Justice CouncilHadith commentaries

Tuhfat al-Ahwadhi on Jami' al-Tirmidhi 326

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي — أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353هـ)

al-Mubarakfuri (d. 1353 AH) Printed edition: vol. 2, p. 238 The hadith: tirmidhi:326

$ 128 - (باب ما جاء في أي المساجد أفضل [325])

قوله لا تشد على البناء للمفعول بلفط النفي والمراد النهي

قال الطيبي هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به الرحال جمع رحل وهو كور البعير كنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في

المعنى المذكور ويدل عليه قوله في بعض طرقه إنما يسافر أخرجه مسلم إلا إلى ثلاثة مساجد الاستثناء مفرغ والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد قاله الحافظ مسجد الحرام أي المحرم وهو كقولهم الكتاب بمعنى المكتوب والمسجد بالخفض على البدلية ويجوز الرفع على الاستئناف والمراد جميع الحرم وقيل يختص بالموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم ومسجدي هذا أي مسجد المدينة ومسجد الأقصى أي بيت المقدس وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة وقد جوز الكوفيون واستشهدوا بقوله تعالى وما كنت بجانب الغربي والبصريون يأولونه بإضمار المكان أي الذي بجانب المكان الغربي ومسجد المكان الأقصى ونحو ذلك وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة

وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم والثاني أسس على التقوى والثالث كان قبلة الأمم السالفة

واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك لها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عم بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار نضرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له لو أردكتك قبل أن تخرج ما خرجت واستدل بهذا الحديث فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة

والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم

وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز وقع في رواية لأحمد بلفظ لا ينبغي للمطي أن تعمل وهو لفظ ظاهر في غير التحريم

ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به

ومنها أن المراد حكم المساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه

غير هذه الثلاثة وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للمصلي أن يشد رجاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي

وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف

ومنها أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال لا يعتكف في غيرها وهو أخص من الذي قبله كذا في فتح الباري

قلت في هذه الأجوبة أنظار وخدشات

أما الجواب الأول منها ففيه أن قولهم المراد الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد إلخ خلاف ظاهر الحديث ولا دليل عليه

وأما لفظ لا ينبغي في رواية لأحمد فهو خلاف أكثر الروايات فقد وقع في عامة الروايات لفظ لا تشد وهو ظاهر في التحريم وأما قولهم لفظ لا ينبغي ظاهر في غير التحريم فهو ممنوع قال الحافظ بن القيم في أعلام الموقعين قد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعا أو قدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا وقوله وما علمناه الشعر وما ينبغي له وقوله تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وقوله على لسان نبيه كذبني بن ادم وما ينبغي له وشتمني بن آدم وما ينبغي له وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام ولا ينبغي له

وقوله صلى الله عليه وسلم في لباس الحرير لا ينبغي هذا للمتقين انتهى

وأما الجواب الثاني ففيه أن قولهم النهي مخصوص بمن نذر على نفسه إلخ ففيه أنه تخصيص بلا دليل وكذا في الجواب الرابع تخصيص بلا دليل

وأما الجواب الثالث ففيه أن قولهم المراد حكم المساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلخ غير مسلم بل ظاهر الحديث العموم وأن المراد لا تشد الرحال إلى موضع إلا إلى ثلاثة مساجد فإن الاستثناء مفرغ والمثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام نعم لو صح رواية أحمد بلفظ لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد إلخ لاستقام هذا الجواب لكنه قد تفرد بهذا اللفظ شهر بن حوشب ولم يزد لفظ مسجد أحد غيره فما أعلم وهو كثير الأوهام كما صرح به الحافظ بن حجر في التقريب

ففي ثبوت لفظ مسجد في هذا الحديث كلام فظاهر الحديث هو العموم وأن المراد لا يجوز السفر إلى موضع للتبرك به والصلاة فيه إلا إلى ثلاثة

مساجد

وأما السفر إلى موضع للتجارة أو لطلب العلم أو لغرض آخر صحيح مما ثبت جوازه بأدلة أخرى فهو مستثنى من حكم هذا الحديث

هذا ماعندي والله تعالى أعلم

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم

$ 29 - (باب ما جاء في المشي إلى المسجد [327])

قوله وإذا أقيمت الصلاة وفي رواية للبخاري

إذا سمعتم الإقامة

قال الحافظ هو أخص من قوله في حديث أبي قتادة إذا أتيتم الصلاة لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك ومع ذلك فقد نهى عن الإسراع فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها فينهى عن الإسراع من باب الأولى انتهى

فلا تأتوها وأنتم تسعون قال في الصراح سعى دويدن وشتاب كردن وجملة وأنتم تسعون حالية وعليكم السكينة زاد في رواية للبخاري

والوقار

قال عياض والقرطبي هو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد

وقال النووي الظاهر أن بينهما فرقا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات فما أدركتم فصلوا قال الكرماني الفاء جواب شرط محذوف أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا انتهى

قال الحافظ أو التقدير إذا فعلتم فما أدركتم أي فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع وما فاتكم فأتموا أي أكملوا

وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما وله طرق وألفاظ

قوله (وفي الباب عن أبي قتادة وأبي بن كعب وأبي سعيد وزيد بن ثابت وجابر وأنس) أما حديث أبي قتادة فأخرجه البخاري ومسلم قال بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم إلى الصلاة فعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا

وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه مسلم

وأما حديث أبي سعيد فأخرجه بن ماجه

وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه الطبراني في الكبير قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نريد الصلاة فكان يقارب الخطى فقال أتدرون لم أقارب الخطى قلت الله ورسوله أعلم قال لا يزال العبد في الصلاة ما دام في طلب الصلاة

وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف ورواه موقوفا على زيد بن ثابت ورجاله رجال الصحيح كذا في مجمع الزوائد وأما حديث جابر فأخرجه بن حبان وأما حديث أنس وهو بن مالك فأخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعا إذا أتيتم الصلاة فأتوا وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقتم

قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون وكذا في التلخيص

قوله (اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت تكبيرة الأولى) هذا رأي مخالف لحديث الباب وقد وقع في رواية البخاري إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا

قال الحافظ قوله ولا تسرعوا فيه زيادة تأكيد ويستفاد منه الرد على من أول قوله في حديث أبي قتادة لا تفعلوا أي الاستعجال المفضي إلى عدم الوقار

وأما الإسراع الذي لا ينافي الوقار كمن خاف فوت التكبيرة الأولى فلا وهذا محكي عن إسحاق بن راهويه قال وقد تقدمت رواية العلاء التي فيها فهو في صلاة قال النووي نبه بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئا لكان محصلا لمقصوده لكونه في صلاة وعدم الإسراع أيضا يستلزم كثرة الخطى وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه أحاديث انتهى (حتى ذكر عن بضعهم أنه كان يهرول إلى الصلاة) قال في الصراح هرولة نوعي ازرفتار ودويدن وقال في النهاية هي بين المشي والعدو (ومنهم من كره الإسراع واختار أن يمشي على تؤدة ووقار) أي وإن خاف

فوت التكبيرة الأولى

والتؤدة بضم التاء وفتح الهمزة التأني وأصل التاء فيها واو (وبه يقول أحمد وإسحاق وقالا العمل على حديث أبي هريرة) وهذا القول هو الصواب الموافق لأحاديث الباب (وقال إسحاق إن خاف فوت تكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع في المشي) لا دليل على هذا بل هو مخالف لحديث الباب كما عرفت وأيضا قد وقع في آخر حديث الباب في رواية لمسلم فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة أي أنه في حكم المصلي فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه وإذاثبت أن العامد إلى الصلاة في الصلاة فكيف يقال إنه لا بأس في الإسراع إن خاف فوت تكبيره الأولى