قوله (أخبرنا مؤمل) بن إسماعيل العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري عن شعبة والثوري وجماعة وعنه أحمد وإسحاق وبن المديني وطائفة وثقه بن معين وقال البخاري ومنكر
الحديث مات سنة 206 ست ومائتين كذا في الخلاصة وقال في الميزان وثقه بن معين
وقال أبو حاتم صدوق شديد في السنة كثير الخطأ
وقال البخاري منكر الحديث وقال أبو زرعة في حديثه خطأ كثير وذكره أبو داود فعظمه ورفع من شأنه مات بمكة في رمضان سنة 206 ست ومائتين (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي ثقة عابد اختلط بآخرة (عن المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي الكوفي ثقة من الرابعة (عن عنبسة بن أبي سفيان) بن حرب بن أمية القرشي الأموي أخي معاوية يقال له روية
وقال أبو نعيم اتفق الأئمة على أنه تابعي وذكره بن حبان في ثقات التابعين
قوله (أربعا قبل الظهر إلخ) فيه وفي حديث عائشة المتقدم دلالة على أن السنة قبل الظهر أربع ركعات وروى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة
وفي حديث أبي هريرة وحديث بن عمر رضي الله عنهما اللذين أشار إليهما الترمذي وذكرنا لفظهما دلالة على أن السنة قبل الظهر ركعتان
قال الحافظ في الفتح قال الداودي وقع في حديث بن عمران قبل الظهر ركعتين وفي حديث عائشة أربعا وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى قال ويحتمل أن يكون نسي بن عمر ركعتين من الأربع
وقال الحافظ هذا الاحتمال بعيد والأولى أن يحمل على حالين فكان تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعا وقيل هو محمول على أنه كان يقتصر في المسجد على ركعتين وفي بيته يصلي أربعا ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين ثم يخرج إلى المسجد فصلى ركعتين فرأى بن عمر ما في المسجد دون ما في بيته واطلعت عائشة على الأمرين ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة
كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج
قال أبو جعفر الطبري الأربع كانت في كثير من أحواله والركعتان في قليلها انتهى كلام الحافظ
قوله (وحديث عنبسة عن أم حبيبة في هذا الباب حسن صحيح) وأخرجه النسائي
$ 192 - (باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل [416])
قوله (حدثنا صالح بن عبد الله) بن ذكوان الباهلي أبو عبد الله الترمذي نزيل بغداد ثقة من العاشرة (عن زرارة) بضم الزاي المعجمة (بن أوفى) العامري الحرشي بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة البصري قاضيها ثقة عابد من الثالثة مات فجأة في الصلاة (عن سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني ثقة من الثالثة استشهد بأرض الهند
قوله (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) أي من متاع الدنيا قاله النووي وقال الطيبي إن حمل الدنيا على أعراضها وزهرتها فالخير إما مجرى على زعم من يرى فيها خيرا أو يكون من باب أي الفريقين خير مقاما
وإن حمل على الإنفاق في سبيل الله فتكون هاتان الركعتان أكثر ثوابا منها
وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة إنما كانتا خيرا منها لأن الدنيا فانية ونعيمها لا يخلو عن كدر النصب والتعب وثوابهما باق غير كدر انتهى
قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم من طريق محمد بن عبيد الغبري عن أبي عوانة بعين سند الترمذي وفي رواية له عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر لهما أحب إلي من الدنيا جميعا
قوله (وفي الباب عن علي وبن عمر وبن عباس) أما حديث علي فلينظر من أخرجه
وأما حديث بن عمر فأخرجه الطبراني في الكبير عنه قال قال رجل يا رسول الله دلني على عمل ينفعني الله به
قال عليك بركعتي الفجر فإن فيهما فضيلة وفي رواية له أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تدعوا الركعتين قبل صلاة الفجر فإن فيهما الرغائب
وروى أحمد عنه ركعتي
الفجر حافظوا عليهما فإن فيهما الرغائب كذا في الترغيب للمنذري
وأما حديث بن عباس فأخرجه بن عدي في الكامل
قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وفي رواية له عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر لهما أحب إلي من الدنيا جميعا
$ 93308308308
308 - (باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر والقراءة فيها [417])
قوله (وأبو عمار) اسمه حسين بن حريث الخزاعي مولاهم المروزي ثقة من العاشرة روى عن الجماعة سوى بن ماجه وسوى أبو داود فكتابة (أخبرنا أبو أحمد الزبيري) بضم الزاي وفتح الموحدة اسمه محمد بن عبد الله بن الزبير ثقة ثبت إلا أنه قد يخطىء في حديث الثوري (أخبرنا سفيان) هو الثوري
قوله (رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا) أي نظرت إليه صلى الله عليه وسلم (فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) فيه دلالة على استحباب قراءة سورتي الإخلاص في ركعتي الفجر
قوله (وفي الباب عن بن مسعود وأنس وأبي هريرة وبن عباس وحفصة وعائشة) أما حديث بن مسعود فأخرجه الترمذي في باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب والقراءة فيهما
وأما حديث أنس فأخرجه البزار ورجال إسناده ثقات قاله الشوكاني
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وبن ماجه
وأما حديث بن عباس فأخرجه الجماعة بلفظ
فصلى ركعتين خفيفتين وله حديث آخر عند مسلم وأبو داود والنسائي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر قولوا امنا بالله وما أنزل إلينا والتي في آل عمران تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم وفي رواية لمسلم وفي الآخرة بآمنا بالله واشهد بأنا مسلمون
وأما حديث حفصة فأخرجه الجماعة إلا أبا داود بلفظ ركعتين خفيفتين
وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان بلفظ قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بأم القرآن
وأحاديث الباب تدل على مشروعية التخفيف وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وخالف في ذلك الحنفية فذهبت إلى استحباب إطالة القراءة وهو مخالف لصرائح الأدلة وبحديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه تمسك مالك وقال بالاقتصار على قراءة فاتحة الكتاب في هاتين الركعتين وليس فيه إلا أن عائشة رضي الله عنها شكت هل كان يقرأ بالفاتحة أم لا لشدة تخفيفه لهما وهذا لا يصلح التمسك به لرد الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة من طرق متعددة
وقد أخرج بن ماجه عن عائشة نفسها أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر فكان يقول نعم السورتان هما يقرأ بهما في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ولا ملازمة بين مطلق التخفيف والاقتصار على الفاتحة لأنه من الأمور النسبية
وقد اختلف في الحكمة في التخفيف لهما فقيل ليبادر إلى صلاة الفجر في أول الوقت وبه جزم القرطبي
وقيل ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما يصنع في صلاة الليل ليدخل في الفرض أو ما يشابهه بنشاط واستعداد تام ذكره الحافظ في الفتح والعراقي في شرح الترمذي
قوله (حديث بن عمر حديث حسن) أخرجه الخمسة إلا النسائي كذا في المنتقى وقال
الشوكاني في النيل وأخرجه أيضا مسلم وأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ وكذا وثقه غير واحد من أئمة الحديث كابن معين والعجلي والنسائي وغيرهم وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل كان كثير الخطأ في حديث سفيان كذا في تهذيب التهذيب (واسمه محمد بن عبد الله بن الزبيري) كذا في النسخ الموجودة ولا شك في أنه غلط والصحيح محمد بن عبد الله بن الزبيري أو محمد بن عبد الله الزبيري
قال الحافظ في التقريب محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي أبو أحمد الزبيري الكوفي ثقة ثبت إلا أنه قد يخطيء في حديث الثوري انتهى
$ 94 - (باب ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر [418])
قوله (أخبرنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي بسكون الواو أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد من الثامنة (عن أبي النضر) اسمه سالم بن أمية المدني ثقة ثبت (عن أبي سلمة) هو بن عبد الرحمن
قوله (فمن كانت له إلي حاجة كلمني وإلا خرج إلى الصلاة) وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع واللفظ لمسلم
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة
قوله (وقد كره بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم الكلام بعد طلوع الفجر إلخ
قال الشوكاني في النيل وفي تحديثه صلى الله عليه وسلم لعائشة بعد ركعتي الفجر دليل على جواز الكلام بعدهما وإليه ذهب الجمهور وقد روى عن بن مسعود أنه كرهه روى ذلك الطبراني عنه وممن كرهه من التابعين سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وحكي عن سعيد بن المسيب وقال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون الكلام بعد الركعتين وعن عثمان بن أبي سليمان قال إذا طلع الفجر فليسكتوا وإن كانوا ركبانا وإن لم يركعوهما فليسكتوا انتهى (وهو قول أحمد وإسحاق) قال النووي في شرح مسلم فيه دليل على إباحة الكلام بعد سنة الفجر وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور وقال القاضي وكرهه الكوفيون وروي عن بن مسعود وبعض السلف أنه وقت الاستغفار والصواب الإباحة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وكونه وقت استحباب الاستغفار لا يمنع من الكلام انتهى
وقال القسطلاني في إرشاد الساري وفيه أنه لا بأس بالكلام المباح بعد ركعتي الفجر قال بن العربي ليس في السكوت في ذلك الوقت فضل مأثور إنما ذلك بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس انتهى
قلت أما أثر بن مسعود رضي الله عنه في الكراهة فروى الطبراني في الكبير عن عطاء قال خرج بن مسعود على قوم يتحدثون بعد الفجر فنهاهم عن الحديث وقال إنما أجبتم للصلاة فإما أن تصلوا وإما أن تسكتوا وكذا رواه فيه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وليس هذا الأثر بمتصل عطاء لم يسمع من بن مسعود وكذا أبو عبيدة لم يسمع من أبيه وإن صح فيحمل على أن القوم المتحدثين لعلهم كانوا يتكلمون بما لا يجدي نفعا فنهاهم عن ذلك
والسكوت عن مثل هذا ليس بمختص في هذا بوقت وإن لم يحمل على هذا فالتحديث بالكلام المباح ثابت من الشارع وكلام الصحابة لا يوازن كلام الشارع
وأما قول بن العربي إنما ذلك بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فأشار إلى ما ورد في ذلك من الأحاديث فمنها حديث أنس مرفوعا من صلى الصبح في جماعة ثم قعد بذكر الله حتى كانت له تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كأجر حجة وعمرة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تامة تامة تامة أخرجه الترمذي وغيره
$ 95 - (باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين [419])
قوله (لا صلاة بعد الفجر) أي بعد طلوع كما فسر به الترمذي في آخر الباب الفجر (إلا
سجدتين) يعني ركعتي الفجر السنة
قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وحفصة) أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الدارقطني بلفظ لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين وأخرجه أيضا محمد بن نصر في قيام الليل بهذا اللفظ وفي إسنادهما عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي
وأما حديث حفصة فأخرجه الشيخان عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين واللفظ لمسلم
قوله (حديث بن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى وروى عنه غير واحد) قال الحافظ في التلخيص قد اختلف في اسم شيخه يعني شيخ قدامة بن موسى فقيل أيوب بن حصين وقيل محمد بن حصين وهو مجهول انتهى
وقال الذهبي في الميزان لا يعرف وقال الدارقطني مجهول انتهى
فحديث بن عمر هذا ضعيف
وقد اعترض الحافظ الزيلعي على قول الترمذي لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى بأن الطبراني قد رواه من طريقين آخرين ليس فيهما قدامة قلت لا اعتراض على الترمذي فإنه إنما ينفي علمه ومعرفته (وهو ما أجمع عليه أهل العلم قال الحافظ في التلخيص دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب فإن الخلاف فيه مشهور حكاه بن المنذر وغيره)
وقال الحسن البصري لا بأس به وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة الليل
وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في قيام الليل انتهى
وقد استدل من أجاز التنفل بأكثر من ركعتي الفجر بما أخرجه أبو داود في حديث عمرو بن عنبسة قال يا رسول الله أي الليل أسمع قال جوف الليل الأخير فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تصلي الصبح وفي لفظ فصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح الحديث
قلت الراجح عندي هو قول من قال بالكراهة لدلالة أحاديث الباب عليه صراحة
وأما حديث أبي داود فليس بصريح في عدم الكراهة والله تعالى أعلم
$ 96 - (باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر [420])
قوله (حدثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بن معاذ العقدي) بفتح العين المهملة والقاف أبو سهل البصري الغرير صدوق من العاشرة (أخبرنا عبد الواحد بن زياد) العبدي البصري قال الحافظ في مقدمة فتح الباري قال بن معين أثبت أصحاب الأعمش شعبة وسفيان ثم أبو معاوية ثم عبد الواحد بن زياد وعبد الواحد ثقة وأبو معاوية أحب إلي منه ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم وبن سعد والنسائي وأبو داود والعجلي والدارقطني حتى قال بن عبد البر لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت كذا قال
وقد أشار يحيى القطان إلى لينه فروى بن المديني عنه أنه قال ما رأيته طلب حديثا قط وكنت أذاكره لحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفا قال الحافظ وهذا غير قادح لأنه كان صاحب كتاب وقد احتج به الجماعة انتهى
(إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر) يعني سنة الفجر كما يشهد له حديث عائشة قاله الطيبي يعني بحديث عائشة الذي أخرج الشيخان بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة الحديث وفي آخره فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج (فليضطجع على شقه الأيمن) هذا نص صريح في مشروعية الاضطجاع بعد سنة الفجر لكل أحد المتهجد وغيره وهو الحق
قوله (وفي الباب عن عائشة) أخرجه الشيخان وتقدم لفظه آنفا وفي رواية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن وفي رواية كان إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع وفي الباب أحاديث أخرى
قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد وأبو
داود وبن ماجه قال في النيل رجاله رجال الصحيح وقال النووي في شرح مسلم إسناده على شرط الشيخين وكذلك قال الشيخ أبو يحيى زكريا الأنصاري في فتح العلام أن إسناده على شرط الشيخين
فإن قلت كيف يكون حديث أبي هريرة هذا حسنا صحيحا وكيف يكون إسناده إلى الأعمش على شرط الشيخين وفيه الأعمش وهو مدلس وقد رواه عن أبي صالح بالعنعنة
قلت نعم هو مدلس لكن عنعنته عن أبي صالح محمولة على الاتصال
قال الحافظ الذهبي في الميزان هو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال أخبرنا فلان فلا كلام ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وبن وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال انتهى
فإن قلت قال بن القيم في زاد المعاد بعد ذكر حديث أبي هريرة سمعت بن تيمية يقول هذا باطل وليس بصحيح وإنما الصحيح عنه الفعل والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه
قلت تفرد عبد الواحد بن زياد به غير قادح في صحته فإنه ثقة ثبت قد احتج به الأئمة الستة وهو من أثبت أصحاب الأعمش كما عرفت من عبارة مقدمة الفتح فقول الامام بن تيمية هذا باطل وليس بصحيح إلخ ليس بصحيح كيف وقد صححه الترمذي وهو من أئمة الشأن وقال النووي وغيره إسناده على شرط الشيخين وأما قول يحيى القطان ما رأيته طلب حديثا قط وكنت أذاكره لحديث فلا يعرف منه حرفا فغير قادح أيضا فإنه كان صاحب كتاب وقد احتج به ما عرفت فيما سبق والحاصل أن حديث أبي هريرة صحيح وكل ما ضعفوه به فهو مدفوع
قوله (وقد روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر في بيته اضطجع على يمينه) قد تقدم تخريجه واستدل بهذه الرواية على استحباب الاضطجاع في البيت دون المسجد وهو محكي عن بن عمر وقواه بعض شيوخنا بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في المسجد وصح عن بن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد في هذا الباب مطلق فبإطلاقه يثبت استحباب الاضطجاع في البيت وفي
المسجد وإنما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في المسجد لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي سنة الفجر في البيت فكان يضطجع في البيت
قوله (وقد رأى بعض أهل العلم أن يفعل هذا) أي الاضطجاع بعد سنة الفجر (استحبابا) أي على طريق الاستحباب دون الوجوب وإن كان ظاهر الأمر في حديث أبي هريرة المذكور الوجوب لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على هذا الاضطجاع كما يدل عليه رواية عائشة كان إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع
قال الحافظ في الفتح وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب وحملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب قال وأفرط بن حزم فقال يجب على كل أحد وجعله شرطا لصلاة الصبح ورده عليه العلماء بعده حتى طعن بن تيمية ومن تبعه في صحة الحديث لتفرد عبد الواحد بن زياد به وفي حفظه مقال والحق أنه تقوم به الحجة انتهى كلام الحافظ
وللعلماء في هذا الاضطجاع أقوال
الأول أنه مشروع على سبيل الاستحباب كما حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم وهو قول أبي موسى الأشعري ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبي هريرة
قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد قد ذكر عبد الرزاق
في المصنف عن معمر عن أيوب عن بن سيرين أن أبا موسى ورافع بن خديج وأنس بن مالك رضي الله عنهم كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر ويأمرون بذلك وقال العراقي ممن كان يفعل ذلك أو يفتي به عن الصحابة أبو موسى الأشعري ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة انتهى
ومن قال به من التابعين محمد بن سيرين وعروة بن الزبير كما في شرح المنتقى
وقال أبو محمد علي بن حزم في المحلى وذكر عبد الرحمن بن زيد في كتاب السبعة أنهم يعني سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وأبا بكر هو بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عتبة بن سليمان بن يسار كانوا يضطجعون على أيمانهم بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح انتهى
وممن قال به من الأئمة الشافعي وأصحابه
قال العيني في عمدة القارىء ذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه سنة انتهى
والقول الثاني أن هذا الاضطجاع واجب لا بد من الإتيان به وهو قول أبي محمد علي بن حزم الظاهري كما قال في المحلى كل من ركع ركعتي الفجر لم يجز له صلاة الصبح إلا بأن يضطجع على جنبه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر وبين تكبيره لصلاة الصبح فإن لم يصل
ركعتي الفجر لم يلزمه أن يضطجع فإن عجز عن الضجعة على اليمين لخوف أو مرض أو غير ذلك أشار إلى ذلك حسب طاقته ثم قال بعيد هذا
قال علي قد أوضحنا أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كله على الفرض حتى يأتي نص آخر أو إجماع متيقن على أنه ندب فنقف عنده وإذا تنازع الصحابة رضي الله عنهم فالرد إلى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم انتهى
قلت قد عرفت أن الأمر الوارد في حديث أبي هريرة محمول على الاستحباب لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على الاضطجاع فلا يكون واجبا فضلا عن أن يكون شرطا لصحة صلاة الصبح وقد مال العلامة الشوكاني إلى الوجوب حيث قال في آخر بحث الاضطجاع وعلمت بما أسلفنا لك من أن تركه صلى الله عليه وسلم لا يعارض الأمر للأمة الخاص بهم ولاح لك قوة القول بالوجوب
والقول الثالث أن هذا الاضطجاع بدعة ومكروه وممن قال به من الصحابة بن مسعود وبن عمر على اختلاف عنه
والقول الرابع أنه خلاف الأولى
روى بن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
والقول الخامس التفرقة بين من يقوم الليل فيستحب له ذلك للاستراحة وبين غيره فلا يشرع له واختاره بن العربي وقال لا يضطجع بعد ركعتي الفجر لانتظار الصلاة إلا أن يكون قام الليل فيضطجع استجماما لصلاة الصبح فلا بأس ويشهد لهذا ما رواه الطبراني وعبد الرزاق عن عائشة أنها كانت تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ليله فيستريح وهذا لا تقوم به حجة أما أولا فلأن في إسناده راويا لم يسم كما قال الحافظ وأما ثانيا فلأن ذلك منها ظن وتخمين وليس بحجة وقد روت أنه كان يفعله والحجة في فعله وقد ثبت أمره به فتأكدت بذلك مشروعيته
وقد أجاب من لم ير مشروعية الاضطجاع عن أحاديث الباب بأجوبة كلها مخدوشة فإن شئت الوقوف عليها وعلى ما فيها من الخدشات فعليك أن تطالع فتح الباري والنيل وغيرهما
والقول الراجح المعول عليه هو أن الاضطجاع بعد سنة الفجر مشروع على طريق الاستحباب والله تعالى أعلم
$ 197 - (باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة [421])
قوله (أخبرنا روح) بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة (بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري الحافظ أحد الرؤساء الأشراف عن حسين المعلم وبن عون وهشام بن حسان وخلق وعنه أحمد وإسحاق وعبد بن حميد وخلق وثقه الخطيب وغيره وله مصنفات منها التفسير والسنن
قال خليفة مات سنة خمس ومائتين وقيل سنة سبع (أخبرنا زكريا بن إسحاق) المكي عن عمرو بن دينار وعنه وكيع وأبو عاصم وروح بن عبادة وجماعة
قال بن معين يرى القدر وثقه البخاري ومسلم
قوله (إذا أقيمت الصلاة) أي إذا شرع في الإقامة وصرح بذلك محمد بن جحادة عن عمرو بن دينار فيما أخرجه بن حبان بلفظ إذا أخذ المؤذن في الإقامة كذا في الفتح (فلا صلاة إلا المكتوبة) وفي رواية لأحمد إلا التي أقيمت قال الحافظ في الفتح فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة سواء كانت راتبة أم لا لأن المراد بالمكتوبة المفروضة وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث قيل يا رسول الله ولا ركعتي الفجر قال ولا ركعتي الفجر أخرجه بن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب وإسناده حسن انتهى
والحديث يدل على أنه لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما
قوله (وفي الباب عن بن بحينة وعبد الله بن عمرو بن سرجس وبن عباس وأنس) أما حديث بن بحينة وهو عبد الله بن مالك بن بحينة فأخرجه البخاري ومسلم بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح أربعا الصبح أربعا
وأما حديث عبد الله بن عمرو فلم
أقف عليه وأما حديث عبد الله بن سرجس فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وبن ماجه قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فصلى ركعتين قبل أن يدخل في الصلاة فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا فلان بأي صلاتيك اعتددت بالتي صليت وحدك أو بالتي صليت معنا
وأما حديث بن عباس فأخرجه أبو داود الطيالسي قال كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال أتصلي الصبح أربعا وأخرجه أيضا البيهقي والبزار وأبو يعلى وبن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال إنه على شرط الشيخين والطبراني
وأما حديث أنس فأخرجه البزار قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقيمت الصلاة فرأى ناسا يصلون ركعتي الفجر فقال صلاتان معا ونهى أن تصليا إذا أقيمت الصلاة وأخرجه مالك في الموطأ
وفي الباب أيضا عن زيد بن ثابت عند الطبراني في الأوسط قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي ركعتي الفجر وبلال يقيم الصلاة فقال أصلاتان معا وفي إسناده عبد المنعم بن بشير الأنصاري وقد ضعفه بن معين وبن حبان
وعن أبي موسى عند الطبراني في الكبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم فغمزه النبي صلى الله عليه وسلم في منكبه وقال ألا كان هذا قبل هذا قال العراقي إسناده جيد
وعن عائشة عند بن عبد البر في التمهيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين أقيمت صلاة الصبح فرأى ناسا يصلون فقال أصلاتان معا وفي إسناده شريك بن عبد الله وقد اختلف عليه في وصله وإرساله
قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن) أخرجه الجماعة إلا البخاري كذا في المنتقى
قوله (وهكذا روى أيوب وورقاء بن عمر وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم) أي هؤلاء الخمسة من أصحاب عمرو بن دينار رووا هذا الحديث مرفوعا (وروى حماد بن زيد وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ولم يرفعاه) بل روياه موقوفا على أبي هريرة رضي الله عنه
وروى مسلم في صحيحه من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو بن دينار مرفوعا وفي آخره قال حماد ثم لقيت عمرا فحدثني به ولم يرفعه
قال النووي في شرح مسلم هذا الكلام لا يقدح في صحة
الحديث ورفعه لأن أكثر الرواة رفعوه (والحديث المرفوع أصح عندنا) لكثرة عدد الرافعين فإنهم خمسة وقد روي مرفوعا من غير هذا الوجه أيضا كما ذكره الترمذي
قال النووي في شرح مسلم الرفع مقدم على الوقف على المذهب الصحيح
وإن كان عدد الرفع أقل فكيف إذا كان أكثر انتهى (رواه عياش) بتشديد التحتانية وآخره معجمة (بن عباس) بموحدة وآخره مهملة (القتباني) بكسر القاف وسكون المثناة (المصري) ثقة من السادسة
قوله وبه يقول سفيان الثوري وبن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قال النووي في هذه الأحاديث النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة سواء كانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر وغيرها وهذا مذهب الشافعي والجمهور
وقال أبو حنيفة إذا لم يكن صلى ركعتي سنة الصبح صلاهما بعد الإقامة في المسجد ما لم يخش فوت الركعة الثانية وقال الثوري ما لم يخش فوت الركعة الأولى
وقال طائفة يصليهما خارج المسجد ولا يصليهما بعد الإقامة في المسجد انتهى
قلت في هذه المسألة تسعة أقوال قال الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل
قد اختلف الصحابة والتابعون ومن بعدهم في ذلك على تسعة أقوال أحدها الكراهة وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر على خلاف عنه في ذلك وأبو هريرة ومن التابعين عروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وطاوس ومسلم بن عقيل وسعيد بن جبير ومن الأئمة سفيان الثوري وبن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمد بن جرير هكذا أطلق الترمذي الرواية عن الثوري وروى عنه بن عبد البر والنووي تفصيلا وهو أنه إذا خشي فوت ركعة من صلاة الفجر دخل معهم وترك سنة الفجر وإلا صلاها وسيأتي
القول الثاني أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت المكتوبة قد قامت من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما قاله بن عبد البر في التمهيد
القول الثالث أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح والإمام في الفريضة حكاه بن المنذر عن بن مسعود ومسروق والحسن البصري ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان وهو قول الحسن بن حي ففرق هؤلاء بين سنة الفجر وغيرها واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح
وأجيب عن ذلك أن البيهقي قال هذه الزيادة لا أصل لها وفي إسنادها حجاج بن نصر وعباد بن كثير وهما ضعيفان على أنه قد روى البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة قيل يا رسول الله ولا ركعتي الفجر قال ولا ركعتي الفجر وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وهو متكلم فيه وقد وثقه بن حبان واحتج به في صحيحه
القول الرابع التفرقة بين أن يكون في المسجد أو خارجه وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الامام أولا وهو قول مالك فقال إذا كان قد دخل المسجد فليدخل مع الإمام ولا يركعهما يعني ركعتي الفجر وإن لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركع خارج المسجد وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإمام فليدخل وليصل معه
القول الخامس أنه إن خشي فوت الركعتين معا وأنه لا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه وإلا فيركعهما يعني ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام وهو قول أبي حنيفة وأصحابه كما حكاه بن عبد البر وحكي عنه أيضا نحو قول مالك وهو الذي حكاه الخطابي وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه وحكى النووي عنه مثل قول الأوزاعي الآتي ذكره
القول السادس أنه يركعهما في المسجد إلا أن يخاف فوت الركعة الأخيرة فأما الركعة الأولى فليركع وإن فاتته وهو قول الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وحكاه النووي عن أبي حنيفة وأصحابه
القول السابع يركعهما في المسجد وغيره إلا إذا خاف فوت الركعة الأولى وهو قول سفيان الثوري
حكى ذلك عنه بن عبد البر وهو قول مخالف لما رواه الترمذي عنه
القول الثامن أنه يصليهما وإن فاتته صلاة الإمام إذا كان الوقت واسعا قاله بن الجلاب من المالكية
القول التاسع أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي الفجر ولا في غيرهما من النوافل سواء كان في المسجد أو خارجه فإن فعل فقد عصى وهو قول أهل الظاهر ونقله بن حزم عن الشافعي وعن جمهور السلف وكذا قال الخطابي
وحكى الكراهة عن الشافعي وأحمد وحكى القرطبي في المفهم عن أبي هريرة وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة وهذا القول هو الظاهر إن كان المراد بإقامة الصلاة الإقامة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة وهو المعنى المتعارف قال العراقي وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث إلا إذا كان المراد بإقامة الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقي ومنه قوله تعالى (الذين يقيمون الصلاة) فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذن قبل الشروع في الصلاة وإذا كان المراد المعنى الأول فهل المراد به الفراغ من الإقامة لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة والمراد شروع المؤذن في الإقامة قال العراقي يحتمل أن يراد كل من الأمرين
والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة ليتهيأ المأمون لإدراك التحريم مع الإمام ومما يدل على ذلك حديث أبي موسى عند الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم قال العراقي وإسناده جيد
انتهى ما في النيل
قلت المراد بإقامة الصلاة في قوله إذا أقيمت الصلاة الإقامة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة وهذا هو المتعين لرواية بن حبان بلفظ إذا أخذ المؤذن في الإقامة والروايات بعضها يفسر بعضا ثم المراد بالإقامة شروع المؤذن فيها لا الفراغ منها يدل على ذلك رواية بن حبان هذه وحديث بن عباس بلفظ قال كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني نبي الله صلى الله عليه وسلم إلخ وحديث أبي موسى عند الطبراني المذكور آنفا وقد تقدم بتمامه
والقول الراجح المعول عليه هو القول التاسع وعليه يدل أحاديث الباب والله تعالى أعلم
$ 98 - (باب ما جاء في من تقوته الركعتان قبل الفجر يصليهما)
بعد صلاة الصبح [422] قوله (حدثنا محمد بن عمرو السواق) بفتح السين وتشديد الواو البلخي صدوق روى عن الدراوردي وهشيم ووكيع وغيرهم وعنه البخاري والترمذي وأبو زرعة وغيرهم توفي سنة 236 ست وثلاثين ومائتين (أخبرنا عبد العزيز بن محمد) بن أبي عبيد الدراوردي أبو محمد المدني
قال الحافظ في مقدمة فتح الباري أحد مشاهير المحدثين وثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وقال أحمد كان معروفا بالطلب وإذا حدث من كتابه فهو صحيح وإذا حدث من كتب الناس وهم وقال أبو زرعة سيء الحفظ وربما حدث من حفظ السيء فيخطىء وقال النسائي ليس به بأس وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر
وقال أبو حاتم لا يحتج به قال روى له البخاري حديثين قرنه فيهما بعبد العزيز بن أبي حازم وغيره وأحاديث يسيرة أفرده لكنه أوردها بصيغة التعليق في المتابعات واحتج به الباقون انتهى كلام الحافظ مختصرا (عن سعد بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري وهو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري قال الحافظ صدوق سيء الحفظ وقال الخزرجي في الخلاصة ضعفه أحمد وبن معين وقال مرة صالح وقال النسائي ليس بالقوي وقال بن عدي لا أرى بحديثه بأسا وقال بن سعد ثقة (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي المدني ثقة (عن جده) أي جد سعد بن سعيد (قيس) بن عمرو بن سهل الأنصاري صحابي من أهل المدينة
قوله (فقال مهلا يا قيس) قال في القاموس يقال مهلا يا رجل وكذا للأنثى والجمع بمعنى أمهل (أصلاتان معا) الاستفهام للإنكار
أي أفرضان في وقت فرض واحد إذ لا نفل بعد صلاة الفجر قاله أبو الطيب السندي (إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر) وفي رواية أبي داود إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن (فلا إذن) أي إذا كان كذلك فلا بأس عليك أن تصليهما حينئذ
وفي رواية أبي داود فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بن الملك سكوته يدل على قضاء سنة الصبح بعد فرضه لمن لم يصلها قبله وبه قال الشافعي
قال القارىء في المرقاة هذا الحديث لم يثبت فلا يكون حجة على أبي حنيفة انتهى
قلت قد ثبت هذا الحديث كما ستقف عليه
تنبيه اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم فلا إذن معناه فلا بأس عليك أن تصليهما حينئذ كما ذكرته ويدل عليه رواية أبي داود بلفظ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواية عطاء بن أبي رباح عن رجل من الأنصار بلفظ فلم يقل له شيئا
قال الشوكاني في النيل قال العراقي إسناده حسن ورواية بن أبي شيبة بلفظ فلم يأمره ولم ينهه ورواية بن حبان بلفظ فلم ينكر عليه والروايات بعضها يفسر بعضا
وبهذا فسر العلماء الشافعية والحنفية قال أبو الطيب السندي الحنفي في شرح
الترمذي في شرح قوله فلان إذن أي فلا بأس عليك حينئذ ولا شيء عليك ولا لوم عليك انتهى
وقال الشيخ سراج أحمد السرهندي الحنفي في شرح الترمذي في ترجمة فلا إذن بس نداين وقت منع ميكنم ترا اذكزاردن سنت انتهى
فإذا عرفت هذا كله ظهر لك بطلان قول صاحب العرف الشذي في تفسير قوله فلا إذن معناه فلا تصل مع هذا العذر أيضا فلا إذن للإنكار انتهى
وأما إطالته الكلام في إثبات هذا المعنى فمبني على قصور فهمه كما لا يخفى على المتأمل بالمتأمل الصادق
قوله (حديث محمد بن إبراهيم لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث سعد بن سعيد) والحديث أخرجه أبو داود وبن ماجه وأحمد في مسنده وبن شيبة والدارقطني والحاكم (وقال سفيان بن عيينة سمع عطاء بن أبي رباح من سعد بن سعيد) هذا الحديث وإنما يروى هذا الحديث مرسلا وقال أبو داود في سننه بعد ذكر حديث الباب ما لفظه حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال قال سفيان كان عطاء بن أبي رباح يحدث بهذا الحديث عن سعد بن سعيد قال أبو داود وروى عبد ربه ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث مرسلا أن جدهم زيدا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصة
قوله (وقد قال قوم من أهل مكة بهذا الحديث لم يروا بأسا أن يصلي الركعتين بعد المكتوبة قبل أن تطلع الشمس) وهذا هو مذهب عطاء وطاووس وبن جريج والشافعي
قال الخطابي في المعالم قد اختلف الناس في وقت قضاء ركعتي الفجر فروى عن بن عمر رضي الله عنه أنه قال يقضيهما بعد صلاة الصبح وبه قال عطاء وطاووس وبن جريج وقالت طائفة يقضيها إذا طلعت الشمس وبه قال القاسم بن محمد وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة وأصحابه إن أحب قضاهما إذا ارتفعت الشمس فإن لم يفعل فلا شيء عليه لأنه تطوع وقال مالك يقضيهما ضحى إلى وقت زوال الشمس ولا يقضيهما بعد الزوال انتهى
وقال الشوكاني
في النيل قال العراقي والصحيح من مذهب الشافعي أنهما يفعلان بعد الصبح ويكونان أداء انتهى
قوله (وقيس هو جد يحيى بن سعيد ويقال هو قيس بن عمرو ويقال هو قيس بن قهد) بفتح القاف وسكون الهاء وبالدال (وإسناد هذا الحديث ليس بمتصل محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس) قال الشوكاني في النيل قول الترمذي إنه مرسل ومنقطع ليس بجيد فقد جاء متصلا من رواية يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس رواه بن خزيمة في صحيحه وبن حبان من طريقه وطريق غيره والبيهقي في سننه عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس المذكور وقد قيل إن سعيد بن قيس لم يسمع من أبيه فيصح ما قاله الترمذي من الانقطاع وأجيب عن ذلك بأنه لم يعرف القائل بذلك انتهى
قلت الأمر كما قال الشوكاني فقد أخرج بن حبان في صحيحه قال حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ووصيف بن عبد الله الحافظ قالا حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس بن قهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ولم يكن ركع ركعتي الفجر فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فركع ركعتي الفجر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فلم ينكر عليه ورجاله كلهم ثقات أما بن أبي شيبة وشيخه محمد بن إسحاق بن خزيمة فهما إمامان جليلان حافظان ثقتان ثبتان وأما الربيع بن سليمان وهو أبو محمد المرادي المصري المؤذن صاحب الشافعي فقال الحافظ في التقريب ثقة وقال في التهذيب قال النسائي لا بأس به وقال بن يونس كان ثقة وكذا قال الخطيب وقال بن أبي حاتم سمعنا منه وهو صدوق ثقة سئل أبي عنه فقال صدوق وقال الخليلي ثقة متفق عليه انتهى
وأما أسد بن موسى ويقال له أسد السنة فقال البخاري مشهور الحديث
وقال النسائي ثقة وقال بن يونس حدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره وقال أيضا هو وبن قانع والعجلي والبزار ثقة وذكره بن حبان في الثقات كذا في الخلاصة
وأما الليث بن سعد فقال الحافظ في التقريب ثقة ثبت فقيه إمام مشهور
وأما يحيى بن سعيد بن قيس فقال الحافظ في التقريب ثقة ثبت
وأما سعيد بن قيس فثقة أورده بن حبان في كتاب ثقات التابعين
وأما قيس جد يحيى بن سعيد فصحابي من أهل المدينة وأخرج الحاكم هذا الحديث في المستدرك قال حدثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الفجر فصلى معه فلما سلم قام فصلى ركعتي الفجر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هاتان الركعتان فقال لم أكن صليتهما قبل الفجر فسكت ولم يقل شيئا
قيس بن قهد الأنصاري صحابي والطريق إليه صحيح انتهى
وأخرجه الدارقطني في سننه قال حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا الربيع بن سليمان ونصر بن مرزوق قالا أخبرنا أسد بن موسى أخبرنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمثل لفظ الحاكم وأما ما قيل من أن سعيد بن قيس لم يسمع من أبيه فقد ذكر الشوكاني جوابه وهو أنه لم يعرف القائل بذلك
وقد عرفت آنفا أن الحاكم قد قال بعد إخراجه قيس بن قهد الأنصاري صحابي والطريق إليه صحيح
فإن قلت قال الحافظ في الإصابة في تمييز الصحابة وأخرجه بن منده من طريق أسد بن موسى عن الليث عن يحيى عن أبيه عن جده وقال غريب تفرد به أسد موصولا وقال غيره عن الليث عن يحيى أنه حديثه مرسل
قلت تفرده لا يقدح في صحة الحديث لأنه ثقة قال النووي في مقدمة المنهاج إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة
وقال في شرح مسلم في باب صلاة الليل إن الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه إذا روي الحديث مرفوعا وموقوفا أو موصولا ومرسلا حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد انتهى
فإن قلت قال الشيخ يوسف بن موسى في المعتصر من المحتصر وما روى الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس بن قهد ثم ساقه ثم قال فهو من الأحاديث التي لا يحتج بمثلها لعلة في رواته ذكرت مفصلة في المطول انتهى كلامه فكيف يكون هذا الحديث صحيحا قابلا للاحتجاح قلت الشيخ يوسف بن موسى صاحب المعتصر ليس من أئمة الحديث وقوله هذا ليس مما
يعول عليه فإنه ليس في رواته علة توجب القدح في صحة الحديث
وأما ما قيل من أن سعيد بن قيس لم يسمع من أبيه فقد عرفت الجواب عن ذلك وكذا عرفت الجواب عن تفرد أسد بن موسى به فالحديث صحيح قابل للاحتجاج وله شواهد منها ما أخرجه الترمذي في هذا الباب ومنها ما أخرج بن حزم في المحلى عن الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن رجل من الأنصار (قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بعد الغداة فقال يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فصليتهما الآن فلم يقل شيئا)
قال العراقي إسناده حسن
ومنها ما أخرجه بن أبي شيبة في مصنفه مرسلا قال حدثنا هشيم عن عبد الملك عن عطاء أن رجلا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح الحديث
وفي الباب روايات أخرى
$ 99 - (باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس [423])
قوله (حدثنا عقبة) بضم العين وسكون القاف (بن مكرم) بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء (العمي) بفتح العين المهملة وتشديد الميم أبو عبد الملك البصري ثقة كذا في التقريب وقال في الخلاصة روى يحيى القطان وغندر بن مهدي وخلق وعنه م د ت ق قال أبو داود ثقة ثقة (أخبرنا عمرو بن عاصم) بن عبيد الله الكلابي القيسي أبو عثمان البصري صدوق في حفظه شيء كذا قال الحافظ في التقريب
وقال في مقدمة الفتح وثقه بن معين والنسائي وقال أبو داود لا أنشط لحديثه وقدم عليه الحوضي قال الحافظ
قد احتج به أبو داود في السنن والباقون انتهى (عن بشير بن نهيك) بفتح النون وكسر الهاء وآخره كاف السدوسي البصري ثقة
قوله (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس) وفي رواية الدارقطني والحاكم من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما وفي رواية للحاكم من نسي ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس
قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه) يعني من طريق عمرو بن عاصم أخبرنا
همام عن قتادة إلخ وأخرجه أيضا الدارقطني في سننه من هذا الطريق وأخرجه أيضا الحاكم من هذا الطريق وتقدم لفظهما آنفا وقال الحاكم هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين انتهى
ولم يحكم الترمذي عليه بشيء من الصحة والضعف
قلت في إسناد هذا الحديث قتادة وهو مدلس ورواه عن النضر بن أنس بالعنعنة قال الحافظ بن حجر في طبقات المدلسين قتادة بن دعامة السدوسي البصري صاحب أنس بن مالك رضي الله عنه كان حافظ عصره ومشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره ثم هذا الحديث بهذا اللفظ غير محفوظ تفرد به عمرو بن عاصم عن همام وخالف جميع أصحاب همام فإنهم رووه بغير هذا اللفظ
قوله (وقد روى عن أبي عمر أنه فعله) أخرجه مالك في الموطأ قال إنه بلغه أن عبد الله بن عمر فاتته ركعتا الفجر فقضاهما بعد أن طلعت الشمس ورواه بن أبي شيبة أيضا
قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وبن المبارك) قال الشوكاني في النيل بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه وحكاه الخطابي عن الأوزاعي قال العراقي والصحيح من مذهب الشافعي أنهما يفعلان بعد الصبح ويكونان أداء
قال والحديث لا يدل صريحا على أن من تركهما قبل صلاة الصبح لا يفعلهما إلا بعد طلوع الشمس وليس فيه إلا الأمر لمن لم يصلهما مطلقا أن يصليهما بعد طلوع الشمس ولا شك أنهما إذا تركا في وقت الأداء فعلا في وقت القضاء وليس في الحديث ما يدل على المنع من فعلهما بعد صلاة الصبح ويدل على ذلك رواية الدارقطني والحاكم والبيهقي فإنهما بلفظ من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما انتهى كلام الشوكاني
قوله (والمعروف من حديث قتادة إلخ) الظاهر أن مقصود الترمذي أن حديث الباب باللفظ المذكور شاذ والمحفوظ ما هو المعروف من حديث قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد
أدرك الصبح
والله تعالى أعلم
$ 00 - (باب ما جاء في الأربع قبل الظهر [424])
قوله (حدثنا محمد بن بشار) بضم الموحدة وسكون النون هو محمد بن بشار (أخبرنا أبو عامر) اسمه عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي بفتح المهملة والقاف ثقة من التاسعة (عن عاصم بن ضمرة) السلولي الكوفي صدوق من الثالثة وقال في الخلاصة وثقه بن المديني وبن معين وتكلم فيه غيرهما
قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين) على هذا العمل عند أكثر أهل العلم كما صرح به الترمذي وتمسكوا بهذا الحديث وبحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة أخرجه البخاري وبحديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة أخرجه الترمذي في باب من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة ماله من الفضل وقال حسن صحيح
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ركعتان أيضا قبل الظهر
روى الشيخان عن بن عمر قال حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الصبح
قال الحافظ في الداودي وقع في حديث بن عمر أن قبل الظهر ركعتين وفي حديث عائشة أربعا وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى قال ويحتمل أن يكون بن عمر نسي ركعتين من الأربع
قال الحافظ هذا الاحتمال بعيد والأولى أن يحمل على حالين فكان يصلي تارة ثنتين وتارة يصلي أربعا وقيل هو محمول على أنه كان يقتصر في المسجد على ركعتين وفي بيته يصلي أربعا ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين فرأى بن عمر ما في المسجد دون ما في بيته واطلعت
عائشة على الأمرين ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج قال أبو جعفر الطبري الأربع كانت في كثير من أحواله وركعتان في قليلها انتهى كلام الحافظ
قلت والأولى أن يحمل على الحالين فكان تارة يصلي أربعا وتارة ركعتين كما قال الحافظ والله تعالى أعلم
قوله (وفي الباب عن عائشة وأم حبيبة) تقدم تخريج حديثهما آنفا
قوله (حديث علي حديث حسن) في إسناده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس ورواه عن عاصم بن ضمرة بالعنعنة
قوله (حدثنا أبو بكر العطار) اسمه أحمد بن محمد بن إبراهيم الأبلي صدوق (قال قال علي بن عبد الله) بن جعفر الحسن بن المديني أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري ما استصغرت نفسي إلا عنده (عن يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان أحد أئمة الجرح والتعديل (عن سفيان) هو الثوري كما في الميزان (كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث) أي الأعور وقال أحمد هو أعلى من الحارث الأعور وهو عندي حجة وقال بن حبان روى عنه أبو إسحاق والحكم كان رديء الحفظ فاحش الخطأ يرفع عن علي قوله كثيرا فاستحق الترك على أنه أحسن حالا من الحارث كذا في الميزان
قوله (وهو قول سفيان الثوري وبن المبارك وإسحاق) وهو قول الحنفية (وقال بعض
أهل العلم صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يرون الفصل بين كل ركعتين وبه يقول الشافعي وأحمد) واستدل لهم بحديث بن عمر مرفوعا صلاة الليل والنهار مثنى مثنى رواه أحمد وأصحاب السنن وبن خزيمة وبن حبان من طريق علي بن عبد الله البارقي الأزدي عنه وأصله في الصحيحين بدون ذكر النهار
وفيه أن في صحة زيادة والنهار في هذا الحديث كلاما قال الحافظ في الفتح إن أكثر أئمة الحديث أعلوا هذه الزيادة وهي قوله والنهار بأن الحافظ من أصحاب بن عمر لم يذكروها عنه وحكم النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها وقال يحيى بن معين من علي الأزدي حتى أقبل منه وادعى يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع أن بن عمر كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن بتسليم وهم الحنفية وغيرهم لمفهوم حديث بن عمر صلاة الليل مثنى مثنى أخرجه الشيخان
وتعقب بأنه مفهوم لقب وليس بحجة على الراجح وبأنه خرج جوابا للسؤال عن صلاة الليل فقيد الجواب بذلك مطابقة للسؤال وبحديث أبي أيوب مرفوعا قال أربع قبل الظهر ليس فيهن بتسليم تفتح لهن أبواب السماء
أخرجه أبو داود والترمذي في الشمائل ورواه بن ماجه في سننه بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس لا يفصل بينهن بتسليم وضعفه أبو داود
وقال أبو عبيدة بن معتب الضبي انتهى ورواه محمد بن الحسن في موطأه حدثنا بكير بن عامر البجلي عن إبراهيم والشعبي عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس فسأله أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فقال إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير قلت أفي كلهن قراءة قال نعم قلت أتفصل بينهن بسلام فقال لا
قلت حديث أبي أيوب هذا ضعيف بكلتا الطريقين أما طريق أبي داود وغيره ففيها أبو عبيدة بن معتب الضبي وهو ضعيف ومع ضعفه قد اختلط بأخرة كما صرح به الحافظ
وقال الزيلعي في نصب الراية قال صاحب التنقيح وروى بن خزيمة هذا الحديث في مختصر المختصر وضعفه فقال وعبيدة بن معتب ليس ممن يجوز الاحتجاج بخبره انتهى
وأما طريق محمد بن الحسن ففيها بكير بن عامر البجلي وهو ضعيف كما في التقريب
وقال في الميزان ضعفه بن معين والنسائي
وقال أبو زرعة ليس بقوي
وقال أحمد ليس بذاك وقال مرة ليس به بأس انتهى
ولم أجد حديثا مرفوعا صحيحا صريحا في الفصل بين الأربع قبل الظهر بالتسليم ولا في الوصل بينهن فإن شاء صلاهن بسلام واحد فإن شاء صلاهن بسلامين
هذا ما عندي والله تعالى أعلم
$ 201 - (باب ما جاء في الركعتين بعد الظهر [425])
قوله (وركعتين بعدها) فيه أن السنة بعد الظهر ركعتان وقد جاء أربع ركعات أيضا كما رواه الترمذي في الباب الآتي
قوله (وفي الباب عن علي وعائشة) أما حديث علي فأخرجه الترمذي في الباب المتقدم وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم
قول (حديث بن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان مطولا وتقدم في الباب المتقدم
02 -
باب منه آخر [426] قوله (حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله العتكي) بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية صدوق
قوله (كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها) أي بعد الظهر بعد الركعتين ففي رواية بن ماجه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر ورواه رواية بن ماجه كلهم ثقات إلا قيس بن الربيع ففيه مقال وقد وثق قاله الشوكاني
قلت قال الحافظ في التقريب في ترجمته صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به انتهى
والحديث يدل على مشروعية المحافظة على السنن التي قبل الفرائض وعلى امتداد وقتها إلى
آخر وقت الفريضة وذلك لأنها لو كانت أوقاتها تخرج بفعل الفرائض لكان فعلها بعدها قضاء وكانت مقدمة على فعل سنة الظهر وقد ثبت في حديث الباب أنها تفعل بعد ركعتي الظهر ذكر معنى ذلك العراقي قال وهو الصحيح عند الشافعية قال وقد يعكس هذا فيقال لو كان وقت الأداء باقيا لقدمت على ركعتي الظهر وذكر أن الأول أولى كذا في النيل
قوله (هذا حديث حسن غريب) قال الشوكاني في النيل رجال إسناده ثقات إلا عبد الوارث بن عبيد الله العتكي وقد ذكره بن حبان في الثقات انتهى
قلت وقد قال الحافظ إنه صدوق (ورواه قيس بن الربيع عن شعبة عن خالد الحذاء نحو هذا) أخرجه بن ماجه وتقدم لفظه (وقد روى عن الرحمن بن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا) أخرجه بن أبي شيبة عنه مرسلا بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاتته أربع قبل الظهر صلاها بعدها