(وتولى) مبنيا للفاعل أي أدبر وذهب (قرع نعالهم) أي صوتها عند المشي قال<span class="matn-hr"> </span>Qوقال أحمد بن حنبل رحمه الله حديث بشير إسناده جيد أذهب إليه إلا من علة
قال المجوزون
يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى بنعليه قذرا فأمره أن يخلعهما ويحتمل أن يكون كره له المشي فيهما لما فيه من الخيلاء فإن النعال السبتية من زي أهل التنعم والرفاهية كما قال عنترة يظل كأن ثيابه في سرجه يحذي نعال السبت ليس بتوأم وهذا ليس بشيء ولا ذكر في الحديث شيء من ذلك
ومن تدبر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه علم أن النهي إنما كان احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رؤوسهم ولهذا ينهى عن التغوط بين القبور وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجلوس على الجمر حتى تحرق الثياب خير من الجلوس على القبر ومعلوم أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال
الخطابي خبر أنس (هذا) يدل على جواز لبس النعل لزائر القبور وللماشي بحضرتها وبين ظهرانيها فأما خبر السبتيتين (الذي مضى) فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيهما من الخيلاء وذلك أن نعال السبت من لباس أهل التنعم والترفه وأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون دخوله المقابر على زي أهل التواضع ولباس أهل الخشوع انتهى
قال الحافظ في الفتح وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء فإنه متعقب بأن بن عمر كان يلبس النعال السبتية ويقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها وهو حديث صحيح وأغرب بن حزم فقال يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرهما وهو جمود شديد انتهى قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي<span class="matn-hr"> </span>Qوبالجملة فاحترام الميت في قبره بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيافإن القبر قد صار داره
وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم كسر عظم الميت ككسره حيا فدل على أن احترامه في قبره كاحترامه في داره والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاورهم وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم فهي منازل المرحومين ومهبط الرحمة ويلقى بعضهم بعضا على أفنية قبورهم يتجالسون ويتزاورون كما تضافرت به الآثار
ومن تأمل كتاب القبور لابن أبي الدنيا رأى فيه آثارا كثيرة في ذلك
فكيف يستبعد أن يكون من محاسن الشريعة إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها بل هذا من تمام محاسنها وشاهده ما ذكرناه من وطئها والجلوس عليها والاتكاء عليها
وأما تضعيف حديث بشير فمما لم نعلم أحدا طعن فيه بل قد قال الإمام أحمد إسناده جيد
وقال عبد الرحمن بن مهدي كان عبد الله بن عثمان يقول فيه حديث جيد ورجل ثقة
وأما معارضته بقوله صلى الله عليه وسلم إنه ليسمع قرع نعالهم فمعارضة فاسدة فإن هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بالواقع وهو سماع الميت قرع نعال الحي وهذا لا يدل على الإذن في قرع القبور والمشي بينها بالنعال إذ الإخبار عن وقوع الشيء لا يدل على جوازه ولا تحريمه ولا حكمه
فكيف يعارض النهي الصريح به قال الخطابي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ القبور وقد روى بن ماجه في سننه عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبر كذا قال فضلت حاجتي
$ 78 - (باب في تحويل الميت من موضعه)