قوله (أخبرنا شداد أبو عمار) هو شداد بن عبد الله القرشي الدمشقي ثقة (قال حدثني أبو أسماء الرحبي) اسمه عمر بن مرثد ويقال اسمه عبد الله ثقة من الثالثة مات في خلافة عبد الملك كذا في التقريب
قوله (إذا أراد أن ينصرف من صلاته) وفي رواية مسلم إذا انصرف من صلاته
قال النووي المراد بالانصراف السلام (استغفر ثلاث مرات) قال مسلم في صحيحه بعد رواية هذا الحديث قال الوليد فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار قال يقول أستغفر الله أستغفر الله وقد استشكل استغفاره صلى الله عليه وسلم مع أنه مغفور له
قال بن سيد الناس هو وفاء بحق العبودية وقيام بوظيفة الشكر كما قال أفلا أكون عبدا شكورا وليبين للمؤمنين سنته فعلا كما بينها قولا في الدعاء والضراعة ليقتدى به في ذلك انتهى (أنت السلام) وفي رواية غير الترمذي اللهم أنت السلام
قوله (هذا حديث صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري
فائدة قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلا ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن
وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ولا أرشد إليه أمته وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما والله أعلم
وعامة الأدعية المتعلقة
بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلى إلا أن ها هنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ويدعو ما شاء ويكون دعاءه عقيب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم استجيب له الدعاء عقيب ذلك كما في حديث فضالة بن عبيد إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء
قال الترمذي حديث صحيح انتهى كلام بن القيم وتعقبه الحافظ بن حجر كما نقله القسطلاني في المواهب بقوله ما ادعاه من النفي مطلقا مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
أخرجه أبو داود النسائي وحديث زيد بن أرقم سمعته صلى الله عليه وسلم يدعو في دبر الصلاة اللهم ربنا ورب كل شيء
أخرجه أبو داود والنسائي وحديث صهيب رفعه
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة يقول اللهم أصلح لي ديني الحديث
أخرجه النسائي وصححه بن حبان وغير ذلك
فإن قيل المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد
قلت قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة والمراد به بعد السلام إجماعا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه
وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قيل أي الدعاء أسمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات
وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة
وفهم كثير من الحنابلة أن مراد بن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا وليس كذلك فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار المصلى القبلة وإيراده عقب السلام وأما إذا نفل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ انتهى كلامه
قلت لا ريب في ثبوت الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وقد ذكره الحافظ بن القيم أيضا في زاد المعاد حيث قال في فصل ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد انصرافه من الصلاة ما لفظه وقد ذكر أبو حاتم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند
انصرافه من صلاته اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من نقمتك وأعوذ بك منك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد
وذكر الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب أنه قال ما صليت وراء نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته حين ينصرف من صلاته يقول اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي كلها اللهم ابعثني وأحيني وارزقني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت
وذكر بن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم التميمي قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار وإذا صليت المغرب قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار
انتهى كلام بن القيم
فقوله أما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم لا أدري ما معناه وما مراده بهذا إلا أن يقال نفاه بقيد استمرار المصلي القبلة وإيراده عقب السلام كما قال الحافظ والله تعالى أعلم
فائدة اعلم أن علماء أهل الحديث قد اختلفوا في هذا الزمان في أن الإمام إذا انصرف من الصلاة المكتوبة هل يجوز له أن يدعو رافعا يديه ويؤمن من خلفه من المأمومين رافعي أيديهم فقال بعضهم بالجواز وقال بعضهم بعدم جوازه ظنا منهم أنه بدعة قالوا إن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح بل هو أمر محدث وكل محدث بدعة وأما القائلون بالجواز فاستدلوا بخمسة أحاديث
الأول حديث أبي هريرة
قال الحافظ بن كثير في تفسيره ص 172 ج 3 قال بن أبي حاتم حدثنا أبو معمر المقرئ حدثني عبد الوارث حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة فقال اللهم خلص الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار
وقال بن جرير حدثنا المثنى حدثنا حجاج حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاة الظهر اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم انتهى ما في تفسير بن كثير
قلت وفي سند هذا الحديث علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم فيه
الحديث الثاني حديث عبد الله بن الزبير ذكر السيوطي في رسالته فض الوعاء عن محمد بن يحيى الأسلمي قال رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلا رافعا يديه قبل أن يفرغ من صلاته فلما فرغ منها قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته
قال رجاله ثقات
قلت وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني وترجم له فقال محمد بن يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير ورجاله ثقات انتهى
الحديث الثالث حديث أنس أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني في كتابه عمل اليوم والليلة قال حدثني أحمد بن الحسن حدثنا أبو إسحاق يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من عبد بسط كفيه في دبر كل صلاة ثم يقول اللهم إلهي وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي فإني مضطر وتعصمني في ديني فإني مبتلى وتنالني برحمتك فإني مذنب وتنفي عني الفقر فإني متمسكن إلا كان حقا على الله عز وجل أن لا يرد يديه خائبتين
قلت في سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي
قال في الميزان اتهمه أحمد وقال بن حبان كتبنا عن عمر بن سنان عن إسحاق بن خالد عنه نسخة ثبتها بمائة حديث مقلوبة منها ما لا أصل له ومنها ما هو ملزق بإنسان لا يحل الاحتجاج به بحال
وقال النسائي وغيره ليس بثقة وضرب أحمد بن حنبل على حديثه انتهى
الحديث الرابع حديث الأسود العامري عن أبيه قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فما سلم انحرف ورفع يديه ودعا الحديث رواه بن أبي شيبة في مصنفه كذا ذكر بعض الأعلام هذا الحديث بغير سند وعزاه إلى المصنف ولم أقف على سنده فالله تعالى أعلم كيف هو صحيح أو ضعيف
الحديث الخامس حديث الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثن تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا وفي رواية فهو خداج
رواه الترمذي
واستدلوا أيضا بعموم أحاديث رفع اليدين في الدعاء قالوا إن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة مستحب مرغب فيه وإنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بعد الصلاة المكتوبة وأن رفع اليدين من آداب الدعاء وأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في كثير من الدعاء
وأنه لم يثبت المنع عن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة بل جاء في ثبوته الأحاديث الضعاف قالوا فبعد ثبوت هذه الأمور الأربعة وعدم ثبوت المنع لا يكون رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة بدعة سيئة بل هو جائز لا بأس على من يفعله
أما الأول والثاني فقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع قال جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات
وقال هذا حديث حسن
وأخرج النسائي في سننه عن عطاء بن مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن داود نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته قال اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي الحديث وفي آخره قال وحدثني كعب أن صهيبا حدثه أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقولهن عند إنصرافه من صلاته والحديث صححه بن حبان كما في فتح الباري وقد تقدم في كلام بن القيم حديث أبي أيوب وحديث الحارث بن مسلم في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة
وأما الثالث والرابع فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه من حديث سلمان رفعه إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية
قال الحافظ سنده جيد
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا الحديث وفيه ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك
وقال الحافظ في الفتح فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في الأذكار وفي شرح المهذب جملة وعقد لها البخاري أيضا في الأدب المفرد بابا ذكر فيه حديث أبي هريرة قدم الطفيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن دوسا عصت فادع الله عليها فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال اللهم اهد دوسا وهو في الصحيحين دون قوله ورفع يديه
وحديث جابر أن الطفيل بن عمر وهاجر فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم وليديه فاغفر ورفع يديه وسنده صحيح وأخرجه مسلم
وحديث عائشة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعا يديه يقول اللهم إنما أنا بشر الحديث وهو صحيح الإسناد ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف يعني البخاري في جزء رفع اليدين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف فانتهيت
إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يدعو
وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضا ثم رفع يديه وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع فرفع يديه ثلاث مرات الحديث
ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة فرفع يديه وجعل يدعو
وفي الصحيحين من حديث أبي حميد في قصة بن اللتبية ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول اللهم هل بلغت
ومن حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال اللهم أمتي
وفي حديث عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوما ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فدعا الحديث
أخرجه الترمذي واللفظ له والنسائي والحاكم
وفي حديث أسامة كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافع اليد الأخرى أخرجه النسائي بسند جيد
وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول اللهم صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة الحديث وسنده جيد
والأحاديث في ذلك كثيرة انتهى كلام الحافظ
قلت وفي رفع اليدين في الدعاء رسالة للسيوطي سماها فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء
واستدلوا أيضا بحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال يا رسول الله هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون الحديث رواه البخاري
قالوا هذا الرفع هكذا وإن كان في دعاء الاستسقاء لكنه ليس مختصا به ولذلك استدل البخاري في كتاب الدعوات بهذا الحديث على جواز رفع اليدين في مطلق الدعاء
قلت القول الراجح عندي أن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة جائز لو فعله أحد لا بأس عليه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم
تنبيه اعلم أن الحنفية في هذا الزمان يواظبون على رفع اليدين في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب فكأنهم يرونه واجبا ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام ثم قال ولم يدع يرفع يديه
وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة وأيضا مخالف لما في كتبهم المعتبرة قال العيني في عمدة القارىء قال أبو حنيفة كل صلاة يتنفل بعدها يقوم وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير وهو قول أبي مجلز لا حق بن حميد انتهى وقال في البحر الرائق ولم
يذكر المصنف ما يفعله بعد السلام وقد قالوا إن كان إماما وكانت صلاة يتنفل بعدها بأنه يقوم ويتحول عن مكانه إما يمنة أو يسرة أو خلفه والجلوس مستقبلا بدعة وإن كان لا يتنفل بعدها يقعد مكانه وإن شاء انحرف يمينا أو شمالا وإن شاء استقبلهم بوجهه انتهى
وقال في العالم كيرية
وإذا سلم الإمام من الظهر والمغرب كره له المكث قاعدا لكنه يقوم إلى التطوع ولا يتطوع في مكان الفريضة ولكن ينحرف يمنة أو يسرة أو يتأخر وإن شاء رجع إلى بيته يتطوع فيه وإن كان مقتديا أو يصلي وحده إن لبث في مصلاه يدعو جاز وكذا إن قام إلى التطوع في مكانه أو تأخر أو انحرف يمنة أو يسرة جاز والكل سواء
وفي صلاة لا تطوع بعدها كالفجر والعصر يكره المكث قاعدا في مكانه مستقبل القبلة والنبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا بدعة ثم هو بالخيار إن شاء ذهب وإن شاء جلس في محرابه إلى طلوع الشمس وهو أفضل ويستقبل القوم بوجهه إذا لم يكن بحذائه مسبوق فإن كان ينحرف يمنة أو يسرة والصيف والشتاء سواء هو الصحيح كذا في الخلاصة انتهى
$ 10 - (باب ما جاء في الانصراف عن يمينه وعن شماله [301])
قوله فينصرف على جانبيه جميعا وفي رواية أبي داود فكان ينصرف عن شقيه (على يمينه وعلى شماله) بيان لقوله على جانبيه أي حينا على يمينه وحينا على شماله
قوله (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة) أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الجماعة إلا الترمذي قال لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره وفي لفظ أكثر انصرافه عن يساره
وأما حديث أنس فأخرجه مسلم والنسائي قال أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه بن ماجه قال
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة
وأما حديث أبي هريرة فلم أقف على من أخرجه
قوله (حديث هلب حديث حسن) وصححه بن عبد البر في الاستيعاب وذكره عبد الباقي بن قانع في معجمه من طرق متعددة وفي إسناده قبيصة بن هلب وقد رماه بعضهم بالجهالة ولكنه وثقه العجلي وبن حبان ومن عرفه حجة على من لم يعرف كذا في النيل
والحديث أخرجه أبو داود وبن ماجه
قوله (وقد صح الأمران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ففي حديث عبد الله بن مسعود المذكور لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره
وفي حديث أنس المذكور أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه
فإن قلت قد استعمل كل واحد منهما صيغة أفعل التفضيل فظاهر قول أحدهما ينافي ظاهر قول الآخر فما وجه التوفيق قلت قال النووي يجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة هذا فأخبر كل منهما بما اعتقد أنه الأكثر
وقال الحافظ ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث بن مسعود على حالة الصلاة في المسجد لأن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت من جهة يساره ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر ثم إذا تعارض اعتقاد بن مسعود وأنس رجح بن مسعود لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى مواقفه في الصلاة من أنس وبأن في إسناد أنس من تكلم فيه وهو السدي وبأن حديث بن مسعود متفق عليه وبأن رواية بن مسعود توافق ظاهر الحال لأن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت على جهة يساره انتهى كلام الحافظ قلت الظاهر عندي هو الجمع الأول والله تعالى أعلم
قوله (ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه
إلخ
) أخرجه بن أبي شيبة ولفظه قال إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فخذ نحو حاجتك انتهى
قال في النيل قال العلماء يستحب الانصراف إلى جهة حاجته لكن قالوا إذا استوت الجهتان في حقه فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن انتهى
$ 11 - (باب ما جاء في وصف الصلاة [302])
قوله (حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القارىء ثقة ثبت توفي سنة 081 ثمانين ومائة (عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي) بضم الزاء وفتح الراء وبعدها قاف المدني مقبول من السادسة قاله في التقريب (عن جده) وفي رواية النسائي عن أبيه عن جده وأبوه علي بن يحيى بن خلاد ثقة وجده يحيى بن خلاد بن رافع له رواية وذكره بن حبان في ثقات التابعين (عن رفاعة بن رافع) بن مالك بن العجلان أبي معاذ الأنصاري صحابي بدري جليل
قوله (بينما هو جالس في المسجد أي في ناحيته كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين إذ جاءه رجل كالبدوي) هذا الرجل هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى راوي الخبر بينه بن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى عن رفاعة أن خلادا دخل المسجد قاله الحافظ
وقال وأما ما وقع عند الترمذي إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد لأن رفاعة شبهه بالبدوي لكونه أخف الصلاة أو لغير ذلك انتهى (فصلى) زاد النسائي من رواية داود بن قيس ركعتين
قال الحافظ وفيه إشعار بأنه صلى نقلا والأقرب أنها تحية المسجد (فأخف صلاته) وفي رواية بن أبي شيبة فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا
سجودها (ثم انصرف) أي من صلاته (فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم) قال القارىء في المرقاة قدم حق الله على حق رسوله كما هو أدب الزيارة لأمره عليه السلام بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية فقال له ارجع فصل ثم ائت فسلم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليك وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة فقال وعليك السلام فارجع فصل فإنك لم تصل قال عياض فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزىء وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة فدل على إجزائها وإلالزم تأخير البيان كذا قاله بعض المالكية وفيه نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه فكأنه قال له أعد صلاتك على هذه الكيفية أشار إلى ذلك بن المنير كذا في الفتح (مرتين أو ثلاثا) وفي رواية للبخاري ثلاثا بغير الشك (كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم) فيه استحباب تكرار السلام ورده وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال (فخاف الناس) أي كرهوا (وكبر عليهم) بضم الباء وفاعله قوله (أن يكون من أخف صلاته لم يصل) أي عظم ذلك عليهم وخافوا منه (فقال الرجل في آخر ذلك فأرني) صيغة أمر من الإراءة (وعلمني) قال بن الملك في شرح المشارك فإن قيل لم سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليمه أولا حتى افتقر إلى المراجعة كرة بعد أخرى قلنا لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغترا بما عنده سكت عن تعليمه زجرا له وإرشادا إلى أنه ينبغي أن يستكشف ما استبهم عليه فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال انتهى
واستشكل تقريره عليه السلام على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسيا أو غافلا فيتذكر فيفعله من غير تعليم فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ أو بأنه لم يعلمه أولا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره ولتفخيم الأمر وتعظيمه عليه
وقال بن دقيق العيد
ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقا بل لا بد من انتفاء الموانع ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى عليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم خوف الفوات إما بناء على ظاهر الحكم أو
بوحي خاص انتهى فقال أجل أي نعم
قال في القاموس أجل جواب كنعم إلا أنه أحسن منه في التصديق ونعم أحسن منه في الاستفهام ثم تشهد أي أذن فأقم أيضا وفي رواية أبي داود ثم تشهد فأقم وليس فيها لفظة أيضا قال في المرقاة ثم تشهد أي قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بعد الوضوء فأقم أي الصلاة
وقيل معنى تشهد أذن لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة فأقم على هذا يراد به الإقامة للصلاة كذا نقله ميرك عن الأزهار انتهى ما في المرقاة
والظاهر أن المراد بقوله ثم تشهد فأقم الأذان والإقامة يدل عليه لفظ أيضا بعد قوله فأقم فإن كان معك قرآن فاقرأ وفي رواية لأبي داود ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ
قال الحافظ بعد ذكر هذه الرواية ولأحمد وبن حبان من هذا الوجه ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت
ترجم له بن حبان بباب فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة ثم اعتدل قائما وفي لفظ أحمد فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم اجلس فاطمئن جالسا وفي رواية لأبي داود ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر فإذا فعلت ذلك أي ما ذكر فقد تمت صلاتك أي صارت تماما غير ناقصة وإن انتقصت أي نقصت قال في القاموس أنقصه ونقصه وانتقصه نقصه وكان هذا أهون أي أسهل عليهم أي على الصحابة رضي الله عنه من الأولى أي من المقالة الأولى وهي فارجع فصل فإنك لم تصل أنه من انتقص من ذلك شيئا إلخ بدل من قوله هذا
قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وعمار بن ياسر) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي أيضا في هذا الباب وأما حديث عمار فلينظر من أخرجه
قوله (حديث رفاعة بن رافع حديث حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي
وقال بن عبد
البر هذا حديث ثابت نقله ميرك عن المنذري كذا في المرقاة
قوله (وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه) قال الحافظ في الفتح أخرجه أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرفي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع فمنهم من لم يسم رفاعة قال عن عم له بدري ومنهم من لم يقل عن أبيه ورواه النسائي والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جده عن رفاعة لكن لم يقل الترمذي عن أبيه وفيه اختلاف آخر ذكره الحافظ في الفتح