)
قوله (عن سمي) بضم السين وفتح الميم وشدة الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني روى عن مولاه وأبي صالح ذكوان وبن المسيب وغيرهم قال أحمد وأبو حاتم ثقة وذكره بن حبان في الثقات وقال قتلته الحرورية سنة 53 خمس وثلاثين وقال النسائي في الجرح والتعديل ثقة كذا في تهذيب التهذيب (عن أبي صالح) هو ذكوان
قوله (إذا تفرجوا) إذا باعدوا اليدين عن الجنبين ورفعوا البطن عن الفخذين في السجود استعينوا بالركب قال بن عجلان أحد رواة الحديث وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا ذكره الحافظ في الفتح
والحديث يدل على مشروعية الاستعانة بالركب في السجود عند المشقة في التفريج
قال الحافظ بعد ذكر أحاديث التفريج في السجود ما لفظه ظاهر هذه الأحاديث وجوب التفريج المذكور لكن أخرج أبو داود ما يدل على أنه للاستحباب وهو حديث أبي هريرة شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال استعينوا بالركب وترجم له الرخصة في ذلك أي في ترك التفريج انتهى
قلت الظاهر أن التفريج في السجود واجب عند عدم المشقة فيه وأما عند وجود المشقة فيه فيجوز ترك التفريج والاستعانة بالركب والله تعالى أعلم
وحديث الباب أخرجه أبو داود
تنبيه قال الحافظ بن حجر في فتح الباري بعد نقل حديث الباب عن سنن أبي داود ما لفظه وقد أخرج الترمذي الحديث المذكور ولم يقع في روايته يعني في رواية الترمذي إذا انفرجوا فترجم له باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من
السجود طالبا للقيام واللفظ يحتمل ما قال لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تعين المراد انتهى كلام الحافظ
وقال العيني في عمدة القارىء ما لفظه وفي التلويح وزعم أبو داود أن هذا كان رخصة وأما أبو عيسى الترمذي فإنه فهم منه غير ما قاله بن عجلان فذكره في باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود انتهى
قلت قد وقع في جميع نسخ جامع الترمذي الموجودة عندنا باب ما جاء في الاعتماد في السجود وليس في واحد منها إذا قام من السجود وقد وقع في جميعها لفظ إذا تفرجوا كما وقع في رواية أبي داود فلعله وقع في بضع النسخ كما قال الحافظ وصاحب التوشيح والله تعالى أعلم
$ 8 - (باب كيف النهوض من السجود [287])
قوله (إذا كان في وتر من صلاته) أي في الركعة الأولى والثالثة (لم ينهض) أي لم يقم (حتى يستوي جالسا) وهذه الجلسة تسمى بجلسة الاستراحة قال الحافظ في الفتح وفيه مشروعية جلسة الاستراحة وأخذ بها الشافعي وطائفة من أهل الحديث وعن أحمد روايتان وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها ولم يستحبها الأكثر انتهى كلامه
واستدل من قال بسنية جلسة الاستراحة بحديث الباب وهو حديث صحيح وبأحاديث أخرى فمنها حديث أبي حميد الساعدي أنه قال في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
أنا أعلمكم
بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فاعرض قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه الحديث وفيه ثم يهوي إلى الأرض ساجدا فيجافي يديه عن جنبيه ويفتح أصابع رجليه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا ثم يسجد ثم يقول الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم ينهض ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك إلخ رواه أبو داود والدارمي وروى الترمذي وبن ماجه معناه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح كذا في مشكاة المصابيح
ولفظ الترمذي هكذا ثم هوى إلى الأرض ساجدا ثم قال الله أكبر ثم جافى عضديه عن إبطيه وفتح أصابع رجليه ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك إلخ
ومنها حديث بن عباس في صلاة التسبيح رواه أبو داود وآخرون وفيه ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كل ركعة
تفعل ذلك في أربع ركعات الحديث
قال الفاضل اللكنوي في كتابه الآثار المرفوعة بعد كلام طويل في إثبات صلاة الصبح ما لفظه اعلم أن أكثر أصحابنا الحنفية وكثيرا من المشايخ الصوفية قد ذكروا في كيفية صلاة التسبيح الكيفية التي حكاها الترمذي والحاكم عن عبد الله بن المبارك الخالية عن جلسة الاستراحة والشافعية والمحدثون أكثرهم اختاروا الكيفية المشتملة على جلسة الاستراحة وقد علم مما أسلفنا أن الأصح ثبوتا هو هذه الكيفية فليأخذ بها من يصليها حنفيا كان أو شافعيا انتهى
قلت الأمر كما قال
تنبيه قد اعتذر الحنفية وغيرهم ممن لم يقل بجلسة الاستراحة عن العمل بحديث مالك بن الحويرث المذكور في الباب بأعذار كلها باردة فمنها ما قال صاحب الهداية من الحنفية إنه محمول على حال الكبر ورده صاحب بحر الرائق حيث قال يرد عليه بأن هذا الحمل يحتاج إلى دليل وقد قال عليه الصلاة والسلام صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى
وقال الحافظ بن حجر في الدراية هذا تأويل يحتاج إلى دليل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يفصل له فالحديث حجة في الاقتداء به في ذلك انتهى
ومنها ما قال الطحاوي من أن حديث أبي حميد الساعدي خال عنها أي عن جلسة الاستراحة فإنه ساقه بلفظ قام ولم يتورك قال فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث
مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد لأجلها لا أن ذلك من سنة الصلاة انتهى
وفيه أن الأصل عدم العلة وأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث صلوا كما رأيتموني أصلي فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا الأمر ولم تتفق الروايات عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة بل أخرجه أبو داود من وجه آخر بإثباتها كذا في فتح الباري
قلت وكذلك أخرجه الترمذي بإثباتها كما تقدم
ومنها أنها لو كانت سنة لشرع لها ذكر مخصوص
وفيه أنها جلسة خفيفة جدا استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام فإنها من جملة النهوض إلى القيام
ومنها أنها لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه أن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصفع صلاته صلى الله عليه وسلم إنما أخذ مجموعها من مجموعهم
والحاصل أن حديث مالك بن الحويرث حجة قوية لمن قال بسنية جلسة الاستراحة وهو الحق والأعذار التي ذكرها الحنفية وغيرهم لا يليق أن يلتفت إليها
قوله (حديث مالك بن الحويرث حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلما وبن ماجه
قوله (والعمل عليه عند بعض أهل العلم) وبه قال الشافعي وطائفة من أهل الحديث وإلى القول بها رجع أحمد كما تقدم
تنبيه اعلم أنه قد ثبت أن الإمام أحمد رجع عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها
قال بن قدامة في المغني واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة فروي عنه لا يجلس وهو اختيار الخرقي والرواية الثانية أنه يجلس واختارها الخلال قال الخلال رجع أبو عبد الله إلى هذا يعني ترك قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض متفق عليه وذكره أيضا أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث حسن صحيح فيتعين العمل به والمصير إليه انتهى
وكذلك في الشرح الكبير على متن المقنع لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن المقدسي وفيه والثانية أنه يجلس
اختارها الخلال قال الخلال رجع أبو عبد الله عن قوله بترك الجلوس
وقال الحافظ بن القيم في زاد المعاد قال الخلال رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة انتهى
وكذلك
في كثير من كتب الحنابلة وغيرهم
ففي رجوع الإمام أحمد عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها لا شك فيه وقد نقل بعض الحنفية في تعليقاته على الترمذي رجوعه عن الحافظ بن حجر وعن بن القيم ثم قال وظني أن أحمد لم يرجع انتهى
قلت مبنى ظنه هذا ومنشؤه ليس إلا التقليد فإنه إذا تمكن في قلب ورسخ فيه ينشأ منه كذلك ظنون فاسدة (وبه يقول أصحابنا) يعني أصحاب الحديث وقد تقدم في المقدمة أن الترمذي رحمه الله إذا قال أصحابنا يريد بهم أصحاب الحديث
9214214214 214 -
باب منه أيضا [288] قوله (عن خالد بن إياس) بكسر الهمزة وخفة التحتية (ويقال خالد بن إلياس) قال الحافظ في التقريب خالد بن إلياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبو الهيثم العدوي المدني إمام المسجد النبوي متروك الحديث من السابعة
وقال الذهبي في الميزان قال البخاري ليس بشيء
وقال أحمد والنسائي متروك (عن صالح مولى التوأمة) بفتح المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة قال الحافظ صدوق اختلط باخره
قال بن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وبن جريج من الرابعة
قوله (ينهض في الصلاة على صدور قدميه) أي بدون الجلوس
والحديث قد استدل به من لم يقل بسنية جلسة الاستراحة لكن الحديث ضعيف لا يقوم بمثله الحجة فإن في سنده خالد بن إياس وهو متروك كما عرفت وأيضا فيه صالح مولى التوأمة وكان قد اختلط بآخره كما عرفت
قوله (حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه) لو قال الترمذي عليه العمل عند بعض أهل العلم أو عند أكثر أهل العلم
لكان أولى فإنه قد قال في الباب المتقدم بعد رواية حديث مالك بن الحويرث والعمل عليه عند بعض أهل العلم وبه يقول أصحابنا
واستدل من اختار النهوض في الصلاة على صدور القدمين بحديث الباب وقد عرفت أنه حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال واستدلوا بأحاديث أخرى وآثار فعلينا أن نذكرها مع الكلام عليها
فمنها حديث عكرمة قال صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس إنه أحمق فقال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم رواه البخاري
قيل يستفاد منه ترك جلسة الاستراحة وإلا لكانت التكبيرات أربعا وعشرين مرة لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود
وأجيب عنه بأن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جدا ولذلك لم يشرع فيها ذكر فهي ليست بجلسة مستقلة بل هي من جملة النهوض إلى القيام فكيف يستفاد من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة وحديث مالك بن الحويرث يدل على ثبوتها بالعبارة
ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة
ومنها حديث أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه ثم كبر وخر ساجدا ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فانتهض قائما رواه أحمد
قيل قوله ثم كبر فسجد ثم كبر فانتهض قائما يدل على نفي جلسة الاستراحة
وأجيب عنه بأن في إسناده شهر بن حوشب قال الحافظ في التقريب كثير الإرسال والأوهام انتهى
ثم هذا الحديث ليس بصريح بنفي جلسة الاستراحة ولو سلم فهو إنما يدل على نفي وجوبها لا على نفي سنيتها ثم حديث مالك بن الحويرث أقوى وأصح وأثبت من هذا الحديث
ومنها حديث أبي حميد الساعدي وفيه ثم كبر فسجد ثم كبر فقام ولم يتورك رواه أبو داود
وأجيب عنه بأن أبا داود رواه بإسناد آخر صحيح
والترمذي بإثبات جلسة الاستراحة وقال الترمذي حسن صحيح وقد تقدم لفظهما والمثبت مقدم على النافي
وأما الآثار فمنها أثر النعمان بن أبي عياش قال أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس رواه أبو بكر بن أبي شيبة
والجواب عنه أن في إسناده محمد بن عجلان وهو مدلس ورواه عن النعمان بن عياش بالعنعنة على أن محمد بن عجلان سيء الحفظ وقد تفرد هو به وروى عنه أبو خالد الأحمر وهو أيضا سيىء الحفظ
ومنها أثر بن مسعود رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن الكبرى عن عبد الرحمن بن يزيد قال رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس قال ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة
والجواب عنه أن البيهقي قال في السنن الكبرى بعد ذكر هذا الأثر وهو عن بن مسعود صحيح ومتابعة السنة أولى انتهى
كذا في الجوهر النقي ص 741 ج 1
قلت وترك بن مسعود رضي الله عنه جلسة الاستراحة إنما يدل على عدم وجوبها لا على نفي سنيتها
ومنها ما أخرج البيهقي عن عطية العوفي قال رأيت بن عمر وبن عباس وبن الزبير وأبا سعيد الخدري يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة
والجواب أن البيهقي قال بعد إخراج هذا الأثر وعطية لا يحتج به انتهى
وقال الذهبي في الميزان عطية بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف انتهى
$ 00 - (باب ما جاء في التشهد [289])
قوله (التحيات) جمع تحية ومعناها السلام وقيل البقاء وقيل العظمة وقيل السلامة من الآفات والنقص وقيل الملك
قال المحب الطبري يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين هذه المعاني
وقال الخطابي والبغوي المراد بالتحيات لله أنواع التعظيم له (والصلوات) قيل المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة وقيل العبادات كلها وقيل
المراد الرحمة وقيل التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية والطيبات الصدقات المالية (والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به وقيل الطيبات ذكر الله وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم
قال بن دقيق العيد إذا حملت التحية على السلام فيكون التقدير التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله تعالى وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله لله أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء وإذا حملت على الدعاء فظاهر وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأفعال والأقوال والأوصاف وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب (السلام عليك أيها النبي) فإن قيل كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيا عنه في الصلاة
فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم
فإن قيل ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى تحية الصالحين أجاب الطيبي بما محصله نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة
قاله الحافظ في الفتح قال وقد ورد في بعض طرق حديث بن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيقال بلفظ الخطاب وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة ففي الاستيذان من صحيح البخاري من طريق أبي معمر عن بن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال وهو بين أظهرنا فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي كذا وقع في البخاري وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبحاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ فلما قبض قلنا السلام على النبي بحذف لفظ يعني وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم قال وقد وجدت له متابعا قويا قال عبد الرزاق أخبرنا بن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي صلى الله عليه وسلم حي السلام عليك أيها النبي فلما مات قالوا السلام على النبي وهذا إسناد صحيح انتهى (ورحمة الله) أي إحسانه (وبركاته) أي زيادته من كل خير (السلام علينا) استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء وفي الترمذي مصححا عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه وأصله في صحيح مسلم ومنه قول نوح وإبراهيم عليهما السلام كما في التنزيل (وعلى عباد الله الصالحين) الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه
من حقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته
قال الحكيم الترمذي من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبدا صالحا والإحرام هذا الفضل العظيم كذا في الفتح
قوله (وفي الباب عن بن عمر وجابر وأبي موسى وعائشة أما حديث بن عمر فأخرجه أبو داود والدارقطني)
والطبراني وأما حديث جابر فأخرجه النسائي وبن ماجه والحاكم ورجاله ثقات كذا في النيل وأما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأما حديث عائشة فأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي ورجح الدارقطني وقفه قاله في النيل
قوله (حديث بن مسعود قد روي عنه من غير وجه وهو أصح حديث إلخ) قال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال هو عندي حديث بن مسعود وروي من نيف وعشرين طريقا ثم سرد أكثرها وقال لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالا ذكره الحافظ وقال لا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره وأن الرواة عنه الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره
وأنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقينا ففي رواية للطحاوي أخذت التشهد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقنيه كلمة كلمة ثم ذكر الحافظ وجوها أخر لرجحانه
قوله (وهو قول سفيان الثوري وبن المبارك وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة واختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعا ولفظه نحو حديث بن عباس إلا أنه قال الزاكيات بدل المباركات وكأنه بالمعنى واختار الشافعي تشهد بن عباس وقال بعد أن أخرج حديث بن عباس رويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إلي لأنه أكملها وقال في موضع آخر وقد سئل عن اختياره تشهد بن عباس لما رأيته واسعا
وسمعته عن بن عباس صحيحا كان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح ذكره الحافظ وقال ثم إن هذا الاختلاف إنما هو الأفضل وكلام الشافعي المتقدم يدل على ذلك انتهى
قلت لا شك في أن حديث بن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية في التشهد فالأخذ به هو الأولى والله تعالى أعلم
01 -
باب منه أيضا [290] قوله (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله) المباركات جمع مباركة معناها كثيرة الخير وقيل النماء
قال النووي تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث بن مسعود وغيره ولكن حذفت الواو اختصارا وهو جائز معروف في اللغة (سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا) كذا وقع في هذا الكتاب سلام عليك وسلام علينا بغير الألف واللام والحديث رواه مسلم في صحيحه السلام عليك السلام علينا بالألف واللام قال النووي يجوز فيه وفيما بعده حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين
قال الحافظ في الفتح لم يقع في شيء من طرق حديث بن مسعود بحذف اللام وإنما اختلف ذلك في حديث بن عباس وهو من أفراد مسلم
قوله (الرؤاسي) بضم راء فهمزة وسين مهملة منسوب إلى رؤاس بن كلاب كذا في
المغني
قوله (وروى أيمن بن نابل) بنون وموحدة (عن أبي الزبير عن جابر) وأما الليث وعبد الرحمن بن حميد فرويا عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاووس عن بن عباس (وهو غير محفوظ) قال الحافظ في التلخيص أيمن بن نابل رواية عن أبي الزبير أخطأ في إسناده وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي الزبير فقال عن أبي الزبير عن طاووس وسعيد بن جبير عن بن عباس قال حمزة الكناني قوله عن جابر خطأ ولا أعلم أحدا قال في التشهد بسم الله وبالله إلا أيمن
وقال الدارقطني ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد
وقال الترمذي سألت البخاري عنه فقال خطأ وقال النسائي لانعلم أحدا تابعه وهو لا بأس به لكن الحديث خطأ انتهى باختصار
$ 02 - (باب ما جاء أنه يخفي التشهد [291])
قوله (يونس بن بكير) بن واصل الشيباني أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطيء قاله الحافظ وقال الخزرجي قال بن معين ثقة وضعفه النسائي وقال أبو داود ليس بحجة يأخذ كلام بن إسحاق فيوصله روى له مسلم متابعة
قوله (من السنة) قال الطيبي إذا قال الصحابي من السنة كذا فهو في الحكم كقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء وجعل بعضهم موقوفا وليس بشيء انتهى
قوله (حديث بن مسعود حديث حسن غريب) والحديث رواه أبو داود والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم
قلت في سنده يونس بن بكير وقد عرفت حاله وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس
$ 03218218218 - 2 - 1 - 8
(باب كيف الجلوس في التشهد [292])
قوله (أخبرنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد
قوله (افترش رجله اليسرى) وفي رواته الطحاوي وسعيد بن منصور فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها
والحديث قد احتج به القائلون باستحباب الافتراش في التشهدين وأجيب بأن هذا الحديث مطلق وحديث أبي حميد الآتي مقيد فيحمل المطلق على المقيد
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وبن ماجه
قوله (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم وهو قول سفيان الثوري وبن المبارك وأهل
الكوفة) قال النووي اختلف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين التورك أم الافتراش فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما ومذهب أبي حنيفة وطائفة تفضيل الافتراش فيهما ومذهب الشافعي وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الأخير الحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري وهو صريح في الفرق بين التشهدين
قال الشافعي والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو في أحدهما وقد بينه أبو حميد ورفقته ووصفوا الافتراش في الأول والتورك في الأخير وهذا مبين فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم انتهى كلام النووي
وقال الحافظ في الفتح واختلف فيه قول أحمد والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها التشهدان انتهى
قلت استدل لما ذهب إليه مالك ومن معه بما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال أراني هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك
والجواب أن هذا معارض بما رواه النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى فيحمل ما رواه مالك على التشهد الأخير وما رواه النسائي على التشهد الأول دفعا للتعارض
واستدل للشافعي ومن معه بحديث أبي حميد الساعدي قال أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته رواه البخاري
قال الحافظ في الفتح في رواية عبد الحميد حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم وفي رواية عند بن حبان التي تكون خاتمة الصلاة أخرج رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر قال وفي هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة
لهيئة الجلوس في الأخير
وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما إنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به واستدل به
الشافعي أيضا على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره لعموم قوله في الركعة الأخيرة انتهى كلام الحافظ
واستدل لما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه من تفضيل الافتراش في التشهدين بحديث وائل بن حجر المذكور في هذا الباب
والجواب أنه محمول على التشهد الأول بحديث أبي حميد الساعدي المذكور لما رواه النسائي في باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول عن وائل بن حجر قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة الحديث وفيه وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى إلخ وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة الحديث وفيه وكان يقول في كل ركعتين التحيات وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة الشيطان رواه مسلم
والجواب أن هذا الحديث محمول على التشهد الأول جمعا بين الأحاديث
وأما قول بن التركماني بأن إطلاقه يدل على أن ذلك كان في التشهدين بل هو في قوة قولها وكان يفعل ذلك في التشهدين إذ قولها أولا وكان يقول في كل ركعتين التحيات يدل على هذا التقدير ففيه وإن إطلاقه وإن كان يدل على ما قال لكن حمله على التشهد الأول متعين جمعا بين الأحاديث
على أن حديث أبي حميد الساعدي المذكور نص صريح في ثبوت التورك في التشهد الثاني وحديث عائشة ليس بنص في نفيه بل غاية ما يقال إنه يدل بظاهره على نفي التورك وقد تقرر في مقره أن النص يقدم على الظاهر عند التعارض وبحديث بن عمر قال من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة والجلوس على اليسرى رواه النسائي
قلت تقدم الجواب عن هذا الحديث آنفا فتذكر
والحاصل أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه مالك ومن معه ولا فيما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه وأما ما ذهب إليه الشافعي ومن معه ففيه نص صريح فهو المذهب الراجح تنبيه اعلم أن صاحب الهداية من الحنفية أجاب عن حديث أبي حميد الساعدي بأنه ضعفه الطحاوي أو يحمل على الكبر
قلت جوابه هذا ليس مما يصغى إليه
قال الحافظ في الدراية قوله والحديث يعني حديث أبي حميد ضعفه الطحاوي أو يحمل على حالة الكبر أما تضعيف الطحاوي فمذكور في شرحه بمالا يلتفت إليه وأما الحمل فلا يصح لأن أبا حميد وصف صلاته التي واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ووافقه عشرة من الصحابة ولم يخصوا ذلك بحال الكبر والعبرة بعموم اللفظ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى كلام الحافظ وقد أنصف صاحب التعليق الممجد من الحنفية حيث قال في تعليقه على موطأ محمد المسمى بالتعليق الممجد وحمل أصحابنا هذا يعني حديث أبي حميد الساعدي على العذر وعلى بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل ومال الطحاوي إلى تضعيفه وتعقبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا مزيد عليه
وذكر قاسم بن قطلوبغا في رسالته الأسوس في كيفية الجلوس في إثبات مذهب الحنفية أحاديث كحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى وحديث وائل صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى أخرجه سعيد بن منصور وحديث المسيء صلاته أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جلست فاجلس على فخذك اليسرى أخرجه أحمد وأبو داود وحديث بن عمر من سنة الصلاة إلخ
ولا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحا بل يحتمله وغيره وما كان منها دالا صريحا لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعى والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحا على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة وحديث أبي حميد مفصل فليحمل المبهم على المفصل انتهى
04 -
باب منه أيضا [293] قوله (أخبرنا فليح بن سليمان) بن أبي المغيرة المدني ويقال فليح لقب واسمه عبد الملك صدوق كثير الخطأ (أخبرنا عباس بن سهل الساعدي) ثقة
قوله (فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته) هذه الجلسة هي جلسة التشهد الأول بدليل حديث أبي حميد الذي رواه البخاري فإنه وصف فيه هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة ثم وصف بعدها هيئة الجلوس الآخر فذكر فيها التورك وقد تقدم لفظه
ورواه الترمذي في هذا الباب مختصرا ورواه في باب وصف الصلاة مطولا وفي آخره
حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا ثم سلم
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلما
قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق قالوا يقعد في التشهد الآخر على وركه) قال في القاموس الورك بالفتح والكسر وككيف ما فوق الفخذ مؤنثة ج أوراك وورك يرك وركا وتورك وتوارك اعتمد على وركه انتهى
وقد تقدم أن المشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان (واحتجوا بحديث أبي حميد) أي بحديثه المطول الآتي في باب وصف الصلاة وهو احتجاج قوي لمن قال بسنية التورك في الجلسة الأخيرة وهو القول الراجح وأما قول من قال من الحنفية كصاحب الهداية إنه ضعيف أو إنه محمول على حالة الكبر أو على حالة العذر فهو مما لا يلتفت إليه كما عرفت في الباب المتقدم
$ 05 - (باب ما جاء في الإشارة في التشهد [294])
قوله (كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته ورفع إصبعه) ظاهره أن
رفع الإصبع كان في ابتداء الجلوس (التي تلي الإبهام) وهي المسبحة (يدعو بها) أي يشير بها (باسطها عليه) بالنصب أي حال كونه باسطايده على ركبته اليسرى من غير رفع إصبع وفي رواية مسلم باسطها عليها وهو الظاهر
واعلم أنه قد ورد في وضع اليد اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها وليس في هذا الحديث ذكر قبض الأصابع وكذلك أخرج مسلم من حديث بن الزبير وكذلك أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض والظاهر أن تحمل هذه الأحاديث على الأحاديث التي فيها ذكر القبض
والثانية أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المسبحة ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة وهو عقد ثلاثة وخمسين كما أخرج مسلم من حديث بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة انتهى
والثالثة أن يعقد الخنصر والبنصر ويرسل السبابة ويحلق الإبهام والوسطى كما أخرج أبو داود والنسائي من حديث وائل بن حجر في وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة وأشار بالسبابة
والرابعة قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة كما روي مسلم من حديث بن عمر مرفوعا كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام
قال الزيلعي الأخبار وردت بها جميعا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع مرة هكذا ومرة هكذا
وقال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات انتهى
فجعل الحافظ بن القيم في زاد المعاد هذه الروايات كلها واحدة وتكلف في بيان توحيدها
والحق ما قال الرافعي ومحمد بن إسماعيل الأمير
قوله (حديث بن عمر حديث حسن غريب إلخ) وأخرجه مسلم
قوله (والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين يختارون الإشارة في التشهد وهو قول أصحابنا) المراد بقوله أصحابنا أهل الحديث رحمهم الله تعالى كما حققناه في المقدمة وكان للترمذي أن يقول والعمل عليه عند أهل العلم أو عند عامة أهل العلم فإنه لا يعرف في هذا خلاف السلف
قال محمد في موطأه بعد ذكر حديث بن عمر في الإشارة وبصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ
وهو قول أبي حنيفة انتهى
قال علي القارىء وكذا قول مالك والشافعي وأحمد ولا يعرف في المسألة خلاف السلف من العلماء وإنما خالف فيها بعض الخلف في مذهبنا من الفقهاء انتهى
وقال صاحب التعليق الممجد من العلماء الحنفية أصحابنا الثلاثة يعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا اتفقوا على تجويز الإشارة لثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بروايات متعددة وقد قال به غير واحد من العلماء حتى قال بن عبد البر إنه لا خلاف في ذلك وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى كصاحب الخلاصة وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة بل ذكر بعضهم أنها مكروهة فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة انتهى
تنبيه قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا يشير عند قوله إلا الله من الشهادة انتهى
وقال صاحب سبل السلام موضع الإشارة عند قوله لا إله إلا الله لما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى
وقال الطيبي في شرح قوله وأشار بالسبابة في حديث بن عمر أي رفعها عند قوله إلا الله ليطابق القول الفعل على التوحيد انتهى
وقال علي القارىء في المرقاة بعد ذكر قول الطيبي هذا وعندنا يعني الحنفية يرفعها عند لا إله ويضعها عند إلا الله لمناسبة الرفع للنفي وملاءمة الوضع للإثبات ومطابقة بين القول والفعل حقيقة انتهى
قلت ظاهر الأحاديث يدل على الإشارة من ابتداء الجلوس ولم أر حديثا صحيحا يدل على ما قال الشافعية والحنفية
وأما ما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف عليه ولم يذكر صاحب السبل سنده ولا لفظه فالله تعالى أعلم كيف حاله
تنبيه آخر قد جاء في تحريك السبابة حين الإشارة حديثان مختلفان فروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها
قال النووي إسناده صحيح
فهذا الحديث يدل صراحة على عدم التحريك وهو قول أبي حنيفة
وحديث وائل بن حجر يدل على التحريك وهو مذهب مالك
قال البيهقي يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث بن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وبن حبان في صحيحه بلفظ كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته
قال الشوكاني في النيل ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل فإنها بلفظ وأشار بالسبابة انتهى
فائدة السنة أن لا يجاوز بصره إشارته كما في حديث بن الزبير المذكور آنفا ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص
وقال بن رسلان والحكمة في الإشارة بها أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد
$ 06 - (باب ما جاء في التسليم في الصلاة [295])
قوله (عن عبد الله) هو بن مسعود رضي الله عنه (كان يسلم عن يمينه) قال الطيبي أي مجاوزا نظره عن يمينه كما يسلم أحد على من في يمينه (وعن يساره) فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار وزاد أبو داود حتى يرى بياض خده
وفيه دليل على مبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار (السلام عليكم إلخ) إما حال مؤكدة أي يسلم قائلا السلام عليكم أو جملة استئنافية على تقدير ماذا كان يقول
قوله (وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص وبن عمر وجابر بن سمرة والبراء وعمار
ووائل بن حجر وعدي بن عميرة وجابر بن عبد الله) أما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه مسلم بلفظ قال كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده
وأما حديث بن عمر فأخرجه البيهقي مرفوعا بلفظ كان يسلم عن يمينه وعن يساره
وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم
وأما حديث البراء فأخرجه الدارقطني في سننه بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين وفيه حريث بن أبي عطر تكلم فيه البخاري وغيره
وأما حديث عمار فأخرجه الدارقطني وبن ماجه
وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أبو داود قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله
قال النووي في الخلاصة إسناده صحيح
وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه بن ماجه
قال الحافظ في التلخيص إسناده حسن
وأما حديث جابر بن عبد الله فلينظر من أخرجه
وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص والزيلعي في نصب الراية من شاء الوقوف عليها فليرجع إليهما
قوله (حديث بن مسعود حديث حسن صحيح) قال في التلخيص أخرجه الأربعة والدارقطني وبن حبان وله ألفاظ وأصله في صحيح مسلم من طريق أبي معمر أن أميرا كان بمكة يسلم تسليمتين فقال عبد الله يعني بن مسعود أنى علقها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله
وقال العقيلي والأسانيد صحاح ثابتة في حديث بن مسعود في تسليمتين ولا يصح في تسليمة واحدة
قوله (والعمل عليه) أي على ما يدل عليه حديث بن مسعود من أن المسنون في الصلاة تسليمتان عند أكثر أهل العلم إلخ) وهو القول الراجح المنصور المعول عليه
107 -
باب منه أيضا [296] قوله (عن زهير بن محمد) قال الحافظ في التقريب زهير بن محمد التيمي أبو المنذر سكن الشام ثم الحجاز ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها
قال البخاري عن أحمد كان زهيرا الذي يروي عنه الشاميون آخر
وقال أبو حاتم حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه انتهى
قوله (كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه) فيه دلالة على مشروعية التسليمة الواحدة في الصلاة لكن الحديث ضعيف فإنه رواه عن زهير بن محمد عمرو بن أبي سلمة وهو شامي ورواية أهل الشام عنه ضعيفة
وقال الحافظ بن حجر في مقدمة الفتح
أما رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي يعني عن زهير بن محمد فبواطيل انتهى
وقال في الفتح ذكر العقيلي وبن عبد البر أن حديث التسليمة الواحدة معلول وبسط بن عبد البر الكلام على ذلك انتهى
قوله (وفي الباب عن سهل بن سعد) أخرجه بن ماجه بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وقد قال البخاري إنه منكر الحديث وقال النسائي متروك كذا في النيل
وفي الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة ذكرها الزيلعي في نصب الراية مع بيان ضعفها
قوله (وحديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه) والحديث أخرجه بن ماجه والحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين
قال صاحب التنقيح وزهير بن محمد وإن كان من رجال الصحيحين لكن له مناكير
وهذا الحديث منها
قال أبو حاتم هو حديث منكر والحديث
أصله الوقف على عائشة هكذا رواه الحافظ انتهى
وقال النووي في الخلاصة هو حديث ضعيف ولا يقبل تصحيح الحاكم له وليس في الاقتصار على تسليمة واحدة شيء ثابت انتهى كذا في نصب الراية
قوله (ورواية أهل العراق أشبه) أي رواية أهل العراق عن زهير بن محمد أشبه بالصواب والصحة (كأن) من الحروف المشبهة بالفعل (والذي كان وقع عندهم) أي عند أهل الشام (ليس هو هذا الذي يروى عنه بالعراق) أي يروي الناس عنه في العراق فقوله يروى بصيغة المجهول
قوله (وقد قال به بعض أهل العلم في التسليم في الصلاة) يعني قال بالتسليم الواحد في الصلاة
قال الشوكاني في النيل وذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة بن عمر وأنس وسلمة بن الأكرع وعائشة من الصحابة والحسن وبن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين ومالك والأوزاعي والإمامية وأحد قولي الشافعي وغيرهم قال والحق ما ذهب إليه الأولون يعني القائلين بالتسليمتين لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين وصحة بعضها وحسن بعضها واشتمالها على الزيادة وكونها مثبتة بخلاف الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدةفإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة انتهى كلام الشوكاني
قوله (قال الشافعي إن شاء سلم تسليمة واحدة وإن شاء تسليمتين) كذا قال
الترمذي وقال النووي في شرح مسلم تحت حديث سعد رضي الله عنه قال كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره إلخ فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه يسن تسليمتان انتهى فكلام النووي هذا خلاف ما حكاه الترمذي عن الشافعي
فالظاهر أن للشافعي في هذه المسألة قولين
$ 08 - (باب ما جاء أن حذف السلام سنة [297])
قال بن الأثين حذف السلام هو تخفيفه وترك الإطالة فيه يدل عليه حديث النخعي التكبير جزم والسلام جزم فإنه إذا جزم السلام وقطعه فقد خففه وحذفه انتهى
قوله (والهقل بن زياد) بكسر أوله وسكون القاف ثم لام قيل هو لقب واسمه محمد أو عبد الله وكان كاتب الأوزاعي ثقة كذا في التقريب
قوله (حذف السلام بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة بعدها فاء هو ما نقل الترمذي عن بن المبارك) أي تمده مدا يعني يترك الإطالة في لفظه ويسرع فيه
وقال بن سيد الناس قال العلماء يستحب أن يدرج لفظ السلام ولا يمده مدا لا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء انتهى (سنة) قال بن سيد الناس وهذا مما يدخل في المسند عند أهل الحديث أو أكثرهم وفيه خلاف عند الأصوليين معروف انتهى
(وقال بن المبارك يعني أن لا تمده مدا) وقد أسند الحاكم عن أبي عبد الله أنه سئل عن حذف السلام فقال لا يمد كذا في المقاصد الحسنة للسخاوي
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وبن خزيمة والحاكم
قال الحافظ في
التلخيص وقال الدارقطني في العلل الصواب موقوف وهو من رواية قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف اختلف فيه انتهى
قوله (التكبير جزم والسلام جزم) أي لا يمدان ولا يعرب أواخر حروفهما بل يسكن فيقال الله أكبر السلام عليكم ورحمة الله والجزم القطع منه سمي جزم الإعراب وهو السكون كذا في النهاية لابن الأثير الجزري وقال الحافظ في التلخيص صفحة 48 حذف السلام الإسراع به وهو المراد بقوله جزم وأما بن الأثير في النهاية فقال معناه أن التكبير والسلام لا يمدان ولا يعرب التكبير بل يسكن آخره وتبعه المحب الطبري وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على أن التكبير جزم لا يمد
قال الحافظ وفيه نظر لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية فكيف يحمل عليه الألفاظ النبوية انتهى ما في التلخيص
تنبيه قال الرافعي في شرح الوجيز روي أنه صلى الله عليه وسلم قال التكبير جزم والسلام جزم
قال الحافظ في التلخيص لا أصل له بهذا اللفظ وإنما هو قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي عنه انتهى
وقال السخاوي في المقاصد الحسنة حديث التكبير جزم لا أصل له في المرفوع مع وقوعه في كتبا الرافعي وإنما هو حق من قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي في جامعه ومن جهته رواه سعيد بن منصور في سننه بزيادة والقراءة جزم والأذان جزم وفي لفظ عنه كانوا يجزمون التكبير انتهى
$ 09 - (باب ما يقول إذا سلم من الصلاة [298])
قوله (عن عبد الله بن الحارث) البصري تابعي روى عن عائشة وأبي هريرة وعنه عاصم الأحول وغيره وثقه أبو زرعة والنسائي
قوله (إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول إلخ) أي في بعض الأحيان فإنه قد ثبت قعوده
صلى الله عليه وسلم بعد السلام أزيد من هذا المقدار (اللهم أنت السلام) هو من أسماء الله تعالى أي أنت السليم من المعائب والآفات ومن كل نقص (ومنك السلام) هذا بمعنى السلامة أي أنت الذي تعطي السلامة وتمنعها
قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح وأما ما يزاد بعد قوله ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دارك السلام فلا أصل له بل مختلق بعض القصاص كذا في المرقاة (تباركت) من البركة وهي الكثرة والنماء أي تعاظمت إذا كثرت صفات جلالك وكمالك (ذا الجلال والإكرام) أي يا ذا الجلال بحذف حرف النداء والجلال العظمة والإكرام الإحسان [299] (وقال تباركت يا ذا الجلال والإكرام) أي قال هناد في روايته يا ذا الجلال والإكرام بزيادة لفظ يا
قوله (وفي الباب عن ثوبان وبن عمر وبن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة) أما حديث ثوبان فأخرجه الجماعة إلا البخاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وأما حديث بن عمر فأخرجه الخمسة وصححه الترمذي كذا في المنتقى
قلت أخرجه الترمذي في الدعوات
وأما حديث بن عباس فأخرجه الشيخان قال كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة قال قلنا لأبي سعيد هل حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان يقوله بعد ما سلم قال نعم كان يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات انتهى
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان قال إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى الحديث
وأما حديث المغيرة بن شعبة فأخرجه الشيخان بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث
قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم
قوله (وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بعد التسليم لا إله إلا الله إلخ) أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة بدون لفظ يحيي ويميت قال الحافظ في الفتح زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير إلى قدير ورواته موثقون وثبت مثله عند البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح لكن في القول إذا أصبح وإذا أمسى انتهى (لا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم في اللفظين أي لا ينفع صاحب الغنى منك غناه وإنما ينفعه العمل الصالح
قال الحافظ في الفتح قال الخطابي الجد الغنى ويقال الحظ قال ومن في قوله منك بمعنى البدل قال الشاعر فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على الظمآن يريد ليت لنا بدل ماء زمزم انتهى
وفي الصحاح معنى منك هنا عندك أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه إنما ينفعه العمل الصالح
وقال بن التين الصحيح عندي أنها ليست بمعنى البدل ولا عند بل هو كما تقول ولا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء ولم يظهر من كلامه معنى ومقتضاه أنها بمعنى عند أوفيه حذف تقديره من قضائي أو سطوتي أو عذابي
واختار الشيخ جمال الدين في المغني الأول قال
والجد مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم ومعناه الغنى أو الحظ
وقال النووي الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان والمعنى لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك انتهى كلام الحافظ ملخصا
قلت فالجد بفتح الجيم هو الراجح المعول عليه وأما الجد بكسر الجيم فقد حكى عن أبي عمر والشيباني أنه رواه بالكسر كما قال القرطبي ولا يستقيم معناه هنا إلا بتكلف قيل معناه لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده وأنكره الطبري
وقال القزاز في توجيه إنكاره الاجتهاد في العمل نافع لأن الله تعالى قد دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده قال فيحتمل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة وقيل لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده مالم يقارنه القبول وذلك لا يكون إلا بفضل ورحمته
قوله (وروي أنه كان يقول سبحان ربك إلخ) أخرجه أبو يعلى كما عرفت (رب العزة) أي الغلبة بدل من ربك (عما يصفون) بأن له ولدا (وسلام على المرسلين) أي المبلغين عن الله التوحيد والشرائع (والحمد لله رب العالمين) على نصرهم وهلاك الكافرين