Justice CouncilHadith commentaries

Awn al-Ma'bud on Sunan Abi Dawud 1812

عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته — محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، شرف الحق، الصديقي، العظيم آبادي (المتوفى: 1329هـ)

al-Azimabadi (d. 1329 AH) Printed edition: vol. 5, p. 174 The hadith: abudawud:1812

$ 27 - (باب كيف التلبية)

هي مصدر لبى كزكى تزكية أي كيف قال لبيك وهو عند بن سيبويه والأكثرين مثنى لقلب ألفه ياء مع المظهر وليست ثنيته حقيقة بل من المثناة لفظا ومعناها التكثير والمبالغة وهو منصوب على المصدر بعامل مضمر أي أجبت إجابة بعد إجابة إلى مالا نهاية له

قال بن عبد البر قال جماعة من أهل العلم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج

(اللهم لبيك) أي ياالله أجبناك فيما دعوتنا

وأخرج أحمد بن منيع في مسنده وبن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن بن عباس قال لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ قال فنادى إبراهيم ياأيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون

ومن طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس وفيه فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ (إن الحمد) روي بكسر الهمزة على الاستئناف كأنه لما قال لبيك استأنف كلاما آخر فقال إن الحمد وبالفتح على التعليل كأنه قال أجبتك لأن الحمد والنعمة لك والكسر أجود عند الجمهور وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة وبن قدامة عن أحمد بن حنبل وبن عبد البر عن اختيار أهل العربية لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة فإن الحمد والنعمة لله على كل حال والفتح بدل على التعليل لكن قال في اللامع والعدة إنه إذا كسر صار للتعليل أيضا من حيث إنه استئناف جوابا عن سؤال عن العلة (والنعمة لك) بكسر النون الإحسان والمنة مطلقا وهي بالنصب على الأشهر عطفا على الحمد ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة خبر إن تقديره إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك

وجوز بن الأنباري أن يكون الموجود خبر المبتدأ وخبر إن هو<span class ="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله في معنى التلبية ثمانيه أقوال أحدهما إجابة لك بعد إجابة ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانا بتكرير الإجابة

المحذوف (والملك) بضم الميم والنصب عطفا على اسم إن وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره والملك كذلك (وسعديك) هو من باب لبيك فيأتي فيه ما سبق ومعناه أسعدني إسعادا بعد إسعاد فالمصدر فيه مضاف للفاعل وإن كان الأصل في معناه أسعدك بالإجابة إسعادا بعد إسعاد على أن المصدر فيه مضاف للمفعول

وقيل المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة فيكون من المضاف المنصوب (والرغباء إليك) بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر كالعلاء والعلا وبالفتح مع القصر ومعناه الطلب والمسألة يعني أنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه فبيده جميع الأمور (والعمل) له سبحانه لأنه المستحق للعبادة وحده

وفي حذف يحتمل أن تقديره والعمل إليك أي إليك القصد به والانتهاء به إليك لتجازي عليه ووقع عند مسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع وغيره عن بن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوت به راحلته عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال لبيك الحديث

وللبخاري في اللباس من طريق<span class="matn-hr"> </span>Qالثاني أنه انقياد من قولهم لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه ومنه لببته بردائه والمعنى انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لبب بردائه وقبض على تلابيبه الثالث أنه من لب بالمكان إذا قام به ولزمه

والمعنى أنا مقيم على طاعتك ملازم لها

اختاره صاحب الصحاح

الرابع أنه من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك

حكاه في الصحاح عن الخليل

الخامس معناه حبا لك بعد حب من قولهم

امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها

السادس أنه مأخوذ من لب الشيء وهو خالصه ومنه لب الطعام ولب الرجل عقله وقلبه

ومعناه أخلصت لبي وقلبي لك وجعلت لك لبي وخالصتي

السابع أنه من قولهم فلان رخي اللبب وفي لب رخي أي في حال واسعة منشرح الصدر

ومعناه إني منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف

الثامن أنه من الإلباب وهو الاقتراب أي اقترابا إليك بعد اقتراب كما يتقرب المحب من محبوبه

الزهري عن سالم عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول لبيك اللهم لبيك الحديث

وقال في آخره لا يزيد على هذه الكلمات

زاد مسلم من هذا الوجه قال بن عمر كان عمر يهل بهذا ويزيد لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إليك والعمل وهذا القدر في رواية مالك أيضا عنده عن نافع عن بن عمر أنه كان يزيد فيها فذكر نحوه فعرف أن بن عمر اقتدى في ذلك بأبيه واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك

قال الطحاوي بعد أن أخرجه من حديث بن عمر وبن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب أجمع المسلمون جميعا على هذه التلبية غير أن قوما قالوا لا بأس أن يزيد من الذكر لله ما أحب وهو قول محمد والثوري والأوزاعي واحتجوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه النسائي وبن<span class="matn-hr"> </span>Qوسعديك من المساعدة وهي المطاوعة

ومعناه مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة

قال الحربي ولم يسمع سعديك مفردا

والرغباء إليك يقال بفتح الراء مع المد وبضمها مع القصر

ومعناها الطلب والمسألة والرغبة

واختلف النحاة في الياء في لبيك

فقال سيبويه هي ياء التثنية

وهو من الملتزم نصبه على المصدر كقولهم حمدا وشكرا وكرامة ومسرة

والتزموا تثنيته إيذانا بتكرير معناه واستدامته

والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي

وقد جاء إضافته إلى ضمير للغائب نادرا كقول الشاعر دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى {ثم ارجع البصر كرتين} وليس المراد مما يشفع الواحد فقط

وكذلك سعديك ودواليك

وقال يونس هو مفرد والباء فيه مثل عليك وإليك ولديك

ومن حجة سيبويه على يونس أن على وإلى يختلفان بحسب الإضافة فإن جرا مضمرا كانا بالياء وإن جرا ظاهرا كانا بالألف

فلو كان لبيك كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر كما قال فلبي يدي مسور

وقالت طائفة من النحاة أصل الكلمة لبا لبا أي إجابة بعد إجابة فثقل عليهم تكرار الكلمة فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة

وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة

ماجه وصححه بن حبان والحاكم قال من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك إله الحق لبيك وبزيادة بن عمر المذكورة

وخالفهم آخرون فقالوا لا ينبغي أن يزاد على ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث عمرو بن معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل لبوا بما شئتم مما من جنس هذا بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئا مما علمه ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمع رجلا يقول لبيك ذا المعارج<span class="matn-hr"> </span>Qإحداها أن قولك لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه

الثانية أنها تتضمن المحبة كما تقدم ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه ولهذا قيل في معناها أنا مواجه لك بما تحب وأنها من قولهم امرأة لبة أي محبة لولدها

الثالثة أنها تتضمن التزام دوام العبودية ولهذا قيل هي من الإقامة أي أنا مقيم على طاعتك

الرابعة أنها تتضمن الخضوع والذل أي خضوعا بعد خضوع من قولهم

أنا ملب بين يديك أي خاضع ذليل

الخامسة أنها تتضمن الإخلاص ولهذا قيل

إنها من اللب وهو الخالص

السادسة أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه

السابعة أنها تتضمن التقرب من الله ولهذا قيل

إنها من الإلباب وهو التقرب

الثامنة أنها جعلت في الإحرام شعارا لانتقال من حال إلى حال ومن منسك إلى منسك كما جعل التكبير في الصلاة سبعا للانتقال من ركن إلى ركن ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف فيقطع التلبية ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة

فيقطعها فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال لبيك اللهم لبيك كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن الله أكبر فإذا حل من نسكه قطعها كما يكون سلام المصلي قاطعا لتكبيره

التاسعة أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده بل روح العبادات كلها والمقصود منها

ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها

العاشرة أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له

فقال إنه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

وسيأتي بعض الكلام فيه

ثم اعلم أن في حكم التلبية أربعة مذاهب الأول أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء

وهو قول الشافعي وأحمد

والثاني واجبة ويجب بتركها دم

حكاه الماوردي عن بعض الشافعية وحكاه بن قدامة عن بعض المالكية والخطابي عن مالك وأبي حنيفة

والثالث واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج

قال بن المنذر قال أصحاب الرأي إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام فهو محرم

الرابع أنها ركن في الإحرام لا ينعقد<span class="matn-hr"> </span>Qالحادية عشرة أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله وأول من يدعى إلى الجنة أهله وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها

الثانية عشرة أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق أي النعم كلها لك وأنت موليها والمنعم بها

الثالثة عشرة أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده فلا ملك على الحقيقة لغيره

الرابعة عشرة أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك

الخامسة عشرة في إن وجهان فتحها وكسرها فمن فتحها تضمنت معنى التعليل أي لبيك الحمد والنعمة لك ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة تتضمن ابتداء الثناء على الله والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها وأما إذا فتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياسا والمعنى لبيك لأن الحمد لك والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها ولهذا قال ثعلب من قال إن بالكسر فقد عم ومن قال أن بالفتح فقد خص

ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} كسر إن وفتحها

فمن فتح كان المعنى ندعوه لأنه هو البر الرحيم ومن كسر كان الكلام جملتين إحدهما قوله ندعوه ثم استأنف فقال إنه هو البر الرحيم قال أبو عبيد والكسر أحسن ورجحه بما ذكرناه

السادسة عشرة أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عزوجل وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية فله سبحانه من أوصافه العلى نوعا ثناء نوع متعلق بكل صفة على انفرادها ونوع متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال والله سبحانه

بدونها حكاه بن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وبن حبيب من المالكية وأهل الظاهر قالوا هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة

وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه<span class="matn-hr"> </span>Qيفرق في صفاته بين الملك والحمد وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال والحمد كمال واقتران أحدهما بالآخر كمال فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم كقوله {فإن ربي غني كريم} فله كمال من غناه وكرمه ومن اقتران أحدهما بالآخر

ونظيره اقتران العزة بالرحمة {وإن ربك لهو العزيز الرحيم}

ونظيره اقتران العفو بالقدرة {وكان الله عفوا غفورا}

ونظيره اقتران العلم بالحلم {والله عليم حليم}

ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة {والله قدير والله غفور رحيم}

وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات ويفتح له باب محبة الله ومعرفته والله المستعان وعليه التكلان

السابعة عشرة أن النبي قال أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها وتضمنت معانيها وقوله وهو على كل شيء قدير لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية لا شريك لك

ولك أن تدخلها تحت قولك إن الحمد والنعمة لك ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى إذ لو كان بعض الموجودات خارجا عن قدرته وملكه واقعا بخلق غيره لم يكن نفي الشريك عاما ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما وهذا من أعظم المحال والملك كله له والحمد كله له وليس له شريك بوجه من الوجوه

الثامنة عشر أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم

ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله فمن

قال التلبية فرض الحج

وحكاه بن المنذر عن بن عمر وطاووس وعكرمة وحكى النووي عن داود أنه لابد من رفع الصوت بها وهذا زائد على أصل كونها ركنا

قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وبن ماجه