي الدنيا وأبو الشيخ في كتاب التوبيخ ولفظه من ذب عن أخيه رد الله عنه عذاب النار يوم القيامة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن حقا علينا نصر المؤمنين

$ 21 - (باب ما جاء في كراهية الهجرة)

بكسر الهاء وسكون الجيم وهي مفارقة كلام أخيه المؤمن مع تلاقيهما وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه عند الاجتماع

وليس المراد بالهجر هنا مفارقة الوطن إلى غيره فإن هذه تقدم حكمها

قوله [1932] (لا يحل للمسلم أن يهجر) بضم الجيم (أخاه) أي المسلم وهو أعم من أخوة القرابة والصحابة

قال الطيبي وتخصيصه بالذكر إشعار بالعلية والمراد به أخوة الإسلام ويفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة انتهى

قيل وفيه أنه حينئذ يجب هجرانهم (فوق ثلاث) وفي رواية الشيخين فوق ثلاث ليال والمراد بأيامها

قال النووي في شرح مسلم قال العلماء في هذا الحديث تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث والثاني بمفهومه قالوا وإنما عفا عنها في الثلاث لأن الآدمي مجبول من الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفا عن الهجر الثلاث ليذهب ذلك العارض

وقيل إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجر الثلاثة وهذا على مذهب من يقول لا يحتج بالمفهوم ودليل الخطاب انتهى

فإن قلت لم هجرت عائشة بن الزبير أكثر من ثلاثة أيام قلت قد أجاب الطبري بأن المحرم إنما هو ترك السلام فقط وأن الذي صدر من عائشة ليس فيه أنها امتنعت من السلام على بن الزبير ولا من رد السلام عليه لما بدأها بالسلام قال وكانت عائشة لا تأذن لأحد من الرجال أن يدخل عليها إلا بإذن ومن دخل كان بينه وبينها حجاب إلا إن كان ذا محرم منها ومع ذلك لا يدخل عليها حجابها إلا بإذنها فكانت في تلك المدة منعت بن الزبير من الدخول عليها كذا قال قال الحافظ في الفتح ولا يخفى ضعف المأخذ الذي سلكه من أوجه لا فائدة للإطالة بها والصواب ما أجاب به غيره أن عائشة رأت أن بن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله لأحجرن عليها فإن فيه تنقيصا لقدرها ونسبة لها إلى

ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى مع اتصاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين وخالته أخت أمه ولم يكن أحد عندها في منزلته كما تقدم التصريح به في أوائل مناقب قريش فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء بالمنافقين لحقارتهم فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة

وقد ذكر الخطابي أن هجر الوالد ولده والزوج زوجته ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث واستدل بأنه صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرا وكذلك ما صدر من كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة اه

ما في الفتح (يلتقيان) أي يتلاقيان (فيصد هذا ويصد هذا) قال النووي معنى يصد يعرض أي يوليه عرضه بضم العين وهو جانبه والصد بضم الصاد وهو أيضا الجانب والناحية اه

(وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) أي هو أفضلهما

قال النووي فيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجر ويرفع الإثم فيها ويزيله

وقال أحمد وبن القاسم المالكي ترك الكلام إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجره

قال أصحابنا ولو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجر فيه وجهان أحدهما لا يزول لأنه لم يكلمه وأصحهما يزول لزوال الوحشة اه

قوله (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود) أخرجه البزار ورواته

رواة الصحيح

قال المنذري في الترغيب (وأنس) أخرجه الترمذي في باب الحسد (وأبي هريرة) أخرجه أحمد ومسلم بلفظ لا هجرة بعد ثلاث وأخرجه أبو داود والنسائي عنه مرفوعا بلفظ لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار (وهشام بن عامر) أخرجه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح وأبو يعلى والطبراني وبن حبان في صحيحه وأبو بكر بن أبي شيبة كذا في الترغيب (وأبي هند الداري) لينظر من أخرجه

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك والشيخان وأبو داود

$ 22 - (باب ما جاء في مواساة الأخ)

قال في القاموس آساه بماله مواساة أناله منه وجعله فيه أسوة أو لا يكون ذلك إلا من كفاف فإن كان من فضله فليس بمواساة 1 ه

وقال في الصراح مواساة بمال وتن باكسى غموار كي كردن

يقال آسيته بمالي وواسيته لغة ضعيفة فيه

قوله [1933] (آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع) أي جعل بينهما أخوة (فقال) أي سعد بن الربيع (له) أي لعبد الرحمن بن عوف (هلم) أي تعال قال الخليل أصله لم من قولهم لم الله شعثه أي جمعه أراد لم نفسك إلينا أي أقرب وها للتنبيه وحذفت ألفها وجعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يعرفونها فيقولون للاثنين هلما وللجمع هلموا وللمرأة هلمي وللنساء هلممن والأول أفصح كذا في الصراح (أقاسمك) بالجزم جواب هلم (قد استفضله) قال في القاموس أفضلت منه الشيء واستفضلت بمعنى (وعليه وضر صفرة) بفتح الواو والضاد المعجمة وآخره راء هو في الأصل الأثر والمراد بالصفر صفرة الخلوق والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره (فقال مهيم) أي ما شأنك أو ما هذا وهي كلمة استفهام مبنية على السكون (قال نواة) بالنصب بتقدير الفعل أي أصدقتها نواة ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ أي الذي أصدقها نواة (قال حميد أو قال وزن نواة من ذهب) هذا شك من حميد (فقال أو لم ولو بشاة) قال الحافظ ليست لو هذه الامتناعية وإنما هي التي للتقليل

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

قوله [1933] (وقال أحمد بن حنبل وزن نواة من ذهب وزن ثلاثة دراهم وثلث وقال إسحاق وزن نواة من ذهب وزن خمسة دراهم إلخ) اختلف في المراد بقوله نواة فقيل المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب وإن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم وقيل كان قدرها يومئذ ربع دينار

ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارا لما يوزن به

وقيل لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق وجزم به الخطابي واختاره الأزهري

ونقله عياض عن أكثر العلماء ويؤيده أن في رواية للبيهقي من طريق سعيد بن بشر عن قتادة وزن نواة من ذهب قومت خمس دراهم

وقيل وزنها من الذهب خمسة دراهم حكام بن قتيبة وجزم به بن فارس وجعله البيضاوي الظاهر واستبعد لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفا ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي قومت ثلاثة دراهم وثلثا وإسناده ضعيف

ولكن جزم به أحمد

وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار ويؤيد هذا ما وقع عند الطبراني في الأوسط في آخر حديث أنس قال جاء وزنها ربع دينار وقد قال الشافعي النواة ربع النش والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهما فيكون خمسة دراهم وكذا قال أبو عبيد إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم وهي تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية وبه جزم أبو عوانة وآخرون كذا في الفتح

$ 3 - (باب ما جاء في الغيبة)

قوله [1934] (قال قيل يا رسول الله ما الغيبة) بكسر الغين المعجمة (قال ذكرك) أي أيها

المخاطب خطابا عاما (أخاك) أي المسلم (بما يكره) أي بما لو سمعه لكرهه

قال النووي اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارا في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وذكرك أخاك بما يكره عام سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو مشيه وحركته وبشاشته وعبوسته وطلاقته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك وضابطه أن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعرجا أو مطأطأ أو على غير ذلك من الهيئات مريدا حكاية هيئة من ينقصه بذلك (قال أرأيت) أي أخبرني (إن كان فيه) أي في الأخ (ما أقول) من المنقصة والمعنى

أيكون حينئذ ذكره بها أيضا غيبة كما هو المتبادر من عموم ذكره بما يكره (قال إن كان فيه ما تقول) أي من العيب (فقد اغتبته) أي لا معنى للغيبة إلا هذا وهو أن تكون المنقصة فيه (وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) بفتح الهاء المخففة وتشديد التاء على الخطاب أي قلت عليه البهتان وهو كذب عظيم يبهت فيه من يقال في حقه

قوله (وفي الباب عن أبي برزة وبن عمر وعبد الله بن عمرو) وأما حديث أبي برزة فأخرجه أحمد في مسنده ص 124 ج 4

وأما حديث بن عمر فأخرجه أبو داود والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا في الترغيب

وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الأصبهاني قال المنذري بإسناد حسن من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقالوا لا يأكل حتى يطعم ولا يرحل حتى يرحل له فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغتبتموه فقالوا يا رسول الله إنما حدثنا بما فيه قال حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه

$ 4 - (باب ما جاء في الحسد)

وهو تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها أعم من أن يسعى في ذلك أولا فإن

سعى كان باغيا وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نهي المسلم عنها في حق المسلم نظر فإن كان المانع له من ذلك العجز بحيث لو تمكن لفعل فهذا مأزور وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهداتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها

وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن علية رفعه ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منها يا رسول الله قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ

وعن الحسن البصري قال ما من آدمي إلا وفيه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء كذا في فتح الباري

قوله [1935] (لا تقاطعوا) أي لا يقاطع بعضكم بعضا والتقاطع ضد التواصل (ولا تدابروا) قال الخطابي لا تتهاجروا فيهجر أحدكم أخاه مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه

وقال بن عبد البر قيل للإعراض مدابرة لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره والمحب بالعكس انتهى

(ولا تباغضوا) أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن البغض لا يكتسب ابتداء (ولا تحاسدوا) أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض سواء أرادها لنفسه أو لا (وكونوا عباد الله إخوانا) أي يا عباد الله بحذف حرف النداء وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله فحقكم أن تتواخوا بذلك وقيل قوله عباد الله خبر لقوله كونوا وإخوانا خبر ثان له

قال القرطبي المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة (ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) تقدم شرحه

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وأخرجه مسلم أخصر منه

قوله (وفي الباب عن أبي بكر الصديق والزبير بن العوام وبن عمر وبن مسعود وأبي

هريرة) أما حديث أبي بكر الصديق فأخرجه أحمد في مسنده ص 3 ج 1

وأما حديث الزبير بن العوام فأخرجه أحمد والترمذي والبزار بإسناد جيد والبيهقي

وأما حديث بن عمر فأخرجه الترمذي بعد هذا

وأما حديث بن مسعود فأخرجه الشيخان وغيرهما

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مالك والشيخان وأبو داود وأخرجه الترمذي مختصرا في باب ظن السوء

قوله [1936] (لا حسد) قال العلماء الحسد قسمان حقيقي ومجازي فالحقيقي تمني زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع الأمة مع النصوص الصحيحة وأما المجازي فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة وإن كانت طاعة فهي مستحبة

والمراد بالحسد في هذا الحديث معناه المجازي أي لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما (إلا في اثنتين) بتاء التأنيث أي لا حسد محمودا في شيء إلا في خصلتين وعلى هذا فقوله (رجل) بالرفع والتقدير خصلة رجل حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (آتاه الله) بالمد في أوله أي أعطاه الله من الإيتاء وهو الإعطاء (مالا) نكرة ليشمل القليل والكثير (فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) قال النووي أي ساعاته وواحدة إنا وأنا وإني وإنو أربع لغات انتهى

وقال في الصراح آناء الليل ساعاته واحدها إنى مثل معى وأمعاء وإني وأنو أيضا يقال مضى إنوان وإنيان من الليل انتهى

(فهو يقوم به) المراد بالقيام به العمل مطلقا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها من تعليمه والحكم والفتوى بمقتضاه

ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

قوله (وقد روي عن بن مسعود) أخرج روايته البخاري في العلم وفي الزكاة وفي الأحكام وفي الاعتصام ومسلم في الصلاة والنسائي في العلم وبن ماجه في الزهد (وأبي هريرة إلخ) أخرج روايته البخاري في فضائل القرآن والنسائي

$ 25 - (باب ما جاء في التباغض)

قوله [1937] (إن الشيطان) يحتمل الجنس والأظهر أن المراد به إبليس رئيسهم (قد أيس) قال في القاموس أيس منه كسمع إياسا قنط انتهى

أي يئس وصار محروما (أن يعبده المصلون) أي من أن يعبده المؤمنون وزاد في رواية مسلم في جزيرة العرب قال القارىء في المرقاة اختصر القاضي كلام الشراح

وقال عبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الآمر به والداعي إليه بدليل قوله يا أبت لا تعبد الشيطان والمراد بالمصلين المؤمنون كما في قوله عليه الصلاة والسلام نهيتكم عن قتل المصلين

سموا بذلك لأن الصلاة أشرف الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان

ومعنى الحديث أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب ولا يرد على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يعبدوا الصنم انتهى

قال القارىء وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم فالأولى أن يقال المراد أن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى انتهى (ولكن في التحريش) خبر لمبتدأ محذوف أي هو في التحريش أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش (بينهم) أي في إغراء بعضهم على بعض والتحريض بالشر بين الناس من قتل وخصومة

والمعنى لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين وحملهم على الفتن بل له هو مطمع في ذلك

قال النووي هذا الحديث من المعجزات النبوية ومعناه آيس أن يعبده أهل جزيرة العرب

ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها انتهى

قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه الترمذي في الباب الذي قبله (وسليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه) لينظر من أخرجه

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد ومسلم

$ 6 - (باب ما جاء في إصلاح ذات البين)

قال في المجمع ذات الشيء نفسه وحقيقته والمراد ما أضيف إليه ومنه إصلاح ذات البين أي إصلاح أحوال بينكم حتى يكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق كعليم بذات الصدور أي بمضمراتها لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين وإصلاحها سبب الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين فهو درجة فوق درجة من اشتغل بخويصة نفسه بالصيام والصلاة فرضا ونفلا انتهى

قوله [1939] (عن بن خثيم) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة مصغرا هو عبد الله بن عثمان

قوله (يحدث الرجل امرأته ليرضيها) قال القارىء حذف قرينته للاكتفاء أو للمقايسة أو وقع اختصارا من الراوي انتهى قلت وقع في حديث أم كلثوم عند مسلم قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها

قال النووي في شرح مسلم قال القاضي لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور

واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو فقالت طائفة هو على إطلاقه وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة وقالوا الكذب المذموم ما فيه مضرة واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم بل فعله كبيرهم وإني سقيم

وقوله إنها أختي وقول منادي يوسف صلى الله عليه وسلم أيتها العير إنكم لسارقون قالوا ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين

هو

وقال آخرون منهم الطبري لا يجوز الكذب في شيء أصلا قالوا وما جاء من الإباحة في هذا المراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها أو يكسوها كذا وينوي إن قدر الله ذلك

وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك وورى

وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه مات إمامكم الأعظم وينوي إمامهم في الأزمان الماضية أو غدا يأتينا مدد أي طعام أو نحو هذا من المعاريض المباحة فكل هذا جائز

وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض

وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك

فأما المخادعة في منع حق عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين انتهى كلام النووي

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد

قوله (وفي الباب عن أبي بكر رضي الله عنه) لينظر من أخرجه

قوله [1938] (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهوي المدني (عن أمه أم كلثوم بنت عقبة) بن أبي معيط الأموية أسلمت قديما وهي أخت عثمان لأمه صحابية لها أحاديث ماتت في خلافة علي

قوله (ليس بالكاذب من أصلح بين الناس) أي ليس بالكاذب المذموم من أصلح بين الناس بل هذا محسن (فقال خيرا) أي قولا متضمنا للخير دون الشر بأن يقول ل صلاح مثلا بين زيد وعمرو يا عمرو يسلم عليك زيد ويمدحك ويقول أنا أحبه وكذلك يجيء إلى زيد ويبلغ من

عمرو مثل ما سبق (أو نمى خيرا) شك من الراوي قال الجزري في النهاية يقال نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد هكذا قال أبو عبيد وبن قتيبة وغيرهما من العلماء

وقال الحربي نمى مشددة وأكثر المحدثين يقولونها مخففة وهذا لا يجوز ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن

ومن خفف لزمه أن يقول خير بالرفع قال الجزري وهذا ليس بشيء فإنه ينتصب بنمى كما انتصب بقال وكلاهما على زعمه لازمان وإنما نمى متعد يقال نميت الحديث أي رفعته وأبلغته انتهى

قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي

$ 7 - (باب ما جاء في الخيانة والغش)

قال في القاموس غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر كغششه والغش بالكسر الاسم منه والغل والحقد انتهى

قوله [1940] (عن لؤلؤة) مولاة الأنصار مقبولة من الرابعة (عن أبي صرمة) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء المازني الأنصاري صحابي اسمه مالك بن قيس وقيل قيس بن صرمة وكان شاعرا

قوله (من ضار) بشد الراء أي أوصل ضررا إلى مسلم (ضار الله به) أي أوقع به الضرر البالغ (ومن شاق) بشد القاف أي أوصل مشقة إلى أحد بمحاربة وغيرها (شق الله عليه) أي أدخل عليه ما يشق عليه قيل إن الضرر والمشقة متقاربان لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن كتكليف عمل شاق

قوله (وفي الباب عن أبي بكر) أخرجه الترمذي بعد هذا

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وبن ماجه

قوله [1941] (حدثني أبو سلمة الكندي) مجهول من السابعة (عن مرة بن شراحيل الهمداني وهو الطيب) قال في التقريب مرة بن شراحيل الهمداني أبو إسماعيل الكوفي هو الذي يقال له مرة الطيب ثقة عابد من الثانية

قوله (ملعون) أي مبعد من رحمة الله (من ضار مؤمنا) أي ضررا ظاهرا (أو مكر به) أي بإيصال الضرر إليه خفية

قوله (هذا حديث غريب) في سنده أبو سلمة الكندي وهو مجهول كما عرفت آنفا

$ 8 - (باب ما جاء في حق الجوار)

قال في الصراح جوار بالكسر والضم والكسر أفصح همسا بكى كردن

قوله [1943] (حدثنا سفيان) هو بن عيينة (عن داود بن شابور) بالمعجمة والموحدة أبي سليمان المكي وقيل إن اسم أبيه عبد الرحمن وشابور جده ثقة من السابعة روى عن سويد بن حجير وطاوس وغيرهما وعنه شعبة وبن عيينة وثقه أبو زرعة الرازي وبن معين (وبشير أبي إسماعيل) هو بن سليمان الكندي الكوفي والد الحكم ثقة يغرب من السادسة

قوله (أهديتم) بتقدير همزة الاستفهام (ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) أي يأمر عن الله بتوريث الجار من جاره

واختلف في المراد بهذا التوريث فقيل يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب وقيل المراد أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة والأول أظهر فإن الثاني استمر والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع

ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث جابر نحو حديث الباب بلفظ حتى ظننت أنه يجعل له ميراثا

واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد وله مراتب بعضه أعلى من بعض فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطى كل حقه بحسب حاله

وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي

وقد حمله عبد الله بن عمرو الراوي على العموم فإنه أمر لما ذبحت له شاة أن يهدي منها لجاره اليهودي

وقد أخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعا الجيران ثلاثة جار له حق وهو المشرك له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق مسلم له رحم له حق الجوار والإسلام والرحم هذا تلخيص ما في فتح الباري

قوله (وفي الباب عن عائشة وبن عباس إلخ) أما حديث عائشة فأخرجه البخاري ومسلم عنها وعن بن عمر قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وأخرجه الترمذي عن عائشة وحدها

وأما حديث بن عباس فأخرجه الطبراني وأبو يعلى عنه مرفوعا ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع

قال المنذري رواته ثقات

وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أحمد عنه مرفوعا بلفظ أول خصمين يوم القيامة جاران

قال المنذري ورواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعا من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يؤذي جاره الحديث

وأما حديث أنس فأخرجه مسلم عنه مرفوعا بلفظ والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه

وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الترمذي في هذا الباب

وأما حديث المقداد فأخرجه أحمد وفيه لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره الحديث

قال

المنذري رواته ثقات

وأما حديث أبي شريح فأخرجه البخاري عنه مرفوعا والله لا يؤمن

والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه

وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الطبراني عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول أوصيكم بالجار حتى أكثر فقلت إنه يورثه

قال المنذري إسناده جيد ورواته رواة الصحيح انتهى

وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها الحافظ المنذري في كتابه الترغيب

قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه)

وأخرجه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد (وقد روي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم) قال المنذري قد روي هذا المتن من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم

قوله [1942] (عن يحيى بن سعيد) هو الأنصاري (عن أبي بكر بن محمد وهو بن عمرو بن حزم) الأنصاري البخاري المدني القاضي اسمه وكنيته واحد ثقة عابد من رجال الكتب الستة (عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة ثقة من الثالثة

قوله (صلوات الله عليهما) ضمير التثنية راجع إلى رسول الله وإلى جبرائيل صلوات الله عليهما والسلام (يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) تقدم شرحه وحديث عائشة هذا أخرجه البخاري ومسلم

قوله [1944] (خير الأصحاب عند الله) أي أكثرهم ثوابا عنده (خيرهم لصاحبه) أي أكثرهم إحسانا إليه ولو بالنصيحة (وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) أي ولو برفع الأذى عنه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه بن خزيمة وبن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال على شرط مسلم كذا في الترغيب

$ 9 - (باب ما جاء في الاحسان إلى الخادم)

قوله [1945] (إخوانكم) أي خولكم كما في رواية وفي رواية هم إخوانكم والمعنى هم مماليككم قاله القارىء

وفي رواية للبخاري في كتاب الإيمان إخوانكم خولكم

قال القسطلاني بفتح أوله المعجم والواو أي خدمكم أو عبيدكم الذين يتخولون الأمور أي يصلحونها انتهى

(جعلهم الله فتية) بكسر الفاء وسكون الفوقية بعدها تحتية مفتوحة جمع فتى أي غلمة وفي النسخة المصرية قنية بالقاف والنون أي ملكا لكم

قال في القاموس القنية بالكسر والضم ما اكتسب (تحت أيديكم) مجاز عن القدرة أو الملك (فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه) قال النووي الأمر بإطعامهم من طعامه وإلباسهم من لباسه محمول على الاستحباب

ويجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله إما زهدا أو شحا لا يحل تقتيره على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه انتهى

قلت الأمر كما قال النووي ففي الموطأ ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق وهو يقتضي الرد إلى العرف فمن زاد عليه كان متطوعا (ولا يكلفه) من العمل (ما يغلبه) أي ما يعجز عنه لصعوبته (فإن كلفه ما يغلبه فليعنه) من الإعانة أي بنفسه أو بغيره

قوله (وفي الباب عن علي وأم سلمة وبن عمر وأبي هريرة) أما حديث علي فأخرجه أحمد وأبو داود

وأما حديث أم سلمة فأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الصلاة وما ملكت أيمانكم كذا في المشكاة

وفيه وروى أحمد وأبو داود عن علي نحوه

وأما حديث بن عمر فأخرجه الطبراني بنحو حديث أم سلمة ففي الجامع الصغير للسيوطي الصلاة وما ملكت أيمانكم الصلاة وما ملكت أيمانكم حم ن حب عن أنس حم ه عن أم سلمة طب عن بن عمر انتهى

يعني أخرجه أحمد في مسنده والنسائي وبن ماجة وبن حبان في صحيحه عن أنس وأحمد في مسنده وبن ماجة عن أم سلمة والطبراني عن بن عمر

قال المناوي في التيسير في شرح الجامع الصغير بأسانيد صحيحة وأما حديث أبي هريرة فتقدم تخريجه آنفا

وفي الباب أحاديث أخرى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما

وقوله [1946] (عن فرقد) بن يعقوب السبخي بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة البصري صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ

قوله لا يدخل الجنة سيء الملكة بفتح الميم واللام بمعنى الملك يقال ملكه يملكه ملكا مثلثة وملكة محركة ومملكة بضم اللام أو يثلث كذا في القاموس وقال الجزري في النهاية يقال فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه وسيء الملكة أي الذي يسيء صحبة المماليك

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه بن ماجه (وقد تكلم غير واحد في فرقد السبخي من

قبل حفظه) قال الذهبي في الميزان قال أبو حاتم ليس بقوي

وقال بن معين ثقة

وقال البخاري في حديثه مناكير

وقال النسائي ليس بثقة

وقال أيضا هو والدارقطني ضعيف

وقال يحيى القطان ما يعجبني الرواية عن فرقد انتهى

$ 0 - (باب النهي عن ضرب الخدام وشتمهم)

قوله [1947] (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى المروزي أبو العباس السمسمار مردوية الحافظ (أخبرنا عبد الله) هو بن المبارك (عن فضيل بن غزوان) بن جرير الضبي الكوفي وثقه بن معين (عن بن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة وقد بين الترمذي اسمه فيما بعد وهو صدوق عابد

قوله (نبي التوبة) بدل من قوله أبو القاسم

قال في مجمع البحار نبي التوبة لأنه تواب يستغفر كل يوم سبعين أو مائة

وقال فيه أيضا نبي التوبة والرحم أي جاء بقبولها بالقول والاعتقاد

لا يقتل الأنفس وجاء بالتراحم نحو رحماء بينهم انتهى (من قذف مملوكه) أي رماه بالزنى (بريئا مما قال له) أي والحال أن مملوكه بريء مما قال سيده

وفي رواية الشيخين وهو بريء مما قال (أقام الله عليه) أي على السيد القاذف (الحد يوم القيامة) وفي رواية الشيخين جلد يوم القيامة (إلا أن يكون كما قال) أي أن يكون العبد كما قال السيد في الواقع ولم يكن بريئا فإنه لا يقيم الله عليه الحد لكونه صادقا في نفس الأمر وهو تصريح بما علم ضمنا وهو استثناء منقطع

قال النووي فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه ولكن يعزر قاذفه لأن العبد ليس بمحصن سواء فيه من هو كامل الرق أو فيه شائبة الحرية والمدبر والمكاتب وأم الولد انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود

قوله (وفي الباب عن سويد بن مقرن وعبد الله بن عمر) وأما حديث سويد بن مقرن فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود

وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه مسلم عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه

قوله [1948] (حدثنا مؤمل) بن إسماعيل العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري روى عن شعبة والثوري وجماعة وعنه أحمد وإسحاق وطائفة وثقه بن معين وقال البخاري منكر الحديث كذا في الخلاصة وقال الحافظ صدوق سيء الحفظ (حدثنا سفيان) هو الثوري

قوله (أبا مسعود) أي يا أبا مسعود (لله) بفتح اللام (أقدر عليك منك عليه) أي أتم وأبلغ من قدرتك على عبدك

قال الطيبي لله مبتدأ وأقدر خبره وعليك صلة أقدر ومنك متعلق أفعل وقوله عليه لا يجوز أن يتعلق بقوله أقدر لأنه أخذ ماله ولا بمصدر مقدر عند قوله منك أي من قدرتك كما ذهب إليه المظهر لأن المعنى يأباه بل هو حال من الكاف أي أقدر منك حال كونك قادرا عليه كذا في المرقاة (قال أبو مسعود فما ضربت مملوكا لي بعد ذلك) ولفظ مسلم هكذا كنت أضرب غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا احلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله فقال أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وتقدم لفظه آنفا

$ 31 - (باب ما جاء في أدب الخادم)

قوله (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى المروزي (حدثنا عبد الله) أي بن المبارك (عن سفيان) هو الثوري (عن أبي هارون العبدي) اسمه عمارة بن جوين بضم الجيم مصغرا مشهور بكنيته متروك ومنهم من كذبه شيعي كذا في التقريب

قوله (إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله) أي استغاث به واستشفع باسمه تعالى (فارفعوا أيديكم) أي امنعوها عن ضربه تعظما لذكره تعالى

قال الطيبي هذا إذا كان الضرب لتأديبه وأما إذا كان حدا فلا وكذا إذا استغاث مكرا انتهى

والحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان لكن عنده فليمسك بدل فارفعوا أيديكم كذا في المشكاة

قوله (وقال يحيى بن سعيد) القطان (ضعف شعبة أبا هارون العبدي) قال الذهبي في الميزان في ترجمته تابعي لين بمرة كذبه حماد بن زيد وقال شعبة لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون

وقال أحمد ليس بشيء وقال بن معين لا يصدق في حديثه

وقال النسائي متروك الحديث

وقال الدارقطني يتلون خارجي وشيعي فيعتبر بما روى عنه الثوري

وقال بن حبان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه وقال الجوزجاني أبو هارون كذاب مفتر (قال يحيى) وهو بن سعيد القطان

$ 2 - (باب ما جاء في العفو عن الخادم)

قوله [1949] (عن أبي هانئ الخولاني) اسمه حميد بن هانئ المصري لابأس به وهو أكبر شيخ

لابن وهب قاله الحافظ (عن عباس بن جليد) بضم جيم مصغرا (الحجري) بفتح المهملة وسكون الجيم مصري ثقة من الرابعة (عن عبد الله بن عمر) بلا واو

قوله (فصمت عنه النبي صلى الله عليه وسلم) أي سكت ولم يجبه ولعل السكوت لانتظار الوحي وقيل لكراهة السؤال فإن العفو مندوب إليه مطلقا دائما لا حاجة فيه إلى تعيين عدد مخصوص والله تعالى أعلم (قال كل يوم سبعين مرة) أي أعف عنه كل يوم سبعين عفوة فنصب سبعين على المصدر والمراد به الكثرة دون التحديد كذا قيل والله تعالى أعلم

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود

قال القارىء قال ميرك وفي بعض النسخ يعني نسخ الترمذي حسن صحيح

ورواه أبو يعلى بإسناد جيد كذا ذكره المنذري انتهى

قوله (وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد وقال عن عبد الله بن عمرو) أي بالواو وروى أبو داود في سننه حديث الباب من طريق أحمد بن سعيد الهمداني عن بن وهب عن أبي هانئ الخولاني عن العباس بن جليد الحجري عن عبد الله بن عمر قال المنذري هكذا وقع في سماعنا وفي غيره عن عبد الله بن عمر وأخرجه الترمذي كذلك

وقال حسن غريب

قال وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد

وقال عن عبد الله بن عمرو وذكر بعضهم أن أبا داود أخرجه من حديث عبد الله بن

عمرو العباس بن جليد بضم الجيم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة مصري ثقة ذكره بن يونس في تاريخ المصريين وذكر أنه يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الحارث بن جزء

وذكر بن أبي حاتم أنه يروي عن بن عمر وذكر الأمير أبو نصر أنه يروي عن بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن جزء

وأخرج البخاري هذا في تاريخه من حديث عباس بن جليد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ومن حديث عباس بن جليد عن بن عمر وقال وهو حديث فيه نظرة انتهى كلام المنذري

$ 3 - (باب ما جاء في أدب الولد)

قوله [1951] (حدثنا يحيى بن يعلى) الأسلمي الكوفي القطراني قال الحافظ شيعي ضعيف (عن ناصح) هو بن عبد الله أو بن عبد الرحمن التميمي المحلمي بالمهملة وتشديد اللام أبو عبد الله الحائك صاحب سماك بن حرب ضعيف من كبار السابعة كذا في التقريب

وزعم الترمذي بأن ناصحا هذا هو بن العلاء الكوفي وهو وهم منه كما ستقف عليه

قوله (لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع) أي والله تأديب الرجل ولده تأديبا واحدا خير له من تصدقه بصاع وإنما قلنا تأديبا واحدا ليلائم قوله خير من أن يتصدق بصاع وإنما يكون خيرا له لأن الأول واقع في محله لا محالة بخلاف الثاني فإنه تحت الاحتمال أو لأن الأول إفادة علمية حالية والثاني عملية مالية أو لأن أثر الثاني سريع الفناء ونتيجة الأول طويلة البقاء أو لأن الرجل بترك الأول قد يعاقب وبترك الثاني لم يعاتب ذكره القارىء

وقال المناوي لأنه إذا أدبه صارت أفعاله من صدقاته الجارية وصدقة الصاع ينقطع ثوابها انتهى

قوله (هذا حديث غريب) وهو حديث ضعيف لأن ناصحا الراوي عن سماك ليس بقوي

(وناصح بن علاء الكوفي ليس عند أهل الحديث بالقوي إلخ) كذا قال الترمذي إن ناصحا هذا هو بن العلاء الكوفي وهذا وهم من الترمذي فإن ناصحا هذا هو بن عبد الله الكوفي

قال الذهبي في الميزان ناصح بن عبد الله الكوفي المحلمي الحائك عن سماك بن حرب ويحيى بن أبي كثير ضعفه النسائي وغيره وقال البخاري منكر الحديث وقال الفلاس متروك وقال بن معين ليس بشيء وقال مرة ليس بثقة

قال الذهبي وكان من العابدين ذكره الحسن بن صالح فقال رجل صالح نعم الرجل ثم ذكر الذهبي حديث جابر بن سمرة المذكور في الباب وذكر إسناده هكذا يحيى بن يعلى الأسلمي عن ناصح بن عبد الله عن سماك عن جابر بن سمرة مرفوعا لأن يؤدب الرجل ولده إلخ

قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة ناصح بن عبد الله المحلمي المذكور ما لفظه روى له الترمذي حديثه عن سماك عن جابر لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع

وقال ناصح هو بن العلاء الكوفي ليس بالقوي عند أهل الحديث وناصح شيخ آخر بصري هو أثبت من هذا

قال المزي هكذا قال الترمذي وهو وهم وإنما بن العلاء هو البصري لا الكوفي وسنذكره

قلت وقال أبو عبد الله الحاكم ناصح بن العلاء هو البصري ثقة وإنما المطعون عليه ناصح بن عبد الله المحلمي فإنه روى عن سماك بن حرب المناكير

وقال الحاكم أبو أحمد ناصح بن عبد الله ذاهب الحديث

وقال الدارقطني ضعيف

وقال بن حبان تفرد بالمناكير عن المشاهير انتهى كلام الحافظ

قوله [1952] (حدثنا عامر بن أبي عامر الخزاز) بمعجمات قال الذهبي في الميزان عامر بن أبي عامر صالح بن رستم الخزاز عن يونس بن عبيدة وغيره

قال أبو حاتم ليس بالقوي

وقال بن عدي في حديثه بعض النكرة ثم ذكر الذهبي حديثه المذكور في الباب

وقال الحافظ في التقريب صدوق سيء الحفظ أفرط فيه بن حبان فقال يضع انتهى (حدثنا أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص أبو موسى المكي الأموي ثقة (عن أبيه) أي موسى بن عمرو قال في التقريب مستور وقال الخزرجي وثقه بن حبان (عن جده) يحتمل أن يعود الضمير على أيوب ويحتمل أن يعود على موسى وسيأتي تفصيله في آخر الباب

قوله (ما نحل) أي ما أعطى والد ولدا (من نحل) بضم النون ويفتح أي عطية أو إعطاء ففي النهاية النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق يقال نحله ينحله نحلا بالضم والنحلة بالكسر العطية (أفضل من أدب حسن) أي من تعليمه ذلك ومن تأديبه بنحو توبيخ وتهديد وضرب على فعل الحسن وتجنب القبيح فإن حسن الأدب يرفع العبد المملوك إلى رتبة الملوك

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (وهذا عندي حسن مرسل) قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بعد نقل كلام الترمذي هذا الضمير في جده يعود على موسى فالحديث عن رواية سعيد وقد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والظاهر أن له رؤية

وأما عمرو وهو الأشدق فلا صحبة له بل ولم يولد إلا في زمان عثمان والحديث على كل حال مرسل

وقال في ترجمة سعيد بن العاص قال بن سعد قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولسعيد تسع سنين روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وقال فيها أيضا يحتمل أن يكون ضمير الجد على أيوب وهذا ظاهر ويحتمل أن يعود على موسى فيكون الحديث من مسند سعيد بن العاص فيستفاد منه أن الترمذي أخرج لسعيد أيضا وهو مع ذلك مرسل إذ لم يثبت سماع سعيد انتهى

$ 4 - (باب ما جاء في قبول الهدية والمكافأة)

قال في القاموس كافأه مكافأة جازاه وقال في الصراح مكافأة باداش دادن قوله [1953] (حدثنا يحيى بن أكثم بفتح الهمزة وبالمثلثة) بن محمد بن قطن التميمي المروزي أبو محمد القاضي فقيه صدوق إلا أنه رمي بسرقة الحديث ولم يقع ذلك له وإنما كان يرى الرواية بالإجازة والوجادة روى عنه الترمذي والبخاري في غير صحيحه وعلي بن خشرم وهو من أقرانه وغيرهم وكان قد غلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعا فكانت الوزراء لا

تعمل في تدبير الملك إلا شيئا بعد مطالعته (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي نزل الشام مرابطا ثقة مأمون

قوله (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) من أثاب يثيب أي يعطي الذي يهدي له بدلها والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما يساوي قيمة الهدية

واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب وكان ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى ووجه الدلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يعطى أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته وبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد كالحنفية الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول ولأن موضوع الهبة التبرع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة

وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة فما استحق العوض أطلق عليه لفظ البيع بخلاف الهبة وأجاب المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلا لكانت بمعنى الصدقة وليس كذلك فإن الأغلب من حال الذي يهدي أنه يطلب الثواب ولا سيما إذا كان فقيرا كذا في الفتح

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وبن عمر وجابر) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي بلفظ أن أعرابيا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فعوضه منها ست بكرات الحديث

وأما حديث أنس فأخرجه أبو داود والنسائي عنه قال قال المهاجرون يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير ولا أحسن مواساة في قليل منهم ولقد كفونا المؤنة قال أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم قالوا بلى قال فذاك بذاك

وأما حديث بن عمر فأخرجه أبو داود والنسائي وبن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما كذا قال المنذري في الترغيب وذكر لفظه وفيه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في باب المتشبع بما لم يعطه

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري في الهبة وأبو داود في البيوع

$ 5 - (باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك)

قوله [1954] (حدثنا الربيع بن مسلم) الجمحي أبو بكر البصري ثقة من السابعة (عن محمد بن زياد) الجمحي مولاهم المدني نزيل البصرة ثقة ثبت ربما أرسل من الثالثة

قوله (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) قال القاضي وهذا إما لأن شكره تعالى إنما يتم بمطاوعته وامتثال أمره وأن مما أمر به شكر الناس الذين هم وسائط في إيصال نعم الله إليه فمن لم يطاوعه فيه لم يكن مؤديا شكر نعمه أو لأن من أخل بشكر من أسدى نعمة من الناس مع ما يرى من حرصه على حب الثناء والشكر على النعماء وتأذيه بالإعراض والكفران كان أولى بأن يتهاون في شكر من يستوي عنده الشكر والكفران انتهى

قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود

قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه روي هذا الحديث برفع الله وبرفع الناس وروي أيضا بنصبهما وبرفع الله ونصب الناس وعكسه أربع روايات انتهى

قوله [1955] (عن بن أبي ليلى) اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن عطية بن سعد العوفي الجدلي (عن عطية) بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي صدوق يخطىء كثيرا

قوله (من لم يشكر الناس إلخ) قال الخطابي هذا يتأول على وجهين أحدهما أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر انتهى

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة والأشعث بن قيس والنعمان بن بشير) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب فلعله أشار إلى حديث آخر له وأما حديث الأشعث بن قيس فأخرجه أحمد عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشكر الناس لله تبارك وتعالى أشكرهم للناس وفي رواية لا يشكر الله من لا يشكر الناس

قال المنذري ورواته ثقات

قال ورواه الطبراني من حديث أسامة بن زيد بنحو الأولى

وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله الحديث

قال المنذري بإسناد لابأس به قال ورواه بن أبي الدنيا في كتاب اصطناع المعروف باختصار

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والضياء

$ 6 - (باب ما جاء في صنائع المعروف)

قال في القاموس الصنيع الإحسان كالصنيعة والجمع الصنائع

قوله [1956] (عن مالك بن مرثد) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة بن عبد الله الزماني ثقة من الثالثة (عن أبيه) أي مرثد وهو مقبول من الثالثة

قوله (تبسمك في وجه أخيك) في الدين (لك صدقة) يعني إظهارك البشاشة والبشر إذا

لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة (وأمرك بالمعروف) أي بما عرفه الشرع بالحسن (ونهيك عن المنكر) أي ما أنكره وقبحه (صدقة) كذلك (وإرشادك الرجل في أرض الضلال) أضيفت إلى الضلال كأنها خلقت له وهي التي لا علامة فيها للطريق فيضل فيها الرجل (لك صدقة) بالمعنى المقرر (وبصرك للرجل الرديء البصر) بالهمز ويدغم أي الذي لا يبصر أصلا أو يبصر قليلا والبصر محركة حس العين كذا في القاموس

والمعنى إذا أبصرت رجلا رديء البصر فإعانتك إياه صدقة لك وفي المشكاة نصرك بالنون

قال القارىء وضع النصر موضع القياد مبالغة في الإعانة كأنه ينصره على كل شيء يؤذيه (وإماطتك) أي إزالتك (الحجر والشوك والعظم) أي ونحوها (عن الطريق) أي المسلوك أو المتوقع السلوك (وإفراغك) أي صبك (من دلوك) بفتح فسكون واحد الدلاء التي يستقى بها (في دلو أخيك) في الإسلام

قوله (وفي الباب عن بن مسعود وجابر وحذيفة وعائشة وأبي هريرة) أما حديث بن مسعود فلينظر من أخرجه

وأما حديث جابر وحذيفة فأخرجه الشيخان عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة

وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وبن حبان في صحيحه

$ 7 - (باب ما جاء في المنحة)

قال في القاموس منحه كمنعه وضربه أعطاه والاسم المنحة بالكسر ومنحه الناقة جعل له

وبرها ولبنها وولدها وهي المنحة والمنيحة انتهى

وقال الحافظ في الفتح المنيحة بالنون والمهملة وزن عظيمة هي في الأصل العطية

قال أبو عبيدة المنيحة عند العرب على وجهين أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنا ثم يردها

وقال القزاز قيل لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أعرف انتهى

قوله [1957] (حدثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق) قال في التقريب إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي صدوق يهم من السابعة (عن أبيه) أي يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وقد ينسب لجده ثقة من السابعة (سمعت عبد الرحمن بن عوسجة) الهمداني الكوفي ثقة من الثالثة

قوله (من منح أي أعطى (منيحة لبن أو ورق) بكسر الراء وسكونها أي فضة

قال الجزري في النهاية منحة الورق القرض ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها ومنه الحديث المنحة مردودة انتهى (أو هدى زقاقا) قال في النهاية الزقاق بالضم الطريق يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه وقيل أراد من تصدق بزقاق من النخل وهي السكة منها والأول أشبه لأن هدى من الهداية لا من الهدية

انتهى

قلت وقع في حديث النعمان بن بشير الذي أشار إليه الترمذي أهدى زقاقا من الإهداء فالمراد بالزقاق في هذا الحديث هو السكة من النخل وبالإهداء التصدق (كان له) أي ثبت له (مثل عتق رقبة) أي كان ما ذكر له مثل عتاق رقبة ووجه الشبه نفع الخلق والإحسان إليهم

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد وبن حبان في صحيحه

قوله (وفي الباب عن النعمان بن بشير) أخرجه أحمد في مسنده عنه مرفوعا من منح منيحة ورقا أو ذهبا أو سقى لبنا أو أهدى زقاقا فهو كعدل رقبة

$ 8 - (باب ما جاء في إماطة الأذى عن الطريق)

أي إزالة ما يؤذي الناس عن الطريق

قوله [1958] (فأخره) بتشديد الخاء المعجمة بعدها راء أي عزله عن الطريق (فشكر الله له) قال الجزري في النهاية في أسماء الله تعالى الشكور هو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء فشكره لعباده مغفرته لهم

قوله (وفي الباب عن أبي برزة) أخرجه مسلم وبن ماجة (وبن عباس) أخرجه بن خزيمة في صحيحه (وأبي ذر) أخرجه مسلم وبن ماجه

وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب في باب إماطة الأذى من كتاب الأدب

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في أبواب المظالم والقصاص ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب

$ 39 - (باب ما جاء أن المجالس أمانة)

هذا لفظ حديث أخرجه الخطيب في تاريخه عن علي مرفوعا كما في الجامع الصغير وروى أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله مرفوعا المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس سفك دم حرام أو فرح حرام أو اقتطاع مال بغير حق وهو حديث ضعيف

والباء في قوله المجالس بالأمانة تتعلق بمحذوف والتقدير تحسن المجالس أو حسن المجالس وشرفها بأمانة حاضريها على ما يقع فيها من قول وفعل فكأن المعنى ليكن صاحب المجلس أمينا لما يسمعه أو يراه

قوله [1959] (أخبرني عبد الرحمن بن عطاء) القرشي مولاهم أبو محمد المديني ويقال له بن أبي لبيب صدوق فيه لين من السادسة (عن عبد الملك بن جابر بن عتيك) الأنصاري المدني ثقة من الرابعة

قوله (إذا حدث الرجل) أي عند أحد (الحديث) أي الذي يريد إخفاءه (ثم التفت) أي يمينا وشمالا احتياطا (فهي) أي ذلك الحديث وأنت باعتبار خبره وقيل لأن الحديث بمعنى الحكاية وقيل أي الكلمة التي حدث بها (أمانة) أي عند من حدثه أي حكمه حكم الأمانة فيجب عليه كتمه

قال بن رسلان لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد وأنه قد خصه سره فكان الالتفات قائما مقام اكتم هذا عني أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانة انتهى

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا في إسناده عبد الرحمن بن عطاء المدني

قال البخاري عنده مناكير وقال أبو حاتم الرازي شيخ قيل له أدخله البخاري في كتاب الضعفاء قال يحول من ها هنا

وقال الموصلي عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر لا يصح انتهى

$ 40 - (باب ما جاء في السخاء)

بفتح السين

وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وبذل ما يقتنى بغير عوض وهو من جملة محاسن الأخلاق بل هو من أعظمها والبخل ضده قاله العيني

قوله [1960] (حدثنا حاتم بن وردان) بن مروان السعدي أبو صالح البصري ثقة من الثامنة (حدثنا أيوب) هو السختياني

قوله (إنه ليس لي من شيء) وفي رواية للبخاري مالي مال (إلا ما أدخل علي) بتشديد الياء (الزبير) هو بن العوام كان زوجها (أفأعطي) وفي رواية للبخاري أفأتصدق (لا توكي) من أوكى يوكي إيكاء يقال أوكى ما في سقائه إذا شده بالوكاء وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة وأوكى علينا أو بخل (فيوكى عليك) بفتح الكاف بصيغة المجهول وفي رواية مسلم فيوكي الله عليك

قال الجزري في النهاية أي لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك فتنقطع مادة الرزق عنك انتهى

فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال وتكون سببا إلى البركة والزيادة فيه وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه ويمنعه من البركة في ماله والنماء فيه (يقول لا تحصي فيحصى عليك) هذا تفسير لقوله لا توكي فيوكى عليك من بعض الرواة وضمير يقول راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم

وروى البخاري في صحيحه من طريق عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك

قال الحافظ الإحصاء معرفة قدر الشيء وزنا أو عددا وهو من باب المقابلة والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب

وقيل المراد بالإحصاء عد الشيء لأن يدخر ولا ينفق منه وإحصاء الله قطع البركة عنه أو حبس بمادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة انتهى

قوله (وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة) أما حديث عائشة فأخرجه الطبراني في الأوسط

بنحو حديث أبي هريرة الآتي وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي بعد هذا

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الزكاة وفي الهبة ومسلم في الزكاة وأبو داود والنسائي (وروى بعضهم هذا الحديث بهذا الاسناد عن بن أبي مليكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر) رواه الشيخان في صحيحيهما من طريق بن جريج عن بن أبي مليكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أسماء (وروى غير واحد هذا عن أيوب ولم يذكروا فيه عن عباد بن عبد الله بن الزبير) قال الحافظ وقد روى أيوب هذا الحديث عن بن أبي مليكة عن أسماء بغير واسطة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه النسائي وصرح أيوب عن بن أبي مليكة بتحديث أسماء له بذلك فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها ثم حدثته به انتهى

قوله [1961] (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري القاضي

قوله (السخي) هو الذي اختار رضا المولى في بذله على الغني (قريب من الله) أي من رحمته (قريب من الجنة) بصرف المال وإنفاقه فيما ينبغي (قريب من الناس) لأن السخي يحبه جميع الناس ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته كحبه العادل (والبخيل) هو الذي لا يؤدي الواجب عليه (بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار) معنى هذه الجملة ظاهر من ماقبلها والأشياء تتبين بأضدادها (والجاهل السخي) قال القارىء أراد به ضد العابد وهو من يؤدي الفرائض دون النوافل لأن ترك الدنيا رأس كل عبادة وإنما عبر عنه بالجاهل لأنه أراد به أنه مع

كونه جاهلا غير عالم بما لم يجب عليه وجوب عين (أحب إلى الله عز وجل من عابد) أي كثير النوافل سواء يكون عالما أم لا (بخيل) لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأيضا البخيل الشرعي هو من ترك الواجب الشرعي المالي والسخي ضده ولا شك أن من قام بالفرائض وترك النوافل أفضل ممن قام بالنوافل وترك الفرائض قال وهذا الذي قررنا أولى من قول الطيبي يفهم منه أن جاهلا غير عابد أحب من عالم عابد رعاية للمطابقة فيا لها من حسنة غطت خصلتين ذميمتين ويا لها من سيئة غطت حسنتين كريمتين

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله والطبراني في الأوسط عن عائشة

قال المناوي بأسانيد ضعيفة يقوي بعضها بعضا (لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد) الوراق المذكور وهو ضعيف

قوله (وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلخ) أي خالفه غيره في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد فرواه هو عن يحيى عن الأعرج عن أبي هريرة متصلا وجعله من مسند أبي هريرة ورواه غيره عن يحيى عن عائشة مرسلا يعني منقطعا وجعله من مسند عائشة

تنبيه قد أورد الحافظ السيوطي هذا الحديث في كتابه الجامع الصغير نقلا عن الترمذي بلفظ ولجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل قال المناوي في شرحه لأن الأول سريع الانقياد إلى ما يؤمر به من نحو تعلم وإلى ما ينهى عنه بخلاف الثاني انتهى

قلت في نسخ الترمذي الموجودة عندنا كلها من عابد بخيل وكذلك في المشكاة وكذلك في الترغيب للمنذري وليس في واحد منها من عالم بخيل فالظاهر أنه من وهم الناسخ والله تعالى أعلم

$ 41 - (باب ما جاء في البخيل (النجل))

قوله [1962] (عن عبد الله بن غالب الحداني بضم المهملة وتشديد الدال البصري العابد صدوق قليل الحديث من الثالثة

قوله خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق قيل أي لا ينبغي أن يجتمعا فيه

وقال التوربشتي تأويل هذا الحديث أن نقول المراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية بحيث لا ينفك عنهما ويوجد منه الرضاء بهما فأما الذي يبخل حينا ويسوء خلقه في وقت أو في أمر دون أمر ويندر منه فيندم ويلوم نفسه أو تدعوه النفس إلى ذلك فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك انتهى

وقوله خصلتان لا تجتمعان في مؤمن خبر موصوف والمبتدأ البخل وسوء الخلق قاله بن الملك

وقال بن حجر خصلتان مبتدأ سوغه إبدال المعرفة منه في قوله البخل وسوء الخلق والخبر لا تجتمعان

وقال القارىء الظاهر أن لا تجتمعان صفة مخصصة مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر قوله البخل وسوء الخلق

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في هذا الباب

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد

قوله [1963] (لا يدخل الجنة) أي دخولا أوليا (خب) بفتح الخاء ويكسر أي خداع يفسد بين

الناس بالخداع (ولا بخيل) يمنع الواجب من المال (ولا منان من المنة أي يمن على الفقراء بعد العطاء أو من المن بمعنى القطع لما يجب أن يوصل وقيل لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهرا منها إما بالتوبة عنها في الدنيا أو بالعقوبة بقدرها تمحيصا في العقبى أو بالعفو عنه تفضلا وإحسانا

ويؤيده قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل كذا في المرقاة

قوله [1964] (عن بشر بن رافع) الحارثي كنيته أبو الأسباط النجراني فقيه ضعيف الحديث من السابعة

قوله (المؤمن غر) بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء (كريم) أي موصوف بالوصفين أي له الاغترار بكرمه وله المسامحة في حظوظ الدنيا لا لجهله (والفاجر خب لئيم) أي بخيل لجوج سيء الخلق وفي كل منهما الوصف الثاني سبب للأول وهو نتيجة الثاني فتأمل فكلاهما من باب التذييل والتكميل

وفي النهاية أي ليس بذي مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه وهو ضد الخب يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه وليس ذلك منه جهلا ولكنه كرم وحسن خلق كذا في المرقاة

وقال المناوي أي يغره كل أحد ويغيره كل شيء ولا يعرف الشر وليس بذي مكر فهو ينخدع لسلامة صدره وحسن ظنه

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم

$ 2 - (باب ما جاء في النفقة على الأهل)

قوله [1965] (نفقة الرجل على أهله) وفي رواية للشيخين إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو

يحتسبها

قال الحافظ المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر

وقال القرطبي في قوله يحتسبها أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى (صدقة) قال الحافظ المراد بالصدقة الثواب وإطلاقها عليه مجازي وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلا وهو من مجاز التشبيه والمراد به أصل الثواب لا في كميته وكيفيته قال وقوله على أهله يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب ويحتمل أن يختص بالزوجة ويلحق به من عداها بطريق الأولى لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب فثبوته فيما ليس بواجب أولى

وقال الطبري ما ملخصه الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي أفضل من صدقة التطوع

وقال المهلب النفقة على الأهل واجبة وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيبا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع انتهى

قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعمرو بن أمية وأبي هريرة)

أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم في باب فضل النفقة على العيال والمملوك من كتاب الزكاة

وأما حديث عمرو بن أمية فأخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورواته ثقات ذكره المنذري في الترغيب في باب النفقة على الزوجة والعيال

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الإيمان وفي المغازي وفي النفقات ومسلم في الزكاة والنسائي في الزكاة وفي عشرة النساء

قوله [1966] (أفضل الدينار) يراد به العموم (ودينار ينفقه الرجل على دابته) أي دابة مربوطة (في سبيل الله) من نحو الجهاد ودينار ينفقه الرجل على أصحابه) أي حال كونهم مجاهدين (في سبيل الله) يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على غيرهم ذكره بن الملك

قيل ولا دلالة في الحديث على الترتيب لأن الواو لمطلق الجمع إلا أن يقال الترتيب الذكري الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة (قال أبو قلابة بدأ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ثم قال) وفي رواية مسلم ثم قال أبو قلابة (وأي رجل) وفي بعض النسخ فأي رجل (يعفهم الله به) من الإعفاف أي يكفهم به عما لا يحل

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم

3 -

باب ما جاء في الضيافة وغاية الضيافة إلى كم هي

قوله [1967] (أبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعته أذناي حين تكلم به) فائدة ذكره التوكيد (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) المراد بقوله يؤمن الإيمان الكامل وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد أي من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله (فليكرم ضيفه) قالوا إكرام الضيف بطلاقة الوجه وطيب الكلام والإطعام ثلاثة أيام في الأول بمقدوره وميسوره والباقي بما حضره من غير تكلف ولئلا يثقل عليه وعلى نفسه وبعد الثلاثة يعد من الصدقات إن شاء فعل وإلا فلا (جائزته) هي العطاء مشتقة من الجواز لأنه حق جوازه عليهم وانتصابه بأنه مفعول ثان للإكرام لأنه في معنى الإعطاء أو هو كالظرف أو منصوب بنزع الخافض أي بجائزته (قال يوم وليلة) أي جائزته يوم وليلة

وجواز وقوع الزمان خبرا عن الجنة باعتبار أن له حكم الظرف وإما فيه مضاف مقدر تقديره أي زمان جائزته يوم وليلة (والضيافة ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو صدقة) قال بن بطال سئل عنه مالك فقال يكرمه ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة

قال الحافظ اختلفوا هل الثلاث غير الأول أو يعد منها فقال أبو عبيد يتكلف له في

اليوم الأول بالبر والإلطاف وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره ولا يزيده على عادته ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل

ومنه الحديث الآخر أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم

وقال الخطابي معناه أنه إذا نزل به الضيف أن يتحفه ويزيده في البر على ما بحضرته يوما وليلة وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه فما زاد عليها مما يقدمه له يكون له صدقة

وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح عند أحمد ومسلم بلفظ الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة

وهذا يدل على المغايرة ويؤيده ما قال أبو عبيد وأجاب الطيبي بأنها جملة مستأنفة بيان للجملة الأولى كأنه قيل كيف يكرمه قال جائزته ولا بد من تقدير مضاف أي زمان جائزته أي بره والضيافة يوم وليلة

فهذه الرواية محمولة على اليوم الأول ورواية عبد الحميد على اليوم الأخير أي قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يوم وليلة

فينبغي أن يحمل على هذا عملا بالروايتين انتهى

ويحتمل أن يكون المراد بقوله وجائزته بيانا لحالة أخرى وهي أن المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها أو تارة لا يقيم فهذا يعطى ما يجوز به قدر كفايته يوما وليلة ولعل هذا أعدل الأوجه انتهى كلام الحافظ

قال النووي أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام

ثم قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى والجمهور وهي سنة ليست بواجبة

وقال الليث وأحمد هي واجبة يوما وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم أي متأكد الاستحباب وتأولها الخطابي رحمه الله وغيره على المضطر انتهى

قلت قد اختار القاضي الشوكاني وجوب الضيافة واستدل عليه بدلائل عديدة فقال في النيل والحق وجوب الضيافة لأمور ثم ذكرها فمنها إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك وهذا لا يكون في غير واجب ومنها قوله فما كان وراء ذلك فهو صدقة فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعا ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق واجب فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله

قلت وجوب الضيافة هو الظاهر الراجح عندي والله تعالى أعلم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن

قوله [1968] (ولا يحل له أن يثوي عنده) هو بكسر الواو وبفتحها في الماضي وبكسرها في المضارع من الثواء وهو الإقامة بمكان معين (حتى يحرجه) من الإحراج أو من التحريج أي لا يضيق صدره بالإقامة عنده بعد الثلاثة وفي رواية لمسلم حتى يؤثمه أي يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به ظنا سيئا

وفي رواية لأحمد عن أبي شريح قيل يا رسول الله وما يؤثمه قال يقيم عنده لا يجد شيئا يقدمه (حتى يشتد على صاحب المنزل) أي يثقل عليه (حتى يضيق عليه) من التضييق

قوله (وفي الباب عن عائشة) لينظر من أخرجه (وأبي هريرة) أخرجه الشيخان (واسمه خويلد بن عمرو) صحابي نزل المدينة مات سنة ثمان وستين على الصحيح

$ 4 - (باب ما جاء في السعي على الأرملة واليتيم)

الأرملة بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم وقال في القاموس امرأة أرملة محتاجة أو مسكينة والجمع أرامل وأراملة والأرمل العزب وهي بهاء ولا يقال للعزبة الموسرة أرملة انتهى

قوله [1969] (الساعي على الأرملة) قال النووي المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمؤنتهما

والأرملة من لا زوج لها سواء تزوجت قبل ذلك أم لا وقيل التي فارقها زوجها قال بن قتيبة سمعت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بتفقد الزوج يقال أرمل الرجل إذا فني زاده قال القارىء وهذا مأخذ لطيف في إخراج الغنية من عموم الأرملة وإن كان ظاهر إطلاق الحديث يعم الغنية والفقيرة

قال الطيبي وإنما كان معنى الساعي على الأرملة ما قاله النووي لأنه صلى الله عليه وسلم عداه بعلى مضمنا فيه معنى الإنفاق (والمسكين) هو من لا شيء له وقيل من له بعض الشيء وقد يقع على الضعيف وفي معناه الفقير بل بالأولى عند بعضهم (كالمجاهد في سبيل الله) أي ثواب القائم بأمرهما وإصلاح شأنهما والإنفاق عليهما كثواب الغازي في جهاده فإن المال شقيق الروح وفي بذله مخالفة النفس ومطالبة رضا الرب (أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل) وفي رواية للبخاري أو القائم الليل الصائم النهار

قال العيني شك من الراوي وفي رواية معن بن عيسى وبن وهب وبن بكير وآخرين عن مالك بلفظ أو كالذي يصوم النهار ويقوم بالليل

وفي رواية بن ماجة من رواية الدراوردي عن ثور مثله ولكن بالواو لا بأو انتهى

قوله (عن ثور بن زيد) باسم الحيوان المعروف الديلي بكسر المهملة بعدها تحتانية المدني ثقة من السادسة (عن أبي الغيث) إسمه سالم المدني مولى بن مطيع ثقة من الثالثة

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الشيخان وغيرهما

اعلم أن الإسناد الأول مرسل والثاني موصول

قال الحافظ في الفتح وأكثرهم ساقه على لفظ رواية مالك عن صفوان بن سليم به مرسلا ثم قال وعن ثور بسنده مثله انتهى

قوله (ثور بن يزيد شامي وثور بن زيد مدني) يعني أن هذين رجلان الأول شامي والثاني مدني وقد عرفت ترجمة ثور بن زيد آنفا وأما ترجمة ثور بن يزيد فقال الحافظ ثور بن يزيد بزيادة تحتانية في أول اسم أبيه أبو خالد الحمصي ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر من السابعة

$ 45 - (باب ما جاء في طلاقة الوجه وحسن البشر)

قال في القاموس البشر بالكسر الطلاقة وقال فيه طلق ككرم وهو طلق الوجه مثلثة وكنيف وأمير أي ضاحكه ومشرقه

قوله [1970] (كل معروف صدقة) قال الراغب المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معا ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف وقال بن أبي جمرة يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا

قال والمراد بالصدقة الثواب فإن قارنته النية أجر صاحبه جزما وإلا ففيه احتمال قال وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه فلا تختص بأهل اليسار مثلا بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة (وإن من المعروف) أي من جملة أفراده (أن تلقى أخاك) أي المسلم (بوجه) بالتنوين (طلق) يعني تلقاه منبسط الوجه متهلله (وأن تفرغ) من الإفراغ أي تصب (من دلوك) أي استقاءك (في إناء أخيك) لئلا يحتاج إلى الاستقاء أو لاحتياجه إلى الدلو

قوله (وفي الباب عن أبي ذر) أخرجه الترمذي في باب صنائع المعروف

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد

قال القارىء في المرقاة وفي كثير من نسخ الترمذي حسن فقط وليس في سنده غير المنكدر بن محمد بن المنكدر

قال الذهبي فيه لين وقد وثقه أحمد كذا ذكره ميرك انتهى

قلت قال الحافظ في التقريب المنكدر بن محمد بن المنكدر القرشي التيمي المدني لين الحديث من الثامنة

$ 46 - (باب ما جاء في الصدق والكذب)

قوله [1971] (عليكم بالصدق) أي الزموا الصدق وهو الإخبار على وفق ما في الواقع (فإن الصدق) أي على وجه ملازمته ومداومته (يهدي) أي صاحبه (إلى البر) بكسر الموحدة أصله التوسع في فعل الخير وهو اسم جامع للخيرات من اكتساب الحسنات واجتناب السيئات ويطلق على العمل الخالص الدائم المستمر معه إلى الموت وإن البر يهدي إلى الجنة قال بن بطال مصداقه في كتاب الله تعالى إن الأبرار لفي نعيم (وما يزال الرجل يصدق) أي في قوله وفعله (ويتحرى الصدق) أي يبالغ ويجتهد فيه (حتى يكتب) أي يثبت (عند الله صديقا) بكسر الصاد وتشديد الدال أي مبالغا في الصدق ففي القاموس الصديق من يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق

وفي الحديث إشعار بحسن خاتمته وإشارة إلى أن الصديق يكون مأمون العاقبة (فإن الكذب يهدي إلى الفجور) قال الراغب أصل الفجر الشق

فالفجور شق ستر الديانة ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر انتهى

وفي القاموس فجر فسق وكذب وعصى وخالف (حتى يكتب عند الله كذابا) قال الحافظ في الفتح المراد بالكتابة الحكم عليه بذلك وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض وقد ذكره مالك بلاغا عن بن مسعود وزاد فيه زيادة مفيدة ولفظه لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين انتهى

قال النووي قال العلماء في هذا الحديث حث على تحري الصدق والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فيعرف به

قوله (وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعبد الله بن الشخير وبن عمر) أما حديث أبي بكر

فأخرجه بن حبان في صحيحه مرفوعا عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار

وأما حديث عمر وحديث عبد الله بن الشخير فلينظر من أخرجهما

وأما حديث بن عمر فأخرجه الترمذي بعد هذا

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما

قوله [1972] (قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني) هو أبو هشام الواسطي نزيل بغداد ضعيف كذبه الدارقطني من التاسعة (حدثكم) بحذف همزة الاستفهام ويأتي جوابه في آخر الحديث (عبد العزيز بن أبي رواد) بفتح الراء وتشديد الواو صدوق عابد ربما وهم ورمي بالإرجاء من السابعة

قوله (إذا كذب العبد تباعد عنه الملك) يحتمل أن حرف التعريف جنسية ويحتمل أنها عهدية والمعهود الحافظ (ميلا) وهو ثلث الفرسخ أو قطعة من الأرض أو مد البصر ذكره بن الملك (من نتن ما جاء به) أي عفونته وهو بفتح النون وسكون التاء في القاموس هو ضد الفوح والمعنى من نتن شيء جاء ذلك الشيء بالنتن أي من نتن الكذب أو جاء العبد به والباء للتعدية

قوله (فأقر عبد الرحيم بن هارون وقال نعم) هذا متعلق بقوله قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني حدثكم إلخ

قوله (هذا حديث حسن جيد غريب) وأخرجه أبو نعيم في الحلية وبن أبي الدنيا في كتاب الصمت (تفرد به عبد الرحيم بن هارون) قال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد نقل هذه العبارة

ذكره بن حبان في الثقات وقال يعتبر بحديثه إذا حدث عن الثقات من كتابه

فإن فيما حدث من حفظه بعض المناكير

وقال الدارقطني متروك الحديث يكذب انتهى

$ 7 - (باب ما جاء في الفحش والتفحش)

قال في النهاية الفحش هو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنى وكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال

وقال في القاموس الفاحشة الزنى وما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عز وجل عنه وقد فحش ككرم فحشا والفحش عدوان الجواب ومنه لا تكوني فاحشة لعائشة رضي الله تعالى عنها

قوله [1974] (ما كان الفحش) أي ما اشتد قبحه من الكلام (إلا شانه) أي عيبه الفحش وقيل المراد بالفحش العنف لما في رواية عبد بن حميد والضياء عن أنس أيضا ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه (وما كان الحياء في شيء إلا زانه) أي زينه

قال الطيبي قوله في شيء فيه مبالغة أي لو قدر أن يكون الفحش أو الحياء في جماد لزانه أو شانه فكيف بالإنسان

قوله (وفي الباب عن عائشة) أخرجه مسلم

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد وبن ماجه

قوله (خياركم) بكسر الخاء المعجمة جمع خيرهم ضد الأشرار (أحاسنكم أخلاقا) أي

شمائل مرضية (فاحشا ولا متفحشا) الفاحش ذو الفحش في كلامه وأفعاله والمتفحش من يتكلفه ويتعمده أي لم يكن الفحش له جبليا ولا كسبيا

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

$ 8 - (باب ما جاء في اللعنة)

قوله [1976] (لا تلاعنوا) بحذف إحدى التاءين (بلعنة الله) أي لا يلعن بعضكم بعضا فلا يقل أحد لمسلم معين عليك لعنة الله مثلا (ولا بغضبه) بأن يقول غضب الله عليك (ولا بالنار) بأن يقول أدخلك الله النار أو النار مثواك

وقال الطيبي أي لا تدعوا على الناس بما يبعدهم الله من رحمته إما صريحا كما تقولون لعنة الله عليه أو كناية كما تقولون عليه غضب الله أو أدخله الله النار

فقوله لا تلاعنوا من باب عموم المجاز لأنه في بعض أفراده حقيقة وفي بعضه مجاز وهذا مختص بمعين لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم كقوله لعنة الله على الكافرين أو بالأخص كقوله لعنة الله على اليهود أو على كافر معين مات على الكفر كفرعون وأبي جهل انتهى

قوله (وفي الباب عن بن عباس وأبي هريرة وبن عمر وعمران بن حصين) أما حديث بن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم بلفظ لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا

وأما حديث بن عمر فأخرجه الترمذي في باب اللعن والطعن

وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه مسلم وغيره

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد

قوله (حدثنا محمد بن يحيى الأزدي البصري) قال في التقريب محمد بن يحيى بن عبد الكريم بن نافع الأزدي البصري نزيل بغداد ثقة من كبار الحادية عشرة [1977] (حدثنا محمد بن سابق) التميمي أبو جعفر أو أبو سعيد البزار الكوفي نزيل بغداد صدوق من كبار العاشرة

قوله (ليس المؤمن) أي الكامل (بالطعان) أي عيابا الناس (ولا اللعان) ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل قل أن يخلو عن المنقصة بالكلية (ولا الفاحش) أي فاعل الفحش أو قائله

وفي النهاية أي من له الفحش في كلامه وفعاله قيل أي الشاتم والظاهران المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره (ولا البذي) قال القارىء بفتح موحدة وكسر ذال معجمة وتشديد تحتية وفي نسخة يعني من المشكاة بسكونها وهمزة بعدها وهو الذي لا حياء له كما قاله بعض الشراح

وفي النهاية البذاء بالمد الفحش في القول وهو بذي اللسان وقد يقال بالهمز وليس بكثير انتهى

قال القارىء فعلى هذا يخص الفاحش بالفعل لئلا يلزم التكرار أو يحمل على العموم والثاني يكون تخصيصا بعد تعميم لزيادة الاهتمام به لأنه متعد وقد يقال عطف تفسير ولا زائدة انتهى

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وبن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان

قال ميرك ورجاله رجال الصحيحين سوى محمد بن يحيى شيخ الترمذي وثقة بن حبان والدارقطني

قوله [1978] (حدثنا بشر بن عمر) بن الحكم الزهراني بفتح الزاي الأزدي أبو محمد البصري ثقة من التاسعة (حدثنا أبان بن يزيد) العطار البصري أبو يزيد ثقة له أفراد من السابعة

قوله (أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي داود أن رجلا نازعته الريح رداءه فلعنها (لاتلعن الريح فإنها مأمورة) أي بأمر ما والمنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها عادة

أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضا ابتلاء لعباده (وإنه) أي الشأن (من لعن شيئا ليس) أي ذلك الشأن (له) أي اللعن (بأهل) أي بمستحق (رجعت اللعنة عليه) أي على اللاعن لأن اللعنة وكذا الرحمة تعرف طريق صاحبها

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وبن حبان في صحيحه (لا نعلم أحدا أسنده غير بشر بن عمر) قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه وبشر بن عمر هذا هو الزهراني احتج به البخاري ومسلم

$ 9 - (باب ما جاء في تعليم النسب)

قال في القاموس النسب محركة والنسبة بالكسر وبالضم القرابة أو في الآباء خاصة انتهى

قوله [1979] (عن عبد الملك بن عيسى الثقفي) بن عبد الرحمن بن جارية بالجيم التحتانية مقبول من السادسة (عن يزيد مولى المنبعث) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة بعدها مثلثة مدني صدوق من الثالثة

قوله (تعلموا من أنسابكم) أي من أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وسائر أقاربكم (ما) أي قدر ما (تصلون به أرحامكم) فيه دلالة على أن الصلة تتعلق بذوي الأرحام كلها لا بالوالدين فقط كما ذهب إليه البعض

والمعنى تعرفوا أقاربكم من ذوي الأرحام ليمكنكم صلة الرحم وهي التقرب لديهم والشفقة عليهم والإحسان إليهم فتعلم النسب مندوب (فإن صلة الرحم محبة) بفتحات وتشديد موحدة مفعلة من الحب مصدر المبني للمفعول

قال القارىء وفي

نسخة يعني من المشكاة بكسر الحاء أي مظنة للحب وسبب للود (في الأهل) أي في أهل الرحم (مثراة في المال) بفتح الميم وسكون المثلثة

وفي النهاية هي مفتعلة من الثرى وهو الكثرة أي سبب لكثرة المال وهو خبر ثان (منسأة) بفتح الهمزة مفعلة من النساء وهو التأخير (في الأثر) بفتحتين أي لأجل والمعنى أنها سبب لتأخير الأجل وموجب لزيادة العمر وقيل باعث دوام واستمرار في النسل

والمعنى أن يمن الصلة يفضي إلى ذلك

وقال في اللمعات والمراد بتأخير الأجل بالصلة إما حصول البركة والتوفيق في العمل وعدم ضياع العمر فكأنه زاد أو بمعنى أنه سبب لبقاء ذكره الجميل بعده أو وجود الذرية الصالحة

والتحقيق أنها سبب لزيادة العمر كسائر أسباب العالم

فمن أراد الله تعالى زيادة عمره وفقه لصلة الأرحام والزيادة إنما هو بحسب الظاهر بالنسبة إلى الخلق وأما في علم الله فلا زيادة ولا نقصان وهو وجه الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم جف القلم بما هو كائن وقوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت انتهى

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد في مسنده والحاكم وقال صحيح

$ 0 - (باب ما جاء في دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب)

لفظ الظهر مقحم للتأكيد أي في غيبة المدعو له عنه وإن كان حاضرا معه بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم يسمعه

قوله [1980] (ما دعوة أسرع إجابة) تمييز وفي رواية أبي داود إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب (من دعوة غائب لغائب) لخلوصه وصدق النية وبعده عن الرياء والسمعة

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود

$ 51 - (باب ما جاء في الشتم)

قوله [1981] (المستبان) بتشديد الموحدة تثنية اسم الفاعل من باب الافتعال أي المتشاتمان وهما اللذان سب كل منهما الآخر لكن الآخر أراد رد الآخر أو قال شيئا من معائبه الموجودة فيه هو مبتدأ خبره جملة (ما قالا) أي إثم قولهما (فعلى البادىء) أي على المبتدىء فقط والفاء إما لكون ما شرطية أو لأنها موصولة متضمنة للشرط ثم البادىء بالهمز وإنما كان الإثم كله عليه لأنه كان سببا لتلك المخاصمة

وقيل إثم ما قالا للبادىء أكبر مما يحصل للمظلوم (ما لم يعتد المظلوم) فإن جاوز الحد بأن أكثر المظلوم شتم البادىء وإيذاءه صار إثم المظلوم أكثر من إثم البادىء

وقيل إذا تجاوز فلا يكون الإثم على البادىء فقط بل يكون الآخر آثما أيضا باعتدائه

وحاصل الخلاف يرجع إلى خلاف الاعتداء

وفي شرح السنة من أربى الربا من يسب سبتين بسبة

وفي رواية لأحمد والبخاري في الأدب عن عياض بن حماد المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان والتهاتر التعالج في القول

قوله (وفي الباب عن سعد وبن مسعود وعبد الله بن مغفل) أما حديث سعد فأخرجه بن ماجة

وأما حديث بن مسعود فأخرجه الترمذي في هذا الباب

وأماحديث عبد الله بن مغفل فأخرجه الطبراني

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود بلفظ المستبان ما قالا فعلى البادىء منهما حتى يعتدي المظلوم

قوله [1982] (حدثنا أبو داود الحفري) بفتح المهملة والفاء نسبة إلى موضع بالكوفة اسمه عمر بن سعد بن عبيد ثقة عابد من التاسعة

قوله (لا تسبوا الأموات) المسلمين (فتؤذوا) أي بسبكم (الأحياء) أي من أقاربهم

وفي حديث عائشة عند البخاري وغيره لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا

قال العيني في العمدة قوله الأموات الألف واللام للعهد أي أموات المسلمين ويؤيده ما رواه الترمذي من حديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم وأخرجه أبو داود أيضا في كتاب الأدب من سننه ولا حرج في ذكر مساوىء الكفار ولا يؤمر بذكر محاسن موتاهم إن كانت لهم من صدقة وإعتاق وإطعام طعام ونحو ذلك اللهم إلا أن يتأذى بذلك مسلم من ذريته فيجتنب ذلك حينئذ كما ورد في حديث بن عباس عند أحمد والنسائي أن رجلا من الأنصار وقع في أبي العباس كان في الجاهلية فلطمه العباس فجاء قومه فقالوا والله لنلطمنه كما لطمه فلبسوا السلاح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر فقال أيها الناس أي أهل الأرض أكرم عند الله قالوا أنت قال فإن العباس مني وأنا منه فلا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا فجاء القوم فقالوا يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك

وفي كتاب الصمت لابن أبي الدنيا في حديث مرسل صحيح الإسناد من رواية محمد بن علي الباقر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسب قتلى بدر من المشركين وقال لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء

ألا إن البذاء لؤم وقال بن بطال ذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز لأنه لا شك أنهم في النار وقال سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفتنة فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له فكذلك الميت انتهى

قوله (فروى بعضهم) كوكيع وأبي نعيم (مثل رواية الحفري) يعني عن سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب الأموات وفيه حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن زياد قال سمعت المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء

(وروى بعضهم) كعبد

الرحمن بن مهدي (عن سفيان عن زياد بن علاقة قال سمعت رجلا يحدث عند المغيرة بن شعبة إلخ) في مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال سمعت رجلا عند المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء

فالظاهر أن زياد بن علاقة سمع هذا الحديث أولا من رجل يحدثه عند المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم سمع المغيرة هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فحدث به زياد بن علاقة فروى زياد عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

2 -

قوله [1983] (حدثنا سفيان) هو الثوري

قوله (سباب المسلم) بكسر السين وتخفيف الموحدة أي سبه وشتمه وهو مصدر

قال إبراهيم الحربي السباب أشد من السب وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه

وقال غيره السباب هنا مثل القتال فيقتضي المفاعلة (فسوق) الفسق في اللغة الخروج وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان

قال الله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق (وقتاله كفر) قال القارىء في المرقاة لما يعني مجادلته ومحاربته بالباطل

(كفر) بمعنى كفران النعمة والإحسان في أخوة الاسلام أو أنه ربما يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر أو أنه فعل الكفرة أو أراد به التغليظ والتهديد والتشديد في الوعيد كما في قوله صلى الله عليه وسلم من ترك صلاة متعمدا فقد كفر

نعم قتله مع استحلال قتله كفر صريح ففي النهاية السب الشتم يقال سبه يسبه سبا وسبابا قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما من غير تأويل وقيل إنما ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسق والكفر

وفي شرح السنة إذا استباح دمه من غير تأويل ولم ير الإسلام عاصما له فهو ردة وكفر انتهى ما في المرقاة

قال الحافظ في الفتح لم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة مثل حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي والحاكم وبن ماجه

$ 3 - (باب ما جاء في قول المعروف)

قال في النهاية المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس والمنكر ضد ذلك جميعه انتهى

قوله [1984] (عن عبد الرحمن بن إسحاق) بن الحارث الواسطي يقال الكوفي ضعيف من السابعة

قوله (إن في الجنة غرفا) جمع غرفة أي علالي في غاية من اللطافة ونهاية من الصفاء والنظافة (ترى) بالبناء للمفعول (ظهورها من بطونها وبطونهامن ظهورها) لكونها شفافة لا تحجب ما وراءها

وفي رواية أحمد وبن حبان والبيهقي يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها (لمن أطاب الكلام) وروي ألان

وروي ألين كأجود على الأصل وروي لين بتشديد الياء والمعنى لمن له خلق حسن مع الأنام قال تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فيكون من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا

الموصوفين بقوله (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا)

(وأطعم الطعام) للعيال والفقراء والأضياف ونحو ذلك (وأدام الصيام) أي أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضا ولا يقطعها رأسا قاله بن الملك

وقيل أقله أن يصوم من

كل شهر ثلاثة أيام وفيه وفيما قبله إشارة إلى قوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما مع أن قوله تعالى (بما صبروا) صريح في الدلالة على الصوم (وصلى بالليل) لله (والناس) أي غالبهم (نيام) جمع نائم أو غافلون عنه لأنه عبادة لا رياء يشوب عمله ولا شهود غير الله إشارة إلى قوله تعالى والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما المنبىء وصفهم بذلك عن أنهم في غاية من الإخلاص لله

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وبن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي مالك الأشعري

$ 4 - (باب ما جاء في فضل المملوك الصالح)

قوله [1985] (نعم ما) ما نكرة غير موصولة ولا موصوفة بمعنى شيء أي نعم شيئا (لأحدهم) وفي رواية البخاري نعما المملوك

قال الحافظ في الفتح بفتح النون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى ويجوز كسر النون وتكسر النون وتفتح أيضا مع إسكان العين وتحريك الميم فتلك أربع لغات (أن يطيع ربه ويؤدي حق سيده) مخصوص بالمدح والمعنى نعم شيئا له إطاعة الله وأداء حق سيده (يعني المملوك) هذا تفسير من بعض الرواة لقوله لأحدهم (وقال كعب صدق الله ورسوله) كعب هذا هو كعب الأحبار

قال الحافظ في التقريب كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة من الثانية مخضرم كان من أهل اليمن فسكن الشام مات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة وليس له في البخاري رواية

وفي مسلم رواية لأبي هريرة عنه من طريق الأعمش عن أبي صالح انتهى

وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته وقد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع في مسلم في أواخر كتاب الإيمان وفي حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران

قال فحدثت به كعبا فقال كعب ليس عليه حساب لا على مؤمن مزهد انتهى

قوله (وفي الباب عن أبي موسى وبن عمر) أما حديث أبو موسى فأخرجه البخاري عنه مرفوعا المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران

وأما حديث بن عمر فأخرجه الشيخان

وأبو داود عنه مرفوعا إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان بلفظهما المملوك أن يتوفاه الله يحسن عبادة ربه وطاعة سيده نعما له

وقوله (عن زاذان) هو أبو عمر الكندي البزار ويكنى أبا عبد الله أيضا صدوق يرسل وفيه شيعية من الثانية

قوله (ثلاثة على كثبان المسك) جمع كثيب بمثلثة رمل مستطيل محدودب (أراه) بضم الهمزة يعني أظنه والظاهر أن الضمير المنصوب راجع إلى بن عمر وقائله هو زاذان والمعنى إني أظن أن بن عمر قال بعد لفظ على كثبان المسك لفظ يوم القيامة (عبد) قن ذكر أو أنثى (أدى حق الله وحق مواليه) أي قام بالحقين معا

فلم يشغله أحدهما عن الاخر (ورجل ينادي) أي يؤذن محتسبا كماجاء في رواية

قوله (هذا حديث حسن) أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والصغير بإسناد لا بأس به ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب هم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم به قوما وهم به راضون وداع يدعو إلى الصلوات ابتغاء وجه الله وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين مواليه

ورواه في الكبير بنحوه إلا أنه قال في آخره ومملوك لم يمنعه رق الدنيا من طاعة ربه

قوله (وأبو اليقظان اسمه عثمان بن قيس) قال في التقريب عثمان بن عمير بالتصغير ويقال بن قيس والصواب أن قيسا جد أبيه وهو عثمان بن أبي حميد أيضا البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع من السادسة

$ 5 - (باب ما جاء في معاشرة الناس)

قوله [1987] (عن ميمون بن أبي شبيب) الربعي أبو نصر الكوفي صدوق كثير الإرسال من الثالثة

قوله (اتق الله) أي بالإتيان بجميع الواجبات والانتهاء عن سائر المنكرات فإن التقوى أساس الدين وبه يرتقي إلى مراتب اليقين (حيث ما كنت) أي في الخلاء وفي النعماء والبلاء فإن الله عالم بسر أمرك كما أنه مطلع على ظواهرك فعليك برعاية دقائق الأدب في حفظ أوامره ومراضيه والاحتراز عن مساخطه ومساويه واتقوا الله إن الله كان عليكم رقيبا (وأتبع) أمر من باب الإفعال وهو متعد إلى مفعولين (السيئة) الصادرة منك صغيرة وكذا كبيرة على ما شهد به عموم الخبر وجرى عليه بعضهم لكن خصه الجمهور بالصغائر (الحسنة) صلاة أو صدقة أو استغفارا أو نحو ذلك (تمحها) أي تدفع الحسنة السيئة وترفعها والإسناد مجازي والمراد يمحو الله بها آثارها من القلب أو من ديوان الحفظة وذلك لأن المرض يعالج بضده فالحسنات يذهبن السيئات (وخالق الناس) أمر من المخالقة مأخوذ من الخلق مع الخلق أي خالطهم وعاملهم (بخلق حسن) أي تكلف معاشرتهم بالمجاملة في المعاملة وغيرها من نحو طلاقة وجه وخفض جانب وتلطف وإيناس وبذل ندى وتحمل أذى فإن فاعل ذلك يرجى له في الدنيا الفلاح وفي الآخرة الفوز بالنجاة والنجاح

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه أبو داود والدارمي

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والدارمي والحاكم في الإيمان وقال على شرطهما ونوزع والبيهقي في شعب الإيمان

قوله (عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه) أخرجه أحمد والبيهقي في شعب الايمان قوله

$ 6 - (باب ما جاء في ظن السوء)

قال في الصراح سوء مساءة مسائية الذوهلين كردن سوء بالضم اسم فيه وقرىء قوله تعالى عليهم دائرة السوء يعني الهزيمة والشر ويقال هذا رجل سوء على الإضافة ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول هذا رجل السوء

قال الأخفش لا يقال الرجل السوء ويقال الحق اليقين وحق اليقين جميعا لأن السوء ليس بالرجل واليقين هو الحق قال ولا يقال هذا رجل السوء بضم السين انتهى

قوله [1988] (إياكم والظن) أي اتقوا سوء الظن بالمسلمين قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن وهو ما يستقر عليه صاحبه دون ما يخطر بقلبه (إن بعض الظن) وهو أن يظن ويتكلم (إثم) فلا تجسسوا أو احذروا اتباع الظن في أمر الدين الذي مبناه على اليقين

قال تعالى وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا قال القاضي هو تحذير عن

الظن فيما يجب فيه القطع أو التحدث به عند الاستغناء عنه أو عما يظن كذبه انتهى

أو اجتنبوا الظن في التحديث والإخبار ويؤيده قوله فإن الظن أكذب الحديث

ويقويه حديث كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع والظاهر أن المراد التحذير عن الظن بسوء في المسلمين وفيما يجب فيه القطع من الاعتقاديات (فإن الظن) أقام المظهر مقام المضمر حثا على تجنبه (أكذب الحديث) أي حديث النفس لأنه بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان قال في المجمع معنى كون الظن أكذب الحديث مع أن الكذب خلاف الواقع فلا يقبل النقص وضده إن الظن أكثر كذبا

أو إن إثم هذا الكذب أزيد من إثم الحديث الكاذب أو إن المظنونات يقع الكذب فيها أكثر من المجزومات انتهى

قال الحافظ وقد استشكلت تسمية الظن حديثا وأجيب بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولا أو فعلا ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازا انتهى ما في الفتح

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان مطولا

$ 7 - (باب ما جاء في المزاح)

في القاموس مزح كمنع مزحا مزاحا ومزاحة بضمهما داعب ومازحه ممازحة ومزاحا بالكسر وتمازحا انتهى

وفي الصراح مزح لاغ كردن

قال النووي اعلم أن المزاح المنهي هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والكفر في مهمات الدين ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار

فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على الندرة لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهو سنة مستحبة فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه انتهى

قوله [1989] (حدثنا عبد الله بن الوضاح الكوفي) أبو محمد اللؤلؤي مقبول من كبار الحادية عشرة

(عن أبي التياح) بمثناة ثم تحتانية ثقيلة وآخره مهملة اسمه يزيد بن حميد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة بصري مشهور بكنيته ثقة ثبت من الخامسة

قوله (إن) مخففة من المثقلة واسمها ضمير الشأن أي إنه (ليخالطنا) بفتح اللام وتسمى لام الفارقة وفي نسخة للشمائل ليخاطبنا والمعنى ليخالطنا غاية المخالطة ويعاشرنا نهاية المعاشرة ويجالسنا ويمازحنا (حتى إن) مخففة من المثقلة (كان ليقول لأخ لي) أي من أمي وأبوه أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري (يا أبا عمير) بالتصغير (ما فعل) بصيغة الفاعل أي ما صنع (النغير) بضم ففتح تصغير نغر بضم النون وفتح الغين المعجمة طائر يشبه العصفور أحمر المنقار وقيل هو العصفور وقيل هو الصعفور صغير المنقار أحمر الرأس وقيل أهل المدينة يسمونه البلبل والمعنى ما جرى له حيث لم أره معك

وزاد في رواية الصحيحين وكان له نغير يلعب به فمات

ففي قوله صلى الله عليه وسلم تسلية له على فقده بموته

قال الطيبي حتى غاية قوله يخالطنا وضمير الجمع لأنس وأهل بيته أي انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي وحتى الملاعبة معه وحتى السؤال عن فعل النغير

وقال الراغب الفعل التأثير من جهة مؤثرة والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد وهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها بغير قصد وقد ينسب إلى الجمادات انتهى كلامه

فالمعنى ما حاله وشأنه ذكره الطيبي

تنبيه قال الحافظ في الفتح ذكر أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص الفقيه الشافعي في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها أو مثل ذلك بحديث أبي عمير هذا قال وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجها ثم ساقها مبسوطة فلخصتها مستوفيا بمقاصده ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه ثم ذكر الحافظ ما لخصه وما زاد عليه فإن شئت الوقوف عليه فراجع الفتح في شرح حديث أنس المذكور في باب الكنية للصبي قبل أن يولد له

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

قوله [1990] (عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم كنيته أبو زيد المدني صدوق يهم من السابعة

قوله (إنك تداعبنا) من الدعابة أي تمازحنا ومن ذلك قوله لعجوز لا تدخل الجنة عجوز أي لا تبقى عجوزا عند دخولها وكأنهم استبعدوه منه فلذلك أكدوا الكلام بإن والأظهر أن منشأ سؤالهم أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن المزاح كما سيجيء في باب المراء عن بن عباس رضي الله عنه (قال إني لا أقول إلا حقا) أي عدلا وصدقا لعصمتي عن الزلل في القول والفعل ولا كل أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد في مسنده

قوله [1992] (يا ذا الأذنين) معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع لما يقال له لأن السمع بحاسة الأذن ومن خلق الله له الأذنين وغفل ولم يحسن الوعي لم يعذر وقيل إن هذا القول من جملة مداعباته صلى الله عليه وسلم ولطيف أخلاقه قاله صاحب النهاية كذا في المرقاة

قلت ما قال صاحب النهاية هو الظاهر عندي وهو الذي فهمه الترمذي وشيخ شيخه والحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري

قوله [1991] (حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي) الطحان المزني مولاهم ثقة ثبت في الثامنة

قوله (أن رجلا) قيل وكان به بله (استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي سأله الحملان والمراد به أن يعطيه حمولة يركبها (إني حاملك على ولد ناقة) قاله مباسطا له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك (ما أصنع بولد الناقة) حيث توهم أن الولد لا يطلق إلا على الصغير وهو غير قابل للركوب

(هل تلد الإبل) أي جنسها من الصغار والكبار (إلا النوق) بضم النون جمع الناقة وهي أنثى الإبل والمعنى أنك لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه مع المباسطة له الإشارة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغي لمن سمع قولا أن يتأمله ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره

قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه أبو داود

$ 8 - (باب ما جاء في المراء)

بكسر الميم أي الجدال

قوله [1993] (أخبرني سلمة بن وردان الليثي) أبو يعلى المدني ضعيف من الخامسة

قوله (من ترك الكذب) أي وقت مرائه كما يدل عليه القرينة الآتية ويحتمل الإطلاق والله أعلم (وهو باطل) جملة معترضة بين الشرط والجزاء للتنفير عن الكذب فإن الأصل فيه أنه باطل أو جملة خالية من المفعول أي والحال أنه باطل لا مصلحة فيه من مرخصات الكذب كما في الحرب أو إصلاح ذات البين والمعاريض أو حال من الفاعل أي وهو ذو باطل بمعنى صاحب بطلان (بني له) بصيغة المجهول وله نائبه أي بنى الله له قصرا (في ربض الجنة) قال في النهاية هو بفتح الباء ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع انتهى

وقال القارىء في المرقاة أي نواحيها وجوانبها من داخلها ولا من خارجها

وأما قول الشارح هو ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي حول المدن وتحت القلاع فهو صريح اللغة لكنه غير صحيح المعنى فإنه خلاف المنقول ويؤدي إلى المنزلة بين المنزلتين حسا كما قاله المعتزلة معنى فالصواب أن المراد به أدناها كما يدل عليه قوله (ومن ترك المراء) بكسر الميم أي الجدال (وهو محق) أي صادق ومتكلم بالحق (في وسطها) بفتح السين ويسكن أي في أوسطها لتركه كسر قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه وإظهار نفاسة فضله وهذا يشعر بأن معنى صدر الحديث أن من ترك

المراء وهو مبطل فوضع الكذب موضع المراء لأنه الغالب فيه أو المعنى أن من ترك الكذب ولو لم يترك المراء بني له في ربض الجنة لأنه حفظ نفسه عن الكذب لكن ما صانها عن مطلق المراء فلهذا يكون أحط مرتبة منه انتهى ما في المرقاة (ومن حسن) بتشديد السين أي أحسن بالرياضة (خلقه) بضمتين ويسكن اللام أي جميع أخلاقه التي من جملتها ترك المراء وترك الكذب (بني له في أعلاها) أي حسا ومعنى وهذا يدل على أن الخلق مكتسب وإن كان أصله غريزيا ومنه خبر صحيح اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي وكذا خبر مسلم اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت

قال الإمام حجة الإسلام حد المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما لفظا أو معنى أو في قصد المتكلم وترك المراء بترك الاعتراض والإنكار فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه

قوله (هذا حديث حسن) قال ميرك نقلا عن التصحيح وسلمة تكلم فيه لكن حسن حديثه الترمذي وللحديث شواهد انتهى

قلت ومنها حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه

رواه أبو داود واللفظ له وبن ماجه والترمذي كذا في الترغيب

ومن عادات الترمذي أنه يحسن الحديث الضعيف للشواهد وقد بينته في المقدمة

قوله [1994] (حدثنا فضالة بن الفضل) بن فضالة التميمي أبو الفضل الكوفي صدوق ربما أخطأ من صغار العاشرة (عن بن وهب بن منبه) مجهول من السادسة وكان لوهب ثلاثة أولاد عبد الله وعبد الرحمن وأيوب كذا في التقريب وقال في الميزان بن وهب بن منبه عن أبيه لا يعرف وعنه أبو بكر بن عياش فبنو وهب عبد الله وعبد الرحمن وأيوب وليسوا بالمشهورين انتهى (عن أبيه) أي وهب بن منبه بن كامل اليماني أبي عبد الله الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون ثقة من الثالثة (كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما) لأن كثرة المخاصمة تقضي إلى ما يذم صاحبه

قوله (هذا حديث غريب) قال المناوي في شرح الجامع الصغير إسناده ضعيف

قوله [1995] (حدثنا المحاربي) هو عبد الرحمن بن محمد (عن ليث) هو بن أبي سليم (عن عبد الملك) بن أبي بشير البصري نزيل المداين ثقة من السادسة

قوله (لا تمار) بضم أوله من المماراة أي لا تجادل ولا تخاصم (أخاك) أي المسلم (ولا تمازحه) أي مزاحا يفضي إلى إيذائه من هتك العرض ونحوه (ولا تعده موعدا) أي وعدا أو زمان وعد أو مكانه (فتخلفه) من الإخلاف وهو منصوب

قال الطيبي إن روي منصوبا كان جوابا للنهي على تقدير إن فيكون مسببا عما قبله فعلى هذا التنكير في موعد للنوع من الموعد وهو ما يرضاه الله تعالى بأن يعزم عليه قطعا ولا يستثنى فيجعل الله ذلك سببا للإخلاف أو ينوي في الوعد كالمنافق فإن آية النفاق الخلف في الوعد كما ورد إذا وعد أخلف

ويحتمل أن يكون النهي عن مطلق الوعد لأنه كثيرا ما يفضي إلى الخلف ولو روي مرفوعا كان النهي الوعد المستعقب للإخلاف أي لا تعده موعدا فأنت تخلفه على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية

قال النووي أجمعوا على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أو مستحب فيه خلاف ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم يعني من حيث هو خلف

وإن كان يأثم إن قصد به الأذى

قال وذهب جماعة إلى أنه واجب منهم عمر بن عبد العزيز وبعضهم إلى التفصيل ويؤيد الوجه الأول ما أورده في الإحياء حيث قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعدا قال عسى وكان بن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول إن شاء الله تعالى وهو الأولى

ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي به فهذا هو النفاق انتهى

قوله (هذا حديث غريب) في سنده ليث بن أبي سليم قال الحافظ صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك

$ 59 - (باب ما جاء في المداراة)

قال في النهاية المداراة بلا همز ملاينة الناس وحسن صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا عنك وقد يهمز

قوله [1996] (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي ثقة فاضل من الثالثة وقد وقع في النسخة الأحمدية محمود بن المنكدر وهو غلط والصواب محمد بن المنكدر

قوله (بئس بن العشيرة وأخو العشيرة) أو للشك فقيل يحتمل أن يكون الشك من سفيان فإن جميع أصحاب المنكدر رووه عنه بدون الشك وفي رواية للبخاري بئس أخو العشيرة وبن العشيرة من غير شك

قال الطيبي العشيرة القبيلة أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة كما يقال يا أخا العرب لرجل منهم

قال النووي واسم هذا الرجل عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف بحاله وكان منه في حياته صلى الله عليه وسلم وبعده ما دل على ضعف إيمانه ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بئس بن العشيرة أو أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ارتد بعده صلى الله عليه وسلم وجيء به أسيرا إلى الصديق (ألان له القول) وفي المشكاة تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه أي أظهر له طلاقة الوجه وبشاشة البشرة وتبسم له

قال النووي وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام

وفيه مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق

وفي شرح السنة فيه دليل على أن ذكر الفاسق بما فيه ليعرف أمره فيتقى لا يكون من الغيبة ولعل الرجل كان مجاهرا بسوء أفعاله ولا غيبة لمجاهر

قال النووي ومن الذين يجوز لهم الغيبة المجاهر بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجهر به ولا يجوز بغيره (إن من شر الناس) وفي رواية إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة (من تركه الناس) أي ترك الناس التعرض له (أو ودعه) أو للشك من بعض الرواة (اتقاء فحشه) وفي رواية اتقاء شره أي

كيلا يؤذيهم بلسانه وفيه رخصة المداراة لدفع الضرر وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علما وأدبا وليس قوله عليه السلام في أمته بالأمور التي يسهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض بل الواجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمورهم فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه وليقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته

وقال القرطبي فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة ثم قال تبعا للقاضي حسين والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحسنت والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا انتهى

وهذه فائدة جليلة ينبغي حفظها والمحافظة عليها

فإن أكثر الناس عنها غافلون وبالفرق بينهما جاهلون

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما

$ 0 - (باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض)

قال في الصراح قصد ميانه رفتن دهر جيز واقتصاد مثله يقال فلان مقتصد في النفقة لا إسراف ولا تقتير انتهى

قوله [1997] (حدثنا سويد بن عمرو الكلبي) أبو الوليد الكوفي العابد من كبار العاشرة ثقة وأفحش بن حبان القول فيه ولم يأت بدليل (عن حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبي سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره من كبار الثامنة

قوله (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (أحبب حبيبك هونا ما) من باب الإفعال أي أحببه حبا قليلا فهونا منصوب على المصدر صفة لما اشتق منه أحبب

وقال في المجمع أي حبا مقتصدا لا إفراط فيه ولفظ ما للتقليل (عسى أن يكون بغيضك يوما ما إلخ) قال المناوي في شرح الجامع الصغير إذ ربما انقلب ذلك بتغير الزمان والأحوال بغضافلا تكون قد أسرفت في حبه فتندم عليه إذا أبغضته أو حبا فلا تكون قد أسرفت في بغضه فتستحي منه إذا أحببته

ولذلك قال الشاعر

فهونك في حب وبغض فربما بدا صاحب من جانب بعد جانب

قوله (هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه إلخ) قال المناوي في شرح الجامع الصغير وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن بن عمر بن الخطاب وعن بن عمرو بن العاص والدارقطني في الأفراد وبن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن علي مرفوعا والبخاري في الأدب المفرد والبيهقي عن علي موقوفا عليه قال الترمذي هذا هو الصحيح انتهى

$ 1 - (باب ما جاء في الكبر)

بكسر الكاف وسكون الموحدة ثم راء قال الراغب الكبر والتكبر والاستكبار متقارب فالكبر الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم ذلك أن يتكبر على ربه بأن يمتنع من قبول الحق والإذعان له بالتوحيد والطاعة

والتكبر يأتي على وجهين أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير ومن ثم وصف سبحانه وتعالى بالمتكبر والثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا بما ليس فيه وهو وصف عامة الناس نحو قوله (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) والمستكبر مثله

وقال الغزالي الكبر على قسمين فإذا ظهر على الجوارح يقال تكبر وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر فالأصل هو الخلق في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ليرى نفسه فوقه في صفات الكمال ومتكبرا به وبه يفصل الكبر عن العجب فإن العجب لا يستدعي غير المعجب به بل لو لم يخلق إلا وحده تصور أن يكون معجبا ولا يتصور أن يكون متكبرا

قوله [1998] (حدثنا أبو هشام الرفاعي) اسمه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الكوفي قاضي المدائن ليس بالقوي من صغار العاشرة وذكره بن عدي في شيوخ البخاري وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه لكن قد قال البخاري رأيتهم مجمعين على ضعفه كذا في

التقريب

قوله (من كان في قلبه مثقال حبة) أي مقدار وزن حبة

قال في المجمع المثقال في الأصل مقدار من الوزن أي شيء كان من قليل أو كثير والناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة وليس كذلك انتهى (من خردل) قيل إنه الحبة السوداء وهو تمثيل للقلة كما جاء مثقال ذرة

قال النووي قد اختلف في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر فذكر الخطابي فيه وجهين أحدهما أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه والثاني أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة كما قال الله عز وجل ونزعنا ما في صدورهم من غل وهذان التأويلان فيهما بعد فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقد تكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إما أولا وإما ثانيا بعد تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها

وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة انتهى (لايدخل النار من كان في قلبه إلخ) المراد به دخول الكفار وهو دخول الخلود والتأبيد

قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم مثقال حبة إشعار بأن الإيمان قابل للزيادة والنقصان

قلت الأمر كما قال الطيبي فلا شك في أن هذا الحديث يدل على أن الإيمان يزيد وينقص

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وبن عباس وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد) أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم

وأما حديث بن عباس فأخرجه الطبراني والبزار بإسناد حسن كذا في الترغيب وله حديث اخر عند بن ماجة وبن حبان وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه الترمذي في هذا الباب كما سيأتي وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم عنه مرفوعا بلفظ احتجت الجنة والنار فقالت النار في الجبارون والمتكبرون وقالت الجنة في ضعفاء المسلمين ومساكينهم فقضى الله بينهما إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليهما على ملؤها

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم

قوله [1999] (حدثنا يحيى بن حماد) بن أبي زياد الشيباني مولاهم البصري ختن أبي عمرانة ثقة عابد من صغار التاسعة (عن أبان بن تغلب) قال النووي يجوز صرف أبان وترك صرفه وإن الصرف أفصح وتغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام أبي سعد الكوفي ثقة تكلم فيه للتشيع من السابعة (عن فضيل بن عمرو) الفقيمي بالفاء والقاف مصغرا أبي النصر الكوفي ثقة من السادسة

قوله (فقال رجل) قال النووي في شرح مسلم هو مالك بن مزارة الرهاوي قاله القاضي عياض وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر قال وقد جمع أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالا من جهات ثم سردها النووي (إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا) أي من غير أن أراعي نظر الخلق وما يترتب عليه من الكبر والخيلاء والسمعة والرياء ثم النعل ما وقيت به القدم وهي مؤنثة سماعية ذكرها بن الحاجب في رسالته فيما يجب تأنيثه

فالتذكير هنا باعتبار معناها وهو ما وقيت به القدم ولعل سبب ذلك السؤال ما ذكره الطيبي أنه لما رأى الرجل العادة في المتكبرين لبس الثياب الفاخرة ونحو ذلك سأل ما سأل (قال) مجيبا له (إن الله يحب الجمال) وفي رواية إن الله جميل يحب الجمال أي حسن الأفعال كامل الأوصاف وقيل أي مجمل وقيل جليل وقيل مالك النور والبهجة وقيل جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه

وقال المناوي إن الله جميل أي له الجمال المطلق جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال

يحب الجمال أي التجمل منكم في الهيئة أو في قلة إظهار الحاجة لغيره والعفاف عن سواه انتهى

(ولكن الكبر) أي ذا الكبر بحذف المضاف كقوله تعالى ولكن البر من امن

(من بطر الحق) أي دفعه ورده (وغمص الناس) أي احتقرهم ولم يرهم شيئا

من غمصته غمصا وفي رواية الكبر بطر الحق وغمط الناس

قال في المجمع الغمط الاستهانة والاستحقار وهو كالغمص وأصل البطر شدة الفرح والنشاط والمراد هنا قيل سوء احتمال الغنى وقيل الطغيان عند النعمة والمعنيان متقاربان

وفي النهاية بطر الحق هو أن يجعل ما يجعله الله حقا من توحيده وعبادته باطلا وقيل هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا وقيل هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله

وقال التوربشتي وتفسير على الباطل أشبه لما ورد في غير هذه الرواية إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس أي رأى الحق سفها

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم

قوله [2000] (عن عمر بن راشد) وقع في النسخة الأحمدية عمرو بن راشد بالواو والصواب بغير الواو وقال الحافظ في التقريب عمر بن راشد بن شجرة بفتح المعجمة والجيم اليمامي ضعيف من السابعة ووهم من قال إن اسمه عمرو وكذا من زعم أنه بن أبي خثعم انتهى

(عن إياس بن سلمة بن الأكوع) الأسلمي كنيته أبو سلمة ويقال أبو بكر المدني ثقة من الثالثة

قوله (لا يزال الرجل يذهب بنفسه) قال المظهر وغيره الباء للتعدية أي يعلي نفسه ويرفعها ويبعدها عن الناس في المرتبة ويعتقدها عظيمة القدر أو للمصاحبة أي يرافق نفسه في ذهابها إلى الكبر ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة

وفي أساس البلاغة يقال ذهب به مربه مع نفسه

قال القارىء ومن قبيل الأول قوله تعالى ذهب الله بنورهم أي أذهب نورهم

وخلاصة المعنى أنه لا يزال يذهبها عن درجتها ومرتبتها إلى مرتبة أعلى وهكذا (حتى يكتب) أي اسمه أو يثبت رسمه (في الجبارين) أي في ديوان الظالمين والمتكبرين أو معهم في أسفل السافلين (فيصيبه) بالنصب وقيل بالرفع أي فينال الرجل من بليات الدنيا وعقوبات العقبى (ما أصابهم) أي الجبارين كفرعون وهامان وقارون

قوله (هذا حديث حسن غريب) ذكره المنذري في الترغيب ونقل تحسين الترمذي وأقره

قوله [2001] (حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي) الكراجكي بفتح الكاف وكسر الجيم

التي بعد الألف وقد تبدل شيئا مقبول من الحادية عشرة (أخبرنا بن أبي ذئب) سقط هذا من بعض النسخ والصواب ثبوته (عن القاسم بن عباس) بن محمد بن معتب بن أبي لهب الهاشمي أبي العباس المدني ثقة من السادسة

قوله (يقولون لي في التيه) بالكسر الكبر أي في نفسي الكبر (وقد ركبت الحمار) الواو حالية (ولبست الشملة) بفتح الشين وسكون الميم

قال في النهاية هو كساء يتغطى به ويتلفف فيه

وقال في الصراح شمله كليم خردكه بخود دركشند (من فعل هذا) أي المذكور من ركوب الحمار ولبس الشملة وحلب الشاة (فليس فيه من الكبر شيء) فإن هذه الأفعال لا يأنف منها إلا المتكبرون

$ 2 - (باب ما جاء في حسن الخلق)

قوله [2002] (عن يعلى بن مملك) بوزن جعفر المكي مقبول من الثالثة (عن أم الدرداء) زوج أبي الدرداء اسمها هجيمة وقيل حميمة الأوصابية الدمشقية وهي الصغرى جهيمة وأما الكبرى فاسمها خيرة ولا رواية لها في الكتب الستة والصغرى ثقة فقيهة من الثالثة كذا في التقريب

قوله (ماشيء) أي ثوابه أو صحيفته أو عينه المجسد (من خلق حسن) فإنه تعالى يحبه ويرضى عن صاحبه (فإن الله يبغض) وفي نسخة ليبغض (الفاحش) الذي يتكلم بما يكره سماعه أو من يرسل لسانه بما لا ينبغي (البذيء) قال المنذري في الترغيب البذي بالذال المعجمة ممدودا هو المتكلم بالفحش وروي الكلام

وقال في النهاية البذاء بالمد الفحش في القول بذا يبذو وأبذى يبذي فهو بذي اللسان

وقد يقال بالهمز وليس بالكثير انتهى

قال

القارىء ومن المقرر أن كل ما يكون مبغوضا لله ليس له وزن وقدر كما أن كل ما يكون محبوبا له يكون عنده عظيما قال تعالى في حق الكفار فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وفي الحديث المشهور كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظي

وبهذا تمت المقابلة بين القرينتين انتهى

قوله (وفي الباب عن عائشةوأبي هريرة وأنس وأسامة بن شريك) أما حديث عائشة فأخرجه أبو داود وبن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولفظه إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أنس فأخرجه بن أبي الدنيا والطبراني والبزار وأبي يعلى بإسناد جيد رواته ثقات ولفظ أبي يعلى قال لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما قال بلى يا رسول الله قال عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما

وله حديث آخر ذكره المنذري في الترغيب

وأما حديث أسامة بن شريك فأخرجه الطبراني وبن حبان في صحيحه

قال المنذري رواة الطبراني محتج بهم في الصحيح انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن حبان في صحيحه وأخرجه أبو داود لكن اقتصر على الجملة الأولى كذا في الترغيب

قوله [2003] (حدثنا قبيصة بن الليث) بن قبيصة بن برمة الأسدي الكوفي صدوق من التاسعة (عن عطاء) بن نافع الكيخاراني

قال بن أبي خيثمة عن بن معين عطاء الكيخاراني ثقة

وكذا قال النسائي له عندهم حديث واحد في حسن الخلق

كذا في تهذيب التهذيب وقال في التقريب ثقة من الرابعة

قوله (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به إلخ) وفي حديث عائشة عند أبي داود إن المؤمن

ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه البزار بإسناد جيد كذا في الترغيب

قوله [2004] (حدثني أبي) أي إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي ثقة من السابعة (عن جدي) أي يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الزعافري أبي داود الأودي مقبول من الثالثة

قوله (عن أكثر ما يدخل الناس الجنة) أي عن أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين (تقوى الله) وله مراتب أدناها التقوى عن الشرك (وحسن الخلق) أي مع الخلق وأدناه ترك أذاهم وأعلاه الإحسان إلى من أساء إليه منهم (الفم والفرج) لأن المرء غالبا بسببهما يقع في مخالفة الخالق وترك المخالفة مع المخلوق

قال الطيبي قوله تقوى الله إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق بأن يأتي جميع ما أمره به وينتهي عن ما نهى عنه وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة ونقيضهما لدخول النار

فأوقع الفم والفرج مقابلا لهما

أما الفم فمشتمل على اللسان وحفظه ملاك أمر الدين كله وأكل الحلال رأس التقوى كله

وأما الفرج فصونه من أعظم مراتب الدين قال تعالى والذين هم لفروجهم حافظون لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها على العقل عند الهيجان ومن ترك الزنى خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة وصل إلى درجة الصديقين قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ومعنى الأكثرية في الجملتين أن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين الخصلتين وأن أكثر أسباب الشقاوة السرمدية الجمع بين هاتين الخصلتين

قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه بن حبان في صحيحه والبيهقي في الزهد وغيره وكذا في الترغيب

قوله [2005] (هو بسط الوجه إلخ) قال بن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم قد روي عن السلف تفسير حسن الخلق فعن الحسن قال حسن الخلق الكرم والبذلة والاحتمال وعن الشعبي قال حسن الخلق البله والعطية والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك

وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعرا فقال تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله وقال الإمام أحمد حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد

وعنه أنه قال حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس

وقال إسحاق بن راهويه هو بسط الوجه وأن لا تغضب ونحو ذلك قال محمد بن نصر

$ 3 - (باب ما جاء في الإحسان والعفو)

الإحسان ضد الإساءة قال في الصراح إحسان نكوثي كردن يقال أحسن إليه كقوله تعالى وأحسن كما أحسن الله إليك وأحسن به كقوله تعالى وقد أحسن بي وقال في المجمع العفو التجاوز عن الذنب وترك العقاب وأصله المحو والطمس عفا يعفو انتهى

قوله [2006] (عن أبيه) هو مالك بن نضلة قال في التقريب ويقال مالك بن عوف بن نضلة الجثمي بضم الجيم وفتح المعجمة صحابي قليل الحديث

قوله (فلا يقريني) بفتح أوله تفسيره قوله (ولا يضيفني) بضم أوله (أفأجزيه) بفتح الهمز وسكون الياء أي أكافئه بترك القرى ومنع الطعام كما فعل بي أم أقريه وأضيفه (قال لا) أي لاتجزه وتكافئه (أقره) أي أضفه وفيه حث على القرى الذي هو من مكارم الأخلاق ومنها دفع السيئة بالحسنة كقوله تعالى

ادفع بالتي هي أحسن السيئة

(رث الثياب) قال في النهاية متاع رث ومنال رث خلق بال

وفي القاموس الرثاثة والرثوثة البذاذة

وفي رواية أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب دون (قلت من كل المال) من للتبعيض والمعنى بعض كل المال (من الإبل والغنم) بيان لمن المراد منه البعض وفي رواية من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق (قال فلير عليك) بصيغة المجهول أي فليبصر وليظهر وفي رواية فإذا أتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته والمعنى البس ثوبا جيدا ليعرف الناس أنك غني وأن الله أنعم عليك بأنواع النعم

وفي شرح السنة هذا في تحسين الثياب بالتنظيف والتجديد عند الإمكان من غير أن يبالغ في النعامة والدقة ومظاهرة الملبس على اللبس على ما هو عادة العجم

قال القارىء اليوم زاد العرب على العجم

قلت الأمر في هذا الزمان أيضا كما قال القارىء

وقال البغوي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى عن كثير من الإرفاه انتهى

وروى البيهقي عن أبي هريرة وزيد بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشهرتين رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها وطولها وقصرها ولكن سداد فيما بين ذلك واقتصاد

قوله (وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي هريرة) أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وفيه ما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن ينتهك حرمة الله فينتقم الله بها

وأما حديث جابر فأخرجه الشيخان أيضا وفيه قصة الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم وعفوه صلى الله عليه وسلم عنه

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي

قوله [2007] (عن الوليد بن عبد الله بن جميع) بضم الجيم وفتح الميم مصغرا الزهري المكي نزيل الكوفة صدوق يهم ورمي بالتشيع من الخامسة

قوله (لا تكونوا إمعة) بكسر الهمزة وتشديد الميم والهاء للمبالغة وهمزته أصلية ولا يستعمل ذلك في النساء فلا يقال امرأة إمعة كذا في النهاية

وقال صاحب الفائق هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد أنا معك لأنه لا رأي له يرجع إليه

ومعناه المقلد الذي يجعل دينه تابعا لدين غيره بلا رؤية ولا تحصيل برهان انتهى كلامه

قال القارىء بعد نقل هذا الكلام عن الفائق ما لفظه وفيه إشعار بالنهي عن التقليد المجرد حتى في الأخلاق فضلا عن الاعتقادات والعبادات

وفي القاموس الإمع كهلع وهلعة ويفتحان الرجل يتابع كل واحد على رأيه لا يثبت على شيء ومتبع الناس إلى الطعام من غير أن يدعى والمحقب الناس دينه والمتردد في غير صنعة ومن يقول أنا مع الناس ولا يقال امرأة إمعة أو قد يقال وأتأمع واستأمع صار إمعة وقيل هو الرجل الذي يكون لضعف رأيه مع كل واحد

والمراد هنا من يكون مع ما يوافق هواه ويلائم إرب نفسه وما يتمناه

وقيل المراد هنا الذي يقول أنا مع الناس كما يكونون معي إن خيرا فخير وإن شرا فشر

قال القارىء وهذا المعنى هو المتعين كما يدل عليه قوله (تقولون إن أحسن الناس) أي إلينا أو إلى غيرنا (أحسنا) أي جزاء أو تبعا لهم (وإن ظلموا) أي ظلمونا أو ظلموا غيرنا فكذلك نحن (ظلمنا) على وفق أعمالهم

قال الطيبي قوله تقولون إلخ بيان وتفسير للإمعة لأن معنى قوله إن أحسن الناس وإن ظلموا أنا مقلد الناس في إحسانهم وظلمهم ومقتفي أثرهم (ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا إلخ) قال في القاموس توطين النفس تمهيدها وتوطنها تمهدها انتهى

وفي المنجد وطن نفسه على الأمر وللأمر هيأها لفعله وحملها عليه انتهى

وفي أساس البلاغة أوطن الأرض ووطنها واستوطنها ومن المجاز وطنت نفسي على كذا فتوطنت قال الشاعر ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب قال الطيبي إن تحسنوا متعلق بقوله وطنوا وجواب الشرط محذوف يدل عليه إن تحسنوا والتقدير وطنوا أنفسكم على الإحسان إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا لأن عدم الظلم إحسان

$ 64 - (باب ما جاء في زيارة الإخوان)

قوله [2008] (والحسين بن) سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن (أبي كبشة) بموحدة ومعجمة الأزدي الطحان (البصري) صدوق من التاسعة (حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي) مولاهم أبو يعقوب السلمي بكسر المهملة وفتح اللام وقيل بفتح أوله ثم سكون البصري الضبعي صدوق من التاسعة (حدثنا أبو سنان القسملي) بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الميم وتخفيف اللام هو عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني نزيل البصرة لين الحديث من السادسة (عن عثمان بن أبي سودة) المقدسي ثقة من الثالثة

قوله (من عاد مريضا) أي محتسبا (أو زار أخا له) أي في الدين (في الله) أي لوجه الله لا للدنيا (مناد) أي ملك (أن طبت) دعاء له بطيب عيشه في الدنيا والأخرى (وطاب ممشاك) مصدر أو مكان أو زمان مبالغة

قال الطيبي كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق والتحلي بمكارمها (وتبوأت) أي تهيأت (من الجنة) أي من منازلها العالية (منزلا) أي منزلة عظيمة ومرتبة جسيمة بما فعلت

وقال الطيبي دعاء له بطيب العيش في الأخرى

كما أن طبت دعاء له بطيب العيش في الدنيا وإنما أخرجت الأدعية في صورة الأخبار إظهار للحرص على عيادة الأخيار

قوله (هذا حديث غريب) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه بن ماجه والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن وبن حبان في صحيحه

قلت ليس في النسخ الموجودة عندنا لفظ حسن بل فيها حديث غريب (شيئا من هذا) أي شيئا مختصرا من هذا الحديث

$ 5 - (باب ما جاء في الحياء)

هو بالمد وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به

وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب

والترك إنما هو من لوازمه وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق

قوله [2009] (حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي ويقال اسمه

عبد الرحمن ثبت ثقة من صغار الثامنة (وعبد الرحيم) الظاهر أنه عبد الرحيم بن سليمان الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة ثقة له تصانيف من صغار الثامنة (ومحمد بن بشر) بكسر الموحدة

قال الحافظ في تهذيب التهذيب محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي أبو عبد الله الكوفي روى عن محمد بن عمرو بن علقمة وغيره وعنه أبو كريب وغيره انتهى

وقال في التقريب ثقة حافظ من التاسعة (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة

قوله (الحياء من الإيمان) أي بعضه أو من شعبه (والإيمان) أي أهله قال الطيبي جعل أهل الإيمان عين الإيمان دلالة على أنهم تمحضوا منه وتمكنوا من بعض شعبه الذي هو أعلى الفرع منه كما جعل الايمان مقرى ومبوأ لأهله في قوله تعالى والذين تبؤوا الدار والإيمان لتمكنهم من الإيمان واستقامتهم عليه (والبذاء) بفتح الباء خلاف الحياء والناشىء منه الفحش في القول والسوء في الخلق (من الجفاء) وهو خلاف البر الصادر منه الوفاء (والجفاء) أي أهله التاركون

للوفاء

الثابتون على غلاظة الطبع وقساوة القلب (في النار) إما مدة أو أبدا لأنه في مقابل الإيمان الكامل أو مطلقه فصاحبه من أهل الكفران أو الكفر

قوله (وفي الباب عن بن عمر وأبي بكرة وأبي أمامة وعمران بن حصين)

أما حديث بن عمر فأخرجه الشيخان وله أحاديث أخرى في هذا الباب

وأما حديث أبي بكرة فأخرجه البخاري في الأدب وبن ماجه والحاكم والبيهقي

وأما حديث أبي أمامة فأخرجه أحمد والحاكم والطبراني

وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الشيخان عنه مرفوعا بلفظ الحياء لا يأتي إلا بخير

وفي رواية الحياء خير كله

تنبيه قال النووي في شرح مسلم حديث كون الحياء كله خير أو لا يأتي إلا بخير يشكل على بعض الناس من حيث أن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجله ويعظمه فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر

وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة والجواب ما أجاب به عنه جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقي وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا

ويدل عليه ما روينا في رسالة الإمام أبي القاسم القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمه الله قال الحياء رؤية الآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياة

وقال القاضي عياض وغيره

إنما جعل الحياء من الإيمان لأنه قد يكون تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثا على أفعال البر ومانعا من المعاصي انتهى

وقال الطيبي ويمكن أن يحمل التعريف على العهد ويكون إشارة إلى ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم الاستحياء من الله أن يحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى الحديث انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح وبن حبان في صحيحه

والحاكم والبيهقي كذا في الترغيب والمرقاة

$ 66 - (باب ما جاء في التأني والعجلة)

العجلة والعجل محركتين السرعة والتأني ترك الاستعجال من تأنى في الأمر إذا توقف فيه

قوله [2010] (حدثنا نوح بن قيس) بن رباح الأزدي أبو روح البصري أخو خالد صدوق رمي بالتشيع (عن عبد الله بن عمران) التيمي الطلحي البصري مقبول من السادسة وقال في تهذيب التهذيب روى له الترمذي حديثا واحدا في فضل السمت الحسن وغيره

(عن عبد الله بن سرجس) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة المزني حنيف بني مخزوم صحابي سكن البصرة

قوله (السمت الحسن) أي السيرة المرضية والطريقة المستحسنة قيل السمت الطريق ويستعار لهيئة أهل الخير

وفي الفائق السمت أخذ المنهج ولزوم المحجة (والتؤدة) بضم التاء وفتح الهمزة أي التأني في جميع الأمور (والاقتصاد) أي التوسط في الأحوال والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط

قال التوربشتي الاقتصاد على ضربين أحدهم ما كان متوسطا بين محمود ومذموم كالمتوسط بين الجور والعدل والبخل والجود

وهذا الضرب أريد بقوله تعالى ومنهم مقتصد

والثاني محمود على الإطلاق وذلك فيما له طرفان إفراط وتفريط كالجود فإنه بين الإسراف والبخل والشجاعة فإنها بين التهور والجبن

وهذا الذي في الحديث هو الاقتصاد المحمود على الإطلاق (جزء) أي كلها أو كل منها (من أربعة وعشرين جزءا) ويؤيد الأخير ما رواه الضياء عن أنس مرفوعا السمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءا من النبوة مع زيادة إفادة أن المراد بالعدد المذكور التكثير لا التحديد وينصره حديث بن عباس عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمس وعشرين جزءا من النبوة على أنه يمكن الاختلاف بحسب اختلاف الكمية والكيفية الحاصلة في المتصف به (من النبوة) أي من أجزائها قال الخطابي الهدي والسمت حالة الرجل ومذهبه والاقتصاد سلوك القصد في الأمور والدخول فيها برفق على سبيل تمكن الدوام عليها يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنها جزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها وليس معناها أن النبوة

تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخصال كان نبيا فإن النبوة غير مكتسبة وإنما هي كرامة يخص الله بها من يشاء من عباده والله أعلم حيث يجعل رسالته

ويحتمل أن يكون معناه أن هذه الخلال مما جاءت به النبوة ودعا إليها الأنبياء

وقيل معناه أن من جمع هذه الخصال لقيه الناس بالتوقير والتعظيم وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبس أنبياءه عليهم الصلاة والسلام

فكأنها جزء من النبوة

قال التوربشتي والطريق إلى معرفة ذلك العدد ووجهه بالاختصاص من قبل الرأي والاستنباط مسدود فإنه من علوم النبوة

قوله (وفي الباب عن بن عباس) أخرجه أبو داود والحاكم

قوله (والصحيح حديث نصر بن علي) قال الحافظ في تهذيب التهذيب

في ترجمة عبد الله بن عمران روي عن عبد الله بن سرجس وقيل عن عاصم الأحول عنه انتهى

قوله (حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع) بفتح الموحدة وكسر الزاي البصري ثقة من العاشرة (عن قرة بن خالد) السدوسي البصري ثقة ضابط من السادسة (عن أبي جمرة) اسمه نصر بن عمران

قوله [2011] (لأشج عبد القيس) بالإضافة واسمه المنذر بن عائذ كان وافد عبد القيس وقائدهم ورئيسهم وعبد القيس قبيلة

(إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة) ويجوز فيه وجهان النصب على البدلية والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما الحلم والأناة

قال النووي الحلم هو العقل والأناة هي التثبت وترك العجلة وهي مقصورة يعني بوزن نواة

وسبب قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا إلى المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقربه النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال

الأشج يا رسول الله إنك لم تزاود الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل إليهم من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه

قال صدقت إن فيك خصلتين الحديث

قال القاضي عياض فالأناءة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل

والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب انتهى

وحديث بن عباس هذا أخرجه مسلم في صحيحه

قوله (وفي الباب عن الأشج العصري) أخرجه أحمد في مسنده والعصري بمهملتين وهو أشج عبد القيس المذكور

قال في تهذيب التهذيب الأشج العصري اسمه المنذر بن عائد بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر العصري أشج عبد القيس كان سيد قومه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى الحديث انتهى

قوله [2012] (حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري المدني ضعيف من الثامنة (عن أبيه) أي عباس بن سهل (عن جده) أي سهل بن سعد

قوله (الأناة من الله والعجلة من الشيطان) قال المناوي في شرح الجامع الصغير أي هو الحامل عليها بوسوسته لأن العجلة تمنع من التثبت والنظر في العواقب وذلك موقع في المعاطب وذلك من كيد الشيطان ووسوسته ولذلك قال المرقش يا صاحبي تلوما لا تعجلا إن النجاح رهين أن لا تعجلا وقال عمرو بن العاص لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة

ثم العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة ومع عدم التثبت وعدم خوف الفوت

ولهذا قيل لأبي العيناء لا تعجل فالعجلة من الشيطان فقال لو كان كذلك لما قال موسى وعجلت إليك رب لترضى والحزم ما قال بعضهم لاتعجل عجلة الأخرق ولا تحجم إحجام الواني الفرق انتهى

قيل ويستثنى من ذلك ما لا شبهة في خيريته قال تعالى إنهم كانوا يسارعون في الخيرات

قال القارىء بون بين المسارعة والمبادرة إلى الطاعات وبين العجلة في نفس العبادات فالأول محمود والثاني مذموم انتهى

قوله (هذا حديث غريب) كذا في النسخ الموجودة وكذا في المشكاة

وقال القارىء قال ميرك وفي بعض النسخ حسن غريب (وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن بن عباس وضعفه من قبل حفظه) قال القارىء أي وقع طعن البعض فيه من جهة حفظه فإنه عدل ثقة فأمره سهل انتهى

قلت في قول القارىء فإنه عدل ثقة نظرا لظاهر فقد عرفت آنفا أن الحافظ قال في التقريب إنه ضعيف

وقال في تهذيب التهذيب قال البخاري منكر الحديث

وقال النسائي ليس بثقة

وقال بن حبان لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به

وقال النسائي في موضع آخر متروك الحديث

وقد ذكر الحافظ فيه أقوال غير هؤلاء كلها تدل على أنه ليس بثقة

$ 7 - (باب ما جاء في الرفق)

بالكسر ضد العنف وهو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها

قوله [2013] (من أعطي) بصيغة المجهول (حظه) بالنصب على أنه مفعول ثان أي نصيبه (من الرفق) أي اللطف (ومن حرم) على بناء المفعول (حظه) بالنصب على أنه مفعول ثان (فقد حرم حظه من الخير) إذ به تنال المطالب الدنيوية والأخروية وبفوته تفوتان ففيه فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف

وقال في اللمعات يعني أن نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق وحرمانه منه على قدر حرمانه منه انتهى

قوله (وفي الباب عن عائشة وجرير بن عبد الله وأبي هريرة) أما حديث عائشة فأخرجه

الشيخان عنها مرفوعا إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله

ولها أحاديث أخرى في هذا الباب

أما حديث جرير بن عبد الله فأخرجه مسلم وأبو داود كذا في الترغيب

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري وفيه فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد

قوله [2014] (عن أبي معبد) اسمه نافذ بفاء ومعجمة مولى بن عباس المكي ثقة من الرابعة

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد

$ 8 - (باب ما جاء في دعوة المظلوم)

قوله (بعث معاذا) بضم الميم أي أرسله أميرا وقاضيا (اتق دعوة المظلوم) أي اجتنب دعوة من تظلمه وذلك مستلزم لتجنب سائر أنواع الظلم (فإنه) أي الشأن (ليس بينها وبين الله) أي قبولها لها (حجاب) أي مانع بل هي معروضة عليه تعالى وقيل هو كناية عن سرعة القبول

قال الطيبي رحمه الله هذا تعليل للاتقاء وتمثيل للدعوة لمن يقصد إلى السلطان متظلما فلا يحجب عنه

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وبن ماجه

قوله (وفي الباب عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد) أما حديث أنس فأخرجه أحمد في مسنده وأبو يعلى والضياء المقدسي عنه مرفوعا اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب

قال المناوي في التيسير إسناده صحيح

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب دعاء الوالدين وقد تقدم

وأما حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي سعيد فلينظر من أخرجهما

$ 69 - (باب ما جاء في خلق النبي صلى الله عليه وسلم)

قوله [2015] (خدمت) من باب ضرب ونصر (عشر سنين) وفي رواية مسلم تسع سنين قال النووي معناه أنها تسع سنين وأشهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر سنين تحديدا لا تزيد ولا تنقص وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى ففي رواية التسع لم يحسب الكسر بل اعتبر السنين الكوامل

وفي رواية العشر حسبها سنة كاملة وكلاهما صحيح انتهى

(فما قال لي أف) بضم الهمز وكسر الفاء المشددة منونة وغير منونة وفيها لغات كثيرة قال النووي في شرح مسلم ذكر القاضي وغيره فيها عشر لغات أف بفتح الفاء وضمها وكسرها بلا تنوين وبالتنوين فهذه ست وأف بضم الهمزة وإسكان الفاء وإف بكسر الهمزة وفتح الفاء وأفي وأفه بضم همزتهما قالوا وأصل الأف والتف وسخ الأظفار وتستعمل هذه الكلمة في كل ما يستقذر وهي اسم فعل تستعمل في الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد قال الله تعالى ولا تقل لهما أف

قال الهروي يقال لكل ما يضجر منه ويستثقل أف له وقيل معناه الاحتقار مأخوذ من الأنف وهو القليل انتهى

وقال في القاموس أف كلمة تكره وأفف تأفيفا وتأفف قالها ولغاتها أربعون

ثم ذكرها (وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته) يعني لم يقل لشيء صنعته لم أصنعته ولا لشيء لم أصنعه وكنت مأمورا به لم لا صنعته

واعلم أن ترك اعتراض النبي صلى الله عليه وسلم على أنس رضي الله تعالى عنه فيما خالف أمره إنما يفرض فيما يتعلق بالخدمة والآداب لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية فإنه لا يجوز ترك الاعتراض فيه

وفيه أيضا مدح أنس فإنه لم يرتكب أمرا يتوجه إليه من النبي صلى الله عليه وسلم اعتراض ما (وما مسست) بكسر السين الأولى ويفتح (خزا) قال في النهاية الخز المعروف أولا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين

وإن أريد بالخز النوع الآخر وهو المعروف الآن فهو حرام

لأن جميعه معمول من الإبريسم وعليه يحمل الحديث الآخر قوم يستحلون الخز والحرير

انتهى

(ولا حريرا) أي مطلقا (ولا شممت) بكسر الميم ويفتح قال الحافظ مسست بكسر المهملة الأولى على الأفصح وكذا شممت بكسر الميم وفتحها لغة ويقال في المضارع أمسه وأشمه بالفتح فيهما على الأفصح وبالضم على اللغة المذكورة وفي الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته وحلمه وصفحه

قوله (وفي الباب عن عائشة والبراء) أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ من طرق متعددة

وأما حديث البراء فأخرجه البخاري في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

قوله [2016] (لم يكن فاحشا) أي ذا فحش في أقواله وأفعاله (ولا متفحشا) أي متكلفا فيه ومتعمدا كذا في النهاية

قال القاضي نفت عنه تولي الفحش والتفوه به طبعا وتكلفا (ولا صخابا) أي صياحا (ولا يجزئ بالسيئة السيئة) بل بالحسنة (ولكن يعفو) أي في الباطن (ويصفح) أي يعرض في الظاهر عن صاحب السيئة لقوله تعالى واعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرج نحوه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو

قوله (وأبو عبد الله الجدلي اسمه إلخ) قال الحافظ في التقريب أبو عبد الله الجدلي اسمه عبد أو عبد الرحمن بن عبد ثقة رمي بالتشيع من كبار الثالثة

$ 70 - (باب ما جاء في حسن العهد)

وفي صحيح البخاري باب حسن العهد من الإيمان

قال أبو عبيد العهد هنا رعاية الحرمة وقال عياض هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له

وقال الراغب حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال

قوله [2017] (ما غرت على أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) بكسر الغين المعجمة من غار يغار نحو خاف يخاف (ما غرت على خديجة) ما الأولى نافية والثانية موصولة أو مصدرية

أي ما غرت مثل التي غرتها أو مثل غيرتي عليها والغيرة الحمية والأنف

قال الحافظ قوله على خديجة يريد من خديجة فأقام على مقام من وحروف الجر تتناوب في رأي أو على سببية أوبسبب خديجة وفيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلا عمن دونهن

وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكن كانت تغار من خديجة أكثر

وقد بينت سبب ذلك وإنه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها

وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة

وقال القرطبي مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها (وما بي أن أكون أدركتها) الجملة حالية وما نافية وفي رواية للشيخين وما رأيتها وهي تقتضي عدم الغيرة لعدم الباعث عليها غالبا ولذا قالت (وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها) وفي رواية للنسائي من كثرة ذكره إياها وثنائه عليها (وإن) من مخففة المثقلة (ليذبح الشاة) أي شاة من الشياه (فيتتبع) أي يتطلب

قال في القاموس تتبعه تطلبه وقال فيه طلبه وتطلبه واطلبه كافتعله حاول وجوده وأخذه (بها) أي بالشاة المذبوحة يعني بأعضائها

وفي رواية للشيخين وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة

(صدائق خديجة) أي أصدقائها جمع صديقة وهي المحبوبة (فيهديها لهن) من الإهداء أي يتحفهن إياها

ومطابقة الحديث للباب في إهداء النبي صلى الله عليه وسلم اللحم لأصدقاء خديجة وخلائلها رعيا منه لذمامها وحفظا لعهدها

وقد أخرج الحاكم والبيهقي في الشعب من طريق صالح بن رستم عن بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت جاءت عجوز إلى

النبي الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف أنتم كيف حالكم كيف كنتم بعدنا قالت بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله

فلما خرجت قلت يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال فقال يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الشيخان

$ 1 - (باب ما جاء في معالي الأخلاق)

جمع المعلاة قال في القاموس المعلاة كسب الشرف وقال في الصراح علاء بالفتح والمد بلندي درقدر ونزلت على بالضم والقصر معلاة بالفتح كذلك والجمع المعالي

قوله [2018] (حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي) أبو جعفر صدوق من الحادية عشرة (حدثنا حبان بن هلال) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة أبو حبيب البصري ثقة ثبت من التاسعة (حدثنا مبارك بن فضالة) بفتح الفاء وتخفيف المعجمة أبو فضالة البصري صدوق يدلس ويسوي من السادسة (حدثني عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري أخو يحيى المدني ثقة من الخامسة

قوله (إن من أحبكم إلي) أي في الدنيا (أحاسنكم أخلاقا) نصبه على التمييز وجمعه لإرادة الأنواع أو لمقابلة الجمع بالجمع (وإن من أبغضكم إلي) أي في الدنيا وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون)

وفي حديث أبي ثعلبة الخشني عند البيهقي وأبعدكم مني مساويكم أخلاقا الثرثارون الحديث

قال القارىء ويروى أساويكم جمع أسوء كأحاسن جمع أحسن وهو مطابق لما في أصل المصابيح

وقال القاضي أفعل التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هودهم مشتركون فيها جاز الإفراد والتذكير في الحالات كلها وتطبقه لما هو وصف له لفظا ومعنى

وقد جمع الوجهان في الحديث فأفرد أحب وبغض وجمع أحاسن وأساويء

في رواية من روى أساويكم بدل مساويكم وهو جمع مسوىء كمحاسن في جمع محسن

وهو إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه السوء فأطلق على المنعوت به مجازا

وقال الدارقطني أراد بأبغضكم بغيضكم وبأحبكم التفضيل فلا يكون المخاطبون بأجمعهم مشتركين في البغض والمحبة

وقال الحاجبي تقديره أحب المحبوبين منكم وأبغض المبغوضين منكم ويجوز إطلاق العام وإرادة الخاص للقرينة

قال الطيبي إذا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين فكما لا يجوز أبغضكم لا يجوز بغيضكم لاشتراكهم في المحبة فالقول ما ذهب إليه بن الحاجب لأن الخطاب عام يدخل فيه البر والفاجر والموافق والمنافق فإذا أريد به المنافق الحقيقي فالكلام ظاهر وإذا أريد به غير الحقيقي كما سبق في باب علامات النفاق فمستقيم أيضا كما يدل عليه قوله الثرثارون

وفي النهاية الثرثارون هم الذي يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق والثرثرة كثرة الكلام وترديده

(والمتشدقون) قال في النهاية المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز

وقيل أراد بالمتشدق المستهزىء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم انتهى

والشدق جانب الفم (والمتفيهقون) هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع كذا في النهاية

قيل وهذا من الكبر والرعونة

وقال المنذري في الترغيب الثرثار بثائين مثلثين مفتوحتين هو الكثير الكلام تكلفا والمتشدق هو المتكلم بملىء شدقه تفاصحا وتعظيما لكلامه والمتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاء وهو بمعنى المتشدق لأنه الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه إظهارا لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره

ولهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالمتكبر انتهى

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط عنه مرفوعا إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبراء العيب

كذا في الترغيب

قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد والطبراني وبن حبان في صحيحه عن أبي ثعلبة الخشني كذا في الترغيب

قوله (والمتشدق هو الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم) كذا فسره الترمذي وتفسيره المشهور هو ما ذكره المنذري وصاحب النهاية

(وهذا أصح) قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة مبارك بن فضالة روى عن بن المنكدر وعبد ربه بن سعيد وغيرهما انتهى

فالظاهر أن مبارك بن فضالة روى هذا الحديث أولا عن بن المنكدر بواسطة عبد ربه بن سعيد ثم لقيه فرواه عنه بغير واسطة

$ 2 - (باب ما جاء في اللعن والطعن)

قال في القاموس لعنه كمنعه طرده وأبعده

وقال في المجمع اللعنة هي الطرد والإبعاد ولعن الكافر إبعاده عن الرحمة كل الإبعاد ولعن الفاسق إبعاده عن رحمة تخص المطيعين انتهى

وقال في القاموس طعنه بالرمح كمنعه ونصره طعنا ضربه ووخزه فهو مطعون وطعين وفيه بالقول طعنا وطعنانا انتهى

وقال في النهاية لا يكون المؤمن طعانا أي وقاعا في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما

وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه ومنه الطعن في النسب انتهى

قوله [2019] (عن كثير بن زيد) الأسلمي ثم السهمي مولاهم المدني يقال له بن صافنة وهي أمه

روى عن سالم بن عبد الله بن عمر وغيره وعنه أبو عامر العقدي وغيره صدوق يخطىء من السابعة

قوله (لا يكون المؤمن لعانا) أي كثير اللعن وهو الطرد والمراد به هنا الدعاء بالبعد عن رحمة الله تعالى وإنما أتي بصيغة المبالغة لأن الاحتراز عن قليله نادر الوقوع في المؤمنين

قال بن الملك وفي صيغة المبالغة إيذان بأن هذا الذم لا يكون لمن يصدر منه اللعن مرة أو مرتين

وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعا لا ينبغي تصديق أن يكون لعانا

قوله (وفي الباب عن بن مسعود) أخرجه الترمذي في باب ما جاء في اللعنة

قوله (هذا حديث حسن غريب) ذكر المنذري هذا الحديث في ترغيبه ونقل تحسين الترمذي وسكت عنه

قوله (لا ينبغي للمؤمن) أي لا يجوز له وقد جاء في الكتاب والسنة لا ينبغي بمعنى لا يجوز كما في قوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا وتقدم تحقيقه في المقدمة

ووقع في بعض نسخ الترمذي بعد هذا وهذا الحديث مفسر يعني أن هذه الرواية بهذا اللفظ مفسرة للرواية السابقة بلفظ لا يكون المؤمن لعانا

يعني أن النفي فيها بمعنى النهي

تنبيه اعلم أن الترمذي رحمه الله قد عقد فيما تقدم بابا بلفظ باب ما جاء في اللعنة ثم عقد ها هنا هذا الباب ففيه تكرار فلو أدخل حديث هذا الباب في الباب المتقدم وأسقط هذا الباب لكان أولى

$ 3 - (باب ما جاء في كثرة الغضب)

قال في القاموس الغضب بالتحريك ضد الرضا كالمغضبة غضب كسمع عليه وله إذا كان حيا وغضب به إذا كان ميتا

وقال بعض المحققين الغضب فوران دم القلب أو عرض يتبعه ذلك لدفع المؤذيات وللانتقام بعد وقوعها

قوله [2020] (علمني شيئا) أي أرشدني بخصوصي إلى عموم ما ينفعني دينا ودنيا ويقربني إلى الله زلفى (ولا تكثر على) من الاكثار وعلي صلة له والمعنى لا تعلمني أشياء كثيرة (لعلي أعيه) أي أحفظه

قال في القاموس وعاه يعيه حفظه وجمعه (لا تغضب) قيل لعل السائل كان غضوبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب

وقال الخطابي

معنى قوله لا تغضب اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه

وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبعي لا يزول من الجبلة

وقيل معناه لا تغضب لأن أعظم ما ينشأ عنه الغضب الكبر لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب

فالذي يتواضع حتى يذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب

وقيل معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب

وقال بن التين جمع صلى الله عليه وسلم في قوله لا تغضب خير الدنيا والآخرة لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين (فردد ذلك) أي الرجل السؤال يلتمس أنفع من ذلك أو أبلغ أو أعم فلم يزده على ذلك (مرارا) أي مرة بعد أخرى (كل ذلك يقول لا تغضب) في رواية عثمان بن أبي شيبة قال لاتغضب ثلاث مرات وفيها بيان عدد المرار قاله الحافظ

فإن قلت هذا الحديث لا يطابق الباب فإن قوله لا تغضب يدل على النهي عن مطلق الغضب لا عن كثرة الغضب

قلت الظاهر أن المراد بقوله لا تغضب النهي عن كثرة الغضب لأن مطلق الغضب غريزة لا يمكن الاجتناب عنه فالمطابقة ظاهرة (وفي الباب عن أبي سعيد وسليمان بن صرد) أما حديث أبي سعيد فأخرجه الترمذي في باب خبر النبي صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى يوم القيامة من أبواب الفتن

وأما حديث سليمان بن صرد فأخرجه الشيخان

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد والبخاري (وأبو حصين اسمه عثمان بن عاصم الأسدي) قال في التقريب عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أبو حصين بفتح المهملة

ثقة ثبت سني وربما دلس من الرابعة

$ 4 - (باب ما جاء في كظم الغيظ)

قد سقط هذا الباب من بعض النسخ

قوله [2021] (أخبرنا سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي مولاهم المصري أبو يحيى بن مقلاص ثقة ثبت من السابعة (عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني) نزيل مصر لابأس به إلا في روايات زبان عنه من

الرابعة (عن أبيه) أي معاذ بن أنس الجهني الأنصاري صحابي نزل مصر وبقي إلى خلافة عبد الملك

قوله (من كظم غيظا) أي اجترع غضبا كامنا فيه

قال في النهاية كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه انتهى

(وهو يستطيع أن ينفذه) بتشديد الفاء أي يمضيه

وفي حديث أبي هريرة عند بن أبي الدنيا وهو يقدر على إنفاذه فيجوز تخفيف الفاء والجملة حالية وجواب الشرط (دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق) أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهى به ويقال في حقه هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة (حتى يخيره) أي يجعله مخيرا (في أي الحور شاء) أي في أخذ أيهن شاء وهو كناية عن إدخاله الجنة المنيعة وإيصاله الدرجة الرفعية

قال الطيبي وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ومن نهى النفس عن هواه فإن الجنة مأواه والحور العين جزاه

قال القارىء وهذا الثناء الجميل والجزاء الجزيل إذا ترتب على مجرد كظم الغيظ فكيف إذا انضم العفو إليه أو زاد بالإحسان عليه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد في مسنده وأبو داود وبن ماجه

$ 5 - (باب ما جاء في إجلال الكبير)

أي تعظيمه والمصدر مضاف إلى المفعول

قوله [2022] (حدثنا يزيد بن بيان العقيلي) بالضم أبو خالد البصري ضعيف من التاسعة

وقال في تهذيب التهذيب يزيد بن بيان العقيلي أبو خالد البصري المعلم الضرير المؤذن روى عن أبي الرحال الأنصاري عن أنس حديث ما أكرم شاب شيخا لسنه الحديث (حدثني أبو الرحال الأنصاري) بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة البصري اسمه محمد بن خالد وقيل خالد بن محمد

اعلم أن كون أبي الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة هو الصواب في هذا السند وأما قول الترمذي في آخر هذا الباب وأبو الرجال الأنصاري آخر فهو بكسر الراء وتخفيف الجيم فاحفظ هذا

وقد وقع في النسخة الأحمدية في هذا السند أبو الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم قال في هامشها قوله أبو الرجال بالجيم وفي آخر الباب بالحاء هذا ما وجدته في الكتب الدهلوية وفي نسخة صحيحة منقولة من العرب عكسه وعليهما فيها علامة الصحة انتهى

قلت ما في النسخة الصحيحة المنقولة من العرب من كون أبي الرحال بالحاء المهملة في هذا السند وكون أبي الرجال بالجيم في آخر الباب هو الصواب لما عرفت آنفا في عبارة تهذيب التهذيب من أن يزيد بن بيان العقيلي روى حديث الباب عن أبي الرحال ولأن الحافظ رمز على أبي الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة بحرف ت ورمز على أبي الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم بحروف خ م س ق ولأن الحافظ قال في ترجمة أبي الرحال بالحاء المهملة روى عن أنس وغيره وعنه يزيد بن بيان العقيلي وغيره

فهذه الوجوه الثلاثة تدل بمجموعها على أن في هذا السند أبا الرحال بالحاء المهملة دون أبي الرجال بالجيم وأبو الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة الأنصاري البصري اسمه محمد بن خالد وقيل خالد بن محمد ضعيف من الخامسة

وأما أبو الرجال فقال في التقريب محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري أبو الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم مشهور بهذه الكنية وهي لقبه وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن ثقة من السابعة

قوله (ما أكرم) أي ما أعظم ووقر (لسنه) أي لأجل سنه لا لأمر آخر قاله المناوي

وقال القارىء أي كبر عمره لأن الغالب عليه زيادة علم وعمل مع سبق إيمانه انتهى (إلا قيض الله) بتشديد التحتية ومنه قوله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين أي سلط ووكل (له) أي للشاب (من يكرمه) أي قرينا يعظمه ويخدمه لأن من خدم خدم (عند سنه) أي حال كبره مجازاة له على فعله بأن يقدر له عمرا يبلغ به إلى الشيخوخة ويقدر له من يكرمه

قوله (هذا حديث غريب) في سنده ضعيفان كما عرفت فالحديث ضعيف

$ 76 - (باب ما جاء في المتهاجرين)

قوله [2023] (عن سهيل بن أبي صالح) ذكوان السمان أبي يزيد المدني صدوق تغير حفظه بآخره روى له البخاري مقرونا وتعليقا من السادسة

قوله (تفتح أبواب الجنة) أي حقيقة لأن الجنة مخلوقة الآن وفتح أبوابها ممكن أو هو بمعنى إزالة المانع ورفع الحجب وفي شرح مسلم قال القاضي قال الباجي معنى فتحها كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل

قال القاضي ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن فتح أبوابها علامة لذلك انتهى

قلت هذا الاحتمال هو الظاهر فالأولى أن يحمل الحديث على ظاهره (يوم الاثنين والخميس) أي لكثرة الرحمة النازلة فيهما الباعثة على الغفران (إلا المهتجرين) أي المتقاطعين (يقول ردوا) وفي رواية مسلم أنظروا أي أمهلوا أي لا تعطوا منها أنصباء هذين المتهاجرين المتعاديين وأخروا مغفرتهما من ذنوبهما مطلقا زجرا لهما أو من ذنب الهجران فقط (حتى يصطلحا) أي يتصالحا ويزول عنهما الشحناء فلا يفيد التصالح للسمعة والرياء

والظاهر أن مغفرة كل واحد متوقفة على صفائه وزوال عداوته سواء صفا لصاحبه أم لا

قال الطيبي وأتى باسم الإشارة بدل الضمير لمزيد التمييز والتعيين

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود

قوله (ذروا هذين) أي ادعوهما (ومعنى قوله المتهاجرين يعني المتصارمين) أي المتقاطعين قال في القاموس صرمه يصرمه صرما ويضم قطعه قطعا بائنا وفلانا قطع كلامه انتهى

قوله (وهذا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم) قال لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام

رواه مسلم عن عبد الله بن عمر ورواه الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري في باب كراهية الهجرة

$ 7 - (باب ما جاء في الصبر)

قوله [2024] (سألوا النبي صلى الله عليه وسلم) أي شيئا (فأعطاهم) أي إياه (ثم سألوا فأعطاهم) زاد في رواية الشيخين حتى نفذ ما عنده (فقال ما يكون عندي من خير) أي مال ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم (فلن أدخره عنكم) أي أحبسه وأخبؤه وأمنعكم إياه منفردا به عنكم (ومن يستغن) أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيا من التعفف (يغنه الله) أي يجعله غنيا أي بالقلب ففي الحديث ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس

أو يعطيه ما يغنيه عن الخلق (ومن يستعفف) قال الجزري في النهاية الاستعفاف طلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها وقيل الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء يقال عف يعف عفة فهو عفيف انتهى (يعفه الله) أي يجعله عفيفا من الإعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى

وقال في المجمع يعفه من الإعفاف وبفتح فاء مشددة وضمه بعض إتباعا بضم الهاء انتهى

(ومن يتصبر) أي يطلب توفيق الصبر من الله لأنه قال تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله

أو يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو الجمل مؤكدات ويؤيد إرادة معنى العموم قوله (وما أعطي أحد شيئا هو خير) أي أفضل (وأوسع من الصبر) قال القارىء وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة

يسهل عليه الصبر فتكون

ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد انتهى

قوله (في الباب عن أنس) أخرجه الطبراني والحاكم كذا في الترغيب

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الزكاة وفي الرقاق ومسلم وأبو داود في الزكاة والنسائي في الزكاة وفي الرقائق

قوله (ويروى) بصيغة المجهول وفي بعض النسخ وقد روي (فلن أدخره عنكم) وفي بعض النسخ بالذال المعجمة

$ 8 - (باب ما جاء في ذي الوجهين)

قوله [2025] (إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين) ولفظ البخاري تجد من أشر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه

قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس وقال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة

قال فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود

وقال غيره الفرق بينهماأن المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى ويذم كل طائفة عند الأخرى

والمحمود أن

يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى وينقل إليه ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح ويؤيد هذه التفرقة رواية الأسماعيلي من طريق بن عمير عن الأعمش الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء

قوله (وفي الباب عن عمار وأنس) أما حديث عمار فأخرجه أبو داود وبن حبان في صحيحه

وأما حديث أنس فأخرجه بن أبي الدنيا في كتاب الصمت والطبراني والأصبهاني وغيرهم كذا في الترغيب

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما

$ 9 - (باب ما جاء في النمام)

قال الجزري في النهاية النميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر وقد نم الحديث ينمه وينمه فهو نمام

والاسم النميمة ونم الحديث إذا ظهر فهو متعد ولازم انتهى

قوله [2026] (فقيل له هذا يبلغ الأمراء الحديث عن الناس) ولفظ البخاري فقيل له إن رجلا يرفع الحديث إلى عثمان (لا يدخل الجنة) أي في أول وهلة كما في نظائره (قتات) بقاف ومثناة ثقيلة وبعد الألف مثناة أخرى ووقع بلفظ نمام في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم

قال في النهاية القتات هو النمام يقال قت الحديث يقته إذا زوره وهيأه وسواه

وقيل النمام الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم والقتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم والقساس الذي يسأل عن الأخبار ثم ينمها انتهى

قال الحافظ في الفتح قال الغزالي ما ملخصه ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من نم له ولا يظن بمن نم عنه ما نقل عنه ولا

يبحث عن تحقيق ما ذكر له وأن ينهاه ويقبح له فعله وأن يبغضه إن لم ينزجر وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فينم هو على النمام فيصير نماما قال النووي وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهي مستحبة أو واجبة

كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصا ظلما فحذره منه وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية يسيرة نائبة مثلا فلا منع عن ذلك

وقال الغزالي ما ملخصه النميمة في الأصل نقل القول إلى القول فيه ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما سواء كان المنقول قولا أم فعلا وسواء كان عيبا أم لا حتى لو رأى شخصا يخفي ماله فأفشى

كان نميمة

واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان والراجح التغاير وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا

وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه

سواء كان بعلمه أم بغير علمه والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه فامتازت النميمة بقصد الإفساد ولا يشترط ذلك في الغيبة وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركنا فيما عدا ذلك

ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا انتهى ما في الفتح

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود

$ 0 - (باب ما جاء في العي)

بكسر العين المهملة وتشديد التحتية

قال في القاموس عيي في المنطق كرضى عيايا بكسر حصر انتهى

وقال في الصراح عي بالكسر درما ندكي به سخن وهو خلاف البيان يقال عي في منطقه وعيي أيضا فهو عيي على فعيل وعي أيضا على فعل وهم أعياء وأعيياء انتهى

قوله [2027] (عن أبي غسان محمد بن مطرف) قال الحافظ في تهذيب التهذيب محمد بن مطرف بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي أبو غسان المدني يقال إنه من موالي عمر نزل عسقلان أحد علماء الأثبات روى عن حسان بن عطية وغيره وعنه يزيد بن هارون وغيره (عن حسان بن عطية) المحاربي مولاهم الدمشقي ثقة فقيه عابد من الرابعة

قوله (الحياء والعي) أي العجز في الكلام والمراد به في هذا المقام هو السكوت عما فيه إثم من النثر والشعر لا ما يكون للخلل في اللسان قاله القارىء

وقال في المجمع العي التحير في الكلام وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال انتهى

قلت وفسر الترمذي العي فيما بعد بقلة الكلام يعني حذرا عن الوقوع في الإثم أو في ما لا يعني

(شعبتان من الإيمان) أي أثران من آثاره فإن المؤمن يحمله الإيمان على الحياء فيترك القبائح حياء من الله تعالى ويمنعه عن الاجتراء على الكلام شفقة عن عثرة اللسان فهما شعبتان من شعب الإيمان والحاصل أن الإيمان منشأهما ومنشأ كل معروف وإحسان (والبذاء) بفتح موحدة فذال معجمة فحش الكلام أو خلاف الحياء (والبيان) أي الفصاحة الزائدة عن مقدار حاجة الإنسان من التعمق في النطق وإظهار التفاصح للتقدم على الأعيان

وقال في المجمع أراد بالبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان والتحرز عن الزور والبهتان انتهى

(شعبتان من النفاق) قال في التيسير أي هما خصلتان منشأهما النفاق أو مؤديان إليه وأراد بالبيان هنا كثرة الكلام والتكلف للناس بكثرة التملق والثناء عليهم وإظهار التفصح وذلك ليس من شأن أهل الإيمان وقد يتملق الإنسان إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق وحقيقته انتهى

قوله (هذا حديث حسن غريب) قال القارىء في المرقاة رجاله رجال الصحيح كذا نقله ميرك عن التصحيح

وقد رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه انتهى

وقال المناوي في شرح الجامع الصغير قال الترمذي حسن وقال غيره صحيح انتهى

(قال والعي قلة الكلام إلخ) أي قال الترمذي في تفسير هذه الألفاظ وأراد بقوله العي قلة الكلام أي تحرزا عن الوقوع في الإثم أو في ما لا ينبغي

$ 81 - (باب ما جاء في إن من البيان سحرا)

قوله [2028] (أن رجلين) قال الحافظ في الفتح لم أقف على تسميتهما صريحا وقد زعم جماعة أنهما الزبرقان بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبالقاف واسمه الحصين ولقب الزبرقان لحسنه والزبرقان من أسماء القمر وهو بن بدر بن امرئ القيس بن خلف وعمرو بن الأهيم واسم الأهيم سنان بن سمي يجتمع مع الزبرقان في كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم فهما تميميان قدما في وفد بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة واستندوا في تعيينهما إلى ما أخرجه البيهقي في الدلائل وغيره من طريق مقسم عن بن عباس قال جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهيم وقيس بن عاصم ففخر الزبرقان فقال يا رسول الله أنا سيد بني تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ منهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك يعني عمرو بن الأهيم

فقال عمرو إنه لشديد المعارضة مانع لجانبه مطاع في إذنه

فقال الزبرقان والله يا رسول الله لقد علم من غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد

فقال عمرو أنا أحسدك والله يا رسول الله إنه لئيم الخال حديث المال أحمق الوالد مضيع في العشيرة والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الآخرة ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما عملت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من البيان سحرا وأخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وفد بني تميم عليهم قيس بن عاصم والزبرقان وعمرو بن الأهيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو ما تقول في الزبرقان فذكر نحوه وهذا لا يلزم منه أن يكون الزبرقان وعمرو هما المراد بحديث بن عمر فإن المتكلم إنما هو عمرو بن الأهيم وحده وكان كلامه في مراجعته الزبرقان فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلا على طريق التجوز انتهى ما في الفتح (فخطبا) أي كلمات محسنات جامعة للبلاغة والفصاحة (إن من البيان سحرا أو إن بعض البيان سحرا) أو للشك من الراوي قال الخطابي البيان اثنان أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان والآخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته

فيلوح للناظر في معرض غيره

وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح وإذا صرف إلى الباطل يذم قال فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم ويعقب بأنه لا مانع من تسمية الآخر سحرا لأن السحر يطلق على الاستمالة وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام وتكلف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره فشبه بالسحر الذي هو تخييل الغير حقيقة وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل هذا الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله وحمل الحديث على هذا صحيح لكن لا يمنع حمله على المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحق وبهذا جزم بن العربي وغيره من فضلاء المالكية

قوله (وفي الباب عن عمار وبن مسعود وعبد الله بن الشخير) أما حديث عمار فأخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه وأما حديث بن مسعود فأخرجه مسلم عنه مرفوعا هلك المتنطعون قالها ثلاثا وأما حديث عبد الله بن الشخير فلينظر من أخرجه وفي الباب أيضا عند أحمد وأبي داود عن بن عباس مرفوعا إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما

قال المناوي إسناده صحيح

وعند أبي داود وعن بريدة بن الحصيب مرفوعا إن من البيان سحرا وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكما وإن من القول عيبا

قال المناوي في إسناده من يجهل

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومالك وأحمد وأبو داود

$ 2 - (باب ما جاء في التواضع)

قال في القاموس تواضع تذلل وتخاشع

قوله [2029] (ما نقصت صدقة) ما نافية ومن في قوله (من مال) زائدة أو تبعيضية أو بيانية أي ما نقصت صدقة مالا أو بعض مال أو شيئا من مال بل تزيد أضعاف ما يعطى منه بأن ينجبر بالبركة الخفية أو بالعطية الجلية أو بالمثوبة العلية (وما زاد الله رجلا بعفو) أي بسبب عفوه عن شيء مع

قدرته على الانتقام (إلا عزا) في الدنيا فإن من عرف بالعفو عظم في القلوب أو في الآخرة بأن يعظم ثوابه أو فيهما (وما تواضع أحد لله) بأن أنزل نفسه عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب إلى الله دون غرض غيره (إلا رفعه الله) في الدنيا والآخرة

قوله (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وبن عباس وأبي كبشة الأنماري) أما حديث عبد الرحمن بن عوف وحديث أبي كبشة الأنماري فلينظر من أخرجهما

وأما حديث بن عباس فأخرجه الطبراني عنه مرفوعا ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته وإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته

قوله (واسمه عمر بن سعد) قال الحافظ في تهذيب التهذيب جزم الترمذي في الجامع بأن اسمه عمر بن سعد وحكى البخاري الخلاف فيمن اسمه عمر انتهى

وقال في التقريب أبو كبشة الأنماري هو سعيد بن عمرو أو عمرو بن سعيد وقيل عمر أو عامر بن سعد صحابي نزل الشام له حديث وروى عن أبي بكر انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد في مسنده ومسلم

$ 3 - (باب ما جاء في الظلم)

قال الراغب الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه

قوله [2030] (عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون المدني نزيل بغداد مولى آل الهدير ثقة فقيه مصنف من السابعة (الظلم) أي جنسه الشامل للمعتدي والقاصر الصادر من الكافر والفاجر

(ظلمات) أي أسباب ظلمة لمرتكبه أو موجبات شدة لصاحبه يوم القيامة

ومفهومه أن العدل بأنواعه أنوار (يوم القيامة) لأن الدنيا مزرعة الآخرة

وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا كما أن المؤمن يسعى بنور هو مسبب عن إيمانه في الدنيا

قال تعالى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم

ويحتمل أن يراد بالظلمات هنا الشدائد وبه فسروا قوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر أي شدائدهما ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات

وقال بن الجوزي الظلم يشتمل على معصيتين أخذ مال الغير بغير حق ومبارزة الرب بالمخالفة والمعصية فيه أشد من غيرها لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار

وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر

فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا

قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وأبي موسى وأبي هريرة)

أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد في مسنده وأما حديث عائشة فأخرجه البخاري في كتاب المظالم وغيره ومسلم في كتاب البيوع وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في تفسير سورة هود وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب شأن الحساب والقصاص من أبواب صفة القيامة

قوله (هذا حديث حسن غريب من حديث بن عمر) وأخرجه الشيخان

$ 4 - (باب ما جاء في ترك العيب للنعمة)

قوله [2031] (ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط) قال الحافظ أي مباحا أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه

وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره وإن كان من جهة الصنعة لم يكره لأن صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب

قال الحافظ والذي يظهر التعميم فإن فيه كسر قلب الصانع قال النووي من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب كقوله

مالح حامض قليل الملح غليظ رقيق غير ناضج وغير ذلك (وإلا) أي وإن لم يشتهه (تركه) يعني مثل ما وقع له في الضب

قال بن بطال هذا من حسن الأدب لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

قوله (وأبو حازم هو الأشجعي إلخ) قال الحافظ في تهذيب التهذيب سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي روى عن مولاته غزة الأشجعية وأبي هريرة وغيرهما وعنه الأعمش وغيره

وقال في التقريب ثقة من الثالثة

$ 5 - (باب ما جاء في تعظيم المؤمن)

وقوله [2032] (عن أوفى بن دلهم) البصري العدوي صدوق من السابعة

قوله (صعد) بكسر العين أي طلع (فنادى بصوت رفيع) أي عال (قال) بيان لقوله فنادى (يا معشر من أسلم بلسانه) يشترك فيه المؤمن والمنافق (ولم يفض) من الإفضاء أي لم يصل الإيمان أي أصله وكماله (إلى قلبه) فيشمل الفاسق وهو الأظهر كما سيأتي من قوله تتبع عورة أخيه المسلم ولا أخوة بين المسلم والمنافق

فما اختاره الطيبي من حصر حكم الحديث على المنافق خلاف الظاهر الموافق والحكم بالأعم هو الوجه الأتم

قاله القارىء وفيه ما فيه فتأمل (لا تؤذوا المسلمين) أي الكاملين في الإسلام وهم الذين أسلموا بلسانهم وامنو بقلوبهم (ولا تعيروهم) من التعيير وهو التوبيخ والتعييب على ذنب سبق لهم من قديم العهد سواء علم توبتهم منه أم لا

وأما التعيير في حال المباشرة أو بعيده قبل ظهور التوبة فواجب لمن قدر عليه

وربما يجب الحد أو التعزير فهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ولا تتبعوا) من باب الافتعال أي لا

تجسسوا (عوراتهم) فيما تجهلونها ولا تكشفوها فيما تعرفونها (فإنه) أي الشأن (من تتبع) بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعل أي من طلب

وفي بعض النسخ يتبع بصيغة المضارع المعلوم من باب الافتعال هنا وفيما بعد من الموضعين

(عورة أخيه) أي ظهور عيب أخيه (المسلم) أي الكامل بخلاف الفاسق فإنه يجب الحذر والتحذير عنه (يتبع الله عورته) ذكره على سبيل المشاكلة أي كشف عيوبه ومن أقبحها تتبع عورة الأخ المسلم

وهذا في الآخرة (ومن يتبع الله عورته يفضحه) من فضح كمنع أي يكشف مساويه (ولو في جوف رحله) أي ولو كان في وسط منزله مخفيا من الناس

قال تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون

(ما أعظمك وأعظم حرمتك) هما صيغتا التعجب والحرمة بالضم وبضمتين وكهمزة ما لا يحل انتهاكه كذا في القاموس

(والمؤمن) أي الكامل

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه بن حبان في صحيحه قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة أوفى بن دلهم حسن الترمذي حديثه يا معشر من آمن بقلبه وليس له عنده غيره انتهى

(وقد روي عن أبي برزة الأسلمي إلخ) رواه أحمد في مسنده 124 ج 4 وأبو داود ورواه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث البراء كما في الترغيب

$ 6 - (باب ما جاء في التجارب)

جمع التجربة قال في القاموس جربه تجربة اختبره

قوله [2033] (لا حليم إلا ذو عثرة) بفتح العين وسكون المثلثة قال القارىء أي صاحب زلة

قدم أو لغزة قلم في تقريره أو تحريره وقيل أي لا حليم كاملا إلا من وقع في زلة وحصل منه الخطأ والتخجل فعفي عنه فعرف به رتبة العفو فيحلم عند عثرة غيره لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم انتهى

(ولا حكيم إلا ذو تجربة) أي صاحب امتحان في نفسه وفي غيره قال القارىء قال الشارح أي لا حكيم كاملا إلا من جرب الأمور وعلم المصالح والمفاسد فإنه لا يفعل فعلا إلا عن حكمة إذ الحكمة إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل انتهى

قال ويمكن أن يقال المعنى لا حليم إلا وقد يعثر كما قيل نعوذ بالله من غضب الحليم ولا حكيم من الحكماء الطبية إلا صاحب التجربة في الأمور الدائبة والذاتية

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد في مسنده وبن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه

قال المناوي في شرح الجامع الصغير إسناده صحيح

$ 7 - (باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه)

قال الزمخشري في الفائق المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها

قوله [2034] (من أعطي) بصيغة المجهول (عطاء) مفعول مطلق أو عطية وفي رواية شيئا فهو مفعول ثان (فوجد) أي سعة مالية (فليجز) بسكون الجيم أي فليكافىء (به) أي بالعطاء (ومن لم يجد) أي سعة من المال (فليثن) بضم الياء أي عليه وفي رواية به أي فليمدحه أو فليدع له (فإن من أثنى) وفي رواية فإن أثنى به (فقد شكر) وفي رواية شكره أي جازاه في الجملة (ومن كتم) أي النعمة بعدم المكافأة بالعطاء أو المجازاة بالثناء (فقد كفر) أي النعمة من الكفران أي ترك أداء حقه وفي رواية وإن كتمه فقد كفره (ومن تحلى) أي تزين وتلبس (بما لم يعطه) بفتح الطاء والضمير المرفوع يرجع إلى من والمنصوب إلى ما (كان كلابس ثوبي زور) وفي رواية فإنه كلابس

ثوبي زور أي كمن كذب كاذبين أو أظهر شيئين كاذبين

قاله صلى الله عليه وسلم لمن قالت يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح أن أتشبع بما لم يعطني زوجي أي أظهر الشبع فأحد الكذبين قولها أعطاني زوجي والثاني إظهارها أن زوجي يحبني أشد من ضرتي قال الخطابي كان رجل في العرب يلبس ثوبين من ثياب المعاريف ليظنه الناس أنه رجل معروف محترم لأن المعاريف لا يكذبون فإذا رآه الناس على هذه الهيئة يعتمدون على قوله وشهادته على الزور لأجل تشبيهه نفسه بالصادقين وكان ثوباه سبب زوره فسميا ثوبي زور

أو لأنهما ليسا لأجله وثني باعتبار الرداء والإزار فشبه هذه المرأة بذلك الرجل

وقال الزمخشري في الفائق شبه المتشبع بلابس ثوبي زور أي ذي زور

وهو الذي يتزيا بزي أهل الصلاح رياء

وأضاف الثوبين إليه لأنهما كالملبوسين

وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن ليس ثوبي الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر

كما قيل قال القارىء في المرقاة إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا

فالإشارة بالإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه

ويحتمل أن تكون التثنية إشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان فقدان ما تتشبع به وإظهار الباطل كذا في الفتح

وقال أبو عبيدة هو المرائي يلبس ثياب الزهاد ويرى أنه زاهد

وقال غيره هو أن يلبس قميصا يصل بكميه كمين آخرين يرى أنه لابس قميصين فكأنه يسخر من نفسه ومعناه أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن

وقيل إنما شبه بالثوبين لأن المتحلي كذب كذبين فوصف نفسه بصفة ليست فيه ووصف غيره بأنه خصه بصلة فجمع بهذا القول بين كذبين

قال القارىء وبهذا تظهر المناسبة بين الفصلين في الحديث مع موافقته لسبب وروده فكأنه قال ومن لم يعط وأظهر أنه قد أعطي كان مزورا مرتين انتهى

قوله (وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وعائشة) أما حديث أسماء فأخرجه البخاري في باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة من كتاب النكاح ومسلم في كتاب اللباس

وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم في كتاب اللباس

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وبن حبان في صحيحه

قال المناوي في التيسير إسناده صحيح

$ 88 - (باب ما جاء في الثناء بالمعروف)

قوله [2035] (حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري) أبو إسحاق الطبري نزيل بغداد ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة من العاشرة (والحسين بن الحسن المروزي) قال في التقريب الحسين بن الحسن بن حرب السلمي أبو عبد الله المروزي نزيل مكة صدوق من العاشرة (بمكة) وفي بعض النسخ وكان سكن بمكة (حدثنا الأحوص بن جواب) بفتح الجيم وتشديد الواو الضبي يكنى أبا الجواب كوفي صدوق ربما وهم من التاسعة (عن سعير بن الخمس) قال في التقريب سعير آخره راء مصغر بن الخمس بكسر المعجمة وسكون الميم ثم مهملة التميمي أبو مالك وأبو الأحوص صدوق من السابعة

9 -

باب قوله (من صنع) بصيغة المجهول (معروفا) كذا وقع في النسخ الموجودة بالنصب ووقع في المشكاة والجامع الصغير معروف بالرفع

قال القارىء في المرقاة وفي نسخة يعني من المشكاة معروفا بالنصب أي أعطى عطاء (فقال لفاعله) أي بعد عجزه عن إثابته أو مطلقا (جزاك الله خيرا) أي خير الجزاء أو أعطاك خيرا من خيري الدنيا والآخرة (فقد أبلغ في الثناء) أي بالغ في أداء شكره وذلك أنه اعترف بالتقصير وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه ففوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى

قال بعضهم إذا قصرت يداك بالمكافأة فليطل لسانك بالشكر والدعاء

قوله (هذا حديث حسن جيد غريب) وأخرجه النسائي وبن حبان

قال المناوي في شرح الجامع الصغير إسناده صحيح

(وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله) لم أقف على ما

روى عن أبي هريرة بمثل حديث الباب نعم روى الترمذي وغيره عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله

$ 26 - كتاب الطب

(باب ما جاء في الحمية بالكسر)

بالفارسية برهيز كردن حمي المريض ما يضره منعه إياه فاحتمى وتحمى امتنع

وقال فيه الحمية بالكسر ما حمي من شيء

قوله [2037] (عن يعقوب بن أبي يعقوب) المدني صدوق من الثالثة

قوله (ولنا دوال معلقة) جمع دالية وهي العذق من البسر يعلق فإذا أرطب أكل (مه مه) أي اكفف وهو اسم فعل (فإنك ناقه) قال في القاموس نقه كفرح ومنع نقها ونقوها صح وفيه ضعف وأفاق فهو ناقه (فجعلت لهم سلقا وشعيرا) وفي رواية أبي داود وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به

والمعنى طبخت لهم سلقا وشعيرا والسلق بالكسر بالفارسية جقندر يعني من هذا فأصب من الإصابة أي أدرك من هذا أو كل منه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وبن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره (لا نعرفه إلا من حديث فليح بن سليمان) قال المنذري في قول الترمذي هذا نظر

فقد رواه غير فليح ذكره الحافظ أبو القاسم الدمشقي انتهى

قوله (وأبو داود) هو الطيالسي (عن أيوب بن عبد الرحمن) قال في التقريب أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة وقيل أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة صدوق من السادسة

(عن أم المنذر الأنصارية) قال الحافظ في تهذيب التهذيب أم المنذر الأنصارية إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم صلت معه القبلتين وهي التي دخل عليها ومعه علي في قصة الدوالي والسلق والشعير

روى عنها يعقوب بن أبي يعقوب المدني قال الطبراني اسمها سلمى بنت قيس

وقال الترمذي هي أم المنذر بنت قيس بن عمرو بن عبيد بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ويقال هي سلمى بنت قيس أخت سليط من بني مازن بن النجار انتهى

(وقال محمد بن بشار في حديثه حدثنيه أيوب بن عبد الرحمن) في كلام الترمذي هذا نظر فتفكر وتأمل

قوله [2036] (حدثنا محمد بن يحيى) هو الإمام الذهلي (حدثنا إسحاق بن محمد الفروي) قال في التقريب إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي المدني الأموي مولاهم صدوق عف نساء حفظه من العاشرة انتهى

قوله (إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا) أي حفظه من متاع الدنيا ومناصبه أي حال بينه وبين ذلك بأن يبعده عنه ويعسر عليه (حصوله كما يظل أحدكم يحمي سقية الماء) أي شربه إذا كان يضره والأطباء تحمي شرب الماء في أمراض معروفة

قوله (وفي الباب عن صهيب) أخرجه بن ماجة في باب الحمية

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البيهقي في شعب الايمان والحاكم وقال صحيح ووهم بن الجوزي قاله المناوي

قوله (وقتادة بن النعمان الظفري) بمعجمة وفاء مفتوحين صحابي شهد بدرا

(باب ما جاء في الدواء والحث عليه)

قوله [2038] (قال قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى) وفي رواية أبي داود قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير فسلمت ثم قعدت فجاء الأعراب من ها هنا وههنا فقالوا يا رسول الله أنتداوى (قال نعم يا عباد الله تداووا) فيه إثبات الطب والعلاج وأن التداوي مباح غير مكروه

كما ذهب إليه بعض الناس قاله الخطابي

وقال العيني فيه إباحة التداوي وجواز الطب وهو رد على الصوفية أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا يجوز له مداواته

وهو خلاف ما أباحه الشارع انتهى

(فإنه لم يضع) أي لم يخلق (داء إلا وضع له شفاء

أو دواء)

شك في الراوي (قال الهرم) بفتح الهاء والراء أي هو الهرم

قال الخطابي جعل الهرم داء وإنما هو ضعف الكبر وليس هو من الأدواء التي هي أسقام عارضة للأبدان من قبل اختلاف الطبائع وتغير الأمزجة وإنما شبهه بالداء لأنه جالب التلف والأدواء التي قد يتعقبها الموت والهلاك انتهى

قوله (وفي الباب عن بن مسعود وأبي هريرة وأبي خزامة عن أبيه وبن عباس) أما حديث بن مسعود فأخرجه النسائي وبن حبان في صحيحه والحاكم والطحاوي ص 883 ج 2 وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري بلفظ ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء

وأما حديث أبي خزامة عن أبيه فأخرجه أحمد وبن ماجه وأخرجه الترمذي أيضا في باب لا يرد الرقي والدواء من قدر الله شيئا

وأما حديث بن عباس فأخرجه الطحاوي 683 ج 2 وأبو نعيم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وبن ماجه

(باب ما جاء ما يطعم المريض)

قوله [2039] (حدثنا محمد بن السائب بن بركة) المكي ثقة من السادسة (عن أمه) قال في التقريب أم محمد والدة محمد بن السائب بن بركة مقبول من الثالثة

قوله (إذا أخذ أهله) بالنصب على المفعولية (الوعك) بالرفع على الفاعلية

قال في النهاية الوعك الحمى وقيل ألمها (أمر بالحساء) بالفتح والمد وهو طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن وقد يحلى ويكون رقيقا يحسى قال القارىء وذكر بعضهم السمن بدل الدهن وأهل مكة يسمونه

بالحريرة (فحسوا منه) قال في القاموس حسا زيد المرق شربه شيئا بعد شيء (إنه ليرتو فؤاد الحزين) أي يشد قلبه ويقويه (ويسرو عن فؤاد السقيم) أي يكشف عن قلبه الألم ويزيله قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن ماجه والحاكم (وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من هذا) ولفظه عند البخاري أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الهالك وكانت تقول إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن التلبين تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن

قوله (حدثنا بذلك الحسين الجريري أخبرنا أبو إسحاق الطالقاني عن بن المبارك عن يونس عن الزهري إلخ) قال المزي كذا في النسخ يعني نسخ الترمذي ليس فيه عقيل

قال الحافظ في الفتح وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية نعيم بن حماد ومن رواية عبد الله بن سنان كلاهما عن بن المبارك ليس فيه عقيل

وأخرجه أيضا من رواية علي بن الحسن بن شقيق عن بن المبارك بإثباته

وهذا هو المحفوظ وكان لم يذكر فيه عقيلا جرى على الجادة لأن يونس مكثر عن الزهري وقد رواه عن عقيل أيضا الليث بن سعد وتقدم حديثه في كتاب الأطعمة انتهى

قوله (حدثنا بذلك أبو إسحاق) كذا في النسخ الحاضرة عندنا ولم يظهر لي وجه وقوع هذا اللفظ ها هنا فتفكر

(باب ما جاء لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب)

قوله [2040] (حدثنا بكر بن يونس بن بكير) الشيباني الكوفي قال في التقريب ضعيف

وقال في

الخلاصة قال البخاري منكر الحديث (عن موسى بن علي) بالتصغير رباح بن اللخمي البصري صدوق ربما أخطأ قاله الحافظ ووثقه النسائي وأبو حاتم وبن معين وغيرهم (عن أبيه) هو علي بن رباح قال في التقريب علي بن رباح بن قصير اللخمي البصري ثقة والمشهور فيه علي بالتصغير وكان يغضب منها انتهى

وقال في الخلاصة قال علي بن عمر الحافظ لقبه علي بالضم

قوله (لاتكرهوا) نهي من الإكراه (مرضاكم) جمع مريض (على الطعام) أي على تناول الأكل والشرب (فإن الله تبارك وتعالى يطعمهم ويسقيهم) أي يمدهم بما يقع موقع الطعام والشراب ويرزقهم صبرا على ألم الجوع والعطش فإن الحياة والقوة من الله حقيقة لا من الطعام ولا الشراب ولا من جهة الصحة

قال القاضي أي يحفظ قواهم ويمدهم بما يفيد فائدة الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني

وإن كان ما بين الإطعامين والطعامين بونا بعيدا

قوله (هذا حديث حسن غريب إلخ) وأخرجه بن ماجه والحاكم

وقد عرفت أن في سنده بكر بن يونس وهو ضعيف

(باب ما جاء في الحبة السوداء)

أي الشوفين

قوله [2041] (عليكم بهذه الحبة السوداء) أي الزموا استعمالها بأكل وغيره (فإن فيها شفاء من كل داء) يحدث من الرطوبة

لكن لا تستعمل في داء صرفا بل تارة تستعمل مفردة وتارة مركبة بحسب ما يقتضيه المرض قاله المناوي (إلا السام) بمهملة غير مهموزة (والسام الموت) وفي رواية البخاري قال بن شهاب السام الموت والحبة السوداء الشونيز

(قوله وفي الباب عن بريدة وبن عمر وعائشة) أما حديث بريدة فأخرجه أبو نعيم في الطب وأخرج المستغفري في كتاب الطب عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن هذه الحبة السوداء فيها شفاء

قال وفي لفظ قيل وما الحبة السوداء قال الشونين قال وكيف أصنع بها قال تأخذ إحدى وعشرين حبة فتصرها في خرقة ثم تضعها في ماء ليلة فإذا أصبحت قطرت في المنخر الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين

فإذا كان من الغد قطرت في المنخر الأيمن اثنتين وفي الأيسر واحدة فإذا كان في اليوم الثالث قطرت في الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين

كذا في فتح الباري وأما حديث بن عمر فأخرجه بن ماجه وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد قال

المناوي إسناده صحيح

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وبن ماجه والحاكم

تنبيه أحاديث الباب هل هي محمولة على عمومها أو أريد منها الخصوص فقال الخطابي هذا من عموم اللفظ الذي يراد به الخصوص وليس يجمع في طبع شيء من النبات والشجر جميع القوى التي تقابل الطبائع كلها في معالجة الأدواء على اختلافها وتباين طبعها وإنما أراد أنه شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة والبرودة والبلغم

وذلك أنه حار يابس فهو شفاء بإذن الله للداء المقابل له في الرطوبة والبرودة

وذلك أن الدواء أبذأ بالمضاد والغذاء بالمشاكل انتهى

وقال الطيبي ونظيره قوله تعالى في حق بلقيس وأوتيت من كل شيء وقوله تعالى تدمر كل شيء في إطلاق العموم وإرادة الخصوص انتهى

وقيل هي باقية على عمومها وأجيب عن قول الخطابي ليس يجمع في طبع شيء إلخ بأنه ليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وأما قول الطيبي ونظيره إلخ ففيه أن الآيتين يمنع حملهما على العموم على ما هو عند كل أحد معلوم وأما أحاديث الباب فحملها على العموم متعين لقوله صلى الله عليه وسلم فيها إلا السام

كقوله تعالى إن الإنسان لفي خسر إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات الآية

قلت قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث بريدة المذكور ما لفظه ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفا بل ربما استعملت مفردة وربما استعملت مركبة وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة وربما استعملت أكلا وشربا وسعوطا وضمادا وغير ذلك

قال وقال أبو محمد بن أبي جمرة تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى

قول أهل الطب والتجربة ولا خفاء بغلط قائل ذلك لأنا إذا صدقنا أهل الطب ومدار علمهم غالبا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم انتهى

قال وقد تقدم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعم من الإفراد والتركيب ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث والله أعلم انتهى

(باب ما جاء في شرب أبوال الإبل)

أي للتداوي

قوله [2042] (أن ناسا من عرينة إلخ) تقدم هذا الحديث مطولا في باب بول ما يؤكل لحمه وتقدم هناك شرحه

قوله (وفي الباب عن بن عباس) أخرجه بن المنذر عنه مرفوعا عليكم بأبوال الإبل فإنها نافعة لذربة بطونهم والذربة بفتح المعجمة وكسر الراء جمع ذرب والذرب بفتحتين فساد المعدة كذا في الفتح

(باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره)

قوله [2043] (حدثنا عبيدة) بفتح أوله (بن حميد) هو الكوفي المعروف بالحذاء

قوله (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (رفعه) أي رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل

نفسه بحديدة) أي بآلة من حديد (وحديدته) أي تلك بعينها أو مثلها (يتوجأ) بهمزة في آخره تفعل من الوجأ وهو الطعن بالسكين ونحوه والضمير في قوله (بها) للحديدة أي يطعن بها (بطنه) أي في بطنه (في نار جهنم) أي حال كونه في نار جهنم (ومن قتل نفسه بسم) وفي رواية مسلم ومن شرب سما فقتل نفسه والسم بضم السين وفتحها وكسرها ثلاث لغات أفصحهن الفتح وجمعه سمام قال في القاموس السم هذا القاتل المعروف (فسمه) مبتدأ (في يده يتحساه) بمهملتين بوزن يتغذى أي يشربه في تمهل ويتجرعه (في نار جهنم خالدا مخلدا) قال الحافظ قد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار

وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها توهيم هذه الزيادة قال الترمذي بعد أن أخرجه رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدا مخلدا

وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب يعني رواية أبي هريرة التي رواها البخاري في أواخر الجنائز بلفظ الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعنها يطعنها في النار

قال وهو أصح لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرج منها ولا يخلدون

وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحله فإنه يصير باستحلاله كافرا والكافر مخلد بلا ريب

وقيل ورد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة

وقيل المعنى إن هذا جزاءه لكن قد تكرم الله على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم

وقيل التقدير مخلدا فيها إلى أن يشاء الله وقيل المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام

كأنه يقول يخلد مدة معينة وهذا أبعدها انتهى كلام الحافظ

قوله (حدثنا أبو داود) هو الطيالسي (سمعت أبا صالح) اسمه ذكوان

قوله [2044] (يجأ) بفتح أوله وتخفيف الجيم وبالهمز أي يطعن وقد تسهل الهمزة والأصل في يجأ يوجأ (ومن تردى من جبل) أي أسقط نفسه منه لما يدل عليه قوله فقتل نفسه على أنه تعمد ذلك وإلا فمجرد قوله تردى لا يدل على التعمد (خالدا) حال مقدرة (مخلدا فيها أبدا) تأكيد بعد تأكيد

وقد تقدم بيان تمسك المعتزلة بهذا والجواب عنه

قوله (هذا حديث صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير والنسائي ولأبي داود من حسا سما فسمه في يده يتحساه في نار جهنم انتهى (وهو) أي حديث شعبة عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ (أصح من الحديث الأول) أي من حديث عبيدة بن حميد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أراه رفعه إلخ لأن عبيدة لم يتابعه أحد على روايته وأما شعبة فقد تابعه على روايته وكيع وأبو معاوية (هكذا روي هذا الحديث عن الأعمش إلخ) أي بزيادة خالدا مخلدا فيها أبدا (وهكذا رواه أبو الزناد إلخ) أي بغير ذكر خالدا مخلدا فيها أبدا ورواية أبي الزناد هذه وصلها البخاري في صحيحه كما ذكرنا (وهذا) أي حديث أبي هريرة الذي لم يذكر فيه خالدا مخلدا فيها أبدا (أصح) أي من حديثه الذي ذكرت فيها زيادة خالدا مخلدا فيها (لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولا يذكر أنهم يخلدون فيها) مقصود الترمذي أن هذه الزيادة وهم فإنها تخالف الروايات التي تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها

قلت هذه الزيادة زادها الأعمش وهو ثقة حافظ وزيادة الثقة مقبولة فتأويل هذه الزيادة أولى من توهيمها

قوله [2045] (نهى عن الدواء الخبيث) قيل هو النجس أو الحرام أو ما يتنفر عنه الطبع (يعني السم) هذا تفسير الخبيث من أبي هريرة أو ممن دونه

قال الحافظ في الفتح وحمل الحديث على ما ورد في بعض طرقه أولى

وقد ورد في آخر الحديث متصلا به يعني السم انتهى

وقال الخطابي خبث الدواء يكون من وجهين أحدهما خبث النجاسة وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوان غير المأكول اللحم وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الحيوان لبعض العلل وهي كلها خبيثة نجسة وتناولها محرم إلا ما خصت السنة من أبوال الإبل وقد رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر عرينة وعكل

وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها في موضعه وأن لا يضرب بعضها ببعض

وقد يكون خبث الدواء أيضا من جهة الطعم والمذاق ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع ولتكره النفس إياه والغالب أن طعوم الأدوية كريهة ولكن بعضها أيسر احتمالا وأقل كراهة انتهى

قال الماوردي وغيره السموم على أربعة أضرب منها ما يقتل كثيره وقليله فأكله حرام للتداوي ولغيره كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ومنها ما يقتل كثيره دون قليله فأكل كثيره الذي يقتل حرام للتداوي وغيره والقليل منه إن كان مما ينفع في التداوي جاز أكله تداويا

ومنها ما يقتل في الأغلب وقد يجوز أن لا يقتل فحكمه كما قبله

ومنها ما لا يقتل في الأغلب وقد يجوز أن يقتل

فذكر الشافعي في موضع إباحة أكله وفي موضع تحريم أكله فجعله بعض أصحابه على حالين فحيث أباح أكله فهو إذا كان للتداوي وحيث حرم أكله فهو إذا كان غير منتفع به في التداوي والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وبن ماجه والحاكم

(باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر)

قوله [2046] (أنه شهد) أي حضر قال في القاموس شهده كسمعه شهودا حضره انتهى

(وسأله

سويد بن طارق أو طارق بن سويد) قال في تهذيب التهذيب طارق بن سويد ويقال سويد بن طارق الحضرمي ويقال الجعفي له صحبة حديثه عند أهل الكوفة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأشربة (عن الخمر) أي عن شربها أو صنعها (فنهاه) وفي رواية مسلم فنهاه أو كره أن يصنعها (فقال إنا لنتداوى بها) وفي رواية مسلم إنما أصنعها للدواء (إنها ليست بدواء ولكنها داء) وفي رواية بن ماجه إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء

قال النووي فيه التصريح بأنها ليست بدواء فيحرم التداوي بها لأنها ليست بدواء فكأنه يتناولها بلا سبب وهذا هو الصحيح عند أصحابنا أنه يحرم التداوي بها وكذا يحرم شربها

وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا فيلزمه الإساغة بها لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي انتهى

وقد أباح التداوي بها عند الضرورة بعضهم واحتج في ذلك بإباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعرينة التداوي بأبوال الإبل وهي محرمة إلا أنها لما كانت مما يستشفى بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها

قال الخطابي قد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأمرين اللذين جمعهما هذا القائل فنص على أحدهما بالحظر وعلى الآخر بالإباحة وهو بول الإبل

والجمع بين ما فرقه النص غير جائزا

وأيضا فإن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ويشفون بها ويتبعون لذتها فلما حرمت عليهم صعب عليهم تركها والنزوع عنها فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة على متناوليها ليرتدعوا وليكفوا عن شربها وحسم الباب في تحريمها على الوجوه كلها شربا وتداويا لئلا يستبيحوها بعلة التساقم والتمارض وهذا المعنى مأمون في أبوال الإبل لانحسام الدواعي ولما على الطباع من المؤنة في تناولها ولما في النفوس من استقذارها والنكرة لها

فقياس أحدهما على الآخر لا يصح ولا يستقيم انتهى

قال الحافظ بن القيم في الهدي المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا

أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث (يعني حديث الباب وحديث أبي الدرداء عند أبي داود مرفوعا إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم

وحديث بن مسعود عند البخاري إن الله لم يجعل شفائكم فيما حرم عليكم

وحديث النهي عن الدواء الخبيث وغير ذلك) وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله فبظلم

من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه لهم حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب

وقد بسط بن القيم الكلام ها هنا بسطا حسنا من شاء الوقوف عليه فليراجع الهدى

تنبيه قال العنبي في العمدة الاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن بحصول الشفاء كتناول الميتة في المخمصة والخمر عند العطش وإساغة اللقمة وإنما لا يباح ما لا يستيقن حصول الشفاء به

وقال إذا فرضنا أن أحدا عرف مرض شخص بقوة العلم وعرف أنه لا يزيله إلا تناول المحرم يباح له حينئذ أن يتناوله كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد وتناول الميتة عند المخمصة

قلت دفع العطش وانحدار اللقمة بشرب الخمر متيقن وأما حصول الشفاء بالتداوي ولو بالحلال فليس بمتيقن فقياس التداوي بالحرام على شرب الخمر عند العطش الشديد وانحدار اللقمة فاسد الاعتبار

قال الشيخ بن العابدين في رد المحتار ما محصله إن إساغة اللقمة بالخمر ودفع العطش به متحقق النفع ولذلك من لم يسغ اللقمة ولم يدفع العطش عند وجود الخمر ومات يأثم بخلاف التداوي وإن كان بالحلال فإنه ليس بمتحقق النفع بل مظنون النفع ولذلك من ترك التداوي ومات لا يأثم انتهى

وقال بن العربي في عارضة الأحوذي فإن قيل التداوي حال ضرورة والضرورة تبيح المحظور فالتداوي بالحرام مباح قلنا التداوي ليس حال ضرورة وإنما الضرورة ما يخاف معه الموت من الجوع فأما التطبب في أصله فلا يجب فكيف يباح فيه الحرام انتهى محصلا

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وبن ماجه

(باب ما جاء في السعوط وغيره)

بفتح السين وضم العين المهملتين ما يجعل في الأنف مما يتداوى به

قوله [2047] (حدثنا محمد بن مدويه) هو محمد بن أحمد بن مدويه بميم وتثقيل القرشي

(أخبرنا عبد الرحمن بن حماد) بن شعيب الشعيئي أبو سلمة العنبري البصري صدوق ربما أخطأ من صغار التاسعة (أخبرنا عباد بن منصور) الناجي أبو سلمة البصري القاضي صدوق رمي بالقدر وكان يدلس وتغير بآخره من السادسة قوله (إن خير ما تداويتم به السعوط) قال الحافظ في الفتح استعط أي استعمل السعوط هو أن يستلقي على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر برأسه ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس انتهى (واللدود) بفتح اللام هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض ويسقاه أو يدخل هناك بأصبع وغيرها ويحنك به

قال النووي (الحجامة) بكسر أوله بمعنى الاحتجام (والمشي) بفتح فكسر فتشديد تحتية فعيل من المشي وفي بعض نسخ المشكاة بضم فبكسر وجوزه في المغرب وقال وهو ما يؤكل أو يشرب لإطلاق البطن

قال التوربشتي وإنما سمي الدواء المسهل مشيا لأنه يحمل شاربه على المشي والتردد إلى الخلاء (لده أصحابه) أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختياره وهذا هو اللدود فأما ما يصب في الحلق فيقال له الوجود وقد وقع عند الطبراني من حديث العباس أنهم أذابوا قسطا أي بزيت فلدوه به (فلما فرغوا قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لدوهم) بصيغة الأمر (قال) أي بن عباس (فلدوا) بصيغة الماضي المجهول

وفي حديث عائشة عند الشيخين لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأشار أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال لا يبقى منكم أحد إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم

اللفظ لمسلم

قال النووي إنما أمر صلى الله عليه وسلم بلدهم عقوبة لهم حين خالفوه في إشارته إليهم لا تلدوني ففيه أن الإشارة المفهمة كصريح العبارة في نحو هذه المسألة وفيه تعزير المتعدي بنحو من فعله الذي تعدى به إلا أن يكون فعلا محرما انتهى

قيل وإنما كره اللد مع أنه كان يتداوى لأنه تحقق أنه يموت في مرضه ومن حقق ذلك كره له التداوي

قال الحافظ وفيه نظر والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق

وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمه ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى

قوله [2048] (وخير ما اكتحلتم به) بالنصب وجوز رفعه (الإثمد) بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة

وحكي فيه ضم الهمزة حجر معروف أسود يضرب إلى الهمزة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى من أصبهان قاله الحافظ

وقال التوربشتي هو الحجر المعدني وقيل هو الكحل الأصفهاني ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان (فإنه) أي الإثمد أو الاكتحال به (يجلو البصر) من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين وينظف الباصرة لدفع الردية النازلة إليها من الرأس (ينبت) من الإنبات (الشعر) بفتح الشين والعين المهملة ويجوز إسكانها والمراد به هنا الهدب وهو بالفارسية شره وهو الذي ينبت على أشفار العين (مكحلة) بضمتين بينهما ساكنة اسم آلة الكحل وهو الميل على خلاف القياس والمراد منها ها هنا ما فيه الكحل (يكتحل بها) كذا في النسخ الموجودة بها وفي جميع روايات الشمائل منها فالباء بمعنى من كما قيل في قوله تعالى يشرب بها عباد الله

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الترمذي في باب الحجامة

$ 0 - (باب ما جاء في كراهية التداوي الكي)

قال في القاموس كواه يكويه كيا أحرق جلده بحديدة ونحوها وهي المكواة والكية موضع الكي والكاوياء ميسم واكتوى استعمل الكي في بدنه انتهى

قوله [2049] (نهى عن الكي) قال الحافظ في الفتح النهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث وقيل إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور وكان موضعه

خطرا فنهاه عن كيه فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح

وقال بن قتيبة الكي نوعان كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع

والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد والعضو إذا قطع فهو الذي يشرع التداوي به فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق

وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله وكذا الثناء على تاركه

وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء انتهى

كلام الحافظ (فما أفلحنا ولا أنجحنا) من الإنجاح أي فما فزنا ولا صرنا ذانجح وفي رواية أبي داود فما أفلحن ولا أنجحن بنون الإناث فيهما يعني تلك الكيات التي اكتوينا بهن وخالفنا النبي صلى الله عليه وسلم في فعلهن وكيف يفلح وينجح شيء خولف فيه صاحب الشريعة

وعلى هذا فالتقدير فاكتوينا كيات الأوجاع فما أفلحن ولا أنجحن

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وبن ماجه

قال المنذري في تصحيح الترمذي نظر فقد ذكر غير واحد من الأئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث سنده قوي

قوله (حدثنا عبد القدوس بن محمد) بن عبد الكبير بن شعيب بن الحجاب العطار البصري صدوق من الحادية عشر (أخبرنا عمرو بن عاصم) هو الكلابي القيسي أبو عثمان البصري (أخبرنا همام) هو بن يحيى الأزدي العوذي

قوله (نهينا) بصيغة المجهول وهو في حكم المرفوع كما تقرر في مقره أي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم

قوله (وفي الباب عن بن مسعود وعقبة بن عامر وبن عباس) أما حديث بن مسعود وحديث عقبة بن عامر فأخر جهما الطحاوي في معاني الاثار وأما حديث بن عباس فأخرجه أحمد والبخاري وبن ماجه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء في ثلاث في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار

$ 1 - (باب ما جاء في الرخصة)

في ذلك أي في الكي

قوله [2050] (أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى) أي بيده أو أمر بأن يكوي أحد (أسعد) بفتح الهمزة والعين بينهما مهملة (بن زرارة) بضم الزاي وفتح الراءين بينهما ألف وفي آخره تاء (من الشوكة) أي من أجلها وهي على ما في النهاية حمرة تعلو الوجه والجسد

والحديث على الرخصة في الكي وقد تقدم وجه الجمع بين أحاديث هذا الباب وأحاديث الباب المتقدم في كلام الحافظ

وقال الشوكاني في النيل قد جاء النهي عن الكي وجاءت الرخصة فيه والرخصة لسعد لبيان جوازه حيث لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواء آخر وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواء آخر لأن الكي فيه تعذيب بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وهو الله سبحانه وتعالى ولأن الكي يبقى منه أثر فاحش وهذان نوعان من أنواع الكي الأربعة وهما النهي عن الفعل وجوازه

والثالث الثناء على من تركه كحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة

والرابع عدم محبته كحديث الصحيحين وما أحب أن أكتوي

فعدم محبته يدل على أن الأولى عدم فعله والثناء على تركه يدل على أن تركه أولى

فتبين أنه لا تعارض بين الأربعة

قوله (وفي الباب عن أبي وجابر) أخرج أحمد ومسلم عن جابر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه

وعن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين رواه بن ماجه وروى مسلم معناه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار

$ 12 - (باب ما جاء في الحجامة في المصباح)

حجمه الحاجم حجما من باب قتل شرطه واسم الصناعة حجامة بالكسر انتهى

والشرط بالفارسية نشترزون

قوله [2051] (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل) قال الشوكاني في النيل قال أهل اللغة الأخدعان عرقان في جانبي العنق يحجم منه والكاهل ما بين الكتفين وهو مقدم الظهر

قال بن القيم في الهدي الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف إذا كان حدوث ذلك من كثرة الدم أو فساده أو منهما جميعا قال والحجامة لأهل الحجاز والبلاد الحارة لأن دماءهم رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة إلى سطح الجسد واجتماعهما في نواحي الجلد ولأن مسام أبدانهم واسعة ففي القصد لهم خطر انتهى

وقال أهل العلم بالطب فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ومن الشوصة وذات الجنب وسائر الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك وفصد الأكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا ولا سيما إن كان فسد وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا كثر الدم أو فسد وقصد الودجين لوجع الطحال والربو ووجع الجبين والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق وتنوب عن فصد الباسليق والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف والحلق وتنوب عن فصد القيفال والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم وتنقي الرأس والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عند الكعب وتنفع من قروح الفخدين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخد وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير وداء الفيل وحكة الظهر ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادف وقت الاحتياج إليه

والحجامة على المقعدة تنفع الأمعاء وفساد الحيض (وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين) قد عقد البخاري بابا في صحيحه بلفظ باب أي ساعة يحتجم وذكر فيه أثر أبي موسى أنه احتجم ليلا

وحديث بن عباس احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم

قال الحافظ ورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج ولا تتقيد بوقت دون وقت لأنه ذكر الاحتجام ليلا وذكر حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارا

وعند الأطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما ولا عقب شبع ولا جوع

وقد ورد في تعيين الأيام للحجامة حديث لابن عمر عند بن ماجه رفعه في أثناء حديث وفيه فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة والسبت والأحد أخرجه من طريقين ضعيفين وله طريق ثالثة ضعيفة أيضا عند الدارقطني في الأفراد وأخرجه بسند جيد عن بن عمر موقوفا ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة وإن كان الحديث لم يثبت

وحكى أن رجلا احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث

وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها

وورد في عدد من الشهر أحاديث منها ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء

وهو من رواية سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن سهيل بن أبي صالح وسعيد وثقه الأكثر ولينه بعضهم من قبل حفظه وله شاهد من حديث بن عباس عند أحمد والترمذي ورجاله ثقات لكنه معلول وله شاهد آخر من حديث أنس عند بن ماجه وسنده ضعيف وهو عند الترمذي من وجه آخر عن أنس لكن من فعله صلى الله عليه وسلم ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء قال حنبل بن إسحاق كان أحمد يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت

وقد اتفق الأطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره قال الموفق البغدادي وذلك أن الأخلاط في أول الشهر تهيج وفي آخره تسكن فأولى ما يكون الاستفراغ في أثنائه

قوله (وفي الباب عن بن عباس ومعقل بن يسار) أما حديث بن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب

وروى البخاري عنه قال احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به

وله في هذا الباب غير هذين الحديثين

وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد عنه مرفوعا الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء لداء السنة وليس إسناده بذاك كذا في المنتقى

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وبن ماجه ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره

وفي النيل قال النووي عند الكلام على هذا الحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم وصححه الحاكم أيضا ولكن ليس في حديث أبي داود المذكور الزيادة وهي قوله وكان يحتجم لسبع عشرة إلخ انتهى

قوله [2052] (أخبرنا محمد بن فضيل) هو الضبي مولاهم الكوفي (أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق) هو أبو شيبة الواسطي (عن القاسم بن عبد الرحمن هو بن عبد الله بن مسعود) قال في التقريب القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي أبو عبد الرحمن الكوفي ثقة عابد من الرابعة (عن أبيه) أي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي ثقة من صغار الثانية مات سنة تسع وسبعين وقد سمع من أبيه قاله في التقريب

قوله (حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة) بالجر منونة ويجوز فتحها مضافة إلى قوله (أسري به) على بناء المفعول (أنه لم يمر على ملإ) أي جماعة عظيمة تملأ العين (أن) تفسيرية (مر) أمر مخاطب من أمر يأمر قال القارىء بيان للأمر الذي اتفق عليه الملأ الأعلى

والأمر للندب

ويدل على تأكيده أمرهم جميعا وتقريره صلى الله عليه وسلم ونقله عنهم والظاهر أنه بأمر من الله لهم أيضا (أمتك بالحجامة) قال أهل المعرفة إن المخاطب بأحاديث الحجامة غير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم

وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن بن سيرين قال إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم قال الطبري وذلك لأنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوة جسده فلا ينبغي أن يزيده وهنا بإخراج الدم انتهى

وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه وعلى من لم يعتده

وقد قال بن سينا في أرجوزته

ومن يكون تعود الفصاده فلا يكن يقطع تلك العادة ثم أشار إلى أنه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين

وقال بن سينا في أبيات أخرى

ووفر على الجسم الدماء فإنها لصحة جسم من أجل الدعائم قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه بن ماجه من حديث أنس

قوله [2053] (فكان اثنان يغلان عليه وعلى أهله) بضم التحتية وكسر المعجمة من الإغلال أي يعطيان الغلة وهي ما يحصل من أجرة العبد

قال في القاموس الغلة الدخلة من كراء دار وأجرة غلام وفائدة أرض انتهى (ويخف) من الإخفاف (الصلب) أي الظهر (ويجلو عن البصر) القذى والرمص ونحو ذلك (وقال) أي بن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرج به) أي حين أسري به إلى السماء (ما مر) أي هو (عليك بالحجامة) أي الزمها لزوما مؤكدا (إن خير ما تحتجمون فيه) أي من الأيام (يوم سبع عشرة) لفظ يوم مضاف مرفوع على أنه خبر إن (وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لده العباس) هذا مخالف لما في حديث عائشة عند الشيخين لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم فما في الصحيحين أصح وأرجح (فكلهم أمسكوا) أي أسكتوا

ففي القاموس أمسك عن الكلام سكت (غير عمه العباس) قيل لأنه كان صائما أو لتكريمه قلت علة عدم لدود العباس مصرحة في حديث عائشة بقوله فإنه لم يشهدكم فهي المعتمد عليها (قال النضر اللدود الوجود) جعل النضر اللدود والوجود واحدا وفرق بينهما الحافظ كماعرفت وهو الصحيح

قوله (وفي الباب عن عائشة) لينظر من أخرجه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الحاكم بتمامه مفرقا في ثلاثة أحاديث وقال في كل منهما صحيح الإسناد كذا في الترغيب للمنذري

$ 3 - (باب ما جاء في التداوي بالحناء)

قوله [2054] (أخبرنا فائد مولى لآل أبي رافع) قال في التقريب فائد مولى عبادل باللام صدوق انتهى

وقال فيه عبيد الله بن علي بن أبي رافع المدني يعرف بعبادل ويقال فيه علي بن عبيد الله لين الحديث

وقال في الخلاصة فائد مولى عبادل وهو عبيد الله بن علي بن أبي رافع روى عنه وعنه زيد بن الحباب وثقه بن معين (عن علي بن عبيد الله) اعلم أن عبادل وعبيد الله بن علي وعلي بن عبيد الله ثلاثتهم واحد كما عرفت آنفا من عبارة التقريب فهو عبيد الله بن علي بن أبي رافع وعبادل لقبه ويقال فيه علي بن عبيد الله والصواب عبيد الله بن علي روى عن جدته أم رافع وعنه مولاه فائد وثقه بن حبان وقال أبو حاتم لا يحتج به وليس بمنكر الحديث

وقال بن معين لابأس به (عن جدته) سلمى أم رافع زوج أبي رافع لها صحبة

قوله (ما كان) أي الشأن (يكون) أي يوجد ويقع (برسول الله صلى الله عليه وسلم قرحة) قال الطيبي يحتمل أن يكون الثاني زائدا وأن يكون غير زائد بالتأويل أي ما كان قرحة تكون برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

والقرحة بفتح القاف ويضم جراحة من سيف وسكين ونحوه ومنه قوله تعالى إن يمسسكم قرح وقد قرئ فيه بالوجهين والأكثر على الفتح (ولا نكبة) بفتح النون جراحة من حجر أو شوك ولا زائدة للتأكيد (أن أضع عليه الحناء) لأنه ببرودته يخفف حرارة الجراحة وألم الدم

قوله (هذا حديث غريب) لم يحكم عليه الترمذي بشيء من الصحة أو الحسن أو

الضعف والظاهر أنه حديث حسن والله تعالى أعلم

والحديث أخرجه بن ماجه أيضا

قوله (وعبيد الله بن علي أصح) من علي بن عبيد الله

وقال الحافظ في التقريب علي بن عبيد الله بن أبي رافع الصواب عبيد الله بن علي بن أبي رافع

$ 4 - (باب ما جاء في كراهية الرقية)

بضم الراء وسكون القاف

قال الجزري في النهاية الرقية العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات

قوله [2055] (عن عقار بن المغيرة بن شعبة) قال في التقريب عقار بفتح أوله وتشديد القاف واخره راء بن المغيرة بن شعبة الثقفي الكوفي صدوق من الثالثة

قوله (من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل) لفعله ما الأولى التنزه عنه وهذا فيمن فعل معتمدا عليها لا على الله قاله المناوي

قوله (وفي الباب عن بن مسعود وبن عباس وعمران بن حصين)

أما حديث بن مسعود فأخرجه أبو داود بطوله وفيه إن الرقى والتمائم والتولة شرك الحديث

وأما حديث بن عباس فأخرجه الترمذي في صفة القيامة بعد باب صفة أواني الحوض

وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الطحاوي عنه مرفوعا يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قيل يا رسول من هم قال هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي وبن ماجة وبن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك

وأحاديث الباب تدل على كراهة الرقية

وفي الباب أحاديث أخرى وسيأتي في الباب الآتي وجه الجمع بينها وبين الأحاديث التي تدل على جواز الرقية

$ 5 - (باب ما جاء في الرخصة)

في ذلك قوله [2056] (رخص في الرقية من الحمة) قال الجزري الحمة بالتخفيف السم وقد يشدد وأنكره الأزهري ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة لأن السم منها يخرج وأصلها حمو أو حمى بوزن صرد والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة أو الياء انتهى

(والعين) أي ومن إصابة عين الجن أو الإنس (والنملة) بفتح النون وسكون الميم قال الجزري النملة قروح تخرج في الجنب انتهى

قال التوربشتي الرخصة إنما تكون بعد النهي وكان صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الرقى لما عسى أن يكون فيها من الألفاظ الجاهلية فانتهى الناس عن الرقى فرخص لهم فيها إذا عريت عن الألفاظ الجاهلية انتهى

وحديث أنس هذا أخرجه أيضا أحمد ومسلم وبن ماجه

قوله (عن يوسف بن عبد الله بن الحارث) الأنصاري مولاهم كنيته أبو الوليد البصري ثقة من الخامسة

قاله الحافظ في التقريب

وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن أبيه وأنس بن مالك وغيرهما وعنه عاصم الأحول وغيره انتهى

قوله (وهذا) أي حديث يحيى بن آدم وأبي نعيم عن سفيان عن عاصم عن يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس (أصح من حديث معاوية بن هشام عن سفيان) أي عن عاصم

الأحول عن عبد الله بن الحارث إلخ

قوله (وفي الباب عن بريدة وعمران بن حصين وجابر وعائشة وطلق بن علي وعمرو بن حزم وأبي خزامة عن أبيه) أما حديث بريدة فأخرجه مسلم وبن ماجه بلفظ لا رقية إلا من عين أو حمة

وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الترمذي بعد هذا

وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وأنت نهيت عن الرقى فعرضوها عليه فقال ما أرى بها بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه

وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان عنها قالت أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسترقى من العين

ولها حديث آخر أخرجه الشيخان أيضا قالت رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة

وأما حديث طلق بن علي فأخرجه الطحاوي عنه قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلدغتني عقرب فجعل يمسحها ويرقيه

وأما حديث عمرو بن حزم فأخرجه بن ماجه عنه قال عرضت أو أعرضت النهشة من الحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها

وأما حديث أبي خزامة عن أبيه فأخرجه الترمذي في باب لا ترد الرقى والدواء من قدر الله شيئا

قوله [2057] (لا رقية إلا من عين أو حمة) ليس معناه أنه لا يجوز الرقية من غيرهما لأنه قد ثبت الرقية من غيرهما إنما معناه لا رقية أولى وأنفع منهما والحديث أخرجه أيضا أحمد وأبو داود

قوله (وروى شعبة هذا الحديث عن حصين عن الشعبي عن بريدة) ووقع في بعض النسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله بعد قوله عن بريدة

قال البخاري في صحيحه في باب من اكتوى حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا بن فضيل قال حدثنا حصين عن عامر عن عمران بن حصين قال لا رقية إلا من عين أو حمة فذكرته لسعيد بن جبير فقال حدثنا بن عباس فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علي الأمم الحديث

قال الحافظ قوله عن عمران بن حصين قال لا رقية إلا من عين أو حمة كذا رواه محمد بن فضيل عن حصين موقوفا ووافقه هشيم وشعبة عن حصين على

وقفه ورواية هشيم عند أحمد ومسلم ورواية شعبة عند الترمذي تعليقا ووصلها بن أبي شيبة ولكن قالا عن بريدة بدل عمران بن حصين وخالف الجميع مالك بن مغول عن حصين فرواه مرفوعا وقال عن عمران بن حصين أخرجه أحمد وأبو داود وكذا قال بن عيينة عن حصين أخرجه الترمذي وكذا قال إسحاق بن سليمان عن حصين أخرجه بن ماجه انتهى

وأحاديث الباب تدل على جواز الرقية فهي مخالفة لأحاديث النهي المتقدمة في الباب المتقدم

قال الحافظ بن الأثير الجزري في النهاية وجه الجمع بينهما أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة فيتكل عليها وإياها أراد بقوله ما توكل من استرقى

ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقى المروية ولذلك قال للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجرا من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق

وكقوله في حديث جابر إنه عليه الصلاة والسلام قال اعرضوها علي فعرضناها فقال لابأس بها إنما هي مواثيق كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف له ترجمة ولا يمكن الوقوف عليه فلا يجوز استعماله

وأما قوله لا رقية إلا من عين أو حمة فمعناه لا رقية أولى وأنفع وهذا كما قيل لا فتى إلا علي

وقد أمر عليه الصلاة والسلام غير واحد من أصحابه بالرقية وسمع بجماعة يرقون فلم ينكر عليهم

وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فهذه من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم

فأما العوام فمرخص لهم في التداوي والمعالجات ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء

ألا ترى أن الصديق لما تصدق بجميع ماله لم ينكر عليه علما منه بيقينه وصبره ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال لا أملك غيره ضربه به بحيث لو أصابه لعقره وقال فيه ما قال انتهى

ما قاله الجزري في النهاية

$ 6 - (باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين)

قوله [2058] (يتعوذ من الجان وعين الإنسان) أي يقول أعوذ بالله من الجان وعين الإنسان (حتى

نزلت المعوذتان أي قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس (أخذ بهما وترك ما سواهما) مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن لما تضمنتاه من الاستعاذة من كل مكروه

قوله (وفي الباب عن أنس) لينظر من أخرجه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي وبن ماجه والضياء

$ 7 - (باب ما جاء في الرقية من العين)

قال في النهاية يقال أصابت فلانا عين إذا نظر إليه عدو أو حسود فأثرت فيه فمرض بسببها يقال عانه يعينه عينا فهو عائن إذا أصابه بالعين والمصاب معين انتهى

قوله [2059] (عن عروة وهو أبو حاتم بن عامر) قال في التقريب عروة بن عامر المكي مختلف في صحبته له حديث في الطيرة وذكره بن حبان في ثقات التابعين

(عن عبيدة بن رفاعة الزرقي) ويقال فيه عبيد الله ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وثقه العجلي

قوله (أن أسماء بنت عميس) بالتصغير (إن ولد جعفر) قال القارىء بضم واو فسكون لام وفي نسخة يعني من المشكاة بفتحهما أي أولاد جعفر منها أو من غيرها (تسرع) بضم التاء وكسر الراء ويفتح أي تعجل (إليهم العين) أي تؤثر فيهم سريعا لكمال حسنهم الصوري والمعنوي والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر قاله الحافظ (أفأسترقي لهم) أي أطلب الرقية أو من يرقي لهم (فإنه) تعليل للجواب ومعناه نعم

استرقي عن العين فإنها أولى وأحرى بأن تسترقي (لو كان شيء سابق القدر) أي غالبه في السبق (لسبقته العين) أي لغلته العين قال الطيبي المعنى إن فرض شيء له قوة وتأثير عظيم سبق القدر لكان عينا والعين لا يسبق فكيف بغيرها انتهى

ومذهب أهل السنة أن العين يفسد ويهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر

قوله (وفي الباب عن عمران بن حصين إلخ) أما حديث عمران بن حصين فأخرجه الترمذي في باب الرخصة في الرقية

وأما حديث بريدة فقد تقدم تخريجه في الباب المذكور

قوله (هذا حديث حسن صحيح)

وأخرجه أحمد والنسائي وبن ماجه والطحاوي

8 -

قوله [2060] (يقول أعيذكما) هذا بيان وتفسير لقوله يعوذ (بكلمات الله) قيل هي القرآن وقيل أسماؤه وصفاته (التامة) قال الجزري إنما وصف كلام بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس وقيل معنى التمام ها هنا أنها تنفع المتعوذ بها وتحفظه من الآفات وتكفيه انتهى (من كل شيطان وهامة) الهامة كل ذات سم يقتل والجمع الهوام فأما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور

وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات كذا في النهاية (ومن كل عين لامة) أي من عين تصيب بسوء

قال في النهاية اللهم طرف من الجنون يلم بالإنسان أي يقرب منه ويعتريه ومنه حديث الدعاء أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل سامة ومن كل عين لامة

أي ذات لمم ولذلك لم يقل ملمة وأصلها من ألممت بالشيء ليزاوج قوله من شر كل سامة انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن ماجه

$ 9 - (باب ما جاء أن العين حق)

أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود أو هو من جملة ما تحقق كونه

قال المازري أخذ الجمهور بظاهر الحديث وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى لأن كل شيء ليس محالا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فهو من متجاوزات العقول فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة

قوله [2061] (أبو حفص عمرو بن علي) هو الفلاس الصيرفي الباهلي البصري

(أخبرنا يحيى بن كثير) بن درهم (أبو غسان العنبري) مولاهم البصري ثقة من التاسعة ووقع في النسخة الأحمدية

أخبرنا يحيى بن كثير أخبرنا أبو غسان العنبري بزيادة لفظ نا بين أخبرنا يحيى بن كثير وأبو غسان العنبري وهو غلط

(أخبرنا علي بن المبارك) هو الهنائي (عن يحيى بن كثير) هو الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي (حدثني حية بن حابس) بمهملتين وقبل السين موحدة التميمي مقبول من الثالثة ووهم من زعم أن له صحبة كذا في التقريب (حدثني أبي) أي حابس التميمي

قال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه إبنه حية حديث لاشيء في الهام

صرح البخاري بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم وتبعه أبو حاتم وذكره البغوي في الصحابة وقال لا أعلم

له غير هذا الحديث انتهى

قوله (لا شيء في الهام) أي لا شيء مما يعتقدون في الهام

قال النووي الهامة هي بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره وقيل بتشديدها

قاله جماعة وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاري الإمام في اللغة قال وفيها تأويلان أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بها وهي الطائر المعروف من طير الليل وقيل هي البومة قالوا كانت إذا سقطت على دار أحدهم فرآها ناعية له نفسه أو بعض أهله وهذا تفسير مالك بن أنس والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت وقيل روحه ينقلب هامة تطير وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور

ويجوز أن يكون المراد النوعين فإنهما جميعا باطلان فبين النبي صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك وضلالة الجاهلية فيما يعتقده من ذلك (والعين) أي أثرها (حق) لا بمعنى أن لها تأثيرا بل بمعنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية بخلق الله تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة

قال المازري وقد زعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين أن العائن تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد قالوا ولا يمتنع هذا كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك وإن كان غير محسوس لنا فكذا العين

قال وهذا غير مسلم لأنا بينا في كتب علم الكلام أن لا فاعل إلا الله تعالى وبينا فساد القول بالطبائع وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئا وإذا تقرر هذا بطل ما قالوه ثم تقول هذا المنبعث من العين إما جوهر وإما عرض فباطل أن يكون عرضا لأنه لا يقبل الانتقال وباطل أن يكون جوهرا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسدا لبعضها بأولى من عكسه فبطل ما قالوه قال أو قرب طريقة قالها من ينتحل الإسلام منهم أن قالوا لا يبعد أن تنبعث جواهرلطيفة غير مرئية من العين فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيخلق الله سبحانه وتعالى الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم عادة أجراها الله تعالى وليست ضرورة ولا طبيعة إلجاء العقل إليها

ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى الله سبحانه وتعالى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر وهل ثم جواهر خفية أم لا هذا من مجوزات العقول لا يقطع فيه بواحد من الأمرين وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وبإضافته إلى الله تعالى فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه وإنما هو من الجائزات

قوله [2062] (أخبرنا أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي أبو إسحاق البصري ثقة

كان يحفظ من التاسعة (أخبرنا وهيب) بالتصغير بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري ثقة ثبت لكنه تغير قليلا بأخرة من السابعة كذا في التقريب (عن بن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني أبو محمد ثقة فاضل عابد من السادسة

قوله (لو كان شيء سابق القدر) بالتحريك أي لو أمكن أن يسبق شيء القدر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر له (لسبقته) أي القدر (العين) لكنها لا تسبق القدر فإنه تعالى قدر المقادير قبل الخلق

قال الحافظ جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء إذ القدر عبارة عن سابق علم الله وهو لاراد لأمره

وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها انتهى

قال النووي فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها عمله

فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر انتهى

(وإذا استغسلتم) بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للاغتسال (فاغسلوا) أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن وهذا كان أمرا معلوما عندهم فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك وظاهر الأمر الوجوب

وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين

وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى ولم يبين في هذا الحديث صفة الاغتسال وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه بن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الحجفة اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فليط أي صرع وزنا ومعنى أي سهل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تتهمون به من أحد قالوا عامر بن ربيعة فدعا عامرا فتغيظ عليه فقال علام يقتل أحدكم أخاه هلا إذ رأيت ما يعجبك بركت ثم قال اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح ففعل به

ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس

لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري ولفظ النسائي من رواية بن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح وقال في آخره ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض ووقع في رواية بن ماجة من طريق بن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فذكر الحديث وفيه فليدع بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه

قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه

قال المازري المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج انتهى

وزاد عياض أن المراد ما يلي جسده من الإزار وقيل أراد موضع الإزار من الجسد وقيل أراد وركه لأنه معقد الإزار

والحديث في الموطأ وفيه عن مالك حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أباه يقول اغتسل سهل فذكر نحوه وفيه فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء فوعك سهل مكانه واشتد وعكه وفيه ألا بركت إن العين حق توضأ له فتوضأ له عامر فراح سهل ليس به بأس

تنبيه قال المازري هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل فلا يرد لكونه لا يعقل معناه وقال بن العربي إن توقف متشرع قلنا له الله ورسوله أعلم وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة أو متفلسف فالرد عليه أظهر لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها وقد تفعل بمعنى لا يدرك ويسمون ما هذا سبيله الخواص

وقال بن القيم هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجربا غير معتقد وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها بل هي عندهم خارجة عن القياس

وإنما تفعل بالخاصية فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة

ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شيء أرق من المغابن فكان في غسلها إبطال لعملها ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصا وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذا

فتنطفىء تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء وهذا الغسل المأمور به ينفع بعد استحكام النظرة فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة كما مضى ألا بركت عليه

وفي رواية بن ماجة فليدع بالبركة ومثله عند بن

السني من حديث عامر بن ربيعة

وأخرجه البزار وبن السني من حديث أنس رفعه من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره

قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) لينظر من أخرجه

قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم (وحديث حية بن حابس حديث غريب) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (وروى شيبان) هو بن عبد الرحمن النحوي

$ 0 - (باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ)

قوله [2063] (عن جعفر بن إياس) كنيته أبو بشر بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير وضعفه شعبة في حبيب بن سالم

وفي مجاهد من الخامسة (عن أبي نضرة) هو العبدي

قوله (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فنزلنا بقوم) وفي رواية عند الدارقطني بعث سرية عليها أبو سعيد وفي رواية الأعمش عند غير الترمذي بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلا فنزلنا بقوم ليلا فأفادت عدد السرية ووقت النزول

كما أفادت رواية الدارقطني تعيين أمير السرية (فسألناهم القرى) بكسر القاف مقصورا الضيافة (فلم يقرونا) أي فلم يضيفونا

قال في القاموس قرى الضيف قرى بالكسر والفتح والمد أضافه كاقتراه (فلدغ سيدهم) بضم اللام على البناء للمفعول واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة وهو اللسع وزنا ومعنى وأما اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الإحراق الخفيف واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات

الحمة من حية أو عقرب وغيرهما وأكثر ما يستعمل في العقرب

وقد أفادت رواية الترمذي هذه تعيين العقرب

فإن قلت عند النسائي من رواية هشيم أنه مصاب في عقله أو لديغ

قلت هذا شك من هشيم ورواه الباقون أنه لديغ ولم يشكوا خصوصا تصريح الأعمش بالعقرب

فإن قلت جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي من طريق خارجة بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد

فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل وفي لفظ عن خارجة بن الصلت عن عمه يعني علاقة بن صحار أنه رقى مجنونا موثقا بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل يوم مرتين فبرأ فأعطوني مائتي شاة

فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال خذهما ولعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق

قلت هما قضيتان لأن الراقي هناك أبو سعيد وهنا علاقة بن صحار وبينهما اختلاف كثير (فأتونا) أي فجاءونا (فقالوا هل فيكم من يرقي من العقرب) قال في القاموس رقاه رقيا ورقيا نفث في عوذته وقال فيه العوذة الرقية كالمعاذة والتعويذ انتهى

وفي رواية للبخاري فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء

فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء (فقرأت عليه الحمد سبع مرات) وفي رواية للبخاري فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين

قال الحافظ يتفل بضم الفاء وبكسرها وهو نفخ معه قليل بزاق

قال بن أبي حمزة محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله (فبرأ)

وفي رواية للبخاري فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة (وما علمت أنها رقية) أي كيف علمت

وفي رواية البخاري وما يدريك أنها رقية (واضربوا لي معكم بسهم) أي اجعلوا لي منه نصيبا وكأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما وقع له في قصة الحمار الوحشي وغير ذلك

وفي الحديث جواز الرقية بشيء

من كتاب الله تعالى ويلحق به ما كان من الدعوات المأثورة أو مما يشابهها ولا يجوز بألفاظ مما لا يعلم معناها من الألفاظ الغير العربية

قال بن القيم إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما الظن بكلام رب العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها وإثبات المعاد وذكر التوحيد والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به والهداية منه وذكر أفضل الدعاء وهو طلب الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهي عنه والاستقامة عليه ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته وخال لعدم معرفته له مع ما تضمنه من إثبات القدر والشرع والأسماء والصفات والمعاد والتوبة وتزكية النفس وإصلاح القلب والرد على جميع أهل البدع وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء انتهى ملخصا

قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وبن ماجه (ورخص الشافعي للمعلم أن يأخذ على تعليم القرآن أجرا) وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون من السلف ومن بعدهم ومنعه أبو حنيفة وأجازه في الرقية قاله النووي في شرح مسلم

وقال الحافظ قد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة إلا الحنفية انتهى

قلت وقد أجاز المتأخرون من الحنفية أيضا أخذ الأجرة على تعليم القران ويرى أن يعتد الشافعي (له) أي يجوز للمعلم (أن يشترط) أي أخذ الأجرة (على ذلك) أي على تعلم القرآن وقوله (واحتج بهذا الحديث) الاحتجاج بهذا الحديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية واضح وأما الاحتجاج به على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن فاعترض عليه القرطبي حيث قال لا نسلم أن جواز أخذ الأجر في الرقى يدل على جواز التعليم بالأجر انتهى

لم يذكر القرطبي سند للمنع ولا يظهر وجه صحيح لعدم التسليم والله تعالى أعلم

وقد استدل للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القران

في حديث سهل بن سعد رواه الشيخان وهذا لفظ

البخاري

وفي رواية لمسلم اذهب فقد زوجتكها فعلمها من القران

واستدل للجمهور أيضا بحديث بن عباس إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله رواه البخاري

قال الحافظ استدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقى كالدواء قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله وهو القياس في الرقى إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب وسياق للقصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن

وقد رواها أبو داود وغيره وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود وبأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب (يعني حديث بن عباس المتقدم آنفا وحديث أبي سعيد المذكور في هذا الباب) وبأن الأحاديث المذكورة أيضا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة انتهى كلام الحافظ

وقال الشوكاني في النيل استدل الجمهور بحديث بن عباس على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وأجيب عن ذلك بأن المراد بالأجر هنا الثواب ويرد بأن سياق القصة يأبى ذلك وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث السابقة وتعقب بأن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال وبأن الأحاديث القاضية بالمنع وقائع أعيان محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب وبأنها مما لا تقوم به الحجة فلا تقوى على معارضة ما في الصحيح وقد عرفت مما سلف أنها تنتهض للاحتجاج بها على المطلوب والجمع ممكن إما بحمل الأجر المذكور هنا على الثواب كما سلف وفيه ما تقدم أو المراد أخذ الأجر على الرقية فقط كما يشعر به السياق فيكون مخصصا للأحاديث القاضية بالمنع أو يحمل الأجر هنا على عمومه فيشمل الأجر على الرقية والتلاوة والتعليم ويخص أخذها على التعليم بالأحاديث المتقدمة ويجوز ما عداه وهذا أظهر وجوه الجمع فينبغي المصير إليه انتهى

قلت الروايات التي تدل على منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن ضعاف لا تصلح للاحتجاج ولو سلم أنها بمجموعها تنتهض للاحتجاج فالأحاديث التي تدل على الجواز أصح

منها وأقوى ثم إن هذه الروايات وقائع أحوال محتملة للتأويل كما قال الحافظ فلا حاجة إلى ما ذكره الشوكاني من وجوه الجمع

هذا ما عندي والله تعالى أعلم

قوله [2064] (مروا بحي من العرب) اعلم أن طبقات أنساب العرب ست الشعب بفتح الشين وهو النسب الأبعد كعدنان مثلا وهو أبو القبائل الذين ينسبون إليه ويجمع على شعوب والقبيلة وهي ما انقسم به الشعب كربيعة ومضر والعمارة بكسر العين وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة ويجمع على عمارات وعمائر والبطن

وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف وبني مخزوم ويجمع على بطون وأبطن والفخد وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية ويجمع على أفخاذ والفصيلة بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخد كبني العباس

وأكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات القبيلة ثم البطن وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي إما على العموم مثل أن يقال حي من العرب وإما على الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان

وقال الهمداني في الأنساب الشعب والحي بمعنى (حتى تجعلوا لنا جعلا) بضم الجيم وسكون المهملة ما يعطى على عمل (فجعلوا على ذلك قطيعا من غنم) قال بن التين القطيع الطائفة من الغنم وتعقب بأن القطيع هو الشيء المتقطع من غنم كان أو غيرها وقال بعضهم إن الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين ووقع في رواية الأعمش فإنا نعطيكم ثلاثين شاة

وهو مناسب لعدد السرية كما تقدم وكأنهم اعتبروا عددهم فجعلوا الجعل بإزائه (وما يدريك) هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء وتستعمل في تعظيم الشيء أيضا وهو لائق هنا قاله الحافظ

وفي رواية بعد قوله وما يدريك أنها رقية قلت ألقي في روعي والدارقطني فقلت يا رسول الله شيء ألقي في روعي (ولم يذكر نهيا منه) أي من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك

قوله (وهذا) أي حديث شعبة عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد (أصح من

حديث الأعمش عن جعفر بن إياس) قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا

وقال بن ماجه إنها يعني طريق شعبة الصواب ورجحها الدارقطني في العلل ولم يرجح في السنن شيئا وكذا النسائي والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه فكأنه كان عند أبي بشر عن شيخين فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا ولم يصب بن العربي في دعواه أن هذا الحديث مضطرب فقد رواه عن أبي سعيد أيضا معبد بن سيرين كما سيأتي في فضائل القرآن وسليمان بن قتة كما أخرجه أحمد والدارقطني انتهى

$ 1 - (باب ما جاء في الرقى والأدوية)

قوله [2065] (عن أبي خزامة عن أبيه) اسمه يعمر

قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة يعمر السعدي سعد هذيم والد أبي خزامة أنه قال أرأيت دواء نتداوى به أو رقى نسترقي بها هل يرد ذلك من قدر الله انتهى

قوله (أرأيت رقى نسترقيها إلخ) يأتي هذا الحديث في باب لا ترد الرقى والدواء من قدر الله شيئا من أبواب القدر

ويأتي هناك شرحه

قوله (عن بن أبي خزامة) مجهول كما في التقريب وغيره (وقد روى عن بن عيينة كلتا الروايتين) يعني عن أبي خزامة عن أبيه وبن أبي خزامة عن أبيه

$ 22 - (باب ما جاء في الكمأة والعجوة)

الكمأة بفتح الكاف وسكون الميم بعدهما همزة مفتوحة قال الخطابي وفي العامة من لا يهمزه واحدة الكمأة بفتح ثم سكون ثم همزة مثل تمرة وتمر

وعكس بن الأعرابي فقال الكمأة الجمع والكمأ الواحد على غير قياس قال ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخبء وقيل الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع وقد جمعوها على أكمؤ

قال الشاعر ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا والعساقل بمهملتين وقاف ولام الشراب وكأنه أشار إلى أن الأكمؤ محل وجدانها الفلوات والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق توجد في الأرض من غير أن تزرع والعرب تسمى الكمأة أيضا نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الأرض وهي كثيرة بأرض العرب وتوجد بالشام ومصر فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول والرطب منها أقل ضررا من اليابس وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها فلذلك كان ماؤها شفاء للعين كذا في الفتح

ويقال للكمأة بالفارسية سماروغ وبالهندية كهمبي

والعجوة بفتح العين وسكون الجيم نوع من التمر الجياد بالمدينة المنورة

قوله [2066] (حدثنا سعيد بن عامر) هو الضبعي أبو محمد البصري

قوله (العجوة) هي نوع من تمر المدينة يضرب إلى السواد من غرس للنبي صلى الله عليه وسلم كذا في

النهاية (من الجنة)

قال المناوي يعني هذه العجوة تشبه عجوة الجنة في الشكل والاسم لا في اللذة والطعم انتهى

والمقصود بيان فضل العجوة على سائر أنواع التمر لأنها من أنفع تمر الحجاز على الإطلاق وهو صنف كريم ملذذ متين للجسم والقوة من ألين التمر وأطيبه وألذه (وفيها شفاء من السم) إما لخاصية هذا النوع أو ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم (والكمأة من المن)

قال النووي اختلف في معناه فقال أبو عبيد وكثيرون شبهها بالمن الذي كان ينزل على بني إسرائيل لأنه كان يحصل لهم بلا كلفة ولا علاج والكمأة تحصل بلا علاج ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي ولا غيره وقيل هي من المن الذي أنزل الله تعالى على بني إسرائيل حقيقة عملا بظاهر اللفظ انتهى (وماؤها شفاء للعين) أي شفاء لداء العين في شرح مسلم للنووي

قيل هو نفس الماء مجردا

وقيل معناه أن يخلط ماؤها بدواء ويعالج به العين وقيل إن كان لتبريد ما في العين من حرارة فماؤها مجردا شفاء وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره والصحيح بل الصواب أن ماءها مجردا شفاء للعين مطلقا

فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه

وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردا فشفي وعاد إليه بصره وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الله الدمشقي صاحب صلاح ورواية للحديث وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادا في الحديث وتبركا به انتهى

قوله (وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر) أما حديث سعيد بن زيد فأخرجه الترمذي بعد هذا

وأما حديث أبي سعيد وحديث جابر فأخرجهما أحمد والنسائي وبن ماجه

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وبن ماجه

قوله [2067] (عن عبد الملك بن عمير) هو اللخمي الكوفي (عن عمرو بن حريث) بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي صحابي صغير مات سنة خمس وثمانين (عن سعيد بن زيد) قال في الخلاصة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة

المشهود لهم بالجنة والمهاجرين الأولين شهد المشاهد كلها بعد بدر وذكره البخاري فيمن شهد بدرا في الصحيح وقال الأكثرون لم يشهدها له ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر وعنه عمرو بن حريث وعروة وأبو عثمان النهدي تخلف عن بدر فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم

روي ذلك من طرق

قال خليفة مات سنة إحدى وخمسين

قال الواقدي بالعقيق فحمل إلى المدينة انتهى

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في التفسير والطب وأخرجه مسلم في الأطعمة والنسائي في الطب والوليمة والتفسير وبن ماجه في الطب

قوله [2068] (قالوا الكمأة جدري الأرض) بضم جيم وفتح دال وكسر راء وتشديد ياء هو حب يظهر في جسد الصبي من فضلات تتضمن المضرة تدفعها الطبيعة ويقال له بالهندية جيجك

قال الطيبي شبهوها به في كونها فضلات تدفعها الأرض إلى ظاهرها ذما لها (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين)

قال الطيبي كأنهم لما ذموها وجعلوها من الفضلات التي تتضمن المضرة وتدفعها الأرض إلى ظاهرها كما تدفع الطبيعة الفضلات بالجدري قابله صلى الله عليه وسلم بالمدح بأنه من المن أي مما من الله به عباده أو شبهها بالمن وهو العسل الذي ينزل من السماء إذ يحصل بلا علاج واحتياج إلى بذر وسقي أي ليست بفضلات بل من فضل الله ومنه أو ليست مضرة بل شفاء كالمن النازل انتهى

قوله (هذا حديث حسن)

وأخرجه بن ماجة والطبري من طريق بن المنكدر عن جابر قال كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع قوم من أكلها وقالوا هي جدري الأرض فبلغه ذلك فقال إن الكمأة ليست من جدري الأرض لا إن الكمأة من المن

كذا في الفتح

قوله [2069] (حدثت) بصيغة المتكلم المجهول من الحديث فيه انقطاع (أخذت ثلاثة أكمؤ) بفتح فسكون فضم ميم فهمز أي ثلاثة أشخص منها (أو خمسا أو سبعا) كذا في بعض النسخ بالألف وهو الظاهر ووقع في النسخة الأحمدية أو خمس أو سبع بغير الألف ولا يظهر له وجه إلا بالتكلف فتفكر (فعصرتهن) أي في وعاء (فبرأت) بفتح الراء ويكسر أي شفيت

وحديث أبي هريرة هذا موقوف وفيه انقطاع