قوله (وقت لأهل المشرق العقيق) وهو موضع بحذاء ذات العرق مما وراءه وقيل داخل في حد ذات العرق وأصله كل مسيل شقه السيل فوسعه من العق وهو القطع والشق
والمراد بأهل المشرق من منزله خارج الحرم من شرقي مكة إلى أقصى بلاد الشرق وهم العراقيون والمعنى حد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعين لإحرام أهل المشرق العقيق
قوله (هذا حديث حسن) قال المنذري بعد ذكر كلام الترمذي هذا وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف
وذكر البيهقي أنه تفرد به انتهى
فإن قلت روى أبو داود والنسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق
وروى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الأخرى الجحفة ومهل أهل العراق من ذات عرق الحديث
فيثبت من هذين الحديثين أن ميقات أهل العراق ذات عرق
ويثبت من حديث الترمذي أنه العقيق فكيف التوفيق قلت قال الحافظ في الفتح حديث الترمذي قد تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة منها إن ذات عرق ميقات الوجوب والعقيق ميقات الاستحباب لأنه من ذات عرق
ومنها أن العقيق ميقات بعض العراقيين وهم أهل المدائن والآخر ميقات لأهل البصرة وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني وإسناده ضعيف
ومنها أن ذات عرق كانت أولا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة فذات عرق والعقيق شيء واحد ويتعين الإحرام من العقيق ولم يقل به أحد وإنما قالوا يستحب احتياطا انتهى
فإن قلت روى البخاري في صحيحه عن بن عمر رضي الله عنه قال لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقتنا وإنا إن أردنا قرن شق علينا
قال فانظروا حذوها من طريقكم
فحد لهم ذات عرق انتهى
والمراد من هذين المصرين الكوفة والبصرة كما صرح به شراح البخاري وهما سرتا
العراق
فحديث بن عمر يدل على أن عمر رضي الله عنه حد لأهل العراق ذات عرق باجتهاد منه
وحديث جابر وغيره يدل على أنها صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم فكيف التوفيق قلت جمع بينهما بأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يبلغه الخبر فاجتهد فيه فأصاب ووافق السنة
فإن قلت قال بن خزيمة رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث وقال بن المنذر لم نجد في ذات عرق حديثا ثابتا
وأما حديث جابر عند مسلم فهو مشكوك في رفعه
فالظاهر أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد عمر رضي الله عنه
قلت قال الحافظ في الفتح الحديث بمجموع الطرق يقوى
وأما حديث جابر فقد أخرجه أحمد في رواية بن لهيعة وبن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد فلم يشكا في رفعه
8 -
باب ما جاء في ما لا يجوز للمحرم لبسه بضم
اللام [833] قوله (ماذا تأمرنا أن نلبس) من لبس بكسر الباء بفتحها لبسا بضم اللام لا من لبس بفتح الباء يلبس بكسرها لبسا بالفتح فإنه بمعنى الخلط ومنه قوله تعالى لا تلبسوا الحق بالباطل في الحرم بضم الحاء وسكون الراء أي في الإحرام (لا تلبس القميص) قال الطيبي بما يحرم لبسه لأنه منحصر (ولا السراويلات) جمع أو جمع الجمع (ولا البرانس) بفتح الموحدة وكسر النون جمع البرنس بضمهما
قال الجزري في النهاية هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره وقال الجوهري هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام من البرس بكسر الباء القطن والنون زائدة
وقيل إنه غير عربي انتهى كلام الجزري
(ولا العمائم) جمع العمامة بكسر العين (ولا الخفاف) بكسر الخاء جمع الخف (فليلبس الخفين ما أسفل من الكعبين) وفي رواية الشيخين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين
قال الحافظ في الفتح والمراد كشف الكعبين في الإحرام
وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق
والقدم ويؤيده ما روى بن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه
وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك
وقيل إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة وقيل إنه لا يثبت عن محمد وأن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد الله الرازي سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه
فأشار محمد بيده إلى موضع القطع
ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة قال ونقل عن الأصمعي وهو قول الإمامية أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم
وجمهور أهل اللغة أن في كل قدم كعبين قال وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين
وعن الحنفية تجب وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة واستدل به على اشتراط القطع خلافا للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث بن عباس ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد
فينبغي أن يقول بها هنا انتهى
(مسه الزعفران) لما فيه من الطيب (ولا الورس) بفتح الواو وسكون الراء وهو نبت أصفر طيب الريح يصبغ به
(ولا تنتقب المرأة الحرام) أي المحرمة أي لا تستر وجهها بالبرقع والنقاب (ولا تلبس القفازين) القفاز يضم القاف وتشديد الفاء شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد ويكون فيه قطن محشو ذكره الطيبي وقيل يكون له أزرار يزر على الساعد
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
قوله (والعمل عليه عند أهل العلم) قال عياض أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس به مخيطا أو غيره وبالخفاف على كل ما يستر الرجل انتهى
وقال بن المنذر أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس انتهى
$ 19 - (باب ما جاء في لبس السراويل والخفين للمحرم)
إذا لم يجد الإزار والنعلين [834] قوله (وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين) استدل به لأحمد بن حنبل على إجازته لبس الخفين من غير قطع وأجيب بأنه مطلق وحديث بن عمر مقيد فيحمل المطلق على المقيد
قوله (وفي الباب عن بن عمر) أخرجه الشيخان (وجابر رضي الله عنه) أخرجه أحمد ومسلم بلفظ من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
قوله (وهو قول أحمد) قال أحمد يجوز للمحرم لبس الخفين من غير قطع إذا لم يجد النعلين واستدل بإطلاق حديث بن عباس وجابر وقد عرفت أن حديث بن عمر مقيد فيحمل المطلق على المقيد وقد استدل بعض الحنابلة بأن القطع فساد والله لا يحب الفساد ورد بأن الفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه
واستدل بعضهم بالقياس على السراويل وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار
قوله (وهو قول سفيان الثوري والشافعي) وبه قال مالك وأبو حنيفة وجماهير العلماء واستدلوا بحديث بن عمر رضي الله عنه وهو الحق فإن المطلق يحمل على المقيد والزيادة من الثقة مقبولة واختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية أم لا قال الشوكاني وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين وعن الحنفية تجب وتعقب بأنها لو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة وتأخير البيان عنه لا يجوز انتهى
$ 0 - (باب ما جاء في الذي يحرم عليه قميص أو جبة)