قوله (أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل فقال سمعته ثم انتهى فقال أراه يعني النبي صلى الله عليه وسلم) معنى هذا الكلام أن أبا الزبير قال سمعت جابرا ثم انتهى أي وقف عن رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أراه بضم الهمزة أي أظنه رفع الحديث فقال أراه يعني النبي صلى الله عليه وسلم كما قال في الرواية الأخرى أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوله أحسبه رفع لا يحتج بهذا الحديث مرفوعا لكونه لم يجزم برفعه قوله في حديث جابر (ومهل أهل العراق من ذات عرف) هذا صريح في كونه ميقات أهل العراق لكن ليس رفع الحديث ثابتا كما سبق وقد سبق الإجماع على أن ذات عرق ميقات أهل العراق ومن في معناهم قال الشافعي ولو أهلوا من العقيق كان أفضل والعقيق أبعد من ذات عرق بقليل فاستحبه الشافعي لأثر فيه ولأنه قيل إن ذات عرق كانت أولا في موضعه ثم حولت وقربت إلى مكة والله أعلم واعلم أن للحج ميقات مكان وهو ما سبق في هذه الأحاديث وميقات زمان وهو شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ولا يجوز الا حرام بالحج في غير هذا الزمان هذا مذهب الشافعي ولو أحرم بالحج في غير هذا الزمان لم ينعقد حجا وانعقد عمرة وأما العمرة فيجوز الإحرام بها وفعلها في جميع السنة ولا يكره في شيء منها لكن شرطها أن لا يكون
في الحج ولا مقيما على شيء من أفعاله ولا يكره تكرار العمرة في السنة بل يستحب عندنا وعند الجمهور وكره تكرارها في السنة بن سيرين ومالك ويجوز الإحرام بالحج مما فوق الميقات أبعد من مكة سواء دويرة أهله وغيرها وأيهما أفضل فيه قولان للشافعي أصحهما من الميقات أفضل للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم
(باب التلبية وصفتها ووقتها)
قال القاضي قال المازري التلبية مثناة للتكثير والمبالغة ومعناه إجابة بعد إجابة ولزوما لطاعتك فتثنى للتوكيد لا تثنية حقيقية بمنزلة قوله تعالى بل يداه مبسوطتان أي نعمتاه على تأويل اليد بالنعمة هنا ونعم الله تعالى لا تحصى وقال يونس بن حبيب البصري لبيك اسم مفرد لا مثنى قال وألفه انما انقلبت ياء لا تصالها بالضمير كلدي وعلى مذهب سيبويه أنه مثنى بدليل قلبها ياء مع المظهر وأكثر الناس على ما قاله سيبويه قال بن الأنباري ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك أي تحننا بعد تحنن وأصل لبيك لببتك فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات فأبدلوا من الثالثة ياء كما قالوا من الظن تظنيت والأصل تظننت واختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها فقيل معناها اتجاهي وقصدي إليك مأخوذ من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وقيل معناها محبتي قولهم لك مأخوذ من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه وقيل معناها إخلاص لك مأخوذ من قولهم حب لباب إذا كان خالصا محضا ومن ذلك لب الطعام ولبابه وقيل معناها أنا مقيم على طاعتك وإجابتك مأخوذ من قولهم لب الرجل بالمكان وألب إذا أقام فيه قال بن الأنباري وبهذا قال الخليل قال القاضي قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وأذن في الناس بالحج وقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك أي قربا منك وطاعة والإلباب القرب وقال أبو نصر معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع هذا آخر كلام القاضي