)
قوله (يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) بضم الدال على الحكاية واختلف في المراد بذلك فقيل المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة وهذا قول من أثبت البسملة في أولها وتعقب بأنها إنما تسمى الحمد فقط وأجيب بمنع الحصر ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة وهي الحمد لله رب العالمين في صحيح البخاري أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن فذكر الحديث وفيه قال الحمد لله رب العالمين هي سبع المثاني وقيل المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكا بظاهر الحديث وهذا قول من نفى قراءة البسملة لكن لا يلزم من قوله كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم سرا وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سرا كذا في فتح الباري
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم
$ 70 - (باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب [247])
قوله (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) هذا دليل على أن قراءة فاتحة الكتاب فرض في جميع الصلوات فريضة كانت أو نافلة وركن من أركانها
قال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة تحت قوله الأمور التي لا بد منها في الصلاة وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الركنية كقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقوله صلى الله عليه وسلم لا تجزىء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود وما سمى الشارع الصلاة به فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة انتهى كلامه
والحديث بعمومه شامل لكل مصل منفردا كان أو إماما أو مأموما
قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس وأبي قتادة وعبد الله بن عمرو) أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم مرفوعا بلفظ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام الحديث
وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وبن ماجه والطحاوي والبيهقي في كتاب القراءة
والبخاري في جزء القراءة بلفظ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج
وأما حديث أنس وأبي قتادة فلم أقف عليهما وأما حديثهما في القراءة خلف الإمام فسيجيء تخريجهما في باب القراءة خلف الإمام
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة والبخاري في جزء القراءة مرفوعا بلفظ كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي مخدجة مخدجة مخدجة
وفي رواية فهي خداج
قوله (حديث عبادة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة
قوله (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وغيرهم) كعبادة بن الصامت وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين (قالوا لا تجزىء صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وبه يقول بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) فعند هؤلاء قراءة الفاتحة في الصلاة فرض من فروضها وركن من أركانها واستدلوا عليه بأحاديث الباب فإن حديث عبادة بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب تنبيه بليغ على ركنية الفاتحة كما تقدم ورواه الدارقطني وبن خزيمة وبن حبان وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب كما ذكره الحافظ في الفتح
فهذه الرواية نص صريح في ركنية الفاتحة لا يحتمل تأويلا وحديث أبي هريرة وغيره بلفظ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج أيضا يدل على ركنية الفاتحة في الصلاة
فإن معنى قوله خداج أي ناقصة نقص فساد وبطلان
قال الزمخشري في أساس البلاغة ومن المجاز خدج الرجل فهو خادج إذا نقص عضو منه وأخدجه الله فهو مخدج وكان ذو الثدية مخدج اليد وأخدج صلاته نقص بعض أركانها وصلاتي مخدجة وخادجة وخداج وصف بالمصدر انتهى
وقال الخطابي في معالم السنن فهي خداج أي ناقصة نقص بطلان وفساد تقول العرب أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهي مخدج والخداج اسم مبني منه
وقال البخاري في جزء القراءة قال أبو عبيد أخدجت الناقة إذا أسقطت والسقط ميت لا ينتفع به انتهى
وقال الجزري في النهاية الخداج النقصان يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل انتهى
وقال في المصباح المنير قال أبو زيد خدجت الناقة وكل ذات خف وظلف وحافر إذا ألقت ولدها لغير تمام الحمل
وزاد بن القوطية وإن تم خلقه وأخدجته بالألف ألقته ناقص الخلق انتهى
قلت والمراد من إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل وإن تم خلقه إسقاطها والسقط ميت لا ينتفع به كما عرفت فظهر من هذا كله أن قوله فهي خداج معناه ناقصة نقص فساد وبطلان ويدل عليه ما رواه البيهقي في كتاب القراءة بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب
قلت فإن كنت خلف الإمام قال فأخذ بيدي وقال اقرأ في نفسك يا فارسي قال البيهقي رواه بن خزيمة الإمام عن محمد بن يحيى محتجا به على أن قوله في سائر الروايات فهي خداج المراد به النقصان الذي لا تجزىء معه انتهى
فالحاصل أن استدلال أكثر أهل العلم وجمهورهم بأحاديث الباب على ركنية الفاتحة في الصلاة صحيح لا غبار عليه وقولهم هو الراجح المنصور وقال الحنفية بأن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست بفرض وأجابوا عن حديث عبادة بأن النفي في قوله لا صلاة للكمال
ورد هذا الجواب بوجهين الأول أن رواية بن خزيمة وغيره بلفظ لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب تبطل تأويلهم هذا إبطالا صريحا وهذه الرواية صحيحة صرح بصحتها أئمة الفن قال الحافظ في التلخيص ورواه يعني حديث عبادة الدارقطني بلفظ لا تجزئ صلاة إلا أن يقرأ الرجل فيها بأم القران وصححه بن القطان انتهى
وقال القارىء في المرقاة نق عن بن حجر المكي
ومنها خبر بن خزيمة وبن حبان والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ورواه الدارقطني بإسناد حسن وقال النووي رواته كلهم ثقات انتهى والثاني أن النفي في قوله لا صلاة إما أن يراد به نفي الحقيقة أو نفي الصحة أو نفي الكمال فالأول حقيقة والثاني والثالث مجاز والثاني أعني نفي الصحة أقرب المجازين إلى الحقيقة والثالث أعني نفي الكمال أبعدهما فحمل النفي على الحقيقة واجب إن أمكن وإلا فحمله على أقرب المجازين واجب ومتعين ومع إمكان الحقيقة أو أقرب المجازين لا يجوز حمله على أبعد المجازين
قال الشوكاني في النيل والحديث يعني حديث عبادة يدل على تعين الفاتحة في الصلاة وأنه لا يجزئ غيرها وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا
إلى الكمال لأن الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب
وتوجه النفي ها هنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الإجزاء ولا الكمال كما روي عن جماعة لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم إمكان انتفاء الذات
ولو سلم أن المراد ها هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى الذات لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال ما أولا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين وأما ثانيا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث فإنها مصرحة بالإجزاء فتعين تقديره انتهى كلام الشوكاني وقال الحافظ في الفتح إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة وهو السابق إلى الفهم ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس فيكون أولى ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النرسي أحد شيوخ البخاري عن سفيان بهذا الاسناد بلفظ لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وتابعه على ذلك زياد بن أيوب أحد الأثبات أخرجه الدارقطني وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا بهذا اللفظ أخرجه بن خزيمة وبن حبان وغيرهما ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيري عن رجل عن أبيه مرفوعا لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن انتهى كلام الحافظ وأجاب الحنفية عن حديث أبي هريرة المذكور بأن لفظ الخداج يدل على النقصان لا على البطلان لأنه وقع مثل هذا في ترك الدعاء بعد الصلاة في حديث فضل بن عباس ورد بأنه يدل على أن من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فصلاته ناقصة نقص بطلان وفساد وقد عرفت بيانه ولم يقع لفظ الخداج في حديث فضل بن عباس على ترك الدعاء بعد الصلاة فقط بل على ترك مجموع ما ذكر في هذا الحديث ولفظه هكذا الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا
تنبيه اعلم أن مذهب الحنفية أن قراءة الفاتحة ليست بفرض بل هي واجبة قالوا الفرض عندنا مطلق القراءة لقوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القران وتقييده بالحديث زيادة على الكتاب وذا لا يجوز فعملنا بالكتاب والحديث
فقلنا إن مطلق القرآن فرض وقراءة الفاتحة واجب
قلت إثبات فرضية مطلق القرآن بهذه الآية مبني على أن المراد من قوله تعالى فاقرأوا قراءة القرآن بعينها وهو ليس بمتفق عليه بل فيه قولان قال الرازي في تفسيره فيه قولان الأول أن المراد من هذه القراءة الصلاة أي فصلوا ما تيسر عليكم
القول الثاني أن المراد من قوله فاقرأوا ما تيسر من القران قراءة القرآن بعينها انتهى
وهكذا في عامة كتب التفسير والقول الثاني فيه بعد عن مقتضى السياق قال الشيخ الألوسي البغدادي في تفسيره المسمى بروح المعاني أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل
عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها
وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها
وفيه بعد عن مقتضى السياق انتهى كلامه
فلما ظهر أن في قوله تعالى فاقرأوا القولين المذكورين وأن القول الثاني فيه بعد لاح لك أن الاستدلال به على فرضية مطلق القراءة غير صحيح ولو سلمنا أن المراد هو القول الثاني أعني قراءة القرآن بعينها فحديث الباب مشهور بل متواتر قال الإمام البخاري في جزء القراءة تواتر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن انتهى والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية على أن قوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القران عام مخصوص منه البعض فهو ظني فلا يدل على فرضية مطلق القراءة ويجوز تخصيصه ولو بالأحاديث قال الملاجيون في تفسيره ثم أقل القراءة فرضا عندنا آية واحدة طويلة كآية الكرسي وغيرها أو ثلاث آيات قصيرة كمدهامتان وهذا هو الأصح وقيل إنه واحدة طويلة كانت أو قصيرة وذلك مما لا يعتد به ينادي عليه كتب الفقه وعلى كل تقدير يكون ما دون الآية مخصوصا من هذا العام فيكون العام ظنيا فينبغي أن لا يدل على فرضية القراءة وأن يعارضه الحديث حجة للشافعي انتهى كلامه
وأما ما قيل من أن الآية لا يسمى قراءة القرآن عرفا والعرف قاض على الحقيقة اللغوية فهذا دعوى لا دليل عليها ويلزم منها أن يكون مدهامتان التي هي كلمة واحدة قراءة القرآن ولا يكون أكثر آية المداينة التي هي كلمات كثيرة قراءة القرآن وهذا كما ترى وأيضا يلزم منه أنه لو قرأ أحد نصف آية المداينة في الصلاة لا تجوز
وعامة الحنفية على جوازها
قال في فتح القدير
ولو قرأ نصف آية المداينة قيل لا يجوز لعدم تمام الآية وعامتهم على الجواز انتهى
فإن قلت قوله صلى الله عليه وسلم حين تعليم المسيء صلاته إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن رواه البخاري يدل على عدم فرضية الفاتحة إذ لو كانت فرضا لأمره لأن المقام مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان عنه
قلت قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة الفاتحة فأخرج أبو داود في سننه من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا وإذا قمت فتوجهت فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ وأجاب الخطابي عن
هذا بأن قوله ثم اقرأ ما تيسر معك من القران ظاهر لإطلاق التخيير لكن المراد به فاتحة الكتاب بدليل حديث عبادة وهو كقوله تعالى فما استيسر من الهدى ثم عينت السنة المراد
والحاصل أن قراءة الفاتحة في الصلوات فرض من فروضها ولم يقم دليل صحيح على ما ذهب إليه الحنفية
هذا ما عندي والله تعالى أعلم
(باب ما جاء في التأمين