قوله (عليه جبة وعليها خلوق) هو بفتح الخاء وهو نوع من الطيب يعمل
فيه زعفران قوله (له غطيط) هو كصوت النائم الذي يردده مع نفسه قوله (كغطيط البكر) هو بفتح الباء وهو الفتي من الإبل قوله (فلما سري عنه) هو بضم السين وكسر الراء المشددة أي أزيل ما به وكشف عنه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم للسائل عن العمرة (اغسل عنك أثر الصفرة) فيه تحريم الطيب على المحرم ابتداء ودواما لأنه إذا حرم دواما فالابتداء أولى بالتحريم وفيه إن العمرة يحرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج وفيه أن من أصابه طيب ناسيا أو جاهلا ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى إزالته وفيه أن من أصابه في إحرامه طيب ناسيا أو جاهلا لا كفارة عليه وهذا مذهب الشافعي وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه عليه الفدية لكن الصحيح من مذهب مالك أنه إنما تجب الفدية على المتطيب ناسيا أو جاهلا إذا طال لبثه عليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (واخلع عنك جبتك) دليل لمالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه وقال الشعبي والنخعي لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطيا رأسه بل يلزمه شقه وهذا مذهب ضعيف قوله صلى الله عليه وسلم (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) معناه من اجتناب المحرمات ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم
أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيئاتها وإظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج كالوقوف والرمي والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك وهذا الحديث ظاهر في أن هذا السائل كان عالما بصفة الحج دون العمرة فلهذا قال له صلى الله عليه وسلم واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك وفي هذا الحديث دليل للقاعدة المشهورة أن القاضي والمفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه أو يظنه بشرطه وفيه أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى وقد يستدل به من يقول من أهل الأصول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له الاجتهاد وإنما كان يحكم بوحي ولا دلالة فيه لأنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد والله أعلم قوله (وكان يعلى يقول وددت أني أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه الوحي فقال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم) هكذا هو في جميع النسخ فقال أيسرك ولم يبين القائل من هو ولا سبق له ذكر وهذا القائل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما بينه في الرواية التي بعد هذه قوله (وعليه مقطعات) هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وأوضحه بقوله يعنى جبة قوله (متضمخ) هو بالضاد والخاء المعجمتين أي متلوث به مكثر منه
قوله (محمر الوجه يغط) هو بكسر الغين وسبب ذلك شدة الوحى وهو له قال الله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا قوله صلى الله عليه وسلم (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات) إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه والواجب الإزالة فإن حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير ويؤيده قوله متضمخ قال القاضي ويحتمل أنه قال له ثلاث مرات اغسله فكرر القول ثلاثا والصواب ما سبق والله أعلم قوله (عقبة بن مكرم) هو بفتح الراء قوله في بعض هذه الرواية (صفوان
بن يعلى بن أمية) وفي بعضها بن منية وهما صحيحان فأمية أبو يعلى ومنية أم يعلى وقيل جدته والمشهور الأول فنسب تارة إلى أبيه وتارة إلى أمه وهي منية بضم الميم بعدها نون ساكنة قوله (حدثنا رباح) هو بالباء الموحدة قوله (فسكت عنه فلم يرجع إليه) أي لم يرد جوابه قوله (خمره عمر بالثوب) أي غطاه وأما إدخال يعلى رأسه ورؤيته النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال وإذن عمر له في ذلك فكله محمول على أنهم علموا من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت وتلك الحال لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم والله أعلم
(باب مواقيت الحج)
ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث حديث بن عباس أكملها لأنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا ذكره مسلم في أول الباب ثم حديث بن عمر لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن بل بلغه بلاغا ثم حديث جابر لأن أبا الزبير قال أحسب جابرا رفعه وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعا فوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة بضم الحاء المهملة وبالفاء وهي أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو عشر مراحل أو تسع وهي قريبة من المدينة على نحو ستة أميال منها ولأهل الشام الجحفة وهي ميقات لهم ولأهل مصر وهي بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة قيل سميت بذلك لأن السيل أجحفها في وقت ويقال لها مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكره في بعض روايات مسلم وحكى القاضي عياض عن بعضهم كسر الهاء والصحيح المشهور إسكانها وهي على نحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة ولأهل اليمن يلملم بفتح المثناة تحت واللامين ويقال أيضا ألملم بهمزة بدل الياء لغتان مشهورتان وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة ولأهل نجد قرن المنازل بفتح القاف وإسكان الراء بلا خلاف بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم وغلط الجوهري في صحاحه فيه غلطين فاحشين فقال بفتح الراء وزعم أن أويسا القرني رضي الله عنه منسوب إليه والصواب إسكان الراء وأن أويسا منسوب إلى قبيلة معروفة يقال لهم بنو قرن وهي بطن من مراد القبيلة المعروفة ينسب إليها المرادي وقرن المنازل على نحو مرحلتين من مكة قالوا وهو أقرب المواقيت إلى مكة وأما ذات عرق بكسر العين فهي ميقات أهل العراق واختلف العلماء هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم أم باجتهاد عمر بن الخطاب وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما وهو نص الشافعي رضي الله عنه في الأم بتوقيت عمر رضي الله عنه وذلك صريح في صحيح البخاري ودليل من قال بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم حديث جابر لكنه غير ثابت لعدم جزمه برفعه وأما قول الدارقطني إنه حديث ضعيف لأن العراق لم تكن
فتحت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فكلامه في تضعيفه صحيح ودليله ما ذكرته وأما استدلاله لضعفه بعدم فتح العراق ففاسد لأنه لا يمتنع أن يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم به لعلمه بأنه سيفتح ويكون ذلك من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم والإخبار بالمغيبات المستقبلات كما أنه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة ومعلوم أن الشام لم يكن فتح حينئذ وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بفتح الشام واليمن والعراق وأنهم يأتون إليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه زويت له مشارق الارض ومغاربها وقال سيبلغ ملك أمتي مازوى لي منها وأنهم سيفتحون مصر وهي أرض يذكر فيها القيراط وأن عيسى عليه السلام ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق وكل هذه الأحاديث في الصحيح وفي الصحيح من هذا القبيل ما يطول ذكره والله أعلم وأجمع العلماء على أن هذه المواقيت مشروعة ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور هي واجبة لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم وصح حجه وقال عطاء والنخعي لا شيء عليه وقال سعيد بن جبير لا يصح حجه وفائدة المواقيت أن من أراد حجا أو عمرة حرم عليه مجاوزتها بغير إحرام ولزمه الدم كما ذكرنا قال أصحابنا فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بنسك سقط عنه الدم وفي المراد بهذا النسك خلاف منتشر وأما من لا يريد حجا ولاعمرة فلا يلزمه الإحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهبنا سواء دخل لحاجة تتكرر كحطاب وحشاش وصياد ونحوهم أولا تتكرر كتجارة وزيارة ونحوهما وللشافعي قول ضعيف أنه يجب الإحرام بحج أو عمرة إن دخل مكة أو غيرها من الحرم لما يتكرر بشرط سبق بيانه في أول كتاب الحج وأما من مر بالميقات غير مريد دخول الحرم بل لحاجة دونه ثم بدا له أن يحرم فيحرم من موضعه الذي بدا له فيه فإن جاوزه بلا إحرام ثم أحرم أثم ولزمه الدم وإن أحرم من الموضع الذي بدا له أجزأه ولا دم عليه ولا يكلف الرجوع إلى الميقات هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أحمد وإسحاق يلزمه الرجوع إلى الميقات